الحضور والغياب، والأثر والمحو في «إيقاع المتغيّر» لعبدالله العثمان

الحضور والغياب، والأثر والمحو

في «إيقاع المتغيّر» لعبدالله العثمان

«كانت المدينة صامتة، لكن لم تكن خاليةً، فالأشياء أشكال خفيّة من الوحدة». تذكرت هذا المقطع من قصيدة الشاعر تشارلز سيميك، وأنا أشاهد الأعمال في معرض «إيقاع المتغير» للفنان عبدالله العثمان الذي يتعامل مع المكان كجغرافيا غير ثابتة، وكحالة عبور دائمة من دون استقرار.

فالمدينة في معرضه -الذي دشن أخيرًا في «غاليري أثر» بحي جاكس بالدرعية- لا يمكن رؤيتها من خلال نضوجها وكمالها العمراني، ولكن من شقوقها الصغيرة، وبقاياها المتناثرة بين الذاكرة والأمكنة واللغة، وما تتركه التحولات السريعة من أثر صامت وبطيء في الذاكرة الجماعية؛ لذا تبدو الأعمال في «إيقاع المتغير» كمحاولة إنقاذ للمهمش والهامشي والمنسي، والنجاة من العزلة والزمن والتلاشي عبر تفكيك الطريقة التي ينمحي بها الماضي داخل الحاضر نفسه.

يقدّم العثمان تجربته بعيدًا من المشهد البصريّ الجاهز، أو المتوقع، يقدّمه كطبقات متراكبة ومتراكمة من الأزمنة التي يتفاوت المتلقين في ذاكرتهم الجمعيّة حولها، فهناك النوافذ القديمة في السبعينات والثمانينات وغيرهما، وفي مكان آخر الصفيح والهياكل المعدنية، وفي زوايا المعرض صور الأرشيف،
ومواد البناء.

وجميع هذه العناصر في تشكلاتها تظهر كجسد وبنية مترابطة، وتحملُ تاريخًا داخليًّا خاصًّا من الاستعمال والعبور والتآكل، وكذلك تحمل في طياتها قصص استبدالها وتلاشيها، وقصص تغيّرها من الحاجة والضرورة في الحياة، إلى كونها اليوم مجرد رمزيات صامدة تشير إلى أزمنة محددة، هي حالة من استنطاق الأشياء والمواد من حولنا، كأنما نسمع صوتها الخافت، وسؤالها اليوم، بعد أن انتهت وظيفتها الأولى.

إعادة اختراع الذاكرة

من هنا تكمن أهمية معرض عبدالله العثمان، في استعادة الذاكرة من جهة، وفي حالة التشكيك بها من جهة أخرى، فهو يتعامل مع الأرشيف كمادة قابلة للتحريك ولإعادة القراءة، ومادة قابلة لأسئلة جديدة، وليست كحقائق أكيدة وثابتة لا يمكن زعزعتها، فالصور القديمة في بعض الأعمال تخرج من ذهنيّة الجزم اليقيني بالمعروضات -التي اعتدنا أن تكون حالةً موثوقًا بها- وتدخل نحو منطقة الاحتمالات الممكنة، وهو ما يمنح التجربة بعدها الذي يتجاوز الوثيقة البصرية إلى مساءلة المعنى الحقيقي نفسه داخل الصورة.

وهنا تحديدًا يظهر عمق المعرض، ذلك الطرح في حساسيته الخاصة تجاه التفاصيل الصغيرة والهامشية، وتلك القدرة على تحويل البقايا المتناثرة إلى لغة مشبعة بالمعنى. ولعل هذا يفسر شعورنا في مواجهة بعض الأعمال بأن الفكرة الفلسفية تسبق التجربة البصرية، على الرغم من الإضافات التي يخلقها العثمان حول الصور، من هالات ومعادن وأشكال ليؤكد أن حساسية الأرشفة هنا تأخذ بعدها الخاص المفاهيمي، وليس التوثيقي التقريري.

ينجح العثمان في خلق توتر جمالي بين حالتي الحضور والغياب، والأثر والمحو، فالأمكنة في المعرض ليست معروضة بشكل مباشر وتقريري يمكن معاينته وفحصه، ولكنّها تعرض عبر ما تبقى منه، فهناك أثر لإطار نافذة، وآخر لصورة باهتة لكنها صامدة في منطقة بين المحو والإزالة، وأثر لجدار بتشققات دقيقة، أو لمواد أخرى فقدت وظيفتها الأساسية، وباتت شيئًا آخر، شيئًا يبدو كمساحات صامتة، حيث تتداخل المواد المختلفة في بعض الأعمال، وتظهر التكرارات البصرية، والفراغات المقصودة في أعمال أخرى.

