بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يوليو 1, 2026 | مقالات
الثقافة الشعبية ليست وصفًا عابرًا لرافد من روافد الثقافة التي تتميز بها الأمم والشعوب، بل هي المكون الرئيس لعناصر الهوية الثقافية، وهي الذاكرة الحية التي قاومت وما زالت تقاوم منذ آلاف السنين معاول الهدم والطمس والنسيان، وعلى الرغم من تعرضها -في كثير من المراحل الزمنية- للتهميش والتراجع؛ فإنها اكتسبت في السنوات الأخيرة اهتمامًا دوليًّا خاصًّا من منظمة اليونسكو، وبخاصة بعد توقيع اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي عام 2003م، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على اهتمامات الدول التي وضعت عددًا من البرامج الثقافية والتراثية الجادة لتنشيط ذاكرتها التاريخية، والحفاظ على هويتها الثقافية أمام طوفان العولمة الجارف الذي يتحرى تذويب الهويات وتهديد خصوصيتها.
وقد بذلت وزارة الثقافة السعودية ممثلة في «هيئة التراث» وغيرها من الهيئات المعنية؛ جهودًا مشكورة لتسجيل عدد من عناصر التراث الثقافي السعودي غير المادي ضمن قوائم التراث الإنساني باليونسكو، وهي خطوة إيجابية ضمن مسار طويل لتفعيل دور الذاكرة السعودية في إثراء الحاضر الثقافي وفق ما تهدف إليه رؤية 2030، وهذه العناصر التي نجحت المملكة في تسجيلها منفردة أو بالمشاركة مع دول أخرى، هي: (الصقارة، العرضة النجدية، القهوة السعودية، المجلس العربي، المزمار، القط العسيري، النخلة، حياكة السدو، الخط العربي، البن الخولاني السعودي، حداء الإبل، الهريس، النقش على المعادن، الورد الطائفي، الحناء، آلة السمسمية).
كما أن لدينا في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية؛ تجربة مهمة في هذا السياق، وهو «قسم الذاكرة السعودية»، فقد أنشأ المركزُ ضمن معهد الأمير محمد الفيصل للأنثروبولوجيا (علم الإنسان) قسمًا خاصًّا يهدف إلى جمع كل ما يتصل بالتراث السعودي غير المادي تحت مظلة واحدة.
ويعد هذا القسم مرجعًا بالغ الأهمية والثراء في موضوعه، ولعل أبرز مكوناته يتمثل في «مجموعة الدكتور سعد الصويان» أحد أعلام علم الاجتماع و«الأنثروبولوجيا» في السعودية والوطن العربي، هذه الموسوعة التي عكف الصويان على جمعها لأكثر من أربعة عقود تضم 633 تسجيلًا صوتيًّا، إضافةً إلى مجموعة وفيرة من الكتب والمقالات، وتُعَدُّ أهم مصدر للتاريخ الشفوي في المملكة العربية السعودية.
فهي تقدر بأكثر من 440 ساعة صوتية، وتحتوي على أكثر من 4800 كتاب باللغتين العربية والإنجليزية، وقد اقتنى المركز هذه المجموعة من صاحبها عام 2015م، وعمل على رقمنتها، وفهرستها؛ وفُرّغ منها حتى الآن أكثر 55%، أي ما يعادل 7800 صفحة. وإلى جانب هذه المجموعة المهمة، يضم قسم الذاكرة السعودية بمركز الملك فيصل؛ عددًا من المجموعات الخاصة لبعض المستشرقين، وهم: المستشرق الهولندي الشهير كريستيان سنوك هرخرونيه، والدبلوماسي الهولندي مارسيل كوربرشوك، والباحثة الأميركية الدكتورة أليسون ليريك.
ونظرًا لأن الاهتمام بـ«الثقافة الشعبية» لم يعد اهتمامًا بقضية محلية وحسب، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة أبعاد هذه القضية في الوطن العربي، وتسليط الضوء على الصورة الحقيقية لواقع الاهتمام بها، وذلك من خلال أقلام ورؤى عدد من المثقفين والمتخصصين السعوديين والعرب.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | مايو 1, 2026 | مقالات
يبدو أن سؤال الخوف من المستقبل ليس منفصلًا عن سؤال المصير بكل ما يحمل من إشارات ومدلولات، غير أن هذا السؤال -سؤال الخوف الذي يعبّر عن علاقة الإنسان بالمجهول- لا يمكن تفسيره، أو تسويغه، أو اختزاله في إجابة واحدة، فهو السؤال الأزليّ/ اللحظي الأكثر التباسًا في ثقافات الشعوب، وفي مختلف العصور.
