فرناندو بيسوا والإسلام
يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر أربعة نصوص (اثنان باسمه) يظهر فيها اهتمامه بالعالم والثقافة الإسلامية: سونيته عن الملك المسلم أبي عبدالله (1460- 1527م) في مجلة سنتاورو عام 1916م، وثلاث قصائد بعنوان «رباعيات» في مجلة كونتيمبورانيا عام 1926م، ومقالان عن الشاعر العربي الأندلسي المعتمد (1040-1095م)، في صحيفة «أو نوتيسياس» المصورة عام 1928م، وقد وقعهما بالأحرف الأولى A. F. G. أوغوستو فيريرا غوميز.
الحال أن معظم كتابات بيسوا عن الإسلام والثقافة الإسلامية لم تُنشر قبل وفاته عام 1935م. وقد نُشرت بعض هذه النصوص في العقود الماضية، ويمكن العثور عليها الآن ضمن الطبعات العديدة لأعمال بيسوا.
في عام 1968م، ذكر أنطونيو دي بينا كويلو الفلاسفة العرب الذين قرأ بيسوا أعمالهم في حياته. وفي عام 1998م، نشرت الباحثة البرازيلية مارسيا مانير ميغيل فيتوسا دراسة في الأدب المقارن عن فرناندو بيسوا وعمر الخيام، وهي الدراسة المتعمقة الوحيدة حول هذا الموضوع حتى يومنا هذا. بالتركيز على اهتمام بيسوا بالثقافة الفارسية، نشرت ماريا أليتي غالهوز رباعيات بيسوا في طبعات عدة من العمل الشعري للمؤلف. ودرس باحثون آخرون هذا الموضوعَ أو التعليق عليه.
يُرجح أن اهتمام بيسوا بالإسلام والحضارة الإسلامية بدأ بين عامي 1903م و1904م. في ذلك الوقت، كان قد التحق بمدرسة ديربان الثانوية في جنوب إفريقيا، حيث عاش من عام 1896م إلى عام 1905م في بيئة ناطقة بالإنجليزية وتحت الاستعمار البريطاني. في عام 1903م، مُنح بيسوا جائزة الملكة التذكارية من عميد تلك المدرسة، ويلفريد هــ. نيكولاس. وشملت تلك الجائزة عمل هاري جونستون «العالم الإسلامي».
كان بيسوا ينوي شراء نسخة من «ألف ليلة وليلة»، كما ذكر في قائمة مشروعاته الكتابية، ثلاث روايات قصيرة من تأليفه باللغة الإنجليزية تحت عنوان «حكاية عربية»، كانت هذه الروايات بعنوان «الضمير»، و«الأعداء»، و«سخاء العرب». لم يُعثر على هذه السرديات في إرث بيسوا الأدبي.
بين عامي 1904م و1905م، قبيل عودته إلى لشبونة وبعدها مباشرة، قرأ بيسوا وعلّق على مقال «محمد: نبي الإسلام» لتوماس كارليل، ومقال «الشعر الفارسي» لرالف والدو. أعرب بيسوا أيضًا عن رغبته في شراء نسخ من الأحاديث النبوية إضافة إلى بعض أعمال الشعراء الفارسيين في العصور الوسطى، مثل الخيام وسعدي.
بالنظر إلى البيئة العائلية لبيسوا، يتخيل كالفاكانتي فيلهو أن تأثير الثقافة الشعبية العربية في التراث البرتغالي الشفهي كان ملحوظًا في الوقت الذي قضاه بيسوا مع أقاربه في منزلهم في ديربان. ووفقًا لكاتب السيرة البرازيلي، من بين موسيقاه المفضلة كانت أغاني شعبية من أصل عربي. ويمكن ملاحظة أنه قبل رحلته من لشبونة إلى جنوب إفريقيا، اعتاد بيسوا زيارة المبنى العربي الجديد الذي ميّز حلبة مصارعة الثيران في كامبو بيكينو منذ عام 1892م مع عمه الأكبر مانويل غالدينو دا كونيا. وفقًا لريتشارد زينيث كان لمانويل غوالدينو دورًا رئيسًا في تشكيل الحساسية الثقافية لدى الشاب بيسوا.
