ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله.

ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها. ينبغي للمرأة أن تدخل النصّ -كما تدخل العالم والتاريخ- بدافعها الذاتي، وبحركتها الخاصة.

لم يعد مستساغًا أن يظل الماضي يصنع المستقبل. لا أنكر أن آثار الماضي لا تزال قائمة، لكنني أرفض أن أرسّخها بتكرارها، أو أن أمنحها ثباتًا لا يُزحزح القدر، أو أن أخلط بين ما هو بيولوجي وما هو ثقافي. إن الاستباق بات أمرًا مُلِحًّا.

تحمل هذه التأملات، بالضرورة، سِمة الزمن البيني الذي نعيشه؛ لأنها تتقدّم في منطقة توشك أن تنكشف، ذلك الزمن الذي ينبثق فيه الجديد من القديم، أو بالأحرى «نبأ» الجديد من القديم.

ولهذا، وبما أنه لا يوجد موضع ثابت يتأسس عليه خطاب، بل أرضٌ قاحلة ضاربة في القدم ينبغي شقّها، فإن ما أقوله يتّخذ على الأقل وجهين وغايتين: الهدم والكسر؛ واستشراف غير المتوقَّع، والانكباب نحو الأمام.

الكتابة بضمير المرأة

أكتب هذا بوصفي امرأة، أنحو صوب النساء. وحين أقول «المرأة»، فإنني أتحدث عن المرأة في صراعها الحتمي مع الرجل الكلاسيكي؛ وعن «امرأة-ذات» كونية، يقع على عاتقها أن تُنجز حضور النساء في معانيهنّ وتاريخهنّ. غير أنّه ينبغي القول، قبل كل شيء: إنّه لا توجد -حتى اليوم، وعلى الرغم من فداحة الكبت الذي أبقاهنّ في ذلك «السواد» الذي يُراد لهنّ أن يعترفن به سِمَةً لهنّ- امرأةٌ عامة، ولا امرأة نموذجية.

سأبيّن ما يشتركن فيه، لكن ما يلفتني هو الثراء اللامتناهي لتكويناتهنّ الفردية: لا يمكن الحديث عن جنسانية نسوية واحدة، موحّدة، متجانسة، قابلة للتقنين في مسار واحد، تمامًا كما لا يمكن الحديث عن لا وعي مماثل.

إنّ المتخيَّل لدى النساء لا ينفد، مثل: الموسيقا، والرسم، والكتابة؛ وتدفّقات خيالاتهنّ غير المسبوقة. وقد أدهشني، أكثر من مرة، ما كانت تصفه لي امرأة عن عالمٍ خاص بها، كانت تسكنه سرًّا منذ طفولتها المبكرة: عالم بحثٍ وبناء معرفة، منبثق من اختبارٍ منهجي لوظائف الجسد، ومن مساءلة دقيقة وشغوفة لإيروسيته.

هذه الممارسة، بما تنطوي عليه من ثراء ابتكاري استثنائي -ولا سيما فيما يتصل بالممارسة الذاتية للجسد- تمتد أو تترافق مع إنتاج للأشكال، مع نشاط جمالي حقيقي، حيث إن كل لحظة من لحظات اللذة تُسجل رؤيةً سمعية، أو تركيبًا، أو شيئًا جميلًا. لن تعود الجماليات محرَّمة بعد الآن. لذلك كنت أتمنى أن تكتب تلك المرأة، وأن تعلن سيادتها الفريدة. لكي تهتف نساء أخريات، سيّدات أخريات غير معترف بهنّ: «أنا أيضًا فائضة، رغباتي ابتكرت رغبات جديدة، جسدي يعرف أناشيد غير مسموعة. أنا أيضًا شعرت مرارًا بأنني ممتلئة حدّ الانفجار بسيولٍ من نور، وبأشكالٍ أجمل بكثير من تلك التي تُؤطَّر وتُباع بكل المال الفاسد ذي الرائحة الكريهة. وأنا أيضًا لم أقل شيئًا، لم أُظهر شيئًا؛ لم أفتح فمي، لم أُعِد رسم نصفي من العالم. خجلتُ. خفتُ، وابتلعتُ خجلي وخوفي. كنت أقول لنفسي: أنتِ مجنونة! ما هذه الاندفاعات، هذه الفيضانات، هذه الفورات؟».

