الكائن الذي لا يُرى؛ اللغة
نحن نمنح لقب «الحياة» بسخاء لكل ما يشاركنا حواسنا الخمس، ونقصيه عن كل ما يتجاوزها، وهذه ليست موضوعية، بل غرورًا وجوديًّا! الإنسان يتفاخر بوعيه وسلطته على قدره، لكنه لا يستطيع أن يرى أن سقف وعيه هو بحدود لغته. فإن كانت اللغة هي من تبني وعينا وحدود إدراكنا، وتشكل تصوراتنا باستمرار، فمن يمنح الحياة حقًّا؟
في نظرية الحتمية اللغوية التي صاغها عالما اللغة إدوارد سابير ولي وورف، يتضح أننا لا نعبر أو نفكر باللغة فحسب، بل ننظم مشاعرنا وأفكارنا وفق حصارها باستمرار. الناطق بالعربية حين يقرأ من اليمين إلى اليسار، لا يتعلم اتجاه ترتيب الكلام فحسب، بل يبني خطًّا زمنيًّا وتصوريًّا كاملًا يبدأ من اليمين. حتى حين يتخيل حدثًا مستقبليًّا، عقله يبدأ في رسمه من اليمين؛ لأن اللغة لا تتوقف عند القراءة أو الحديث، بل تمتد إلى أقصى تصوراتنا ووعينا.
قبيلة الهوبي في أميركا لا تملك في لغتها صيغة الماضي أو المستقبل، فهي تعيش الزمن كحالة مستمرة لا كخط متتابع. وشعب البيراها في الأمازون لا يملك في لغته أعدادًا أو مفهومًا للمستقبل البعيد، فلا يخططون أو يستذكرون بالطريقة التي نفعل. في اللغة العربية ذكر اللون الأخضر كافي لتغطية أكبر شريحة من الدرجات بينما في بعض اللغات الإفريقية تمتلك مصطلحات متعددة؛ لتفرق بين درجات لا يراها الناطق العربي أصلًا!
وهذه ليست طرائف لغوية، ولا استثناءات في هامش علم اللغويات، بل شواهد على أمر أكثر إزعاجًا؛ مفاهيم كالزمن والوعي والهوية والوجود ذاته، يتضح أنها ليست سوى أبنية لغوية، تتشكل بحدود ما تستطيع اللغة تسميته، وتنهار حين تعجز عن ذلك.
هنا لا يقف الأمر عند حدود النزاع الأدبي أو بلاغة التعبير، بل يتجاوزه إلى التشكيك في أساس ما نظنه إنسانًا. اللغة ليست مجرد «أداة» أو «وسيلة»، نستخدمها متى نشاء ثم نضعها جانبًا. هي ليست الجسر فحسب، بل الأرض التي يقف عليها الجسر نفسه. وحين ندرك ذلك، يتحول السؤال من: ما اللغة؟ إلى: ما حدودنا نحن؟ أين تنتهي اللغة وأين نبدأ؟ ومن منا يغلب على طباع الآخر؟
لكن ما يزيد الأمرَ إرباكًا حقًّا أننا لا نملك أداة أخرى ندين بها هذا الحصار، نحن محاصرون بأداة التفكير ذاتها التي نحاول بها تجاوز حدودنا.. الأمر أشبه بمن يحاول أن يرى عينيه بعينيه!
لا يوجد ما نستطيع قوله لنتحرر من غموض ماهية اللغة، لا إجابة مريحة حقًّا.