سؤال السفر والترحال

سؤال السفر والترحال

السرديات الإبداعية؛ قد ترسم صور البلدان على غير ملامحها الحقيقية، ومن خلالها يمكن أن يرتبط الإنسان نفسيًّا ببعض البلدان ويسعى إلى زيارتها، ومن خلالها -أيضًا- يمكن أن يكره الإنسان بعض البلدان ويُسقط رغبة زيارتها من حساباته، فقط لأن الصور التي ترسمها السرديات ذات الطابع الإبداعي المشحون عادةً بالخيالات والمجازات مغايرة للواقع الفعلي، ولعل «أدب الرحلات» بما يتطلبه من شروط الوصف والتوثيق يظل أقل ضبابية وأكثر وضوحًا من الأشكال السردية الأخرى، ومن هنا يكتسب السفر قيمته وأهميته وقدرته على تغيير الصور الذهنية المغلوطة التي لا تتكشف إلا بالمعايشة الواقعية والمعرفة المباشرة.

هناك من يرى السفر إما ترفيهًا بلا معرفةٍ، وإما ترحالًا ثقافيًّا بلا ترويحٍ أو ترفيه، وكأن كلًّا منهما على النقيض من الآخر، حيث يتصور بعضهم أن السفر هو الترفيه الصرف الذي يجب أن يخلو من المعرفة الثقافية، ويرى بعضهم الآخر أن جوهر السفر هو البحث عن المعرفة التي يجب أن تخلو من متعة الترفيه، وفي تصوري أن فضيلة السفر تكمن في المزج المتوازن بين هذين الجانبين اللذين يصلان لدى بعض هواة السفر إلى التضارب والتضاد.

ربما يكون عملي لسنوات طويلة بالهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني التي جمعت بين مفاهيم السياحة والتراث الثقافي؛ هو ما عزز لدي هذه القناعة، فقد أدركت منذ وقت مبكر أنه بالإمكان أن يحقق السفر السياحي قدرًا كبيرًا من المعرفة المرتبطة بالاطلاع على ثقافات وحضارات الشعوب، ومكونات الأماكن وذاكرتها المجتمعية، ويحقق في الوقت نفسه قدرًا كبيرًا من الترويح المرتبط بالمتعة الترفيهية،
وأنه في الحالين يضيف إلى ذاكرة المسافر ذكريات ومشاهدات جديدة تثري حصيلته المعرفية، وترفع من رصيده الثقافي، وتجلب له الكثير من فوائد الترفيه.

غير أن السفر ليس كله سفر السائح الذي ينتقل من بلدٍ إلى بلدٍ بمحض إرادته، أو مدفوعًا بما لديه من شغف الترحال، فأنماط السفر مختلفة، وأغراضه كثيرة، وأبوابه متعددة، ونوافذه مفتوحة على كل الاتجاهات، ولأنه في كل أحواله يُسهم في تشكيل وعي الإنسان، ويعلّمه ما لم يكن يعلم عن طبائع الناس، وطبيعة الجغرافيا، ومسارات التاريخ، وسلوكيات المجتمعات.

كان من الضروري أن نطرح «سؤال السفر» على عدد من الأدباء والمثقفين، وأن نحاول النبش في ذاكرة كل منهم لنعرف، ويعرف القارئ بأي صورةٍ يرون السفر، وإلى أي درجةٍ ترك أثرًا في نتاجهم الفكري والإبداعي، أو في حصيلتهم المعرفية، وتجاربهم الحياتية، والإنسانية، والثقافية، وغيرها من الأمور التي تحدثوا عنها باستفاضةٍ في ملف هذا العدد.

تفعيل الخطاب الثقافي السعودي

تفعيل الخطاب الثقافي السعودي

على مدى سنوات طويلة؛ كان الفعل الثقافي في المملكة العربية السعودية موزعًا بين عدد من الجهات والمؤسسات التي يعمل كل منها برؤية مختلفة عن سواه، حيث تقوم وزارة الثقافة والإعلام (سابقًا) بما يلائم دورها الذي يجمع بين تخصصين مختلفين، وتتقاسم برامج النشاطات الثقافية جهات أخرى غير ثقافية مثل: الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي كانت ترعى الأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون بفروعها المنتشرة في كل مناطق المملكة، إضافةً إلى قطاع الشؤون الثقافية في الحرس الوطني الذي أطلق المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) وظل يعمل لأكثر من ثلاثة عقود تحت مظلته، وهو ما جعل الإستراتيجية الثقافية في المملكة متعددة الرؤى بحكم ارتباطها الجذريّ بطبيعة العمل في تلك المؤسسات متعددة المهام والأهداف والنشاطات، والحقيقة أن تلك الجهات والمؤسسات قدمت كل ما في وسعها لخدمة الثقافة السعودية، ولكن مع إطلاق رؤية المملكة 2030 كان من الضروري أن تُعاد هيكلة القطاعات الثقافية وفق الاختصاص، وأن تتوحد الجهود استنادًا إلى رؤية إستراتيجية موحدة، وأن يُفْصَل بين الثقافة والإعلام، وهو ما حدث بالفعل حين تأسست وزارة الثقافة في عام 2018م، واعتماد إستراتيجيتها الثقافية في عام 2019م، وما نتج عنها من تأسيس إحدى عشرة هيئة تمثّل مختلف القطاعات الثقافية السعودية، فأصبح للثقافة رؤية موحدة بأجنحة متعددة.

