المقالات الأخيرة

إلى هناك لا تطير الطائرات ولا تبحر السفن

إلى هناك لا تطير الطائرات ولا تبحر السفن

يا صَبيّة، هل تعلمين ما يحدث على الجانب الآخر من الأرض؟ هناك تضيع السفنُ في زغَبِ أشجار الحور ولا تعود، تذوب في عاصفة الحور الثلجية. وتصبح بصماتُ أصابع الزوجين متطابقة. يا صَبيّة، ما أكثر الأشياء المثيرة للاهتمام هناك! لدى سكان ذلك الجانب خريطة للعروق، مثل الأنهار...

شُرفة للعالم

شُرفة للعالم

تُطل من شرفة الطابق الخامس، أحيانًا تُفكر بالقفز، لكن أملها يُخبرها أن هناك مكانًا أفضل بانتظارها، فتعود إلى الداخل. تتوقف أمام رف المكتبة الصغير، كتاب تعليم اللغة الصينية يتوسط أربعة كتب باللغة الإنجليزية والفرنسية. من أعطاها الكتاب قال لها: إنها فتاة (فنزويلية)...

خطوة في ركاب «الغوث»: ابن شاباك السندي، نزيل الروم

خطوة في ركاب «الغوث»:

ابن شاباك السندي، نزيل الروم

لم يكن سفره إلى باريس رغبةً في مدينة، بل محاولةً لنجاةٍ مؤقتة من نفسه. كان يشعر أن المعنى يتآكل في داخله ببطء، كما يتآكل جدارٌ رطب لا ينهار دفعةً واحدة، بل يفقد تماسكه حجرًا بعد حجر. لم يكن الخوف من الفشل، بل من الذوبان؛ من أن يصبح حضوره باهتًا في عالمٍ يمضي مسرعًا...

العبقري غودار كما فهمته

العبقري غودار كما فهمته

«يحبُّ جان لوك غودار إثارة الجدل». بهذه العبارة الصادمة، افتتح بيتر برونت كتابه «جان لوك غودار»، الذي ترجمه إلى العربية الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور كميل الحرز، ضمن مشروع الموسوعة السعودية للسينما. إثارة الجدل -سواء تمظهر في شكل لغة سينمائية مكتوبة، كما مارسه...

الحضور والغياب، والأثر والمحو في «إيقاع المتغيّر» لعبدالله العثمان

الحضور والغياب، والأثر والمحو

في «إيقاع المتغيّر» لعبدالله العثمان

«كانت المدينة صامتة، لكن لم تكن خاليةً، فالأشياء أشكال خفيّة من الوحدة». تذكرت هذا المقطع من قصيدة الشاعر تشارلز سيميك، وأنا أشاهد الأعمال في معرض «إيقاع المتغير» للفنان عبدالله العثمان الذي يتعامل مع المكان كجغرافيا غير ثابتة، وكحالة عبور دائمة من دون استقرار....

