لم يكن سفره إلى باريس رغبةً في مدينة، بل محاولةً لنجاةٍ مؤقتة من نفسه. كان يشعر أن المعنى يتآكل في داخله ببطء، كما يتآكل جدارٌ رطب لا ينهار دفعةً واحدة، بل يفقد تماسكه حجرًا بعد حجر. لم يكن الخوف من الفشل، بل من الذوبان؛ من أن يصبح حضوره باهتًا في عالمٍ يمضي مسرعًا نحو ضوءٍ لا يدري أهو نورٌ أم وهم.
حزم حقيبته كما تُحزم الأسئلة المؤجلة، ووضع فيها بقايا قناعات لم يختبرها، وقلقًا تراكم في صدره حتى صار كخيوط عنكبوتٍ تشدّ بصيرته إلى الداخل. حمل ذلك القلق كما يُحمل كتابٌ لم يُقرأ كاملًا، ومضى نحو مدينةٍ ظنّها قادرةً على أن تمنحه مسافةً بينه وبين نفسه.
لم يكن يبحث عن متعة الرحلة، بل عن مسافةٍ يعيد فيها ترتيب صوته الذي اختلط عليه؛ علّه يرى نفسه من الخارج ويستعيد خيط حضوره.
خفَّ الزحف البشري قليلًا على الرصيف العريض للشانزليزيه. السيارات تمرّ ببطءٍ منتظم، وإشارات عبور المشاة تومض بالأخضر ثم الأحمر. في الطرف البعيد يلوح قوس النصر، ومن الجهة الأخرى تمتد المسافة نحو ساحة الكونكورد، حيث تنتصب المسلة الفرعونية كإبرةٍ حجرية في هواءٍ بارد.
كان يجلس إلى طاولةٍ معدنيةٍ صغيرة أمام مقهى «بول». الكرسي يهتز قليلًا كلما مرّت حافلة. وضع فنجان القهوة على الطبق الأبيض، وراقب خيط البخار وهو يتلاشى سريعًا. الفندق الذي يحمل اسم «الكونكورد» يقع خلفه بعد شارعين. غادره باكرًا هربًا من قاعة الإفطار؛ ضجيج الصحون، صفوف النزلاء، الإضاءة الخافتة التي تزيد الوجوه شحوبًا. لم يحتمل فكرة أن يبدأ يومه بين أجسادٍ متلاصقة وابتساماتٍ رسمية.
إلى يمينه جلس رجلٌ آسيوي يرتدي قميصًا قطنيًّا أبيض بلا ياقة. أكمامه مطوية بعناية، وساعته جلدية داكنة. كان يبتسم كلما التقت عيونهما. لم يستطع أن يرد الابتسامة كاملة؛ انفرجت شفتاه قليلًا ثم انطبقتا بسرعة. خُيّل إليه أن صوت الإطباق كان مسموعًا. في اللحظة نفسها تعثرت النادلة بقدم المقعد القريب من ثلاجة العرض. ضحك بصوتٍ أعلى مما ينبغي، لا لشيءٍ إلا لأنه ظن أنه السبب.
نهض الرجل بانحناءةٍ خفيفة وقال اسمه: ديباك شوبرا. نطق الحروف ببطء، كمن يضع حجرًا فوق حجر. صافحه، وكانت يده دافئةً على غير المتوقع في هذا الصباح البارد.
لا يعرف لماذا وافق فورًا حين اقترح أن يتمشيا بمحاذاة نهر السين. قال: «انطلاقة الأقدام»، كما لو أنه يصف تمرينًا بسيطًا. مشى دون استعجال، وكان يراقب خطواته كما لو أنه يراقب شخصًا آخر يمشي باسمه. كان يترك لقدميه أن تتكيّفا مع ميل الرصيف وارتفاعه. لا يدفع الأرض، بل ينساب فوقها.
شيئًا فشيئًا بدأ ذلك البعد الخفيف بينه وبين نفسه يضيق. لم يعد المشهد يُرى من الخارج وحده، بل صار يضغط من الداخل أيضًا. وكان ذلك هو المنعطف الذي تبدّل عنده الصوت من الغائب إلى الأنا، دون أن ينتبه.
في البداية كنت أسمع صوته من بعيد، كأن بيني وبينه زجاجًا رقيقًا. كان يتحدث عن «قانون المجهود الأقل»: عن العشب الذي لا يجتهد لينمو، والطيور التي لا تتعلم الطيران لأنها تطير فحسب؛ فالأسماك لا تتعلم السباحة؛ إنها تسبح فقط. البشر وحدهم يظنون أن كل شيءٍ يحتاج إلى صراع. كنت أومئ برأسي، لكن شيئًا في داخلي كان ينفصل عني ويقف جانبًا.
ثم، فجأة، شعرت أنني أعود إلى جسدي. لم أعد أراه من الخارج. هذا أنا. اليد التي تتأرجح بمحاذاة جسدي يدي، والقدم التي تخطو على الحجر قدمي. تحسست صدري بخفة، كأنني أتحقق من وجود شيءٍ سقط.
التفت إليّ ديباك وسأل:
– هل فقدت شيئًا؟
هززت رأسي نفيًا. لم أرد أن أقول له: إنني كنت أفتش عن نفسي.
كنت أسمعه الآن بوضوح. لم يعد صوته يأتيني عبر الزجاج. شيءٌ ما هدأ في الداخل، أو ربما تعب من المقاومة. لم أكن متأكدًا: أأنا الذي يصغي.. أم ذلك الآخر الذي يسكنني ويستبقني إلى الكلام؟!