وأيُّ امرأةٍ لا متناهية، وقد أُغرِقت في سذاجتها، وأُبقيت في الجهل واحتقار الذات بقبضة أبوية -زوجية- مركزية كبرى، لم تخجل من قوّتها؟ وأيُّ امرأة لم تفاجأ وتُصب بالرعب من هذا الضجيج الخيالي لاندفاعات دوافعها (إذ أُقنعت بأن المرأة «السوية»، «المنضبطة»، إنما هي هادئة… هدوءًا إلهيًّا)، ولم تتّهم نفسها بالمسخية؟ وأيُّ امرأة، حين أحسّت بنزوعٍ غريب يتحرّك فيها -نزوع إلى الغناء، أو الكتابة، أو التلفّظ، أي إلى إخراج الجديد إلى الوجود- لم تظنّ نفسها مريضة؟ غير أنّ مرضها المخزي، في الحقيقة، هو أنّها تقاوم الموت، وأنّها تُربك النظام إرباكًا شديدًا.

الآتيات منذ الأزل

ولِمَ لا تكتبين؟ اكتبـي! الكتابة هي لأجلكِ، وأنتِ لأجلها، وجسدكِ لكِ، فامتلكيه. أعرف لماذا لم تكتبي. (وأعرف لماذا لم أكتب أنا قبل سنّ السابعة والعشرين). لأن الكتابة، في آنٍ واحد، هي العالي جدًّا، والكبير جدًّا عليكِ؛ لأنها محجوزة للكبار، أي لـ«الرجال الكبار»؛ ولأنها تُعدّ «حماقة».

ومع ذلك، فقد كتبتِ قليلًا، لكن في الخفاء. ولم يكن ذلك سيئًا في ذاته، بل لأنّه كان خفيًّا، ولأنكِ كنتِ تعاقبين نفسكِ على الكتابة، فلا تذهبين بها إلى نهايتها؛ أو لأنكِ وأنتِ تكتبين، على نحوٍ لا يُقاوَم، كما كنّا نمارس سرًّا، لم يكن الهدف الذهاب أبعد، بل مجرد تخفيف التوتّر قليلًا، بالقدر الذي يجعل الفائض يكفّ عن تعذيبنا. ثمّ، ما إن تتحقّق اللذّة، حتى نسارع إلى تحميل أنفسنا الذنب؛ طلبًا للغفران، أو إلى النسيان، إلى الدفن، إلى أن تحين المرّة التالية.

اكتبي، ولا تدعي أحدًا يكبحكِ، ولا شيئًا يوقفكِ: لا رجلًا، ولا آلةً رأسماليةً بليدة تكون فيها دور النشر مجرّد وسائط ماكرة ومتذلّلة لإملاءات اقتصاد يعمل ضدّنا وعلى حساب ظهورنا؛ ولا حتى أنتِ نفسكِ.

النصوص النسوية الحقيقية، النصوص التي تحمل أجساد النساء، لا تُسعدهم؛ بل تُخيفهم؛ تُقزّزهم. صرخات القرّاء، ورؤساء السلاسل، وأرباب الدور الجالسين على عروشهم.

أنا أكتب امرأة: ينبغي للمرأة أن تكتب المرأة. وكذلك على الرجل أن يكتب الرجل. ولذلك لن تجد هنا سوى التفاتٍ مائل نحو الرجل، الذي عليه أن يقول ما تعنيه له ذكورته وأنوثته؛ وسيعنينا ذلك حين يفتحون أعينهم ليروا أنفسهم.

إنهنّ يعدن من بعيد: من الأزل؛ من «الخارج»، من الفيافي حيث لا تزال الساحرات يحفظن الحياة؛ من الأسفل، مما دون «الثقافة»؛ من طفولاتهنّ التي يجدن مشقّة بالغة في انتزاعها من الذاكرة، فيحكمن عليها بالحبس الأبدي. تُسَوَّر الطفلات ذوات الأجساد «غير المنضبطة»، يُحفظن، سالمات من أنفسهنّ، في الجليد. يُجمَّدن، لكن، أيّ اضطرابٍ يعصف هناك في الأسفل! وكم من الجهد يتطلّبه الأمر من شرطة الجنس -المكرَّس عملهم بلا انقطاع- لصدّ عودتهنّ المهدِّدة. وعلى الجانبين، هذا الحشد الهائل من القوى، جعل الصراع يتجمّد، قرونًا طويلة، في توازنٍ مرتجف عند نقطة موت.

