شُرفة للعالم
تُطل من شرفة الطابق الخامس، أحيانًا تُفكر بالقفز، لكن أملها يُخبرها أن هناك مكانًا أفضل بانتظارها، فتعود إلى الداخل. تتوقف أمام رف المكتبة الصغير، كتاب تعليم اللغة الصينية يتوسط أربعة كتب باللغة الإنجليزية والفرنسية. من أعطاها الكتاب قال لها: إنها فتاة (فنزويلية) عادية، لكن البضائع العادية الصينية لا يُوقفها شيء وتُنفذ إلى كل مكان.
تفك رمزًا آخر من الحروف الصينية، وترسم الحرف المتداخل على الأوراق عدة مرات كأنها ترسم تعويذة سحرية.. لكن ضجيج إخوتها يفك السحر ويعيدها إلى المكان الأكثر ضيقًا بالنسبة لها، فتحاول عبثًا إعادة تجميع حروف السحر الصينية، لكنها تفشل في إيجاد البوابة التي يمكنها عبرها التحليق بعيدًا عن هذا المكان، وبعد محاولة فاشلة في استقراء الخطوط المتداخلة لكلمة جديدة تخرج إلى الشرفة، تحدق في الشارع الضيق الذي تشكله العمارات، وتنظر للهاوية أسفل عمارتها، وتفكر أن أفضل طريقة للصعود هي نظرية الطيران الأميركية، ولتذهب نظرية البضائع الصينية للجحيم.
* * *
(كندا)، (هولندا)، (إسبانيا)، (فنزويلا)… خياراتها للحياة. هي جربت لعشرين عامًا البلد الأخير، لكن البلدان الأخرى تحتاج لاختفاء بلدها؛ لتتمكن من طلب اللجوء إلى إحدى تلك البلدان.. حرب أو كارثة كبرى هي طريقها الوحيد لعبور البحر باتجاه بلد آخر، لكن تخشى أن تطولها هي نفسها الحرب أو الكارثة قبل أن تستطيع السفر إلى إحدى تلك البلدان، وتخسر حتى تلك الشرفة التي تطل على الشارع الضيق.
(كندا) الأقرب لكنها الأصعب، و(هولندا) الأكثر ترحيبًا، و(إسبانيا) في المنتصف ولا تحتاج فيها لتعلم لغة أخرى، لكنها تخشى أن تكون نسخة من مكانها حتى لو كانت ستسكن في طابق أعلى، وشرفتها وهاويتها أكثر أتساعًا.
* * *
«(اليابان) أكثر غنًى من (الصين)»، باغتها بهذه العبارة أخوها الصغير وهو يضع حقيبته المدرسية على طاولة المكتب بجوار كتاب تعليم اللغة الصينية.
تأملت أخاها بدهشة وهو يتابع: «هناك الأجور التي يدفعونها مرتفعة، وثقافتهم في الغناء الأوبرالي أفضل بكثير، والفرصة بالحصول على عمل هناك أفضل من أوربا؛ بسبب أن عدد فنانين (السوبريانوا) قليلون مقارنة بعددهم في أوربا». وابتسم وهو يناولها الورقة الصغيرة التي كان مكتوبًا في آخر سطر فيها: «لكن عليك التعود على أكل الأعشاب البحرية مع السكر».
قال لها أخوها: إن المعلم في البناية المجاورة طلب منه إعطاءها لها. قرأت الورقة من جديد، ثم طوتها بشكل طائرة ورقية، وقذفتها من الشرفة.
* * *
(أميركا) البلد التي تُحصد فيها أوراق الدولار، وتُوزع على بقية أنحاء العالم هي الأقرب لها، لكنها الأبعد من باقي البلدان التي ترغب في الذهاب إليها! والدروس التي تأخذها في كيفية التقدم لمسابقة الجمال ليست مشجعة تمامًا، خصوصًا مع كلمات المدربة التي أخبرتها أن الجمال ليس كل شيء، وأن الحظ هو الحاسم في مثل هذه المسابقات، وأنها مهما كانت جميلة في عيون أحد الحكام، فستكون أخرى أجمل منها في عيون مُحكم آخر! مدربتها -بعد أن شاهدت انكسارها- ابتسمت وقالت: إن الحظ يُزرع في (أميركا) أيضًا، الحظ الذي ينمو في شركات الدعاية والسينما الأميركية لا مثيل له. لكن الحظ الذي ألقاها في هذا المكان جعلها تفكر في الحكمة من محاولة اختباره مرة أخرى؟!
تُغلق باب الشرفة وتعود إلى ضجيج إخوتها، وتغير قناة الأطفال لتتابع حلقات المسلسل (الإيطالي) الذي يدور في عالم عارضات الأزياء.
* * *
(ألمانيا) أكثر جدية من أن تفكر في الذهاب إليها، نهاية كلمات اللغة الألمانية صعبة جدًّا، وشعرت عندما حاولت تعلم بعض كلمات أنها لغة صالحة لسائق شاحنة أكثر منها لفتاة في التاسعة عشرة من عمرها. أيضًا (أستراليا) لم تفهمها تمامًا، ولا تعرف إن كانت أقل سوءًا من بلدها، التلفزيون لا يعرض الكثير عنها؛ لذا كانت من البلدان الأُولَى التي وضعت عليها علامة باللون الأحمر في خريطة العالم التي علقتها على جدار شرفتها المطلة على شارع ضيق؛ خريطة تجعلها تحلم دومًا بمغادرة شرفتها ذات يوم.
(بريطانيا) عجوز أكثر مما ينبغي لها، عدة برامج تابعتها عن الحياة فيها جعلتها تتوقف عن الحديث مع مدرس اللغة الإنجليزية الذي يسكن في الطابق الأسفل، والذي أعطاها أشرطة برامج (الحياة الممتعة في بريطانيا)، وقبل أن يقنعها أحد بعبور قناة (المانش) باتجاه (فرنسا) وضعت دائرة حمراء شملت وسط وجنوب أوربا بالكامل، وفتحت صفحة (روسيا) لكن بياض الثلج والبرد لم يكن ليتناسب معها، فهي لن يكفيها بضعة أيام مشمسة في العام، ولن تحتمل أن تتغطى بتلال الملابس والأغطية طوال العام.
(تركيا) بلاد لا تعرف أين تقف، قدم في الشرق وأخرى في الغرب، عين في الماضي وعين في المستقبل، وكلما انحازت إلى جهة سرعان ما تميل الكفة وتعود للجهة الأخرى مثل لعبة الميزان التي لم تحب لعبها أبدًا في طفولتها.
(الهند) غابة وهي تتوق للأماكن المكشوفة التي لا تخفي شيئًا، (الهند) عالم متعدد الطبقات، وكل منها يخفي عالمه، وهي لا تحب أن تختفي!
بقية العالم دوامة من عدم الاستقرار، وهي لا ينقصها هذا.
تترك الخريطة التي امتلأت بعلامات اللون الأحمر، وتقف في الشرفة، وتنظر إلى الشارع الضيق، والعمارات الجديدة التي أخذت ترتفع في الشارع المقابل وتغطي السماء.