نسخة من القرآن الكريم
في عام 1906م، وبعد أشهر قليلة من عودته إلى لشبونة، ألّف بيسوا قصيدة باللغة الإنجليزية بعنوان «نعش محمد» التي لم تُعثر عليها بعدُ في ممتلكاته الأدبية، كما قرأ قصيدة بيرسي بيش شيلي «ثورة الإسلام» في العام نفسه، عندما كان طالبًا في كلية الآداب بجامعة لشبونة، ونظرًا لشغفه الكبير بالدين والفلسفة، خطط بيسوا لشراء نسخة من القرآن الكريم، إضافة إلى أعمال اثنين من المفكرين الإسلاميين في العصور الوسطى: ابن رشد والغزالي، إلا أن هذه المجلدات الثلاثة غير موجودة في مكتبة بيسوا الخاصة.
في المدة نفسها، كتب بيسوا مقتطفات من قصة سردية فلسفية باللغة الإنجليزية، تتناول الفلسفة الإسلامية. تروي هذه القصة حوارًا بين شاب شغوف بالتعلم ورجل عربي عجوز يطرح عليه الشاب أسئلة فلسفية. تجدر الإشارة إلى أن بعض الفلاسفة الإسلاميين في العصور الوسطى الذين ذكرهم بيسوا في هذه القصة السردية، مثل ابن طفيل وابن باجه وابن سينا، كانوا جزءًا من تقليد الفلاسفة الشعراء الإسلاميين، وبخاصة التقليد الإيبيري الأندلسي.
ثمة إشارة إلى ألف ليلة وليلة (تستحضر فترة ديربان) في مقطع من 20 ديسمبر 1931م، يتعلق بجماليات الخيال ووجوده: «بعض الشخصيات الرومانسية ستساعدنا بشكل خاص على عدم التمكن من معرفة ما لدينا من أصدقاء وأصحاب، حتى نتوصل إلى معرفة ورؤية حياة مرئية وحقيقية. هذا يجعلني أتساءل عما إذا كان كل شيء في العالم عبارة عن سلسلة من القصص المدرجة بين الأبناء والرومانسيين. لطالما لحظتُ أن بعض الشخصيات الخيالية تكتسب مكانة بارزة لم يبلغها أصدقاؤنا ومعارفنا الذين يتحدثون إلينا ويستمعون إلينا في حياتنا الواقعية المرئية. وهذا يدفعني إلى التخيل، هل كل شيء في هذا العالم مجرد سلسلة مترابطة من الأحلام والروايات، كصناديق صغيرة داخل صناديق أكبر، كل منها داخل أخرى أكبر، قصة مكونة من قصص، كألف ليلة وليلة، تجري أحداثها بشكل غير واقعي في ليل لا ينتهي».
ترجم فيتزجيرالد رباعيات الخيام من مخطوطات مشكوك في صحتها، ودون إلمام تام باللغة الفارسية. كما اعترف بأن ترجمته لم تكن دقيقة جدًّا: «ستثير ترجمتي اهتمامك من شكلها، وكذلك من نواحٍ عديدة من تفاصيلها: فهي أحادية الجانب جدًّا. العديد من الرباعيات مختلطة وأشك في أنها فقدت شيئًا من بساطة عمر، وهي فضيلة كبيرة فيه». في هذا الصعيد، أشار بيسوا في نصف عنوان نسخته الخاصة من رباعيات عمر الخيام: «لم يكن عمر الخيام مؤلفًا، بل كان مصدر إلهام لفيتزجيرالد». كان بيسوا، واعيًا بشكل خاص للبعد الخيالي للأدب والوجود، منجذبًا إلى الخصائص الجمالية والتأليفية والنشرية لعمل فيتزجيرالد في الترجمة وإعادة السبك.
وكما ذكرتُ سابقًا، ربما كان بيسوا قد تواصل لأول مرة مع الرباعيات في ديربان، كجزء من تعليمه الأنغلوفوني في السياق الاستعماري البريطاني لجنوب إفريقيا. في عام 1905م، قبل عودته إلى لشبونه بمدة وجيزة، قرأ مقالة رالف والدو إمرسون «الشعر الفارسي». في هذه المقالة، رأى بيسوا اقتباسات من رباعيات الخيام، إضافة إلى نماذج أخرى من الشعر الفارسي، مثل أبيات العطار وحافظ.
الفلسفة الجوهرية لشعر الخيام
كان بيسوا ينوي نشر مختارات أدبية في البرتغال تتضمن رباعيات الخيام. كان مشروعه نشر ترجمة برتغالية للقصائد، مصحوبة بمقال عن الفلسفة الجوهرية لشعر الخيام، كما تشهد بعض وثائق تركته الأدبية. في غضون ذلك، نُشرت طبعة برتغالية من رباعيات الخيام عام 1927م، على الرغم من قراءته المتأنية لترجمات أخرى للرباعيات، ولا سيما ترجمة البروفيسور الأسكتلندي توماس ذا هانتر وير، إلا أن بيسوا كان أكثر اهتمامًا بترجمة فيتزجيرالد الشهيرة التي أعاد صياغتها بعنوان «رباعيات عمر الخيام». للتعرف إلى أعمال الخيام بعمق، قرأ بيسوا أيضًا، في هذه المدة، أعمالًا عن الأدب الفارسي لإدوارد غرانفيل براون وعن الدين الإسلامي والحضارة والفن لإدوارد دينيسون روس.
بين عامي 1926م و1935م، عام وفاته، ترجم اثنين وأربعين من الرباعيات إلى البرتغالية، وكتب عنها أعمالًا نثرية وأعاد، بشكل عام، ابتكار نفسه مؤلفًا للرباعيات باللغة البرتغالية. كتب بيسوا ما لا يقل عن 172 رباعية بأسلوب المؤلف الفارسي، ونشر ثلاثًا منها في المجلة الأدبية «كونتيمبورانيا» عام 1926م. ظلت جميع رباعيات بيسوا تقريبًا دون نشر عند وفاته، وربما لا تزال هناك بعض الوثائق في ممتلكاته الأدبية مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بهذا المشروع النشري. تُمثل رباعيات بيسوا واحدة من تجارب نزع الشخصية التي ميزت مسيرته الأدبية، كما هو الحال مع الأسماء المستعارة، حتى إن بيسوا يناقش نقاط التقارب والاختلاف بينه وبين «الخيام» كمؤلف قرأه وأعاد اختراعه: «كان لعمر شخصية، أنا. وفي غضون ساعة سأبتعد عما أنا عليه الآن؛ غدًا سوف أنسى ما أنا عليه اليوم. أولئك الذين هم على سجيتهم، مثل عمر، يعيشون في عالم واحد فقط، هو العالم الخارجي. أما أولئك الذين ليسوا على سجيتهم، مثلي، فلا يعيشون في العالم الخارجي فحسب، بل في عالم داخلي متنوع ومتغير باستمرار. مهما حاولنا، فلن نتمكن أبدًا من تبني فلسفة عمر. أضم في داخلي، كأرواح غير مرغوب فيها، الفلسفات التي أنتقدها. كان بإمكان عمر رفضها جميعًا؛ لأنها كانت جميعها خارجة عنه، لكنني لا أستطيع رفضها؛ لأنها أنا».
في عام 1952م، اقتبس خورخي لويس بورخيس الجملة نفسها في مقال «لغز إدوارد فيتزجيرالد»، المنشور في «محاكم التفتيش الأخرى» عام 1952م. فسّر بيسوا فلسفة عمر الخيام على أنها مزيج من التشاؤم والعدمية والأبيقورية والقدرية والملل واللاأدرية. وعلى الرغم من أن بيسوا كان يُدرك أن خيام فيتزجيرالد لا يُمثل الفكر الأصيل للشاعر الفارسي، فإنه كان مهتمًّا، قبل كل شيء، بالعناصر الفلسفية الموجودة في إعادة اختراع فيتزجيرالد الأبيقورية والمتشائمة والمعاصرة التي قدمت، من وجهة نظر بيسوا، خيامًا كان «سيد الحزن وخيبة الأمل».