ها هنّ يعدن، الآتيات منذ الأزل: لأنّ اللاوعي عصيّ على الاقتحام. لقد تهن دورانًا في تلك الغرفة الضيّقة، غرفة الدمى، حيث جرى نبذهنّ؛ حيث فُرضت عليهنّ تربية مُفرِّغة للعقل، قاتلة. يمكن سجنُهنّ، وإبطاؤهنّ، نعم، وإنجاحُ خدعة الفصل طويلًا، لكن إلى حين فقط. يمكن تلقينهنّ، منذ أن يبدأن الكلام، وبالتوازي مع تعلّم أسمائهنّ، أنّ منطقتَهنّ سوداء: لأنكِ إفريقيا، فأنتِ سوداء. قارتكِ سوداء. السواد خطر. في الظلام لا ترين شيئًا، فتخافين. لا تتحرّكي، فقد تسقطين. إيّاكِ والغابة. وقد استبطنّا نحنُ رعبَ السواد.

ضدّ النساء ارتُكب أعظمُ جرم: لقد جرى -بخبثٍ وبعنف- حملُهنّ على كراهية النساء، على أن يصبحن عدوّات لأنفسهنّ، على تعبئة قوّتهنّ الهائلة ضدّ ذواتهنّ، وعلى أداء المهمّة الذكورية نيابةً عن النظام الذكوري نفسه.

نرجسية مضادة

لقد أُصيبت النساء بـ«نرجسية مضادّة»! نرجسية لا تحبّ ذاتها إلا بقدر ما تُحبّ من أجل ما لا تملكه! هكذا صُنعت المنظومة الوضيعة لـ«اللاحبّ»، نحن المبكّرات، نحن المقصيّات عن الثقافة، نحن الأفواه الجميلة المكبَّلة بالكمّامات، اللقاح، الأنفاس المبتورة؛ نحن المتاهات، والسلالم، والفضاءات المداسة؛ نحن «سوداوات»، ونحن جميلات.

عاصفاتٌ نحن، وما هو لنا ينفصل عنّا من غير أن نخشـى الضعف: نظراتنا تمضي، ابتساماتنا تنفلت، ضحكات أفواهنا كلّها تتطاير، دماؤنا تجري، ونحن ننسكب من غير أن ننضب؛ أفكارنا، علاماتنا، كتاباتنا، لا نمسك بها ولا نخاف أن ينقصنا شيء.

طوبى لنا، نحن المُهمَلات، المُبعَدات عن مسرح الإرث، نستنشق ونزفر بلا لهاث، نحن في كلّ مكان! نحن الآتيات منذ الأزل، والآن؛ إذا تكلّمنا، فمن ذا الذي يستطيع أن يمنعنا؟

لقد آن الأوان لتحرير «الجديدة» من «القديمة»، بمعرفتها، وبحبّها لكي تفلت منها؛ لتجاوز القديمة من غير إبطاء، بالذهاب لاستقبال ما ستكونه الجديدة، كما ينفلت السهم من الوتر، في حركة واحدة تجمع الموجات وتفصلها موسيقيًّا، لكي تكون أكثر من ذاتها.

أقول: إنّ الأمر واجب؛ لأنّه لم توجد بعد كتابةٌ تُقَيِّد الأنوثة في النص إلا في استثناءات نادرة. استثناءات نادرة إلى حدّ أنّ من يجوب الآداب عبر الأزمنة واللغات والثقافات لا يعود إلا مذعورًا من هذا الصيد شبه العقيم. نعلم أنّ عدد النساء الكاتبات (وإن كان قد ازداد قليلًا ابتداءً من القرن التاسع عشر) ظلّ دائمًا ضئيلًا إلى حدّ السخرية، وهي معرفة عديمة الجدوى وخادعة؛ إذا لم نستخلص، قبل كل شيء، أن الأغلبية الساحقة من هذه الكتابات النسوية لا يختلف نسيجها في شيء عن الكتابة الذكورية، وأنها إما تحجب المرأة، أو تعيد إنتاج تمثّلاتها الكلاسيكية (المرأة الحسّاسة، الحدسية، الحالمة… إلخ).

أفتح هنا قوسًا: أقول فعلًا «كتابة ذكورية». وأؤكّد، بلا مواربة، أن هناك كتابات موسومة؛ وأن الكتابة، حتى الآن، كانت -على نحو أوسع بكثير مما يُظنّ أو يُعترف- مجالًا قمعيًّا، تُدار ضمن اقتصاد ليبيدي وثقافي -أي سياسي- ذكوري بامتياز؛ مكانًا أُعيد فيه إنتاج كبت المرأة، بدرجات متفاوتة من الوعي، وعلى نحو بالغ الخطورة؛ لأنه غالبًا ما كان مستترًا، أو متزيّنًا بسحر التخييل المضلِّل؛ مكانًا جُرَّت فيه، على نحو فظّ، كلّ علامات التعارض الجنسي (لا الاختلاف)، وحيث لم تمتلك المرأة يومًا كلمتها.

