بواسطة صادق الشعلان - صحافي سعودي | نوفمبر 1, 2025 | سينما
السينما ليست مجرد شاشة مضيئة أو وسيلة ترفيه عابرة، بل هي أداة تشكيل وعي، ونافذة تُطل بنا على عوالم موازية تفتح خيالنا وتعيد صياغة نظرتنا للحياة. هكذا تراها السينمائية مها سلطان التي ارتبطت بالسينما منذ طفولتها؛ حتى غدت بالنسبة لها ضرورة وجودية، لا مجرد شغف أو هواية. ومن هنا انطلقت فكرة «ميم»، المنصّة التي، كما تراها سلطان، وُلدت من حاجة ملحّة إلى فضاء نقدي ومعرفي يملأ فراغًا واضحًا في المشهد المحلي، ويسهم في بناء ثقافة سينمائية تتجاوز حدود الترفيه إلى البحث، والتحليل، وطرح الأسئلة.
في هذا الحوار مع «الفيصل» تتحدث مها سلطان عن رحلة شغفها، من أول لحظة أدركت فيها أن الفِلم أكثر من قصة تُروى، إلى تأسيس «ميم»، إلى رؤيتها لمستقبل السينما السعودية ودورها في صناعة وعي جديد.
● ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن السينما أكثر من مجرَّد متعة؟ وما الذي دفعكِ لتأسيس منصَّة «ميم»؟ وهل هناك لحظة مفصلية شعرت أنها كانت انطلاقة فعلية لها؟
■ لا تحضرني أيَّة ذكرى من الماضي دون أن يكون للسينما نصيبٌ وحضورٌ فيها. قضيت وقتًا طويلًا أشاهد الأفلام وأقرأ وأكتب عنها، إلى أن جاءت اللحظة التي شعرت فيها بوجود شحٍّ في القراءات السينمائيَّة التحليليَّة والنقديَّة، وبخاصَّة على المستوى المحلي. وبدعمٍ من أصدقاء شغوفين آمنوا بهذا المشروع وكتَّاب كانوا يتوقون لوجودِ منصَّات محليَّة متخصِّصة، بدأت «ميم» أولى خطواتها في تقديم معرفةٍ سينمائيَّة نوعيَّةٍ. وقد قدَّمتْ المنصة منذ انطلاقتها كثيرًا من القراءات والترجمات السينمائيَّة وسبرت أغوار عالم السينما وصناعة الأفلام. وقد قطعنا أشواطًا كبيرةً ومررتُ بكثير من التحدِّيات التي رافقتها لحظاتٌ من البهجة الفائقة، ومثَّلت هذه الرحلة ما يشبه الولادة من جديد.
● هل تعتقدين أنَّ منصَّات مثل «ميم» تسهم فعلًا في بناء وعي سينمائيٍّ محليٍّ أم إن التأثير ما زال محدودًا؟
■ انطلاقة «ميم» البارزة كان دافعها ملء هذا الفراغ المعرفي الذي كانت تشهده الساحة المحليَّة، من غيابٍ للمواد النقديَّة الرصينة والمراجعات والقراءات السينمائيَّة. وبالتالي فإنَّ وجود هذه المنصَّات السينمائيَّة أمرٌ حيويٌّ لإيصال هذه المعرفة وتمكين وصولها إلى شرائح أوسع تتجاوز القارئ العليم والمتخصِّص.
ما يميز «ميم» عن غيرها من المبادرات والمنصَّات السينمائيَّة التي تعنى بالسينما هو الأصالة، وتمكين الشباب من الانخراط في رحلة بناء المعرفة السينمائيَّة، ومدِّ الجسور نحو الجمهور المحبِّ للسينما.
منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، أخذت «ميم» على عاتقها تقديم موادّ سينمائيَّة نوعيَّةٍ تتجاوز بناء الثقافة والمعرفة العامَّة والمتخصِّصة إلى فتح أفقٍ للتفكير والتأمُّل والبحث. ومن جهةٍ تحاول بشكلٍ دؤوبٍ قراءة الأفلام والموضوعات السينمائيَّة من زوايا جديدة. هذه النظرة المتجدِّدة للأفلام تبنى من خلال أقلامٍ شابَّةٍ مبدعةٍ ومحيطة بالسينما.