والحقيقة أن الخوف من المستقبل هو امتداد للخوف الماثل في الحاضر، فما يراه الإنسان في الواقع اليومي المشحون بكل أسباب التوجس، والتوتر، والقلق، والعبث؛ يدفعه دفعًا لأن يبني صورةً متخيلةً مخيفةً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل كنتيجة محتملة لتأزم الأمور في الحاضر.
الخوف من المجهول طبيعة إنسانية فطرية، وهي تخضع للنسبية من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن بيئة ثقافية لأخرى، وتدخل فيها عوامل كثيرة متعلقة بالوعي، والثقافة، والمعرفة، والدين، واليقين، والتوكل، والإدراك، وغيرها من العوامل التي تتشكل منها رؤية الإنسان للحاضر ثم المستقبل.
اللافت في الأمر أن «الخوف» لم يعد سلوكًا أو فعلًا عابرًا قابلًا للزوال بزوال الأسباب العرضية كما يرى بعض علماء النفس والاجتماع، فقد تعددت أشكاله، وصار جزءًا من المكونات الثقافية، وتحول إلى طاقة تعبيرية هائلة يمكن رصدها وتتبع مساراتها ليس فقط في الممارسات الحياتية، بل في صُلب العادات الاجتماعية ومختلف أشكال الفنون والآداب، وأخذ حيّزًا كبيرًا من اهتمامات العلماء والفلاسفة والمفكرين، فضلًا عن السياسيين والاقتصاديين وغير ذلك من التخصصات المعرفية المرتبطة بالإنسان والحياة.
ويمكن القول: إن مصطلح «ثقافة الخوف» الذي سعى إلى ترسيخه قبل ثلاثة عقود تقريبًا الأكاديمي المجري فرانك فوريدي، يعكس حالة التصاعد المستمر لمشاعر الخوف في العصر الحديث عامةً، وفي المشهد الراهن خاصةً، وهو ما أدى إلى ربط مصطلح الخوف الفاعل واقعيًّا في الحاضر البشري بصورة المستقبل المتخيَّل أو المجهول، وبات من الطبيعي أن يتوقع الإنسان ملامح الصورة المحتملة للقادم، متسائلًا: كيف سيكون المستقبل أمام سلطة الخوف المتنامي في ظل التوترات المتسارعة التي تسود العالم؟
هذا السؤال الكبير يتطلب قدْرًا كبيرًا من البحث والتحليل والتأمل، ولأن الأسئلة المرتبطة بالمستقبل هي امتداد طبيعي لأسئلة الحاضر القلِق، خصصنا ملف هذا العدد من مجلة (الفيصل) للبحث عن أجوبة مغايرة لدى عدد من المثقفين والمتخصصين.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | مارس 1, 2026 | مقالات
لا شك في أن صناعة النشر الآن أصبحت من الصناعات بالغة التعقيد، ليس فقط من حيث الأدوات والآليات المهنية التقليدية للصناعة، بل من حيث القوانين والأنظمة، والتغيرات التقنية المتسارعة، والأوضاع الاقتصادية المرتبطة بالأسواق التي تستقبل نتاج هذه الصناعة في مختلف دول العالم، ولكنها في عالمنا العربي تبدو أكثر تعقيدًا لأسباب -من وجهة نظري- مرتبطة بالثقافة أكثر من أي شيء آخر.