وهكذا؛ حدثت النقلة النوعية التي أخذت الخطاب الثقافي السعودي إلى آفاق أخرى ليس فقط على المستوى المحلي، بل على المستوى العربي والعالمي بما يحقق أهداف رؤية 2030، ويعزز العلاقات الثقافية بين المملكة والعالم، فقد هيَّأت رؤى التخصص الثقافي التي تعكسها الهيئات الثقافية التابعة للوزارة مناخًا ثقافيًّا مغايرًا يخدم أربعة عشر قطاعًا ثقافيًّا من خلال إحدى عشرة هيئة متخصصة؛ تعمل كلها على إعادة بناء وتفعيل الخطاب الثقافي السعودي عبر الاهتمام بالمواقع الثقافية الأثرية، والتراثية، والمتحفية، والعمرانية، والطبيعية، إضافةً إلى مسارات الهوية الثقافية المتمثلة في: اللغة، والشعر، والنشر، والكتب، والمكتبات، والتراجم، والمسرح، والسينما، والموسيقا، والفنون الأدائية، والفنون البصرية، والفنون الحرفية، وفنون العمارة والتصميم، وفنون الطهي، والأزياء، والعروض المرئية، والمهرجانات، وغيرها من روافد الهوية الثقافية السعودية، فشهدت المملكة في السنوات السبع الماضية نهضة ثقافية لم تشهدها من قبل، وهي نهضة مبنية على رؤية دولة وإستراتيجية وزارة، وقد لمسنا في تلك السنوات أثرها الإيجابي في المجتمع السعودي وعلاقته بالآخر في الوطن العربي والعالم.

ولأن الجهود التي تقوم بها وزارة الثقافة بكل هيئاتها الثقافية جديرة بالإشادة والاحتفاء، خصصت مجلة (الفيصل) ملف هذا العدد لتسليط الضوء على تلك الجهود من خلال أقلام عدد من المثقفين السعوديين والعرب، وقد أفاضوا في تناول تجربة الوزارة وهيئاتها ومبادراتها، وعبَّروا عن تطلعاتهم المستقبلية للعمل الثقافي في مختلف القطاعات الثقافية بالمملكة.

أهمية تحقيق التراث

أهمية تحقيق التراث

الحديث عن تحقيق التراث والعناية بالمخطوطات؛ ليس حديثًا عن عملٍ هامشيٍّ ينشط في وقتٍ أو يخفت في آخر، بل هو حديث الشجون عن واحد من أهم المسارات العلمية التي تربط بين ماضي الأمة وحاضرها ومستقبلها أيضًا. وأقول حديث الشجون؛ لأن الاهتمام العلمي بالتراث العربي المخطوط وجد في الغرب اهتمامًا علميًّا أعلى وأدق من الاهتمام به في الشرق. وعلى الرغم من وجود مؤسسات أخذت على عاتقها مهام العناية بالتراث المخطوط، والاجتهاد في تصنيفه، وفهرسته، وتحقيقه، ونشره؛ مثل معهد المخطوطات العربية الذي تأسس عام 1946م تحت مظلة جامعة الدول العربية، وغيره من المؤسسات التي أنشئت في مراحل لاحقة في عدد من الدول العربية والإسلامية لهذا الغرض؛ فإن المنجز الذي أسفرت عنه جهود تلك المؤسسات لا يكفي للوقوف على آثار هذا التراث المعرفي الكبير، ولم يستطع -حتى الآن- أن ينقل للعالم أبعاد الصورة الحقيقية عمَّا كان عليه الأوائل من علماء العرب والمسلمين، ويُبرز ما قدّموه للبشرية من إسهامات في العلوم الطبيعية والاجتماعية والنظرية، وليس فقط في العلوم الشرعية كما تشيع الصورة الذهنية النمطية، حيث كانت إنجازاتهم سبيلًا إلى تطوير المعارف والعلوم الإنسانية في كثيرٍ من المجالات.