تكامل التجربة السينمائية
● ما الفرق بين مشاهدة فِلم، والقراءة السينمائيَّة له، وهل الجمهور في حاجة لأن يُثقف سينمائيًّا؟
■ هناك فرق بين مشاهدة فِلمٍ والقراءة السينمائيَّة له، فكلُّ شخصٍ له تجربته السينمائيَّة الخاصَّة حتى إن لم يكن ناقدًا سينمائيًّا، ولكن القراءة النقديَّة تضيف لك رؤيةً أخرى، تُنقَل لك من شخصٍ متخصِّص درس السينما وأحاط بخباياها، فصار ينظر لها نظرةً مختلفةً. ومن هنا تتعدَّدُ طرق النظر وتتَّسع باتساع الجمهور الذي يشاهد ويتأمُّل، وكما هو معروف، فإنَّ الجميع ينظرون للأشياء بطرقٍ مختلفةٍ ويتبنَّون وجهات نظرٍ متباينة.
وبالتالي فإن مشاهدتك للفِلم وقراءتك عنه إضافتان ومكسبان مختلفان من حيث الأثر والقيمة، وكلُّ واحدةٍ منهما تكمِّلُ الأخرى، وتحملان إضافةً مختلفةً للمتلقِّي.
بخصوص سؤال: هل الجمهور بحاجةٍ لأن يثقَّف سينمائيًّا؟ الحقيقة لا… الجمهور العام أو المستمتع بالتجربة السينمائيَّة ليس في حاجة إلى أن يُثقَّف سينمائيًّا بالضرورة، لكن إذا نظرنا إلى المدى البعيد، فإن بناء جيلٍ واعٍ أمرٌ بالغ الأهميَّة؛ لأنَّه هو من سيعزز الثقافات وأصالتها واستدامتها. وتقع مسؤوليَّة دعم هذا الاختيار بيد القطاع الحكومي والقطاع الخاص على حدٍّ سواء، كما تقع مسؤوليَّته علينا نحن أصحاب المشاريع والفنَّانين في أن نعزِّز لدى الجمهور الرغبة في أن يتثقَّف، أن يقرأ ويتعمَّق، وأن ينقد ويترجم إلى جانب الرغبة في المشاهدة والاستمتاع بالفِلم.
أما من هو بحاجةٍ إلى أن يتثقَّف سينمائيًّا وأن يبني قاعدةً متينة من المعرفة السينمائيَّة ويحيط بكل الموجات والنظريَّات والجماليَّات السينمائيَّة هم، في نظري، المنخرطون في قطاع الصناعة السينمائيَّة؛ لأن الثقافة والمعرفة السينمائيَّة تحذو حذو الإبداع في السينما، وإذا لم تكن تملك ثقافةً سينمائيَّة خاصَّة بك، فإنك لن تصنع عملًا سينمائيًّا إبداعيًّا.
● كيف توازنين بين الذائقة السينمائيَّة الشخصيَّة، وبين مسؤوليَّة تقديم توصيات حياديَّة عبر «ميم»؟
■ ينبغي أن نتفق أوَّلًا على أنَّ النقد هو دراسة قائمة بحد ذاتها، ولذلك، ليس كل كاتب بالضرورة ناقدًا، ولا كل صحفي يمتلك أدوات النقد السينمائي. يُعرَّفُ الناقد السينمائي على أنَّه الذي يملك القدرة على تحليل الطبقات المتعددة للأفلام وفهمها، بعيدًا من الانطباعات السطحيَّة.
لهذا السبب فإنَّ الحديث بحياديَّة مطلقةٍ عن السينما والأفلام يقترب من الأكاديمية البحتة؛ إذ يجب على من يتناول هذا الموضوع أن يكون متخصِّصًا في المجال، ومطلعًا على أساسيات السينما دراسةً واضحةً ومعمقة (من خلال دراسة المدارس السينمائيَّة المختلفة، وتاريخ تطوُّر الفنِّ السينمائي، إضافة إلى المعرفة بالأدوات التقنيَّة المستخدمة في صناعة الأفلام).
أما الذائقة السينمائيَّة الشخصيَّة فهي ليست وليدة السنوات القصيرة للحراك السينمائي، بل كانت موجودةً حتى قبل نهضة السينما في المملكة العربيَّة السعوديَّة منذ سنوات عدة. بناءً على ذلك فمن المؤكَّد أنَّ الذائقة السينمائيَّة محكومةٌ بالفروقات بين الجمهور، ويظهر ذلك في تميُّز المُشاهد السينمائي الواعي الذي يلاحظ التفاصيل الدقيقة، (الأسلوب الإخراجي، التصوير، الموسيقا التصويرية، أداء الممثلين…).

على طريق التشكّل
● كيف تبدو ملامح الهويَّة السينمائيَّة السعوديَّة اليوم، وهل يمكن القول: إن هناك خطًّا سينمائيًّا سعوديًّا بدأ يتشكل؟
■ لا تزال الصناعة السينمائيَّة السعوديَّة تخطو خطواتها الأولى مدفوعةً بزخم هذا الحراك السينمائي الكبير والواعد، ورغم ذلك نراها تميل إلى أن تكون مشتَّتة الآن، وتبدو أنَّها تعيش حالةً من التكرار والتوهان، أكثر من كونها سينما واضحة المعالم، وتعيش حالةً من الركود نتيجة الاعتماد المفرط على الاقتباس من السينما العالميَّة.
ولكن هناك أمل بدأ يتشكَّل ويسير بخطى واعدة، وذلك بفضل جهود كثير من المهتمِّين بصناعة مشروعات سينمائيَّة ذات طابعٍ نقديٍّ وبحثي، إلى جانب ظهور النوادي السينمائيَّة، والمكتبات السينمائيَّة المتخصِّصة، إضافةً إلى المدارس المتخصِّصة في السينما. كلُّ هذا يسهم في تعزيز وبناء صورةٍ مشرقةٍ للسينما السعوديَّة…
● هل ترين أن المحتوى المحلي بدأ يلامس قضايا المجتمع بعمق، أم إنه ما زال محصورًا في الصورة والسطحيات؟
■ إذا كنَّا نتحدَّث عن المحتوى بشكلٍ عام، يمكننا القول: إن المحتوى المحلي قد لامس الواقع منذ سنوات طويلة، وهو ما تجلَّى في الرواية، والقصة القصيرة، والمسلسلات التلفزيونية، وأيضًا في البحوث الأكاديمية التي تُبرزُ بوضوحٍ تطور الفكر المحلي وتفاعله مع الأحداث الاجتماعيَّة والسياسية. أما الآن، فقد بدأ بعض هذا المحتوى يظهر بشكلٍ ما في السينما وهذا أمر طبيعي؛ إذ إن السينما تعتبر مرآة للمجتمع، وصناعة الأفلام المحليَّة تعمل على تجسيد الواقع على الشاشة. والسبب في ذلك هو المدة القصيرة للنهضة السينمائيَّة في المملكة كقطاع إنتاجي، حيث لم تتح الفرصة لصناعة الأفلام بالصورة والصوت إلا منذ سنوات قليلة، وهذا ما يجعل الطريق أمام السينما المحليَّة لا يزال مفتوحًا لاكتشاف أساليب جديدة في التعبير الفني.
● ما الفجوة الأكبر التي تواجه صنَّاع الأفلام في السعوديَّة: التمويل، النص، الكادر الفني، أم الجمهور؟
■ في بدايات انطلاق السينما في السعوديَّة، يمكن القول: إنه لم تكن هناك فجوة سوى غياب الثقافة السينمائيَّة، أي غياب الوعي بأساسيات التلقي النقدي، والتمييز بين المستويات الفنيَّة والإخراجية. أما اليوم، فنجد أن جميع هذه العوامل أصبحت موجودة من حيث توافر الكوادر، والبنية التحتية، والدعم المؤسسي، إضافة إلى انفتاح الجمهور على التجربة السينمائيَّة. السبب في ذلك هو وجود التزام وحذر شديد من قبل شركات التمويل والقطاعات الحكومية والخاصَّة في إنتاج هذه الأعمال، حيث أصبحت الجهات الداعمة أكثر وعيًا بضرورة ضمان جودة المحتوى لضمان الاستدامة الثقافية والاقتصادية للمجال. وهناك أسباب عدة وراء ذلك؛ من أبرزها فشل بعض الأفلام في تحقيق النجاح أو الوصول إلى أهداف معينة، أو عدم وضوح قصتها، وهو ما يشير إلى الحاجة المُلِحّة لتحسين مراحل تطوير السيناريو والإنتاج. قد تكون هذه الأفلام استهلاكية أو مجرَّد بداية، وهذه الأسباب، في رأيي، تسببت في خلق فجوة كبيرة بين صناعة العمل وداعميه، بمعنى أن العمل أحيانًا لا يعكس فعليًّا الرؤية أو العمق الذي قد يمتلكه صانعه؛ بسبب ضغوط السوق أو ضعف الدعم الإبداعي.
● هل من طموح قادم لمنصَّة «ميم»؛ كي تتوسع من التوصيات إلى الإنتاج أو التعليم السينمائي؟
■ بالطبع آمل ذلك. لقد أخذنا على عاتقنا مسؤوليَّة التعليم والنقد، بجانبهما الأكاديمي والفني، إيمانًا بأن بناء مشهد سينمائي حقيقي لا يكتمل دون قاعدة معرفية قوية تُغذّي الوعي وتُثري الذائقة العامَّة. ونحن المنصَّة الوحيدة التي تقدم أوراقًا أكاديمية بحثية عن السينما وهذا ما يمنح عملنا خصوصية وعمقًا، ويجعلنا جزءًا فاعلًا في تشكيل الخطاب السينمائي المحلي.
بدأت الفكرة تتحول إلى قسم كامل في المنصَّة، أي أنها لم تكن مجرَّد مبادرة عابرة، بل رؤية نمت وتوسعت لتُصبح مشروعًا معرفيًّا متكاملًا. بالإضافة إلى الإنتاج، نحن نعمل على ذلك أيضًا. وبإذن الله، سترى إنتاجاتنا السينمائيَّة النور قريبًا.
جهودنا تتفرع إلى مجالات عدة؛ منها البرامج الأكاديمية والبودكاست، وكذلك صناعة الأفلام الفنيَّة والوثائقية، وهو ما يشير إلى رغبة واضحة في بناء منظومة شاملة تتناول السينما من جميع جوانبها، وتخدمها على المستوى التعليمي، والإعلامي، والإبداعي.
● هل لنا أن نعرف ما الحلم السينمائي الشخصي الذي لم يتحقق بعد على أرض الواقع؟
■ من أهم الأسباب التي دفعتني لدخول عالم السينما هو رغبتي في صناعة أفلامي الخاصَّة؛ لأعبّر من خلالها عن رؤى لا يمكن قولها بالكلمات فقط، بل تحتاج إلى الصورة والإيقاع والتفاصيل البصرية التي تمنح القصة حياة.
وبالنظر إلى انشغالي بالجانب الإداري وتطوير الإستراتيجيات والأعمال القيادية في السينما، لم أتمكن من إيجاد الوقت الكافي لإنهاء أعمالي، وهو أمر شائع لدى من يعمل في صناعة المحتوى من خلف الكواليس؛ حيث يستهلك العمل الإداري كثيرًا من الطاقة على حساب المشروع الإبداعي الشخصي.
صحيح أن لدي ثلاثة سيناريوهات؛ اثنان منها قصيران وواحد طويل، وأتمنى أن يكون هذا السؤال بداية خير لي لاستئناف العمل عليها قريبًا، فمجرَّد تذكّر الحلم في بعض الأحيان هو أول خطوة حقيقية للعودة إليه.
بواسطة صادق الشعلان - صحافي سعودي | نوفمبر 1, 2021 | سينما
مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي هو أول مهرجان سينمائي دولي في السعودية، أُنشئ بمبادرة من وزارة الثقافة السعودية، وسيقام لأول مرة في ديسمبر 2021م في جدة التاريخية. في المهرجان ستُعرض أحدث الأفلام، قبل عرضها على الشاشات السينمائية، كما تُعرض الأعمال التجريبية المغايرة للمألوف، وفيه يُعاد اكتشاف روائع السينما الكلاسيكية.
والمهرجان عبارة عن مظلة تضم تحتها برامج عدة ومبادرات وأنشطة واستثمارات ومنح، وكلها تسعى لاكتشاف المواهب وخلق فرص جديدة للنهوض بصناعة السينما المحلية والإقليمية والتواصل مع رواد السينما حول العالم.
يُعد مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي قبلة لعشاق السينما، وصانعيها من جميع أنحاء العالم، ويُشكل حدثًا يترقبه المهتمون ويثير حماسًا واسعًا في الوسط السينمائي والترفيهي.
رئيس لجنة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي محمد التركي تحدث لـ «الفيصل» عن الاستعدادات للمهرجان والمفاجآت التي يتوقعها الجمهور وعن موقع المرأة فيه، إضافة إلى قضايا أخرى عديدة.
● انطلاقة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي أصبحت قريبة جدًّا، هل استكملت إدارة المهرجان الترتيبات كافة، سعيًا لتدشين عالمي ناجح؟
■ نعمل جاهدين لكي نقدم مهرجانًا بمعايير عالمية وبحضور باهر ومفاجآت تليق بمستوى المهرجان في أرض المملكة. أعلن سوق البحر الأحمر مؤخرًا عن المشروعات والأفلام قيد الإنجاز التي تم اختيارها للمشاركة في دورته الافتتاحية، والتي ستقام من 8 – 11 ديسمبر بالتزامن مع فعاليات مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة. وأصبحت جميع الفعاليات والمبادرات على هامش المهرجان مُفعّلة، ونعد الجمهور بما يسره.
● ماذا يمكن أن تشهده الدورة الأولى التي يترقبها المشتغلون في السينما، سعوديين وعربًا ودوليين، من أنشطة وبرامج جديدة لم يعلن عنها حتى الآن؟
■ مهرجان البحر الأحمر الدولي سيكون له دور مهم في تغيير مسار صناعة السينما على مستوى عالمي. أطلقنا سوق البحر الأحمر الذي استقبل نخبة رفيعة من صناع السينما والمشغلين من حول العالم. ونسعى إلى وضع السعودية على خريطة العالم بمواهبها السينمائية ودعمها الذي سيشمل المنطقة عامة.
الاحتفاظ بأهم الإبداعات السينمائية
● تقرر تأجيل الدورة الأولى لمهرجان البحر الاحمر السينمائي لأسباب احترازية إلى موعدها الجديد، هل أحدث التأجيل تغييرات أو تحديث للفعاليات أو التكريمات التي كانت بصدد تنفيذها في الدورة الأولى المؤجلة؟
■ تأسس المهرجان عام 2018م بقيادة أول وزير للثقافة في السعودية، سمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود برؤية قيادية واضحة هدفها الاحتفاظ بأهم الإبداعات السينمائية واحتضان طاقات المواهب الإبداعية وصقلها. الرؤية والإستراتيجية واضحة منذ البداية وحتى الآن، ونحن نستكمل مسيرتنا في تنفيذ الخطط التي وضعناها منذ البداية في استقطاب عشاق الأفلام والسينمائيين وصناع الأفلام والمستثمرين في القطاع من حول العالم لنستضيفهم في دارنا في قلب جدة التاريخية الباهرة.
● على ماذا يدل اختيار جدة التاريخية مقرًّا ونقطة انطلاق لمهرجان البحر الأحمر السينمائي؟
■ جدة التاريخية بقعة ثمينة في أرض المملكة فهي ملتقى الحضارات والثقافات؛ حيث شهدت اتفاقيات تاريخية واجتماعية وثقافية على مر السنين.. البلد كما نحب أن نطلق عليها هي مركز ثقافي وتراثي وتاريخي عريق… تتمتع بمعمار بالغ التميز والجمال ما بين الشرفات والمشربيات الجميلة التي تتزين بها مبانيها العتيقة، وأناسها بأصالة ضيافتهم وكرمهم…

تكريس الجهود والطاقات
● نعلم جيدًا ما وصلت اليه المملكة من تسخير التقنية حتى أضحت من الدول المتقدمة في توظيفها على نطاق واسع، إلى أي حد كانت استعانة المهرجان بالتقنية لتنفيذ برامجه، وهل ستكون هناك فعاليات «أون لاين»؟
■ بكل تأكيد، تابعونا لمعرفة آخر أخبارنا ومستجدات فعالياتنا.
● هل يوجد تعاون أو تنسيق بين مهرجان البحر الأحمر وبقية الكيانات المعنية بالسينما في السعودية؟
■ نكرس جهودنا وطاقاتنا بالعمل المستمر مع هيئة الأفلام وصناع السينما السعودية من مخرجين ومنتجين وممثلين.
● كيف سيكون تعامل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي مع الأعمال السينمائية السعودية التي ما تزال في طور البدايات الأولى، هل من قسم في المهرجان يخصص مساحة لعرض بعض هذه الأفلام والتعريف بأصحابها لكسبهم ثقة في أنفسهم؟
■ نعم تقع هذه المهام تحت مظلة مبادرات متعددة منها سوق البحر الأحمر الذي ذكرته مسبقًا، بهدف دعم المواهب وتقديمهم للسوق العالمي.
● تمكين المرأة سينمائيًّا، هل يبذل المهرجان جهودًا لهذه الغاية؟
■ ندعم المواهب السينمائية على جميع الأصعدة ونقف يدًا بيد لكي نرتقي بصناعة السينما السعودية، ومنح الفرص بالتساوي للمرأة والرجل.
جدول حافل بالمفاجآت
● ما الذي أعده المهرجان لجذب الجمهور ورفع وتيرة زيادة الإقبال؟
■ أعتقد أنك تتفق معي أن هذا الحدث المرتقب منذ الإعلان جذب المتابعين وأثار حماسًا واسعًا في الوسط السينمائي والترفيهي عامة. مشاركتنا في مهرجان كان ومهرجان البندقية هذه السنة مع مواهب السينما السعودية والعربية، والفعاليات المصاحبة التي شاركنا فيها على الصعيد العالمي، يؤكد أننا نجهز للجمهور جدولًا حافلًا مليئًا بالمفاجآت، حيث نستقبل صناع السينما من حول العالم بقائمة حضور قوية تليق بمستوى المهرجان.
● هل تتوقعون أن يكون للمهرجان إسهام كبير في دفع عجلة السينما إلى الأمام، بوتيرة سريعة أكثر مما مضى؟
■ بكل تأكيد.
● خصص مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي صندوقًا لدعم المشروعات السينمائية وكانت البداية مع تمويل 14 مشروعًا سينمائيًّا. بودنا نسأل عن معايير اختيار هذه المشروعات، وكيفية آلية التمويل؟
■ تخضع جميع المشاركات إلى معاينات دقيقة من المختصين، حيث ندرس جميع المشروعات بأدق التفاصيل، تهمنا القصة والرسالة وبكل تأكيد الإبداع والابتكار في الإخراج والإنتاج.
● أخيرًا، هل أنتم متفائلون بالانطلاقة؟
■ الحماس لا يسعنا، نحن مثلكم نترقب الحدث ومشاهدة الرؤية وهي تبصر النور على أرض الواقع.
بواسطة صادق الشعلان - صحافي سعودي | يوليو 1, 2020 | موسيقا
اتسمت أعماله بالقوة وباسترسال موسيقيّ، فليس لدى صاحب «لو شفتها» من خاتمة؛ إذ باستطاعته أن يضيف إليه بين الوقت والآخر ما يزيد من متانته. فرض الموسيقيّ غازي علي نفسه بموسوعية ثقافته، واستثنائية جهوده، وطابعه المتفرد في تقديم صيغ مختلفة لمفهوم الموسيقا والأداء، صيغ ميزها الإتقان وقدرتها على العيش طويلًا، في وجدان المتلقي. نحن بصدد تجربة موسيقية ثرية ومختلفة، أضحت مكمن انبهار وإشادة ممن له صلة بالفن والموسيقا. يقول عنه الإعلامي والناقد يحيى زريقان: «غازي علي رجل دارس ومتمكن، قدم لنا موسيقا بلغة فخمة متناغمة مع شخصيتنا وهويتنا وبيئتنا». في حين ذكر الصحافي علي فقندش أن الموسيقا واليوغا هذبت غازي علي، «فهذب عواطفنا وسلوكنا».

فايزة أحمد
هو ليس بالاسم السهل الذي يمكن للألسن أن تتداوله من دون أن يكون للمتكلم أو الكاتب دراية به وبأعماله وبقدراته وثقافته العامة، التي لم تقتصرعلى الموسيقا وحدها، إنما شملت شتى المجالات والميادين. قد ينشأ خلاف هنا أو اختلاف هنالك حول غازي علي ومشروعه الموسيقيّ، لكن في لحظات كثيرة هناك إجماع على خصوصية صاحب «روابي قبا»، فهو بشهادة كبار الموسيقيين، مرجع لا غنى عنه في الموسيقا وفي الأغنية السعودية. جهوده الفنية شكلت محطة مهمة وأساسية في تاريخ الموسيقا بالمملكة والخليج.
نشأ منذ طفولته في وسط غنائي مُحاط بجمال الصوت والنغم، فَفُطِمَ على جمال الألحان وسحر أصوات الأذان في المسجد النبوي بالمدينة المنورة -حيث ولد في عام 1937م ونشأ في مراحله الأولى- والإنصات لوالدته بين وقت وآخر تغني. كان خاله، الذي جالسه طويلًا، يعزف على آلات موسيقية عدة، ويغني أيضًا، كما كان جده لأمه مطربًا. وجد علي نفسه محاطًا بهذه العائلة الفنية، وكذلك بالنخل والشجر والثمار اليانعة والماء، فشبّ على حب الطبيعة والموسيقا والشعر ليغدو فيما بعد حالة موسيقية استثنائية، ونمطًا غير سائد من مبدعي الحركة الفنية، وحاز مستوى عاليًا في علم الموسيقا، وأصبح ركنًا من أركان الفن السعودي، هذا هو الموسيقار غازي علي.
بدأت انطلاقته الموسيقية باكرًا حينما توجه إلى جمهورية مصر العربية لتعلم الموسيقا بصحبة والدته، التي تكشفت أمامها ميوله الموسيقية -المصري منها على وجه التحديد- ولا سيما وقد أضحت المعنية بتربيته ورعايته بعد وفاة والده وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره. التحق غازي بالمعهد الإيطالي للموسيقا في القاهرة، إلا أن معلمته في المعهد نصحته بالدراسة في معهد الكونسرفتوار، وحين ذهب اصطدم حينها بشرط قبوله أن يُتم المرحلة الثانوية، لكن لم يمضِ طويلا في حيرته، حتى افتتح مؤسس المعهد الموسيقي أبو بكر خيرت مدرسة للراغبين في الحصول على شهادة الثانوية، فانضم للمدرسة وبعد أن أتم الثانوية العامة، التحق بالمعهد قسم الموسيقا الغربية، وبعد ثلاث سنوات انتقل إلى قسم الموسيقا العربية، موئل جهابذة الموسيقا في ذلك الزمان، يتقدمهم الموسيقار رياض السنباطي الذي اختص غازي علي برعايته، ما إن لمس فيه نبوغًا موسيقيًّا مكنه، لاحقًا، من حيازة شهادة التأليف الموسيقيّ، تخصص علم الصوت الذي يعرف بالصولفيج من معهد الكونسرفتوار الموسيقي العالمي. مثل له ذلك دافعًا بعد تضلعه في علوم الموسيقا، للرحيل إلى أوربا، إنجلترا تحديدًا، ليدرس اليوغا بعد أن عرف أن علاقة ما تربطها بعلم الصوت. عشر سنوات من دراسة الموسيقا أكاديميًّا، فكان أول من يحوز شهادة علمية من بين أقرانه ذاك الزمان.
فتح بأعماله آفاقًا للساحة الفنية
فتح آفاق الساحة الفنية بعدد وافر من الأعمال الغنائية الممزوجة، قوامها مرة كلمات منتقاة وصوت عميق لا ينسى، ومرة ثانية مقطوعات موسيقية متفردة. ثمانون عملًا فنيًّا، منها ما حمل كلماته وألحانه وغناءه؛ إذ يُعد من أوائل من تجرأ بتقديم أعمال فنية من صنعه هو نفسه، في سابقة فريدة جمع فيها بين الكلمة واللحن والأداء. وجاءت الانطلاقة مع أغنية «روابي قبا» التي تفجرت كلماتها إثر حنين اجتاحه للمدينة المنورة وبساتينها «يا روابي قبا… يا ملتقى الخلان، هب ريح الصبا في عروة والبستان»، وعروة هذا كما عرفه غازي علي بئر ماء عذب، كان يرتوي منها أهل المدينة. وشنف آذان المستمع بعد ذلك بأغنية انبثقت فكرتها في زيارة له للمملكة خلال إجازته من الدراسة في الخارج، ورافق فيها والدته لأداء العمرة، فشدَّ انتباهه طريقة ساقي زمزم ومناداته للسقيا بأدوات نحاسية يحملها بين أصابعه (صناجات)، ليعود إلى مصر ويصمم لوحة غنائية سماها «شربة من زمزم»، مزجت ذكاء حادًّا في التقاط ما يمكن تحويله موسيقا خالصة، وحنينًا جارفًا: «شربة من زمزم سقاني… شربة من زمزم رواني».

طلاح مداح
وأيضًا أغنية «كحل العيوان» التي نفذتها الفرقة الماسية بقيادة المايسترو أحمد فؤاد حسن، «يا كحل العيون يا تراب بلدي، فداك يهون بدمي وولدي، باسمك أغني وأردد غُنايا، وكل الخلايق تغني معايا، تعيشي يا بلدي منصورة يا بلدي». ليمتد عطاؤه بسلمى يا ست الحلوين، ربوع المدينة، لا تسافر، وبلدي، يا الرياض، من الظهران، لو شفتها، جزيرتنا تنادي، وأعمال أخرى. المتأمل لنصوص غازي علي يجد أن ثيمة الحب والحنين تتواشجان فيها، إضافة إلى احتواء بعض نصوصه على كلمات فصحى ونادرة الاستخدام، وهو الأمر الذي يعكس مدى ما يتمتع به غازي علي من مخزون لغوي واسع وعميق.
يمتد علمه الموسيقي إلى تأليف مقطوعات موسيقية ما زالت رهن الاستماع إلى يومنا، رغم مرور عقود من الزمن، مثل مقطوعات: حنين ومرح وإشراق، انسجام، غزل، فرحة وشجن، بلدنا، وسنابيك، التي ما زالت تحت مجهر الدراسة والبحث والاطلاع، إضافة إلى مؤلفات موسيقية، واحدة منها عنوانها «ليوث الحرب» عُزفت في أوركسترا القاهرة السيموفوني. لحَّن عددًا من الأغاني لفنانين من داخل السعودية وخارجها، للفنان طلال مداح «سلام لله يا هاجرنا»، و«أسمر حليوه»، و«اسمحو لي أقولكم»، وللفنان عبادي الجوهر «يا باني المجد»، ولأسامة عبدالرحيم «هبوا بني الإسلام».وتعاون مع الموسيقار طارق عبدالحكيم في أغان عدة منها: «على ضفة الوادي»، و«تمهلي يا شمس لا تغيبي»، وغنى له وديع الصافي «يا ليالينا الجميلة»، كما غنت له الفنانة فايزة أحمد «شكوى»، والفنانة سعاد محمد «ها هنا كنا معا لحب سويا»، وعايدة بوخريص «جدة»، وهناء الصافي «الليلة يا أم العروسة»، ونازك «يا ندامة»، ومحمد قنديل «ياريت طبعك كريم زيك»، وفهد بلان «يا قمري لا تبكي» من كلماته وألحانه، وسميرة توفيق «يا شجرة الزنجبيلة» و«عنابك طاب واستوى». أيضًا لحَّنَ لعلي الحجار وماهر العطار وآخرين، وغنى من كلمات طاهر زمخشري وألحان بليغ حمدي أغنية بعنوان: «حكالي الطير».
مدرسة للموهوبين

رياض السنباطي
لم يثنه انشغاله بالنهل من علوم الموسيقا، وتطوير معارفه والانفتاح على كل جديد، من أن يفيد الراغبين من علمه وثقافته الموسيقية، فسخر من وقته جزءًا يقدم فيه الدروس لمن يريد؛ إذ طالما كان يحدوه الأمل في إنشاء أكاديمية للفنون وتأليف سيمفوني سعودي، لتخريج جيل موسيقي، كان ذلك حلمًا شغله طويلًا، على أي رغبة شخصية أخرى. هيأ مكانًا ووفر الآلات الموسيقية لمن أحواله المادية لا تساعده على اقتنائها. تخرج على يديه عازفون وعازفات وأسماء عرفها مجتمع الغناء السعودي؛ منهم الفنان طلال سلامة، والفنان عباس إبراهيم. إلا أن هذا المعهد الذي درس فيه الموسيقا، وكان يحتوي جل الآلات الموسيقية ومجموعة كبيرة من الكتب، وكان صغيرًا في مساحته إلا أنه كبير في أهدافه، لم يُكتَبْ له الاستمرار، وبقيت الأسباب المجهولة وراء توقف المعهد تشغل فنانين ومهتمين.
ميز صاحب «سلام لله يا هاجرنا» هدوء في إبداء ملاحظاته حول ما يصغي إليه من أعمال، بخلاف آخرين. ورغم ما تشهده تدريبات العمل الفني من مشقة وتوتر في الأعصاب، فإنه يبقى مترفقًا بمن يعملون معه، أو يتتلمذون عليه. إضافة إلى أنه يُفَرِّط في أوقات راحته، إما للنظر والمراجعة في العمل، أو التأكد من سلامة كل ما يتعلق بالتدريبات حينها.
كُرِّمَ الموسيقار غازي علي في مصر والإمارات العربية المتحدة . وتكريم آخر ضمه مع القامة الكبيرة أبي بكر سالم بالفقيه من الهيئة العامة للرياضة في مدينة الملك عبدالله بن عبدالعزيز الرياضية بجدة. ومع ذلك يبقى هذا التكريم أقل مما يستحقه، خصوصًا أنه أضحى في عمر متأخر، عرضة لنوبات المرض التي يتعالى عليها بفضل وقفة نبيلة من محبين قلة يحيطون به، وكان لتكفل وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان بعلاجه، حين سقط وأصيب بكسر في الحوض، أبلغ الأثر في نفسه هذا الموسيقار الكبير، الذي يعيش لفنه ولموسيقاه ولتلاميذه. فهو مكتوب عليه أن يكون عظيمًا وضمن حيز «المشهور المغمور»، وممن يمثل الهامش لكنه الهامش العميق، وليس السطحي، كما جاء على لسان الشاعر أحمد عايل فقيهي.