في عينيها حور

بواسطة | يوليو 1, 2026 | نصوص

أصبت بالدهشة وأنا أكتشف أنها لم تعد تسير بجانبي. أمرّ على باب القيسارية، متفحصًا الوجوه. متطلعًا إلى الثياب التي تعبر بمحاذاتي. وقد عبرت الممر الطويل حتى الباب ذهابًا وإيابًا أربع أو خمس مرات. ولم يكن مستبعدًا أن يظهر معطفها الأحمر في أيّة لحظة. لا، لم أعثر عليها. هل أضعتها في زحام المدخل؟ ليست المرة الأولى التي ترافقني فيها زوجتي إلى القيسارية. ثم بحثت عنها داخل الحوانيت المجاورة والحديقة المحاذية لها. دون أن أستوعب في الحين فداحة ما يقع. خُيّل إليَّ أنها تستريح في الحديقة. انتقلت من مقعد إلى آخر بلا جدوى. أو لعلّها توقفت تتفرج على المغني الأعمى الذي تركناه عند موقف التّرام… لم تتحول دهشتي إلى هلع إلا بعد أن أنفقت الصباح في البحث. ثم قلت لا بدّ أنها تنتظرني في البيت. إنها ليست المرة الأولى التي تختفي فيها. بعد ساعة من الغدو والرواح بين المطبخ وغرفة النوم، خرجت أتقصّى أثرها من جديد. نفس الطريق الذي سلكناه صباحًا ونحن نقصد القيسارية. متوقفًا عند كل زقاق. مُمدًّا عنقي وملتفتًا إلى كل جهة. ثم انتبهت إلى أنني أنظر إليهم بطرف عيني، كما لو أنني أخفي جرمًا ارتكبته. تهت في الأحياء المحيطة. وسألتُ أصحاب الحوانيت الذين تربطني بهم علاقة بيع وشراء. وكان المارة يراقبونني بارتياب. ثم أدركت أنني كنت أخاطب المرأة الغائبة، زوجتي. أسألها أين اختفت. هل عادت إلى المشفى؟ ظللت على هذه الحال حتى وقت متأخر من الليل. ليس لها أقارب. ولا عائلة يمكن أن أسأل عنها أحد أفرادها. ليس لها أهل أو أصدقاء. تشبهني من هذه الناحية. فنحن مقطوعان من شجرة كما يقولون. أسير وسط السكة، عائدًا إلى البيت، محطمًا. لا أبالي أن يطحنني الترام القادم من خلفي. حدث ذلك قبل أربعة أيام. وخلال هذه الأيام الأربعة، ترددت على المشفى مرات عدّة. كانت قد غادرته قبل خمس سنوات، وشفيت تمامًا. ظللت أتوقع أن تطرق الباب في أية لحظة. وإلى الآن لا أزال عاجزًا عن استيعاب ما حصل.

* * *

عادة أتبع سكة الترام حتى قيسارية الحي المحمدي حيث أقتني الثياب المستعملة التي أبيع، ثم أتبع نفس السكة في الاتجاه المعاكس عابرًا شارع محمد الخامس حتى السوق المركزي. أنشر مقتنياتي على الرصيف، في نفس المكان دائمًا، ما بين كشك بائع الجرائد والبار الذي يسمى عدن. النخلة السامقة التي كانت منتصبة أمام السوق المركزي اختفت حتى يمر الترام. لا أتذكر النخلة دون أن أتذكر الكلب الذي كان مربوطًا إليها. ظللت لسنوات، بعد أن أنشر الملابس على الرصيف، أزجي الوقت في مراقبته. أتأمل بالأساس الحبل الذي يعصر عنقه. الزغب منتوف على طول استدارة الحبل، بحيث تظهر تحت الحبل بقع الجلد المهترئ. وهو ينظر إلي ويبصبص بذيله. كأنما ينتظر مني أن أقوم بعمل ما. إنه هنا بالليل والنهار. في الصيف كما في الشتاء. لا يبدو عليه أنه يتألم. لا تصدر عنه أية إشارة تدلّ على انزعاجه. مرة فكرت في كسر الحبل ثم عدلت عن الفكرة. ربما تعلق الأمر بمصير الكلاب قاطبة. وأن هذا الكلب لن يكون استثناءً في قائمة الكلاب المندورة لهذا المصير غير المفهوم، الذي يبدو أسود من وجهة نظري. هل هو مدرك أصلًا لما يقع له؟ هل من أهمية لما أفكر فيه الآن بعد الفاجعة التي أصابتني؟ قد يكون إنشاء خط الترام هو الذي أنقذ الكلب. الترام نفسه الذي قادنا إلى باب القيسارية حيث ضيعت زوجتي.