في الدقائق الأولى كان رأسي ساحة معركة. صور، عبارات، وجوه، مخاوف قديمة، فواتير لم تُدفع، حوارات لم تُحسم، وذكريات تتصاعد كدخانٍ أسود. شعرتُ أنني لو فتحت عينيّ سأنهض وأغادر.
ثم… تعب الضجيج.
لا أدري متى حدث ذلك. كأن الحوار الداخلي فقد خصمه. كأن الكلمات اصطدمت بسقفٍ لم تكن تراه. سقطت واحدةً تلو الأخرى، وبقيتُ أنا. لم تكن سكينةً عاطفية، بل انكشافًا. رأيت خوفي من العدم، لا كفكرة، بل كطفلٍ يرتجف في زاوية قلبي. رأيت أنني كنت أهرب من خوفي إلى المدن، لا من المدن إلى خوفي.
فتح ديباك عينيه قبلي وقال بهدوء:
– لا تطارد الطمأنينة. هي أثر، لا هدف.
صمت طويلًا، حتى بدأت أسمع ضجيجي الداخلي بوضوحٍ جارح. حينها كنت أستمع، وأراقب في الوقت ذاته صوتًا آخر ينهض داخلي: إنه.. قريني.
ضحك القرين بخفة، وقال:
– ها أنت تنقاد إلى حكيمٍ شرقي في شارعٍ أورُبي!
أردتُ أن أجادله، لكن صوتي في داخلي كان أعلى مني. كانت أفكاري تتدافع كما لو أنها تخشى أن تُستبعد من مجلسٍ سري.
جلسنا قرب النهر. رمى حجرًا صغيرًا في الماء، فارتسمت دوائر متتابعة. انتظر حتى سكن السطح، ثم قال:
– هكذا يعمل الصمت. إذا كان ذهنك بحرًا هائجًا، فلن ترى أثرًا لشيء.
لم يعطني درسًا. كان يتكلم كما لو أنه يصف طقسًا داخليًّا يعرفه جيدًا. الصمت، قال، ليس غياب الكلام، بل انكشاف الضجيج. في بدايته يعلو الحوار الداخلي حتى يكاد يفترسك، ثم يتعب فينسحب كجنديٍّ خاسر.
تابع بهدوء: «ذكاء الطبيعة يعمل بلا احتكاك. حين ننسجم، ننجز دون صراع».
قريني لم يعجبه الحديث. همس:
– هذه «وحدة وجود» بعباءة جديدة.
جادلته في سري بأن ذرات أجسادنا حطام نجومٍ قديمة، وأننا نرتدي الكون كما نرتدي قمصاننا. ابتسم ساخرًا:
– إذن لماذا لا تصعد معه إلى الجبال؟ أم إنك لا تحب إلا نصف الحكمة؟
عند جادة «سان جورج» افترقنا. كان لديه قطار إلى الجنوب. عرض عليّ أن أرافقه إلى مدينة «أنسي». لم أفكر طويلًا هذه المرة؛ تبعت قراري كما لو أنني أختبر قانونًا لا أفهمه.
في القطار، كانت ضواحي باريس تمرّ كأيدٍ تدفعني إلى الأمام. راقبته وهو يغمض عينيه في تأملٍ هادئ، كأن وجهه يُعاد ترتيبه من الداخل. احترمت صمته. للمرة الأولى لم أشعر بحاجةٍ إلى ملء الفراغ بالكلمات.
حدثني لاحقًا عن الصمت كتمرين، لا كهروب. ساعةٌ في اليوم تكفي، قال: لتتعرف إلى جوهرك قبل أن يتحدث الآخرون نيابةً عنه.
كنت أعرف شيئًا عن ذلك من تراثنا؛ أربعون يومًا في صومعةٍ بلا نافذةٍ إلا لقطعة خبزٍ وكأس ماء. من يحتمل عزلة البداية يُدعى «سالكًا». كثيرون يطرقون الباب في الأيام الأولى طالبين الخروج.
عاد قريني يرفع حاجبه:
– الفرق أن أولئك كانوا يعرفون لمن يصمتون.
لم أجد جوابًا جاهزًا. اكتفيت بالنظر إلى وجهي في زجاج النافذة. كان يشبهني أكثر من الأسبوع الماضي.
عند أنسي وقفنا قرب البحيرة. رمى حجرًا آخر. رأيت تموّج الماء كما لو أنه يحدث في صدري. لم أشعر بمعجزة، فقط بخفةٍ طفيفة، كأن أحدهم خفف قبضته عن قلبي.
افترقنا بعد يومين. كان متجهًا إلى مون بلان. عدتُ أنا إلى باريس وحدي.
عندما هدأ القطار واقتربنا من المحطة أدركت أن التحول لم يكن انتقالًا من قلقٍ إلى طمأنينةٍ كاملة، بل من انقسامٍ إلى مصالحةٍ أولى. لم تختفِ أسئلتي، لكنها لم تعد تهاجمني. حاول قريني استعادة نبرته، لكن صوته تداخل هذه المرة مع صرير الكوابح.
توقف القطار.. وسكن الصوتان معًا. ولأول مرة، لم أشعر أنني أهرب من شيء. كنت أمشي، فقط. لم أعرف إن كنت قد وجدت نفسي، لكنني للمرة الأولى لم أشعر أنني أبحث عنها.
0 تعليق