وذلك كلّه أشدّ فداحة ولا يُغتفر؛ لأنّ الكتابة، على وجه الدقّة، هي إمكانية التغيير ذاتها، والحيّز الذي يمكن أن تنطلق منه فكرة تخريبية، والحركة الاستباقية لتحوّل البنى الاجتماعية والثقافية.

استعادة الجسد

يكاد تاريخُ الكتابة بأكمله ينطبق على تاريخ العقل، وهي في آنٍ واحد أثرُه، ودعامتُه، وأحدُ أبرز ذرائعه، باستثناءاتٍ قليلة؛ إذ لولاها لما كنت أكتب (أنا-امرأة، ناجية)، لقد حدثت أعطال في تلك الآلة الهائلة التي تدور وتكرّر «حقيقتها» منذ قرون. كان هناك شعراء أصرّوا، بأيّ ثمن، على تمرير شيء غير متجانس مع التقليد: رجال قادرون على حبّ الحبّ؛ أي على حبّ الآخرين، والرغبة فيهم؛ وعلى التفكير في امرأة تقاوم السحق، وتُنشئ ذاتها كذاتٍ سامية، مساوية، وبالتالي «مستحيلة»، غير قابلة للاحتواء داخل الإطار الاجتماعي الواقعي. هذه المرأة لم يستطع الشاعر أن يرغب فيها إلا بكسر الشفرات التي تنفيها. وكان ظهورها يستتبع بالضرورة -إن لم يكن ثورة؛ لأنّ الحصن كان عصيًّا على التغيير- فعلى الأقل انفجارات ممزّقة.

وأحيانًا، إنما يكون ذلك في الصدع الذي يُحدِثه زلزال، عند لحظة تحوّل جذري للأشياء بفعل انقلابٍ مادي، حين تتوه البنى كلّها للحظة، وتجتاح وحشيةٌ عابرة للنظام القائم؛ في تلك اللحظة ينجح الشاعر، لمدة وجيزة، في تمرير المرأة.

هكذا فعل كلايست حتى مات؛ لأنه أراد أن تعيش الأخوات-العاشقات، البنات-الأمهات، الأمهات-الأخوات، اللواتي لم يسدلن رؤوسهنّ قط. بعد ذلك، وما إن تُعاد إقامة قصور القضاء، حتى يحين العقاب: قمعٌ فوريّ ودمويّ لتلك العناصر غير القابلة للضبط.

الشعراء وحدهم، لا الروائيون المتواطئون مع منطق التمثيل. الشعراء؛ لأنّ الشعر لا يكون إلا استمدادًا للقوّة من اللاوعي، ولأنّ اللاوعي -ذلك الإقليم الآخر اللامحدود- هو الموضع الذي يواصل فيه المقصيّون حياتهم: النساء، أو كما يقول هوفمان، الجنّيّات.

يجب عليها أن تكتب ذاتها؛ لأنّها بذلك تبتكر كتابة جديدة، متمرّدة، تسمح لها في لحظة تحريرها بأن تُحدث الانقطاعات والتحوّلات الضرورية في تاريخها، على مستويين لا ينفصلان:

أولًا- على المستوى الفردي: بكتابتها لنفسها، تعود المرأة إلى جسدها الذي سُلب منها أكثر من مجرد ملكية، جسدٌ أصبح غريبًا مقلقًا في المكان، مريضًا أو ميتًا، وغالبًا ما كان الرفيق السيئ، سببًا ومكانًا للكبت. وبتجريم الجسد، يُجرّم معه النفس والكلام.

اكتبي نفسك: يجب أن يسمع جسدك. حينها ستنبثق الموارد الهائلة للاإدراك. نفطنا هذا سينتشر، بلا دولارات ولا ذهب ولا نفط أسود، على العالم، بقيم غير مدرجة في السوق، تغيّر قواعد اللعبة القديمة.

الكتابة، فعل لا يقتصر على «تحقيق» العلاقة المرفوضة بين المرأة وجنسيتها، ووجودها كامرأة، مستردة بذلك قواها الخاصة؛ بل تستعيد لها ممتلكاتها، ملذّاتها، أعضاءها، أراضي جسدها الشاسعة المحجوزة؛ وتنتشلها من بنية «الأنا الأعلى» التي كانت تحجز لها مكان المتهمة دائمًا (المذنبة في كلّ شيء، دومًا: في وجود الرغبات أو غيابها؛ في البرودة أو في حرارة المبالغة؛ في أن تكون هذه وهاتين معًا أو لا؛ في أن تكون أُمًّا بشكل زائد أو ناقص؛ في إنجاب الأطفال أو عدم إنجابهم؛ في الرضاعة أو الحرمان…).