هذا التوتر يخلق في المتلقي، أثناء جولته بين الأعمال، حالة شعورية تتجه به تلقائيًّا إلى الملاحظة والتركيز والانتباه على المتبقي من المدينة في تحولاتها، وفي خساراتها غير المرئية. وسواء تولدت حساسيّة مشتركة لديه، أو أسئلة خاصة تستدعي التجربة الذاتية، فإن المتلقي يدخل حتمًا في التمعن والرصد عبر ما يحمله المعرض من مفارقات يعرفها، تحفزه على ملء هذه التفاصيل والفراغات غير المكتملة. ولعل هذا ما يميّز معرض «إيقاع المتغير»؛ فالمسافة يتركها حرّة ومفتوحة، وقابلة لتشكل رؤى مختلفة، ومتباينة بين الأعمال والمتلقي، مساحة مشرعة لحوار أطول مع سردية غير مكتملة، ومع معنى لا نهائي، يسمح للمتلقي أن يكون شريكًا في إنتاج المعنى بإعادة علاقته وذاكرته الخاصة بالمكان، والمقاربة بين الأثر وهشاشة اللحظة الآنية.

المدينة وإيقاع الفقد

يبدو التوتر جليًّا، في وجود المواد الصناعيّة في المعرض، التي يبدو كأنها تحمل بعدًا زمنيًّا متراكمًا، وتوترًا من نوع آخر، فهي ليست خامات محايدة، ولكنها ضمن أزمنة متجمدة -كما في بيان العمل- فالخرسانة والمعادن كلها لا تدل على الحداثة العمرانية؛ فهي مجردة من المعنى الأبعد الذي يبحث عنه عبدالله العثمان، في ملاحظته لما تشير له هذه التغيرات من القسوة التي تمارسها المدن على الذاكرة القديمة بعنف، فيأخذنا بانحياز إلى أسئلة أخرى عن ذاكرة الإنسان، لعل من أهمها: أين تذهب هذه الذاكرة في تحولات المدينة السريعة، وبخاصة مع عمليات الهدم وإعادة البناء، مرّة بعد مرّة؟

لا يبحث العثمان عن نوستالجيا المدن والأمكنة والأثر القديم، لكنّه ينشغل بما يختفي منها في لحظة عبور الزمن، وما يتآكل وينمحي ويزول تمامًا داخل زمن سريع ومتحول، وما يبتكر بدائله دائمًا دون أن يلتفت. كما لا يقدم عمله كمفهوم صريح يمكن الإمساك به، ولكن كتحول يمضي بتأثير زمني متراكم ومعقد، ومتسللًا بخفة إلى الأشياء. ومن خلال هذا الاشتغال على العابر والهامشي، يقدّم تجربة فنيّة تتأمل علاقتنا المربكة والمتوترة بالأمكنة التي نبنيها، ثم نغادرها، ونعرفها جيدًا، ثم لا تعود تشبهنا.

تجربة تتأمل علاقتنا ونحن نخرج من هذا الإيقاع بمجموعة من الصور، والأعمال، والمواد المعروضة من دون أن نتذكرها على هذا النحو المعروض فقط، ولكن كأسئلة مُعلقة حول كثير من المعاني الداخلية: معنى الزمن نفسه، وأسئلة الذاكرة، وما هو المكان؟ وإلى أين تمضي الذكريات؟

وهي أسئلة طرحها عبدالله العثمان ضمنيًّا في أكثر من عمل سابق، وإن كان في قوالب وسياقات وأشكال فنيّة مختلفة، كما في أعماله: مُعلق، وجغرافيا الأمل، واللغة والمدينة؛ إذ عُرف باشتغاله منذ أولى تجاربه على مفاهيم متناقضة، ومفارقات عن الصحراء، والمدينة، والتراث الثقافي غير المادي، والهندسة المعمارية، والأشياء اليومية، ليتقاطع ويقارب، ويلاحظ، ويقترح في كل مرّة شكلًا جديدًا يطرح من إيقاع تجاه الأمكنة والتغيرات.