«يحبُّ جان لوك غودار إثارة الجدل». بهذه العبارة الصادمة، افتتح بيتر برونت كتابه «جان لوك غودار»، الذي ترجمه إلى العربية الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور كميل الحرز، ضمن مشروع الموسوعة السعودية للسينما. إثارة الجدل -سواء تمظهر في شكل لغة سينمائية مكتوبة، كما مارسه غودار (1930-2022) بصفته ناقدًا، أم تمظهر في لغة سينمائية بصرية، كما مارسه غودار بصفته مُخرجًا- فإنّ الغاية الأسمى له هي تغيير العالم؛ لإيمانه بأنّ السينما لديها الاستعداد والقابلية لتوظيف فلسفات جمالية، تُسهم في تجاوز المشاهدة السلبية عبر مسارات حسية عقلية تفاعلية ثلاثة: التحدي، الاستفزاز، التحريض.
واللغة السينمائية بوصفها أداة تعبيرية ستكون لها قوة الصورة نفسها من ناحية تأثيرها في المشاهدين؛ إذا لازمها الصدق كما يعتقد غودار. اعتقاد راهن عليه كثيرًا بعد انضمامه إلى زملائه المخرجين الموهوبين كالمخرجة أنييس فاردا، والآن رينيه، وفرانسوا تروفو لتشكيل الموجة الفرنسية الجديدة، التي كانت غايتها تجاوز الموجة السينما البرجوازية الإمبريالية التي عاثت بالسينما فسادًا.
الكتاب مُؤلَّف من 14 حوارًا سينمائيًّا خلّاقًا ومميزًا، جمعها بعناية فنية احترافية بيتر برونت؛ بغية إتاحة الفرصة لعشّاق السينما للاطلاع على مسيرة غودار السينمائية الإبداعية المثيرة. وقد أثمرت المتابعة السينمائية الشغوفة لمؤلف الكتاب، للمسيرة الإبداعية للمُخرج غودار، استنتاجات دقيقة جعلته يصنّف غودار ضمن المُخرجين العالميين الكبار.
السينما فلسفة حياة
أهمّ الاستنتاجات هي إيمان غودار بالإمكانيات الخلّاقة الكبيرة التي بحوزته بصفته مُخرجًا، وبحوزة المخرجين الآخرين التي إن أُحسن توظيفها فنيًّا تحوّل المُخرج إلى الخالق الأول والرئيس للفِلم (نظرية المؤلف)، وشاهد على ذلك ابتكاره نماذج جديدة تُعنى بقواعد اللغة السينمائية والمفردات المتداولة، وصناعة شخصيات ثرثارة، وغلبة المؤثرات الصوتية رغبةً في تحرير الصوت من استبداد البصر.
تأمّل برونت بإعجاب في أفلام كثيرة لغودار؛ كفِلْم «اللاهث» (1959م)، وفِلم «كل شيء على ما يرام» (1973م)، وفِلم «السلام عليك يا مريم» (1985م)، وغيرها من الأفلام. ومصدر إعجابه بها متأتٍّ من كونها دراما سينمائية جدلية ذات صبغة سردية حديثة لموضوعات دينية واجتماعية وسياسية تراثية/ معاصرة ظلت إشكالية في المجتمع الأوربي خاصة، وتبرز بين مدة وأخرى كانعكاس لمأزق الهوية في عالم يتغير بسرعة.

كميل الحرز
بدء علاقة غودار بالسينما تعود لكونه اشتغل ناقدًا سينمائيًّا مدة عشرة أعوام في المجلة السينمائية الفرنسية المرموقة «دفاتر السينما»، هذه المدة أنضجته فنيًّا، فترسّخت في ذهنه في وقت مبكر من حياته قناعة قوية مفادها أن السينما فلسفة حياة في حد ذاتها، حتى إنه بات عاجزًا عن رؤية العالَم والحياة والتاريخ بمعزل عنها. وقناعته الثانية أنه لن يستطيع إثبات ذلك -أي أن السينما فلسفة حياة- دون إتقان ثلاث وظائف سينمائية أساسية لصناعة أيّ فِلم جيد وهي: كتابة السيناريو والتصوير والإخراج.