* * *

محلَّ الهلع حلّ التعب، في الغد، وهو اليوم الخامس على اختفائها. حالة استرخاء تشبه اليأس أو الاستسلام. قصدت القيسارية منقبضَ النفس. تقريبًا بلا أمل. لم أكفّ طوال الطريق عن السخرية من نفسي. متذكرًا الأيام الماضية وأنا أتنقل بين التجّار والعطارين وبائعي الخردة، أسأل عنها. مرددًا أن بعينيها حورًا. وهم يتطلعون إليَّ باندهاش. كانت مرتدية معطفًا أحمر. مضيفًا لا يخطئها نظر؛ لأنّ بعينيها حورًا. كم كنت مضحكًا! جذبني عند مدخل القيسارية معطف أحمر كان معلّقًا في قاع حانوت أحد بائعي الثياب المستعملة. استغربت وجود معطف يشبه ذاك الذي كانت ترتديه مريم قبل أن تختفي. اقتربت منه. قد يتعلق الأمر بمعطف يشبهه. لا، كلما دنوت بدا أنه هو. ارتميت على المعطف ونزعته من علّاقته. ماذا يفعل معطف زوجتي في هذا المكان؟ لم أستطع السيطرة على أعصابي المشدودة. غليان يشبه الحمّى. طويته ودفنت أنفي بين ثناياه. الرائحة رائحتها. ممزوجة بشذى عطرها الذي ظل يدغدغ أنفي طيلة أربع وثلاثين سنة. الرجل يراقب حركاتي. واجمًا. غافلًا عن النساء اللائي يقلبن الثياب حوله في فوضى. أصرخ في وجهه متى جاءت؟ هل هي التي أحضرته؟ متشبثًا بكمّ قميصه. متوسلًا إليه أن يتذكر. وأنا أردد: إنّ بعينيها حورًا لا تخطئه العين. والرجل لا يدري بِمَ يَرُدّ. كان يبتسم. كأنما يقول لي ليست هذه المرة الأولى التي تختفي فيها امرأتك. يزداد حنقي عليه وعلى برودة دمه. يقول أخيرًا: إنه لا يذكر كيف انتهى المعطف عنده. لا يتذكر أن امرأة باعته معطفًا أو قميصًا. إنه يشتري ثيابه بالجملة. وقد يكون حصل عليه ضمن خردة الثياب المعلقة على الجدران. أو المكدّسة فوق المصاطب الأربع الموزعة في أرجاء الحانوت. مع ذلك، ولأول مرة، أحس أنها قريبة بشكل مثير. لم تكن أقرب إليَّ خلال الأيام الخمسة مثلما هي الآن. ربما مختفية وراء ستارة أو تطل عليَّ من نافذة معلَّقة. كأن حياة جديدة تراقبني من مكان ما. أشعر بامتنان للمعطف. أكاد أرتمي على صاحب المحل وأعانقه وأقبله على وجنتيه بحرارة. عدت إلى البيت ومعي المعطف. كأنما غنمت بعضًا منها. متيقنًا أن ما تبقى سيظهر من تلقاء ذاته. ما دام جزء منها قد حضر. علقته قبالة السرير حتى لا أنساها. وحتى تتذكره، في أي مكان تكون. وتعود. حتمًا ستعود. كما فعلت في كل المرات التي اختفت فيها. ونضحك معًا؛ لأنها ستكون مرتدية معطفًا غير معطفها.