من خلال هذا العمل من البحث، والتحليل، والتنوير، هذا التحرّر من النصّ الساحر لنفسها، الذي عليها أن تتعلّم بسرعة كيف تبوح به. امرأة بلا جسد، صامتة، عمياء، لا يمكن أن تكون مقاتلةً جيدة. هي مُحْدَثة لتكون خادمة للناشطة، وظلّها.

يجب قتل المرأة الزائفة التي تمنع الحية من التنفس. تسجيل أنفاس المرأة الكاملة.

ثانيًا- هو فعل يعبّر أيضًا عن «انطلاق المرأة في الكلام»، ودخولها الصادم في التاريخ الذي تأسّس دومًا على كبتها. لتشكل الكتابة سلاحًا مضادًّا للوغوس. لتصبح أخيرًا فاعلةً مشاركةً، ومبادرةً بمحض إرادتها، ومن أجل حقّها الخاص، داخل أي نظام رمزي، وفي أي محكمة سياسية. لقد آن الأوان لأن تترك المرأة بصمتها المؤثرة في اللغة المكتوبة والمنطوقة.

كتابة تنبع من الحليب الأول

كل امرأة عرفت عذاب الوصول إلى الكلام الشفهي: قلب يخفق حتى يكاد ينفجر، أحيانًا السقوط في فقدان اللغة، الأرض واللسان يتهربان، فالحديث بالنسبة للمرأة -بل أقول: فتح الفم- في العلن هو تهور، وتعدٍّ، معاناة مزدوجة؛ لأنه حتى حين تخالف القواعد، فإن كلامها يكاد يسقط دائمًا على أذن رجالية صمّاء، لا تسمع في اللغة إلا ما يُخاطب الذكر.

ومن خلال الكتابة، من المرأة وإليها، ومواجهة تحدي الخطاب المُسيّر من قِبل (الذكر)، تؤكّد المرأة وجودها بغير المكانة التي حُجزت لها في الرمز، أي الصمت. تخرج من الصمت الفخّي، ولا تسمح لنفسها بأن تُلقى إلى الهامش أو إلى الحريم.

اسمع امرأة تتحدث في جمعية (إن لم تفقد أنفاسها بشدّة): هي لا «تتكلم» فحسب، بل ترمي بجسدها المرتعش في الهواء، تنطلق، تطير، كلّها تمرّ عبر صوتها، وهي بجسدها تدعم بشكل حيوي «منطق» خطابها؛ لحمها يقول الحقيقة. هي تعرض نفسها. في الحقيقة، تجسّد بشريًّا ما تفكر فيه، وتعبّر عنه بجسدها.

بطريقة ما، هي تُسجل ما تقول؛ لأنها لا ترفض للاندفاعات مكانها العصيّ على الانضباط والشغف في الكلام. خطابها، حتى لو كان «نظريًّا» أو سياسيًّا، ليس بسيطًا أبدًا أو خطيًّا أو «موضوعيًّا» بمعناه الجامع؛ بل تسحب معها تاريخها إلى التاريخ العام.

لا يوجد ذلك الانفصال، ذلك التقسيم الذي يمارسه الرجل العادي بين منطق الكلام الشفهي ومنطق النص، الذي يشدّه بعلاقته القديمة التي تستعبد وتحسب وتسيطر. ومن هنا ينبع الخطاب التافه، الهمس، الذي لا يلتزم سوى بأصغر جزء من الجسد، إضافة إلى القناع.

في الكلام الأنثوي، كما في الكتابة، لا يتوقف أبدًا صدى ما عبرنا ذات يوم، خفيًّا وعميقًا حين التماس معه، وما زال يحتفظ بقدرة التأثير فينا: ذلك النشيد، الموسيقا الأولى، صوت الحب الأول، الذي تحافظ عليه كل امرأة حيًّا في داخلها. كيف يمكن تفسير هذه العلاقة الخاصة مع الصوت؟

لأنه لا امرأة تراكم في دفاعاتها المضادة للاندفاعات (الحسية) كما يفعل الرجل. أنتِ لا تبنين، ولا تشيدين مثلَه، ولا تبتعدين «بحذر» عن اللذة كما يفعل هو. حتى وإن كان التزييف قد لوّث عادة العلاقات الصحيحة، فإن المرأة لا تبعد كثيرًا وأبدًا عن «الأم» (وهي عندي خارج الدور، «الأم» كاسم غير محدّد، كمصدر للنعم). في داخلها يبقى دومًا من حليب الأم الطيب ولو قليلًا، هي تكتب بحبر أبيض.