في السابق كانت دُور النشر تطبع أعمالها بأعداد كبيرة، والمعروف أنه كلما ارتفعت الأعداد قلَّت التكاليف، ولكن بعد الثورة التقنية التي يشهدها العالم، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعاني أغلبيةُ الشعوبِ نتائجَها، ومع تراجع مستويات القراءة في العالم العربي، وظهور الطباعة الرقمية وانتشارها على نطاق واسع؛ ارتفعت أسعار الكتب، ولم تَعُدْ من أولويات القارئ العادي، وإن ظلت حتمية للدارسين والمتخصصين والمثقفين نظرًا لارتباط حياتهم ومهام عملهم بالكتاب، فالتقلبات الاقتصادية التي رفعت أسعار الورق، وأدت في المقابل إلى تراجع نسب الطباعة؛ نتج عنها ارتفاع كبير في أسعار الكتب، وأدى ذلك إلى العزوف عن شراء الكتاب إلا للضرورة، أو البحث عنه بأي صيغة إلكترونية لتلبية الحاجة، وتوفير قيمة النسخة الورقية، وهو ما أثر تأثيرًا سلبيًّا كبيرًا في هذه الصناعة، ويبقى السؤال:
• هل ما يحدث لصناعة النشر في العالم العربي؛ يحدث بالدرجة نفسها في العالم الغربي؟
الإجابة بالقطع (لا)، والسبب كما أشرت يرتبط بالبُعد الثقافي، فالمجتمعات الغربية جعلت القراءة جزءًا جوهريًّا من التربية المبكرة، فأصبحت جزءًا من السلوك اليومي لمختلف فئات المجتمع، ولذلك ظل الإقبال على شراء الكتاب بنسب عالية في الغرب أحد أهم عوامل الحفاظ على صناعة النشر، وحمايتها من الضعف والتراجع الملحوظين في العالم العربي، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الورق وتكاليف صناعة الكتاب في العالم، فإنه لا تزال نسب المبيعات في الغرب تحقق قدرًا معقولًا من التوزان بين العرض والطلب.
أما في العالم العربي؛ فإن المشكلة تبدو أكبر وأكثر تعقيدًا لأسبابٍ كثيرة؛ لعل من أبرزها:
• تفاوت مستويات دعم الكتاب وصناعة النشر في العالم العربي.
• تعامل الدول العربية بمعايير مختلفة بعضها عن بعض فيما يتعلق بالجمارك والضرائب ومنظومة التوزيع.
• تراجع نسب البيع بسبب غلاء الأسعار الناتج عن ارتفاع تكاليف صناعة الكتاب.
• لجوء الناشرين للطباعة الرقمية بكميات صغيرة لا تساعدهم على توزيع إجمالي التكاليف على عدد أكبر من النسخ.
• عدم وجود آليات توزيع عربية مشتركة تتيح للناشرين الطباعة والتوزيع في دول مختلفة من العالم العربي؛ بهدف الوصول للقارئ غير المحلي بطرائق أسهل وتكلفة أقل.
يضاف إلى هذه الأسباب الرئيسة عدد من الأسباب الأخرى التي يطول شرحها، ويمكن للقارئ التعرف إلى المزيد منها عبر آراء الناشرين والمتخصصين المشاركين في ملف هذا العدد الذي خصصته مجلة «الفيصل» لمناقشة قضايا النشر في العالم العربي، وجميعها يتطلب معالجة جوهرية ليس فقط من اتحادات النشر العربية ومعها اتحاد الناشرين العرب، ولكن من خلال تضافر جهود تلك الاتحادات مع الوزارات والمؤسسات الحكومية المعنية في الدول العربية؛ ولا أتصور أنه بغير ذلك يمكن مواجهة التحديات الكبرى التي باتت تهدد صناعة النشر، وتلقي بظلالها السلبية على تطلعات التنمية الثقافية ونشر المعرفة.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | يناير 1, 2026 | مقالات
ربما يكون حديثي عن مجلة «الفيصل» شهادة مجروحة لكوني رئيس تحريرها، ولكني هذه المرة لا أكتب فقط انطلاقًا من ارتباطي العملي بالمجلة، بل أكتب أيضًا انطلاقًا من كوني قارئًا عربيًّا مشغولًا بالشأن الثقافي، وأكاديميًّا متخصصًا في الإعلام.
مجلة «الفيصل» لا تحتاج إلى شهادة فردية ترفعها، فقد استطاعت على مدى خمسين عامًا؛ منذ عددها الأول الذي صدر في رجب عام 1397هـ الموافق لشهر يونيو من عام 1977م، أن تحفر اسمها في واجهة المشهد الثقافي السعودي والعربي، وأن تؤسس مكانتها الثقافية المرموقة استنادًا إلى المحتوى النوعي الذي تقدمه لقرائها في كل البلدان العربية، وأصبحت تحظى بشهادة عربية جماعية وقَّعت عليها جموع القراء من مختلف المستويات الفكرية والعلمية والثقافية والأدبية والإبداعية، ولذلك كنت وما زلت واحدًا من قرائها قبل أن أكون رئيسًا لتحريرها.