ولعل الكشف عن طبيعة تلك الطبقات المهملة من التاريخ الإنساني يرجع إلى العناية بالقليل من التراث العربي والإسلامي المخطوط؛ سواء على أيدي بعض علماء الشرق، أم علماء الغرب المستشرقين، وهو ما يتطلب المزيد من الجهود والمبادرات المنصفة للتراث المخطوط.

ولنا في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية تجربة ثرية ومشرّفة في مجال العناية بالمخطوطات؛ فقد أولى المركز منذ تأسيسه عام 1403هـ/ 1983م اهتمامًا كبيرًا بالمخطوطات العربية والإسلامية من حيث الجمع، والحفظ، والصيانة، والفهرسة، والتحقيق، والنشر، وقد تجمّع لديه عدد كبير من المخطوطات يتخطَّى ثمانية وعشرين ألف مخطوط في مختلف العلوم والتخصّصات، وقد خصص المركز سلسلة «تحقيق التراث» للتعريف بالمخطوطات الفريدة والنادرة عبر تكليف المحقّقين المتمرّسين والباحثين الجادّين بإعادة إحيائها، وتحقيقها وَفْق الأسس العلمية الراسخة في مسارات التحقيق والتأليف والترجمة، ثم إصدارها في طبعات علمية أنيقة؛ لتصبح من المراجع التراثية والتاريخية المهمة التي يحرص على اقتنائها نخبة المتخصّصين والمهتمّين، ويتطلّع إلى الإسهام فيها خيرةُ الباحثين والمحقّقين.

ونظرًا لأهمية هذه القضية التي تعد واحدة من أهم القضايا الجوهرية التي يتوجب طرحها للنقاش على نطاق واسع في راهن الثقافة العربية، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لمناقشة القضية من أبعادها الثقافية، وتسليط الضوء على بعض التجارب المضيئة في مجال تحقيق التراث، والتعرّف إلى رؤى المثقفين والمختصين لواقع الجهود المتصلة بهذا المجال، وإلى أي مدى يجب تكثيف وتفعيل هذه الجهود.

المرأة والفلسفة… قضية منجز أم قضية ثقافة؟

المرأة والفلسفة… قضية منجز أم قضية ثقافة؟

يُعَدُّ حقل الفلسفة من الحقول المعرفية الجدلية بالغة التعقيد؛ ليس لأنه يفتح مجالًا واسعًا للمقارنة بين منجز الرجل ومنجز المرأة، وإنما لأنه من الحقول النخبوية الشاقة في عالم الفكر وصناعة المعرفة، نظرًا للنُّدرة التي نلحظها في نسب المتفردين والمؤثرين المشتغلين فيه، والنُّدرة هنا تنطبق على الجنسين (الرجل والمرأة)، ولكن في حال المقارنة الواقعية بينهما، سنجد فارقًا كبيرًا بين طبيعة منجز الرجل وطبيعة منجز المرأة؛ لأسباب ليست مرتبطة بالنوع، أو بتفضيل الرجل على المرأة كما يعتقد كثيرون، ولكن لأنها مرتبطة بنتائج التراكم الثقافي الموجود -منذ القِدم- في كل الثقافات والحضارات، هذا التراكم الذي حدد أدوار الرجل في مقابل أدوار المرأة، وعزز الفوارق بين هذه الأدوار؛ ليصبح للرجل عالمه المتجاوز لمنظومة الأسرة والمجتمع وصولًا إلى الفضاء البشري العام، وللمرأة عالمها المحصور في دائرة الأسرة والفضاء النسوي الخاص.

وثمة فوارق كبيرة بين «الفلسفة» بوصفها عملًا فكريًّا شاقًّا يقوم على التحليل والتفكيك والابتكار والإبداع، ودراسة تخصص الفلسفة وسيلةً للعمل في المجال الأكاديمي أو الانخراط في الجوانب النظرية منه، فإذا كان السؤال حول محدودية دور المرأة في نتاج الفكر الفلسفي مقارنة بدور الرجل، سيكون مجمل المؤشرات في صالح الرجل لأسباب كثيرة جدًّا متعلقة بالإرث الثقافي والديني والتاريخي، إضافة إلى الأسباب الاجتماعية والفسيولوجية، وذلك في كل الثقافات والمجتمعات بما فيها الثقافة العربية، بغضِّ النظر عن التفاوت في نسب التقدّم والتحضّر بين ثقافة وأخرى.