* * *

لم نلتقِ في حافلة أو متجر. أو عند مدخل محطة قطار؛ حدث أن فتحتُ النافذة قبل أربع وثلاثين عامًا، فتحتُ النافذة وكانت هناك، في الجهة الأخرى من الشارع؛ لأنها كانت قد فتحت نافذتها في اللحظة نفسها، كأنما عن قصد. ظللنا خلال شهورنا الأولى أنا ومريم نُمازح بعضنا: مَن فتح النافذة قبل الآخر؟ وكان ذلك يضحكنا ويؤلّف بيننا. لقاءاتنا الأولى كانت مربكةً أيضًا، بالنسبة إليَّ على الأقل. لم أحتمل نظرتها في البداية. كان عليَّ أن أعتاد عليها. يومًا بعد يوم. أسبوعًا بعد أسبوع؛ بسبب حدقتَي عينيها الشديدتي السوادِ، سوادٍ غريبٍ ذي بريقٍ مثيرٍ. أمرٌ مربكٌ حقًّا. بريق لا تُحتمَل رؤيتُه من أول وهلة. تقترب منه قليلًا قليلًا. تحول الاعتياد بعد ذلك إلى انجذاب. تلبّسني بريق عينيها واستقر بداخلي كمرض مزمن. هذا البريق الذي يشع وسط البياض الحاد، لا يستقر في عين بعينها. ينتقل من عين إلى أخرى. يجتاح العينين معًا عندما تكون في أوج سعادةٍ لا شيءَ يستدعيها. أُصابُ بِعَدْوَاها دون أن أدرك سببها. سعادةٌ جارفةٌ تفيض عنها، وأصطلي بنارها. نقوم بأشياء لا تخطر على بالٍ. نستحمّ في البحر الهادر في منتصف الليل. وأنا كشخص يسكنه خوف متجذّر، أبحث عن يدها؛ كي لا تبتلعني الأمواج العاتية. ويحدث أن نضيع ملابسنا ونبقى عاريين حتى يطلع ضوء الفجر، فنجدها مدفونة في الرمل. هناك أيامٌ تخبو فيها تلك الشعلة. تغلف رُوحَها كآبةٌ أُصابُ بِعَدْوَاها لأسابيعَ كاملةٍ. وتكون نظراتها زائغة أيضًا، في تلك اللحظات. تبدو مريم موجودة وغير موجودة. كأنما سكنتها رُوحٌ أخرى. شعرت براحة بالٍ عندما قال الطبيب: إنّ من الأفضل لأعصابها أن تقضي فترة في المصحة. وما إن استقرت في غرفتها الجديدة بضعة أيامٍ حتى هجمتُ على المصحة وأعدتها إلى البيت. تتعاقب عليها هذه الحالات كتعاقب الفصول. لا أعرف أيَّها أفضل؛ أيام سعادتها أم أيام شقائها. وأنا أدمنتُ سعادتَها وشقاءَها معًا. أدمنتُ
هذه اللعنةَ.

* * *

جلستْ على عتبة المتجر المغلق. ما بين الملابس المعروضة على الرصيف ومربع خشبي عريض تتقافز في فضائه فراخ دجاج تصدر صفيرًا واهنًا. في جلبابها الأسود. على وجهها نقاب أزرق. رأسها بين يديها، مشدودة النظر إلى ألوان الفراخ. الوردي والأخضر والأصفر الفاقع. لا أبيع ملابس النساء حتى تلتفت إلى سلعتي. ربما ترغب في اقتناء فرخ لطفلتها. ولهذا جلست تنتظر بائع الفراخ. لا، لم تسأله حين وقف أمام كائناته الغريبة. وهو شاب يرتدي تي شيرت وسروالًا قصيرًا بألوان فراخه. لا ينقصه غير الصفير ليصير فرخًا بدوره. بشكل مباغت التفتت إليَّ وهي تمسح عينيها. ربما، إنها تبكي. قالت: إنها غادرت بيتها ولن تعود إليه. فاجأتني حدة صوتها. ثم عادت تراقب الفراخ الملونة. أتأملها من زاويتي اليمنى. أقترب منها متظاهرًا أنني أنضد ملابس عبث بها مساومون لم يشتروا شيئًا. كانت تتحدث مع نفسها. الزواج مقامرةٌ، تقولُ بصوت مرتفع. غير عابئة بدُنُوِّي أو ابتعادي. ثلاثة أشهر كانت كافية لتعرف من يكون الرجل الذي تزوجته. الفراخ تدور حول نفسها، تائهةً تبحث عن منفذ فلا تعثر عليه. الأيام الأولى جميلة دائمًا. المرأة ورجلها مشغولان بسعادتهما المفاجئة. يكتشفان في صوتيهما نبرة مختلفة. يكتشفان في كلامهما طعمًا جديدًا. ثم بنفس الشكل المفاجئ لا يعود أي شيء كما كان. تنظر الآن إلي. أو إلى شخص يقف أبعد مني. تشير بيدها إلى جهة ما. وتقول: يخيم على البيت صمت لا يشبه الصمت. كما لو كان مشحونًا باللوم أو العتاب، أو الضغينة، أو الندم على شيء غامض كان من الممكن تفاديه. من غير حاجة إلى أي تفسير كان. لا يوجد تفسير. على الواحد أن يفهم الأمر من تلقاء نفسه؛ لأن كل كلام متبادل يصبح جارحًا، وغير مفهوم، عبثي إلى أبعد حد. تقف المرأة وتنفض جلبابها. تبتسم للرجل الذي تعتقد أنه يقف أمامها. أقول لها: الشمس شديدة الحمرة هذا المساء. وتردّ عليَّ: إنه القمر وليس الشمس. ثم تلتفت إليَّ. تحدق فيَّ تمامًا. وتقول بنفس النبرة الغاضبة: هذا الصباح وأنا أضع قدمي خارج البيت فكرت أنه من الأحسن لنا معًا ألا أعود. ثم مسحتْ عينيها من جديد. واقتربت من الشاب وقالت له: هذه فراخ غير واقعية. مستغربة من ألوانها المضحكة. ثم سوّتْ قبّ جلبابها فوق رأسها، وابتعدت وهي تطلق قهقهة عالية.