يُعدّ التراث العرقي والثقافي والروحي لشبه الجزيرة الإيبيرية، التي حكمها المسلمون بين عامي 711م و1492م –الأندلس- أحد الموضوعات الرئيسة في كتابات بيسوا عن الحضارة الإسلامية. في عام 1910م قرر بيسوا تناول هذا التراث، بطريقة أكثر منهجية وأهمية، في أعماله وفكره وفي الثقافة البرتغالية المعاصرة.
ميزة نموذجية للروح العربية
بين عامي 1916م و1918م، كتب بيسوا معظم أعماله النثرية المتعلقة بالإسلام والحضارة الإسلامية. وكانت هذه الأعمال جزءًا من مشروعات بيسوا الأوسع نطاقًا حول الحسية والوثنية الحديثة (في عام 1916م، كلف بيسوا مورا بمهمة الكتابة عن التراث العربي والإسلامي في «الحسيّة» و«الوثنية الحديثة»، وهما حركتان ثقافيتان وجماليتان كان بيسوا يطورهما في ذلك الوقت). في تلك المدة، كان بيسوا يسعى بشكل خاص إلى تأسيس الحسيّة، وهو اسم الحركة الفنية والفلسفية المرتبطة بمجلة «أورفيو» الحداثية (1915م)، التي أسسها ماريو دي سا كارنيرو وبيسوا. كتب مورا: «الحساسيون لديهم ميزة نموذجية للروح العربية: نشاط فضولي عالمي، حيث يتقبلون تأثيرات كل الجهات، العميقة أو العاطفية، ويجمعون النتائج ويتحولون في النهاية إلى جوهر روحهم الخاصة». ذكر بيسوا، في إحدى فرضياته النظرية، المتفرقة والمتناقضة أحيانًا، أن قدرة «تركيب الأمم والعصور والفنون»، التي تُشير إلى الحسية بوصفها «حركة تركيبية رائعة» ورثتها من الحضارة الإسلامية (وبخاصة من الأندلس). ووفقًا لبيسوا، كانت هذه القدرة التركيبية العنصر الأكثر تميزًا لتلك الحضارة. وتكتسب بعض الكلمات، التي نطق بها خوسيه أوغوستو سيابرا، قبل ثلاثة وعشرين عامًا من نشر تلك النصوص، أهمية بالغة في هذا الإطار النظري للحسية.
في عام 1916م نشر بيسوا سوناتا في مجلة سنتورو، يذكر فيها شخصية أبي عبدالله – ملك غرناطة المسلم الراحل قبل الاسترداد المسيحي للمدينة، ثم لشبه الجزيرة، عام 1492م: «ربما لم أكن أبا عبدالله ذات يوم، ولكن مجرد نظرته الأخيرة، من الطريق، مُنحت لظل غرناطة المهجور، أفق بارد فوق النيلي المتصل… اليوم أنا الشوق الإمبراطوري لما رأيته بالفعل بعيدًا من نفسي».
يرى بيسوا أن وجود الحضارة الإسلامية على مدى قرون في شبه الجزيرة الإيبيرية خلق خلفية نفسية وثقافية رومانية عربية.
كما ذكر بيسوا مرات التسامح الديني كعنصر آخر من عناصر الحضارة الإسلامية والأندلس، إلى جانب الألفة العرقية والثقافية والحفاظ على الثقافة اليونانية. في كتابات بيسوا الإيبيرية (1915-1918م)، أُشِيدَ بالحضارة الإسلامية في الأندلس لكونها متسامحة دينيًّا: «إن الطريقة التي نحافظ بها على الروح العربية في أوربا هي التي ستمكننا من الحصول على شخصية متميزة».
المصدر:
– BOSCAGLIA, Fabrizio, “Fernando Pessoa and Islam: an introductory overview with a critical edition of twelve documents”, Pessoa Plural – A Journal of Fernando Pessoa Studies, 9 (2016), 38-109.