أما إذا كانت المقارنة بين الرجل والمرأة في هذا المجال مبنية على دراسة التخصص الفلسفي، فإن الأمر سيختلف إلى النقيض تقريبًا، فالأعداد التي تدرس الفلسفة من النساء في مقابل الرجال قد لا تشكّل فجوة كبيرة من حيث التخصص في المجال؛ لأن التخصص هنا يعني «العمل» في مهنة ربما لا يكون فيها من الصعوبة ما يجعل دور المرأة محدودًا في المنجز المتصل بالجانب الأكاديمي، حيث لا يظهر التفاوت بين الرجل والمرأة، ولا تتضح الفجوة بين المنجزين إلا حينما يتعلق الأمر بالنتاج المعرفي المرتبط بجِذر الفكر الفلسفي، وتاريخه الذي يرجّح كِفّة الرجل منذ فجر التاريخ حتى الزمن المعاصر.

إذن؛ نحن أمام قضية جدلية متشابكة ومعقدة، وفيها من اختلاف الآراء ما يجعلها محور نقاشٍ دائم في كل العصور، وفي كل الثقافات، ونظرًا لأهميتها الثقافية، واتساع دوائر الحوار حولها، فقد خصصنا ملف هذا العدد من مجلة «الفيصل» لقراءة واقعها الحالي من زاوية «المنجز الفلسفي للمرأة»، ومن خلال آراء عدد من المثقفين والمتخصصين في هذا المجال.

صناعة النخب

صناعة النخب

لا شك في أن «النخب» بما يتوافر لها من قدرات ذاتية مدعومة بالتميز الفكري والثراء المعرفي، وبما تملك من أدوات التأثير والاستنارة، فئة موجودة في كل المجتمعات والثقافات، ومتجذرة في تاريخ الشعوب والحضارات منذ القدم، وهي مطلب قائم ودائم ومتجدد، وصناعة ضرورية لكل مجتمع ولكل مجال، وهذه الصناعة بمفهومها العقلاني المتوازن لا خلاف عليها ولا اختلاف حولها؛ لأنها في مجال تخصصها بمنزلة العقل من الرأس، أو الرأس من الجسم البشري، ولكن اللافت في الأمر أنه كلما اتسعت دوائر الصراعات والنزاعات والمصالح تعددت وتنوعت صور «صناعة النخب»، فهناك بعض النخب تُصنَع وَفْقَ معايير ربما تكون غير أخلاقية؛ لأن الهدف من تأسيسها وتمكينها ووضعها موضع الصدارة، وتزويدها بوفرة من الصلاحيات والسلطات؛ يكمن في تهيئتها لتكون أدواتٍ للصراع لا للحوار، أو أدوات للهدم لا للبناء، أو ربما الهدم بغرض إعادة البناء وفق منطق القوة ومتطلبات الهيمنة.

ومخطئ من يعتقد أن «صناعة النخب» ميدانها الوحيد هو العمل السياسي؛ ففي كل المجالات تنشط هذه الصناعة بصورها المتعددة، وأهدافها المختلفة، وأغراضها المتباينة، حيث تؤدي النخب دورًا كبيرًا ومؤثرًا في الواقع اليومي للمجتمعات والدول، وهي -كما أشرنا- ذات صور وأنماط متعددة على الرغم من القواسم المشتركة التي بينها، فإلى جانب النُّخب السياسية؛ هناك النُّخب الدينية، والفكرية، والثقافية، والاقتصادية، والإعلامية، والفنية، والرياضية، والمجتمعية، وغيرها من التصنيفات والتعريفات المتصلة بالتأثير في الرأي العام وإدارة الجماهير، حيث تعمل كل نخبة من تلك النُّخب في إطار حقلها العام ليعلو شأنها فيه، وتبدو بالغة الأثر والتأثير في محيطها ودوائر نفوذها، وبينما تبدو صناعة النُّخب بالمفهوم العقلاني احتياجًا لتحقيق التميز والتفوق والتوزان في مختلف المجالات، يبقى المثير للدهشة والجدل أن ينحرف المصطلح عن مساره المنطقي، فتُصنع بعض نماذج النخب من شخصيات هشة محدودة المعرفة لتكون سهلة القيادة، ومضمونة الولاء لمن أسهموا في صُنعها وتصديرها للمجتمع، وهذا ما يثير كثيرًا من التساؤلات، مثل:

لماذا تُصنع؟ وكيف تُصنع؟ ولمصلحة من تعمل؟

وإلى أي مدى تتغلب فيها المصالح الذاتية على المصالح العامة التي صُنعت من أجلها؟

وغير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تطرحها فكرة صناعة النخب عامةً، ونظرًا لأهمية هذه القضية، ولأن «الفيصل» مجلة معنية بالشأن الثقافي العام، فقد خصصنا ملف هذا العدد لمناقشة الأبعاد الثقافية لصناعة النخب، وطرحنا الموضوع على عدد من المثقفين والمختصين لمناقشة القضية من منظورها الثقافي الذي يتشابك مع كل جوانب الحياة بطبيعة الحال.