وكما أن للحياة إيقاعها الخاص، للسينما إيقاعها الخاص أيضًا، والمخرج الذكي- من وجهة نظره- يظلُّ متمسكًا بهذا الإيقاع مع كل فِلم يصنعه. فالفنّ السينمائي عند غودار ليس مجرد مرآة للواقع، بل هو خلق جديد للواقع، ولكي ينجح في ذلك لا بدّ أن يحتفظ المخرج بأسلوب خاص يطوّره باستمرار. وقد جسّد غودار هذا المبدأ في أغلب أفلامه، حتى حين انضمّ إلى جماعة الموجة الفرنسية السينمائية الجديدة، التي نالت اعترافًا عام 1960م. والأمر ذاته ينطبق على جماعة دزيغا فيرتوف السينمائية التي أسّسها بالتعاون مع صديقه جان بيير غورين عام 1968م، وصولًا إلى تأسيسه مجلة السينما برفقة المخرجَين جاك ريفيت وإريك رومير. وقد أصرّ غودار على الاحتفاظ بأسلوبه الخاص في الإخراج المتوافق مع قِيَمِهِ الخاصة التي صنعها لنفسه للتفاعل مع هذا العالم تأثرًا بالفيلسوف الألماني العظيم نيتشه.
لم يثبّط من عزيمته إخفاقه في أن يصبح كاتبًا عظيمًا كالأديب الفرنسي ستندال، ولم يثبّط من عزيمته كذلك إخفاقه لعشر سنوات كاملة في صناعة فِلْم جيد، ولم يثبّط من عزيمته إخفاقه في الحصول على الحب الحقيقي في حياته الواقعية، بل جعل هذه التجارب وتجاربَ أخرى مرّ بها مصدرَ قوةٍ له وظَّفَها في فهم أعمق للطبيعة والدين والسياسة والاقتصاد والفلسفة والأدب والمسرح والموسيقا، وهو ما مكّنه من ربطها بالسينما ربطًا محكمًا؛ بُغية مساعدة المشاهدين على رؤية ما لم يتمكنوا من رؤيته بصورة واضحة.
ولأنّ السينما فنّ عظيم كما يرى غودار، فقد أحبّها قبل أن يحبّ النساء والمال والحرب، فلا عجب أن يصف نفسه في أحد حوارات الكتاب بقوله: «أنا امرؤ وطنه الحقيقي لغته، وأرضه أفلامه». فماذا يفعل مخرج سينمائي حين يصف نفسه بهذا الوصف؟
القراءة الجمالية للسينما
من مضمون حواراته الشائقة في الكتاب تكمن الإجابة. فهو يحبّ دراسة الألوان الأساسية، ويحبّ دراسة تأثير الموسيقا في الفِلم، ويحبّ أن يفهم طريقة تفكير الممثّل وطريقة كلامه، ويحبّ دراسة إيقاع الحركة والصوت والصورة، ويحبّ دراسة كيفية تأثير أهمّ الفضاءات المكانية كالبحر في جمالية الفِلم، ويحبّ دراسة المرأة كما يدرس عالِمُ الحشرات نحلة أو طائرًا. كل ذلك من أجل أن يكون الفِلْم متقنًا بالصورة التي يحبّها ويفضلها، ويكون الفِلم في الوقت نفسه إضافة نوعية ومعرفية للسينما وللجمهور. لذا استوعب النقاد قول غودار: «إنّ الشيء الوحيد الذي أجيد الحديث عنه في حياتي هو صناعة الأفلام». هذا ما أسرّ به للناقد جوناثان كوت في أحد حوارات الكتاب.