وإن كان مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية؛ يحتفي هذه الأيام بمرور خمسين عامًا على تأسيس مجلة «الفيصل»، فنحن القراء نتقاسم مع المجلة تفصيلات هذه المناسبة، فهي المجلة التي لم تُخْلف موعدًا مع قرائها، وقد وصلت إلى مختلف العواصم والمدن العربية محمَّلةً بموضوعاتٍ تجمع بين مختلف الاتجاهات الثقافية، والفكرية، والأدبية، والنقدية، والفنية؛ ولم تَكُفَّ يومًا عن التفاعل مع التحولات الثقافية، ولا عن طرح الأسئلة الفكرية الجوهرية، أو الاحتفاء بالإبداع والمبدعين في مختلف المجالات، ولا تزال تفعل ذلك بالرصانة نفسها التي بدأت عليها، وبالمسؤولية نفسها التي تدرك قيمة الكلمة وقدرتها على التأثير.
وعندما تأثرت كل الصحف والمجلات بسبب المد الإلكتروني وهيمنة الصحافة الإلكترونية؛ كانت «الفيصل» سبَّاقة إلى إطلاق منصتها الإلكترونية المتميزة، وأتاحت لمن لم يعد يستطيع الوصول إلى نسختها الورقية فرصة الوصول إلى نسختها الإلكترونية، بل الوصول إلى أرشيفها الكامل الذي يعد جزءًا مهمًّا من تاريخ الصحافة الثقافية في الوطن العربي، ومرجعًا موثوقًا للمثقفين والباحثين المهتمين بالشأن الثقافي.
مرّت مجلة «الفيصل» بكثيرٍ من مراحل التطور، وتولى رئاسة تحريرها أعلامٌ من صُنَّاع الصحافة الثقافية في المملكة العربية السعودية، وفي كل مرحلة من تلك المراحل لم تخرج عن مسارها الموضوعي، أو خطها الصحفي الرصين، أو خطابها الثقافي المسؤول، فحققت -بذلك- انتشارًا كبيرًا،
واكتسبت قاعدة جماهيرية عريضة، وحظيت باحترام القراء على اختلاف مشاربهم وتنوع اهتماماتهم، وما كان لذلك أن يتحقق إلا بالرعاية الاستثنائية التي حظيت بها من مؤسسها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، وما زالت تحظى بها من صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس الإدارة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، وصاحبة السمو الملكي الأميرة مها الفيصل الأمين العام للمركز، وفي هذه المناسبة؛ يتوجب عليَّ أن أشكر لسموهم دعمهم الدائم وحرصهم على إعلاء صوت «الفيصل»، وأن أشكر لكل رؤساء التحرير السابقين ومعاونيهم ما قدَّموه من جهدٍ وإسهامٍ في إضاءة تاريخ المجلة، والشكر موفور لكل فريق العمل، ولكل القراء في الوطن العربي، ونَعِد الجميع بأن تبقى «الفيصل» كعهدهم بها منبرًا للتجارب المتميزة، والعمل الثقافي المسؤول.
وفي الختام، أرغب في التنويه بأن أغلبية مواد هذا العدد هي منتخبات من الأعداد التي صدرت طوال العقود الماضية؛ وذلك كي يتسنَّى للقارئ الكريم رصد مراحل التطور التي مرت بها «الفيصل» في تاريخها.
بواسطة د. هباس الحربي - رئيس التحرير | نوفمبر 1, 2025 | مقالات
ليس بالضرورة أن يكون الاعتزاز بالخصوصية الثقافية موقفًا ضد التحضُّر كما يرى بعض أنصار العولمة، فالخصوصية التي تصنعها الهوية الثقافية هي التي صنعت وميَّزَت الحضارات الإنسانية، وجعلت الماضي القديم منفتحًا على معطيات الحاضر بلا قطيعة معرفية، ويبدو أن أصوات المثقفين والمفكرين الذين يطالبون بإعلاء قيمة الخصوصية والهوية الثقافية، ويرون أنها ليست نقيضًا لمفهوم الكونية والعولمة؛ بدأت تعلو في أماكن مختلفة من العالم، وكأنها تحاول أن تعيد النظر في مفهوم الخصوصية من جهة، وفي مفهوم العولمة من جهة أخرى.