* * *

لم تغادر فكري صاحبة النقاب الأزرق طيلة الليل. نادم لأنني لم أقترب منها بالشكل الذي يسمح لي برؤية عينيها. إنها هي، مريم، جاءت تختبرني؛ لترى إلى أي حد أثّر فيَّ غيابها. متأكد من أن المرأة كانت تتحدث إليَّ. أستعيد حياتي الماضية. هل تعاملت معها باللامبالاة التي كانت تصفني بها؟ هل قلت لها كلامًا جارحًا لا أذكره؟ هل صدرت مني قسوة لم أنتبه إليها؟ رأسي طاحونة تطحن الفراغ. الأفكار تدور في رأسي بلا توقف. كان عليَّ أن أنتبه إلى عينيها. كيف غابت عني الفكرة؟ مع أنها أول ما كان يجب أن يخطر ببالي؟ عيناي مسمّرتان على المعطف الأحمر المعلق على الجدار. يبدو أكثر حمرة مما هو عليه. إنها ليست مريم. المرأة التي كانت جالسة بجانب بائع الفراخ الملونة ليست مريم. تلك امرأة تائهةٌ، هربت من مشفى المجانين. والسلام. إلا أن النوم لم يطرق جفنيّ طيلة الليل.

* * *

صباح اليوم السادس، فتحت عيني على هفيفٍ خفيفٍ. قد يكون الطائر عاد. كنت قد راقبته طيلة أصباح لا تعدّ، وهو منتصب على عمود فوق السطح. طائر أسود يظهر في الساعة نفسها، حسب رزنامة طلوع الشمس والقمر الأزلية. لا علاقة لها بالتوقيت المعلن على ساعة محطة القطار. هذه الساعة ظلت معطلة. كنت مطمئنًّا إلى أن حياته مضت كما أرادها: بسيطةً، سهلةَ الإدراك؛ لأنه لم يأمل في شيء آخر، عدا الوقوف على عمود حديدي وإطلاق أربع نوتات مختلفة الإيقاع. كان يبدأ نهاره بطرد خمول الليل بجناحيه الصغيرين، منتظرًا أشعة الصباح التي تحتاجها جناحاه ليبدآ عملهما اليومي البسيط. كان ينقل إليَّ فرحه لباقي النهار. إلى أن اختفى. حملته ريحٌ أخرى إلى جهة ما. نقل فرحه إلى مكان آخر. إلى من كان بحاجة إليه أكثر مني. ربما اعتقد أنني شفيت. لا علم له بمحنتي الجديدة. قفزت من فراشي مشوش البال. فتحت الباب ولم أر الطائر. رأيت مريم واقفة وسط السطح، في معطفها الأحمر الطويل. تتأمل العمود الحديدي. التفتت إليَّ متبسمةً. فانفرجت شفتاي دون أن تسعفهما كلمة واحدة. كل الأسئلة ضاعت، وبدل أن أسأل، أجهشت بالبكاء.

المنشورات ذات الصلة

ظنونه

ظنونه

تؤرقه ظنونه، أو معجزاته، لا فرق. الإحساس المسبق بكل شيء، قلق يسبق الحدوث، وفراسة تقرأ الشخصيات قبل أن تنطق. هذا...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *