جون بيرغر (1926– 2017م) كاتب وناقد فنيّ ورسّام بريطانيّ، ويُعَدّ من أكثر الأصوات تأثيرًا في القرن العشرين. حقق شهرة عالمية من خلال سلسلته وكتابه «طرق الرؤية»، حيث أحدث ثورة في نقد الفن عبر تحليله لكيفية تأثير الثقافة والنوع الاجتماعي والسياسة في نظرتنا. طوال مسيرته، تميز بيرغر بالتزامه الاجتماعي وقدرته على التنقل بين الأنواع الأدبية المختلفة، وقد فاز بجائزة بوكر عام 1972م عن روايته «جي». وبعد انتقاله إلى قرية في جبال الألب الفرنسية، كرّس جزءًا كبيرًا من أعماله لتوثيق اختفاء الحياة الريفية. ولا يزال إرثه أساسًا لفهم العلاقة بين الفن والمجتمع والسلطة.
بالنسبة للفنان، الرسم هو اكتشاف. وليس الأمر مجرد عبارة جميلة؛ بل هو حقيقة واقعية تمامًا. إن فعل الرسم نفسه هو ما يجبر الفنان على النظر إلى الشيء أمامه، على تفكيكه وإعادة تركيبه في خياله، أو -إن كان يرسم من الذاكرة- على الغوص في أعماقها حتى يعثر على محتوى مخزونه الخاص من الملاحظات الماضية.
الرسم فعل رؤية لا تمثيل
في تعليم الرسم، من المألوف القول: إن الأساس يكمن في عملية النظر نفسها. الخط، أو البقعة اللونية، لا يكتسبان أهميتهما بما يسجلانه مما رأيناه، بل بما يقوداننا إلى مواصلة الرؤية. ومن خلال متابعة هذا المنطق للتحقق من صحته، يجد المرء نفسه مؤكَّدًا أو مُفنَّدًا في الموضوع نفسه أو في ذكرى له. كل تأكيد أو تفنيد يقربه من الموضوع، حتى ينتهي به الأمر، إن صح التعبير، داخله: فالخطوط التي رسمها لم تعد تحدد حدود ما رآه، بل حدود ما أصبح هو نفسه إياه.
قد يبدو هذا ميتافيزيقيًّا على نحو مبالغ فيه. طريقة أخرى للتعبير عن الأمر هي القول إن كل علامة يرسمها المرء على الورق أشبه بحجر عابر يقفز منه إلى الذي يليه، وهكذا حتى يعبر الموضوع المرسوم كما لو كان نهرًا، حتى يتركه وراءه.
هذا يختلف تمامًا عن عملية رسم لوحة «مكتملة» أو نحت تمثال. ففي هذه الحالات لا يعبر الفنان عن الموضوع، بل يسعى إلى إعادة خلقه والإقامة فيه. كل ضربة فرشاة أو ضربة إزميل لم تعد حجرًا عابرًا، بل حجرًا يوضع في بناء مُخطَّط له.
الرسم وثيقة ذاتية، تسجل اكتشاف حدث، سواء أكان منظورًا أم مُتذكَّرًا أم مُتخيَّلًا. أما العمل «المكتمل» فهو محاولة لبناء حدث قائم بذاته. ومن اللافت في هذا الصدد أن الرسوم لم تبدأ في الوجود على النحو الذي نفهمه اليوم إلا عندما بلغ الفنان مستوى معينًا من الحرية. «السير ذاتية» الفردية، في التقاليد الطقسية المجهولة الهوية، لم تكن هناك حاجة إليها. (ربما ينبغي أن أوضح هنا أنني أتحدث عن رسومات العمل، وإن لم تكن دائمًا تُنفَّذ لمشروع محدد. لا أعني الرسوم الخطية، أو الرسوم التوضيحية، أو الكاريكاتير، أو بعض البورتريهات، أو بعض الأعمال الغرافيكية التي قد تكون «مكتملة» بذاتها).
غالبًا ما تزيد بعض العوامل التقنية من وضوح الفارق بين رسم العمل والعمل «المكتمل»: مثل الزمن الأطول اللازم لإنجاز لوحة أو نحت، الحجم الأكبر للعمل، ضرورة التعامل في آن واحد مع اللون، نوعية الأصباغ، الدرجة، الملمس، الحبيبات، إلخ. مقارنة بذلك، فإن لغة الرسم «الاختزالية» أبسط وأكثر مباشرة. ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري في طريقة عمل ذهن الفنان. فالرسم في جوهره عمل خاص، يرتبط فقط باحتياجات الفنان الذاتية؛ بينما التمثال أو اللوحة «المكتملة» عمل عام، معروض، يرتبط على نحو أوثق بمطالب التواصل.
ومن هنا يمكن استنتاج أن ثمة فارقًا مماثلًا من منظور المتلقي. فأمام لوحة أو تمثال، يميل المشاهد إلى التماهي مع الموضوع، إلى تفسير الصور لذاتها؛ أما أمام الرسم، فيتماهى مع الفنان، ويستخدم الصور ليكتسب تجربة الوعي بالرؤية كما لو كان يرى بعينيه.

البياض كفضاء للرؤية
عندما نظرت إلى الصفحة البيضاء في دفتري، أدركت طولها أكثر من عرضها. كانت الحافتان العلوية والسفلية هما الأهم، ففي المسافة بينهما كان عليّ أن أعيد بناء الكيفية التي ارتفع بها الجسد عن الأرض، أو على العكس، الكيفية التي التصق بها. كانت طاقة الوقفة عمودية قبل كل شيء. كل الحركات الجانبية الصغيرة للذراعين، انحناءة العنق، الساق غير الحاملة للوزن، كانت جميعها مرتبطة بهذه القوة العمودية، تمامًا كما تتدلى الأغصان أو تمتد نسبةً إلى المحور العمودي للجذع.
كان على خطوط البداية أن تعبر عن ذلك: أن تُبقيه منتصبًا كالبولينغ، لكنها في الوقت نفسه تُظهر أنه، بخلاف البولينغ، قادر على الحركة، قادر على إعادة التوازن إذا مالت الأرض، قادر على القفز والبقاء في الهواء لحظات في مواجهة قوة الجاذبية العمودية.
بحثتُ عن الفروق. كانت الساق اليسرى هي التي تحمل وزنه؛ لذلك كان ذلك الجانب الخلفي من الجسد مشدودًا، سواء أكان مستقيمًا أم مائلًا؛ بينما كان الجانب الأيمن، وهو في المقدمة، أكثر ارتخاءً وليونة. خطوط جانبية عشوائية كانت تجري عبر جسده من المنحنيات إلى الحافات، كما تجري الجداول من التلال نحو الأودية الضيقة في المنحدرات. لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة. ففي الجزء الأمامي الأكثر استرخاءً من الجسد، كانت القبضة مشدودة، وصلابة مفاصل الأصابع ذكّرتني بالخط الصلب للأضلاع على الجهة الأخرى، مثل كومة من الصخور في التلال تُذكِّر بجرف صخري.
ثم بدأتُ أرى سطح الورقة البيضاء التي سأرسم عليها بطريقة أخرى. لم تعد صفحة نظيفة ملساء، بل تحولت إلى فراغ مفتوح. صار بياضها أشبه بمنطقة من الضوء اللامحدود، المعتم، الذي يمكن التحرك خلاله، لكن لا يمكن الرؤية عبره. كنتُ أعلم أنني ما إن أرسم عليه خطًّا -أو عبره- سيتعين عليَّ ضبطه، لا كما يفعل سائق السيارة على سطح واحد، بل كما يفعل الطيار في الجو؛ لأن الحركة كانت ممكنة في الأبعاد الثلاثة.
غير أنّه، عندما وضعتُ علامة ما، في نقطةٍ أسفل الأضلاع الأمامية، تغيّرت طبيعة الصفحة من جديد. فجأةً لم تعد منطقة الضوء المعتم بلا حدود. ما رسمتُه غيّر طبيعة الصفحة كلها، تمامًا كما يتغير ماء حوض السمك بمجرد أن تضع فيه سمكة. فمنذ تلك اللحظة، لا يعود النظر إلا إلى السمكة. يصير الماء مجرد شرطٍ لوجودها والمساحة التي يمكنها أن تسبح فيها.
لكن عندما اخترقتُ الجسد لأرسم خط الكتف في الخلف، وقع تغيير آخر. لم يكن الأمر ببساطة كإضافة سمكة ثانية إلى الحوض. الخط الثاني غيّر طبيعة الأول. حتى تلك اللحظة، كان الخط الأول يبدو بلا هدف، أما الآن فقد منحه الخط الثاني معنى محددًا وثابتًا. معًا، أمسكا بحدود المساحة بينهما، وهذه المساحة، المشدودة بالقوة التي أعطت للصفحة في البداية إمكانية العمق، ارتفعت وكأنها توحي بشكل ثلاثي الأبعاد. عندها بدأ الرسم فعليًّا.

تشكّل الجسد داخل الرسم
البُعد الثالث، حجم الكرسي، والجسد، والشجرة، هو -على الأقل فيما يتعلق بحواسنا- الدليل بعينه على وجودنا. إنّه الفارق بين الكلمة والعالم. حين نظرتُ إلى العارض، أدهشني مجرد كونه ذا حجم، يشغل حيّزًا، أكثر من مجرد مجموع عشرة آلاف صورة له من عشرة آلاف منظور مختلف. كنتُ أتمنى أن يسمح رسمي -وهو بطبيعته رؤية من منظور واحد- بأن يشفّ عن هذا العدد اللامحدود من الجوانب الأخرى. لكن، في تلك اللحظة، كان الأمر يتعلق فقط ببناء الأشكال وصقلها حتى تبدأ توتراتها في أن تشبه تلك التي أراها في العارض.
بالطبع، كان من السهل جدًّا أن أخطئ؛ أن أبالغ في التشديد فينفجر الشكل مثل بالون، أو أن ينهار مثل طين رقيق على سطح عجلة الخزاف؛ أو أن يصبح مشوَّهًا إلى حدّ لا رجعة فيه ويفقد مركز ثقله. ومع ذلك، ها هو أمامي. لقد تحوّل الاحتمال اللامتناهي، المعتم، في الصفحة البيضاء إلى شيء محدَّد ومضيء. كانت مهمتي الآن هي التنسيق والقياس، لكن ليس القياس بالبوصة، كما يقيس المرء أونصة زبيب وهو يعدّ حباتها، بل القياس بالإيقاع، بالحجم، وبالحركة؛ أن أقدّر المسافات والزوايا كما يفعل طائر يحلّق عبر شبكة من الأغصان؛ أن أتخيّل المخططات كما يفعل مهندس معماري؛ أن أشعر بضغط خطوط يدي وخطوطها على السطح الأخير للورق، تمامًا كما يشعر البحّار بشدّ أشرعته؛ ليضبطها أكثر أو أقل لمواجهة الريح.
قدّرتُ ارتفاع الأذن نسبةً إلى العينين، وزوايا المثلث الملتوي الذي شكّله مستوى الصدر مع السرّة، والخطوط الجانبية للظهر والوركين، وهي تهبط حتى تلتقي في الأسفل، والموضع النسبي لمفاصل أصابع اليد في الخلف، وهي تكاد تكون في خط مستقيم مع أصابع القدم في الخلف أيضًا؛ غير أنني لم أكن أبحث فقط عن النِّسَب الخطية، الزوايا، وأطوال تلك الخيوط الخيالية الممتدة بين نقطتين، بل أيضًا عن العلاقات بين السطوح: أي تلك التي تتراجع وتلك التي تتقدم.
كما أنّ المرء، حين يتأمل أسطح الأسقف المبعثرة في مدينة عشوائية غير مخططة، يجد زوايا متراجعة بالطريقة ذاتها في جدران عليا أو نوافذ بارزة لبيوت مختلفة جدًّا، بحيث إذا مددنا مستوى معينًا عبر جميعها سينتهي إلى أن يتطابق تمامًا مع آخر، كذلك أيضًا نجد امتدادات لسطوح متطابقة في أجزاء مختلفة من الجسد. فالمستوى الذي ينحدر من فم المعدة حتى ما بين الفخذين يتطابق مع المستوى الممتد للخلف من الركبة في المقدمة إلى الحافة الخارجية الحادة للساق. أحد السطوح الداخلية الناعمة، أعلى الفخذ بكثير في الساق ذاتها، كان يتطابق مع السطح الصغير الممتد حتى محيط عضلة الصدر في الخلف ويحيط به.
وهكذا، بينما كانت وحدة ما تأخذ في التشكل، والخطوط تتراكم على الورق، عدتُ أعي التوترات الحقيقية في الوقفة. لكن هذه المرة بطريقة أكثر دقة. لم يعد الأمر يتعلق بإدراك الوضع العمودي المهيمن فحسب. لقد انخرطتُ بشكل أعمق مع الجسد. حتى أصغر الحقائق أصبحت مُلِحّة، وكان عَلَيّ أن أقاوم إغراء المبالغة في التشديد على كل خط من الخطوط.

اللحظة الحاسمة في الرسم
دخلتُ في المساحات الغائرة وأعطيت الأولوية للأشكال المتقدمة. كذلك، كنتُ أُصحّح، فأرسم فوق الخطوط السابقة وعبرها؛ لأعيد التوازن إلى النسب، أو لأجد وسيلة للتعبير عن اكتشافات أقل وضوحًا. رأيتُ أن الخط النازل في وسط الجذع، من قاعدة العنق، حتى الصدر، مرورًا بالسرّة حتى ما بين الساقين، يشبه عارضة السفينة، وأن الأضلاع كوّنت هيكلها، وأن الساق المسترخية في المقدمة امتدت في حركتها إلى الأمام مثل مجداف يشق الماء.
ورأيتُ أن الذراعين المتدليين على جانبي الجسد كانا أشبه بمحاور العربة، وأن الانحناءة الخارجية للفخذ الحامل للوزن تشبه الحافة المعدنية لعجلة. كما رأيتُ أن عظام الترقوة كانت مثل ذراعي هيئة مصلوب. ومع ذلك، فكل هذه الصور، رغم أنني اخترتها بعناية كبيرة، فإنها تشوّه ما أحاول وصفه. لقد رأيتُ وعرّفتُ حقائق تشريحية شائعة جدًّا، لكنني شعرتُ بها جسديًا أيضًا، كما لو أنّ جهازي العصبي كان يسكن جسده بدوره.
بعض الأشياء التي أدركتُها يمكنني وصفها بشكل مباشر أكثر. على سبيل المثال، لاحظتُ الفراغ القائم تحت قوس القدم في الساق المثنية المتوترة التي كانت تحمل وزن الجسد. كما لاحظتُ كم كان اندماج الجدار المستقيم السفلي للبطن مع السطوح المائلة، المتقاربة للفخذ والورك، دقيقًا ولطيفًا. ورأيتُ التباين بين صلابة المرفق ورقة ونعومة الجزء الداخلي من الذراع عند المستوى نفسه.
ثم بلغ الرسم سريعًا نقطته الحاسمة، أي اللحظة التي يصبح فيها ما رُسم مثيرًا لاهتمامي بقدر ما تبقّى لي لاكتشافه. في كل رسم هناك لحظة كهذه. وأنا أسميها «اللحظة الحرجة»؛ لأنها هي التي تحدد فعلًا ما إذا كان الرسم سينجح أم يخفق. فمنذ تلك اللحظة يبدأ المرء بالرسم وفقًا لمتطلبات الرسم نفسه. فإذا كان الرسم قد بلغ قدرًا من الدقة، فهذه المتطلبات ستتطابق على الأرجح مع ما لا يزال بالإمكان اكتشافه بالبحث الصادق. أما إذا لم يكن دقيقًا، فإن تلك المتطلبات لن تؤدي إلا إلى تضخيم عدم الدقة.
نظرتُ إلى رسمي محاولًا أن أكتشف أية تشوهات محتملة: أي تظليل أو خطوط فقدت تركيزها الأصلي بعدما حاصرتها خطوط أخرى؛ أي إيماءات عفوية تجنبت مشكلة، وأيها كانت صائبة بالفطرة. ومع ذلك، حتى هذا الفحص كان يتم بوعي جزئي فقط. ففي بعض المواضع كنتُ أرى بوضوح أن مقطعًا ما كان متعثرًا ويحتاج إلى تعديل؛ وفي مواضع أخرى كنت أترك القلم ينزلق على الورق، كما لو كان عودًا يستقصي مجرى ماء خفي. شكلٌ ما كان يجذبني، فيدفع القلم إلى التظليل، وهو ما يعزز إحساس الغور فيه؛ شكل آخر كان يضغط على القلم ليعيد تأكيد خط يمكن أن يبرزه.
وبعد ذلك، كنتُ أنظر إلى العارض بطريقة مختلفة حين أريد التحقق من شكلٍ ما. كنتُ أنظر، إن جاز التعبير، بتواطؤ أكبر: فقط لأجد ما كنتُ أرغب في العثور عليه. وهكذا وصلت إلى النهاية. مزيج من الطموح وخيبة الأمل. ففي مخيلتي، كنتُ أرى أن رسمي والرجل الحقيقي قد تطابقا، بحيث لم يعد للحظة رجلًا قد جلس أمامي، بل صار كائنًا يسكن العالم الذي أنشأتُه جزئيًّا، تعبيرًا فريدًا عن تجربتي. ومع أن هذا ما كنت أراه في خيالي، فإن ما رأته عيناي فعليًّا هو ضآلة رسمي وتفتته وارتباكه.
0 تعليق