حبُّ عزّز قناعته بكون الرقابة المثلى على السينما يجب أن تكون رقابة جمالية بحتة، لا اقتصادية كما تمارسها شركات الإنتاج الأميركية، ولا سياسية كما تمارسها حكومات أوربا الشرقية أيام الحرب الباردة، ولا دينية كما تمارسها سلطة الكنائس الغربية، ولا أيديولوجية كما تمارسها الأحزاب اليسارية وغيرها. تمسك غودار بالرقابة الجمالية للسينما دفعه لأن يطالب بسحب فِلم «السلام عليك يا مريم» حين أثار ضجة واسعة في دور العرض الإيطالية، واصفًا إيطاليا بأنها (دار كنيسة). «فإذا كان البابا لا يرغب في أن يرى صبيًّا لئيمًا (غودار) يحوم في داره، فإنني أحترم رغبته»، كما قال للناقدة كاثرين ديكمان في أحد الحوارات الواردة في الكتاب.
وسواء استعان في أفلامه بأفكار فلاسفة، أو أدباء، أو مسرحيين، أو موسيقيين، أو اقتصاديين بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، أم اشتهر في أوساط النقاد والجمهور بأنّ أفلامًا له مثل: «الصينية» (1967م)، و«أصوات بريطانية» (1969م)، ذات صبغة سياسية واضحة، فإنّه ظلّ متمسكًا بأنّ القراءة الجمالية للفِلْم هي القراءة الأنجع، ومنها ينبثق شكل الرقابة في صيغة عبارة واحدة موجزة ومفيدة حسب قناعته وهي: «هذه ليست الطريقة التي يجب أن يُصنع بها الفِلم». هذا ما أكده غودار في حوار مع الناقد جوناثان روزنباوم في الكتاب.
رؤية ما لم يُرَ بعد حفزته لأن يكون غزير الإنتاج، إنتاج مضبوط بإيقاعات فنية لافتة بعيدًا من الابتذال والتفاهة. بداية من فِلمه «اللاهث» (1960م)، مرورًا بفِلم «المرأة هي المرأة» (1961م)، وفِلم «عش حياتك» (1962م)، وفِلم «الازدراء» (1963م)، وفِلم «بييرو المجنون» (1965م)، وفِلم «كل شيء على ما يرام» (1973م)، وفِلم «كل امرئ وشأنه» (1979م)، وفِلم «السلام عليك يا مريم»، وغيرها من الأفلام المثيرة للجدل، تفاعل معها النقاد بإعجاب شديد بعبقرية غودار. فالناقد جين ينغبلد وصفَ المخرج غودار -في الحوار الذي أجراه معه في الكتاب- بالفيلسوف، وهو في سن 38، وأنّ أهميته لا تقل عن أبرز الفلاسفة والأدباء كسارتر وهيسه ودوستويفسكي، ولم يتردد الناقد انيت إينسدورف في وصفه في أحد حوارات الكتاب بأنّه أحد أكثر صنّاع الأفلام أصالة، وصلابة، وتأثيرًا وإبداعًا. وأطلق عليه السينمائيون الأميركيون أبا السينما الحديثة، ووجهت له كبريات الجامعات الأميركية دعوات لإلقاء محاضرات، وإجراء مناقشات جادة مع طلابها، وهو ما فعله غودار بكل سرور.

هيمنة هوليوود ووظيفة السينما
أُتيحت له في أثناء إقامته في أميركا فرصة التعرف من قرب إلى طبيعة معايير السينما الأميركية وعلاقتها بالرأسمالية والجمهور، إضافة إلى الرؤية الفلسفية للسينما عند أبرز المخرجين الأميركيين. هذه فكرة مهمة شغلت باله وظهرت في حواراته في الكتاب. وقد استاء من تراجع معايير هوليوود تراجعًا مأساويًّا أفضى إلى جعل مُخرجين عالمين يصنعون مجرد أفلام متاحف. هذا ما قاله للناقد جين ينغبلد في أحد حوارات الكتاب، واستثنى منهم مخرجًا واحدًا رأى أنه يشاركه النظرة ذاتها إلى السينما، فاتفق معه على إنتاج فِلم طويل، ومع ذلك، لم يُجدِه فراره من فرنسا نفعًا؛ بسبب هيمنة الشركات الأميركية على صناعة السينما الفرنسية وتحويلها إلى وضع بائس.