منذ القِدم وربما حتى الآن؛ كانت كلمة (قروي) وصفًا غير منصف لمن يقطنون القرى، وكانت (القرية) بكل ما يستبطن الوصف الجغرافي من مدلولات سلبية؛ في مقارنة دائمة مع (المدينة) بكل ما يستبطن الوصف من مدلولات تشير إلى التفوق والتحضر، وعلى الرغم من أن المقارنة لا تتمتع بالوجاهة الكافية من المنظور العلمي الموضوعي؛ فإنها ظلت صورةً شائعةً من صُوَر التمييز لدى أغلبية المجتمعات والثقافات، ولكن عندما تَبلوَرَ مصطلح (القرية الكونية) على يد الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان؛ عالم الاجتماع الشهير وصاحب الآراء المثيرة في قضايا الاتصال الجماهيري، وجد مصطلحُ (القرية) أفقًا أوسع ليصعد من صورته الدنيا إلى صورته العليا بمفهوم العولمة، بل أصبح أحد أهم المصطلحات المستخدمة في التعبير عن معنى التحضر والتواصل بين الأمم والشعوب، وكلما أراد الإنسان الإشارة إلى تسارع خطوات العولمة وتذويب الخصوصيات اشتقَّ من مصطلح (القرية الكونية) تعبيرات أخرى، مثل: (العالم قرية صغيرة، أو العالم غرفة صغيرة)، وكأن الفواصل بين الهويات والثقافات والمجتمعات تلاشت إلى حد الزوال.
هذا الانصهار الكوني لم يتحقق على نحو مطلَق، وربما تَصْدُق مثل هذه التعريفات عندما يتعلق الأمر بالثورة التقنية التي يعيشها العالم، أو بالأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تأسست على نتائج هذه الثورة التقنية، ولكنها لم تَصْدُق بالدرجة نفسها عند التعريف بالخصوصيات الثقافية والمقومات الحضارية، فقد ظلت الأمم -على الرغم من كل مظاهر العولمة- تحتفظ لنفسها بقدرٍ من الخصوصية التي تميز كل أُمة مِن سواها، ويبدو أن بعض الأدوات الحاسمة قد سقطت من تصورات العولمة ومفاهيم الكونية على نحو لا إرادي، فلم تستطع تذويب الخصوصيات وصهرها كُلِّيًّا في بُوتَقَةٍ واحدة يمكن وصفها بـ(القرية الكونية الصغيرة).
ربما لهذه الأسباب وغيرها؛ ظهرت مؤخرًا بعض المؤشرات الواضحة، والمحاولات الجادة لإعادة إحياء الخصوصيات الثقافية في كثير من دول العالم، وبخاصةٍ تلك الدول التي أيقنت أن العولمة لا تنظر إلى كل العالم نظرةً موضوعيةً واحدة، فهناك العالَمُ الأَوَّلُ الذي يحتكر إنتاج المعرفة وتصديرها، وهناك العالَمُ الثالثُ المُجْبَر على التلقي والاستهلاك وخوض النزاعات والحروب، وقد تكون هذه المؤشرات من أبرز الدوافع التي دعت الأُمَمَ ذات الأصول والحضارات العريقة إلى إعادة النظر في جدوى خصوصيتها، وإبراز مقوماتها الثقافية ورفعها إلى واجهة الاهتمامات، فرأينا اهتمامًا واسعًا بالآثار والتراث الحضاري، واحتفاءً ملحوظًا بالتقاليد الاجتماعية وعناصر المخزون الثقافي التي تبرز سمات الهوية والخصوصية بدءًا من اللغة والفكر وانتهاءً بالحرف والمأكولات الشعبية.
ولأن مجلة (الفيصل) تسعى دائمًا إلى طرح القضايا الثقافية المهمة، فقد خصَّصنا ملف هذا العدد لمناقشة موضوع الخصوصيات الثقافية، ورصد المؤشرات المرتبطة بأسباب صعودها الملحوظ.