إحدى الإشكاليات التي يصعب تجاوزها على أيّ مخرج سينمائي يستوعب وظيفة السينما استيعابًا حقيقيًّا، هي إشكالية حضور وفاعلية المرأة في هذا العالَم. وغودار ليس استثناء من ذلك، فهو لا يؤمن أنّ بمقدور السينما أن تعيش لحظة واحدة بلا حبّ. والحبّ جزء من إشكالية مفاهيمية أوسع عنده وهي (ماهية المرأة)، فلا أحد في هذه الحياة في حاجة إلى انتزاع عوالمه الداخلية ودراستها دراسة مستفيضة كالمرأة. هذه هي وصية غودار في أفلامه الخاصة بالمرأة.
فالثيمة السائدة في فِلم «عش حياتك» هي البغاء، والمغزى من ذلك تفنيد الصورة الذهنية الراسخة في عقل الرجل من كون النساء أشياء يتداولها بسهولة مطلقة. فهنّ أشدّ فاعلية وذكاء من الرجل، هذا ما يؤمن به غودار في صميم عقله وقلبه. وفي فِلم «السلام عليك يا مريم» صوّر عجز الرجل عن تخيّل ماهية المرأة تخيلًا يضفي به إلى فهمها فهمًا عميقًا، لا سطحيًّا، يمكّنه من حُسن التعامل معها حتى آخر دقيقة من حياته.
عذَرَ بعض النقّاد المشاركون في حوارات الكتاب تذمّر غودار من مخرجات الذائقة السينمائية الجماهيرية؛ لكون صياغتها تمت بوسائل الدعاية الإمبريالية الأميركية. هذه الذائقة دأبت على التحدث عنه بصفته مخرجًا أكثر مما تتحدث عن أفلامه التي اشتغل عليها سنوات، وأراد من هذه الجماهير أن تفعل عكس ذلك، وهو ما فعله (غودار) بالضبط مع فِلم «رجل من رخام» (1977م)، للمخرج البولندي الرائع أندريه فايدا، وفِلْم «بيرسونا» (1966م)، للمخرج السويدي العظيم بيرغمان، وغيرها من الأفلام. غودار يحبّ أن تتأمل الجماهير أفلامه تأملًا عميقًا؛ كي تلحظ الآلية التي يشتغل بها العالَم، وثمرة ذلك ستكون الوقاية من الإصابة بداء العجز عن إدراك ماهية العالَم ناهيك عن تغييره، وهو العجز الذي وقع فيه بطل فِلْم «السلام عليك يا مريم» حين عجز عن تخيّل وإدراك ماهية المرأة.
إذا كان أدب الروائي الفرنسي ستندال مسكونًا باستعارات فلسفية، وفلسفة نيتشه مسكونة باستعارات لغوية، وهما ممن ألهَمَا غودار بالكثير، فإنّ أفلام غودار -كما اتضح لي من حواراته- مسكونة باستعارات جمالية. وكل هذه الأنواع من الاستعارات منفتحة على تأويلية تعددية تتطلب جهدًا مضاعفًا من القرّاء ومتذوقي السينما؛ بغية رؤية ما لم يُر من قبل، وفي مقدمتها ماهيّة هذا العالم الذي يعيشون فيه.
ظلّ الفيلسوف نيتشه يردّد عبارته الشهيرة: «إن كانت ثمّة إرادة، فثمّة طريق»، وبذكائه السينمائي الحاد، أعاد غودار صياغة هذه العبارة لتلائم قِيَمَه ومفهومه للسينما؛ إذ أصبحت عبارته «إن كانت ثمّة أفلام رائعة، فثمّة طريق». وهو واثق أنّه أنتج العديد من هذه الأفلام الجدلية الرائعة، وكلّ ما هو مطلوب من مشاهدي أفلامه هو السير على طريق تأويلها واستيعابها إن أرادت تغيير عالمها.
0 تعليق