تُعد مسيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد إحدى أطول المسيرات المسرحية وأغناها، في لبنان والعالم العربي؛ ذلك لأنه بدأها في عام 1970م، بدور «الأرقش» في مسرحية عن ميخائيل نعيمة، أسنده إليه كاتبها أستاذه يعقوب الشدراوي، وكان يومها طالبًا في السنة الجامعية الأولى في معهد الفنون الجميلة في بيروت، واستمر فيها طيلة نيّف ونصف قرن، وقف خلالها على خشبات أشهر المسارح اللبنانية والعربية والعالمية، وحاز العديد من الجوائز، وتمخّضت هذه المسيرة عن تجربة مسرحية غنية ومتنوعة، حفرت له موقعًا متقدّمًا على خريطة المسرح العربي، ولا تزال المسيرة مستمرة.
من هنا، أهمية كتابة هذه التجربة، بحيث تكون شهادة على جهود جيل مسرحي، عاصر الأساتذة الرواد وأفاد من تجاربهم الرائدة، من جهة، ورسالة إلى الجيل الجديد الذي يتلمس طريقه، في لحظة تاريخية حرجة، من جهة ثانية. وعليه، فإن إقدام علي أحمد على كتابة سيرته المسرحية «على خشبة الحياة»، الصادرة حديثًا عن دار نوفل، في بيروت، هو خطوة في الاتجاه الصحيح. وبذلك، ينتقل من خشبة المسرح إلى خشبة الحياة.
ممثلون في ممثل واحد
في العنوان، يستعير الكاتب كلمة «خشبة» من الحقل المعجمي للمسرح، ويضيفها إلى كلمة «الحياة»، ما يشي بأن الحياة عبارة عن مسرحية طويلة، كتبها وأخرجها وأنتجها الخالق العظيم، وأننا مجرد ممثلين فيها، ما بين المهد واللحد، على اختلاف الأدوار والأحجام. وهو ما يؤيده قول الكاتب في المتن: «المسرح، هذه الخشبة ذات المساحة المحددة المحدودة التي لا تُحَد، وسعها وسع الكون، تستطيع أن تبني عليها بمخيلتك وبتواطؤ بينك وبين الجمهور مطارح ومناظر وحالات لا يحدها خيال، جبالًا وسهولًا، طقوسًا، مناخات وأعاصير». (ص 326).
في المتن، يضع علي أحمد سيرته المسرحية في ستة عشر فصلًا، يعتمد المعيار المكاني في عنونة اثنين منها، والمعيار المسرحي في عنونة أربعة عشر فصلًا، بحيث يكون العنوان هو اسم المسرحية أو اسم الفرقة أو التقنية المستخدمة في تمثيلها، كما نرى في الفصل الأخير. ومن الجدير بالذكر أن كل فصل هو محطة من محطات مسيرته الطويلة الغنية، دون أن يعني ذلك أن هذه المحطات تستوي في الأهمية، فهو فيها يترجح بين جزر ومد. على أن هذا الأخير يتحقق، برأيي، في محطة «الجرس» التي تشكل نقطة تحول في هذه المسيرة، يبلغ فيها علي أحمد الذروة، وينهض منفردًا بأعباء الكتابة والإنتاج والتمثيل، ويترك لصديقه وأستاذه روجيه عساف عبء الإخراج. ومن المصادفات الجميلة في حياتي أن حضرت تلك المسرحية، في بداية تسعينيات القرن الماضي، في مركز عمر المختار التربوي في محافظة البقاع اللبنانية، وأدركت الطاقة الكبيرة التي يدخرها صاحبها كتابة وتمثيلًا، ولا سيما حين يؤدي أدوارًا متعددة، وينتقل من دور إلى آخر بسهولة ويسر، فيجتمع ممثلون عدة في ممثل واحد. ويتحقق المد أيضًا في تعاونه مع الفنان اللبناني منصور الرحباني، وقيامه ببطولة المسرحيات الأربع التي كتب.
هذه الفصول/ المحطات يكتبها رفيق علي أحمد «بصيغة الحكاية وبأسلوب الراوي، ليتسنى للمسرحيين ودارسي المسرح، وللعامة من الناس، الاطلاع على الظروف والخفايا والمعاناة التي تُبذَل في تحضير وإعداد عمل مسرحي يشاهدونه خلال ساعة أو ساعتين على الخشبة»، على حد تعبيره (ص 325، 326). هذه الظروف والخفايا والمعاناة هي ما تتوخى هذه القراءة إضاءته.
قبل ذلك، لا بد من إلقاء ضوء على العوامل، الذاتية والموضوعية، التي أهلت علي أحمد للانخراط في عالم المسرح، وجعلته يتبوأ موقعه المستحق على خريطة المسرح العربي؛ فعلى المستوى الذاتي، يلحظ قارئ السيرة وجود ميول واستعدادات فنية لديه، منذ نعومة أظفاره؛ فرفيق، المولود في قرية يحمر الشقيف، من أعمال محافظة النبطية في جنوب لبنان، كان يتبع النوري، شاعر الرباب والبزق، من بيت إلى آخر، يسمع غناءه وعزفه، ويقوم بتقليده بطريقة تهكمية. يستمتع بغناء والده العتاب والفراقيات، حول موقد الحطب، في سهرات الشتاء. يصغي بشغف إلى حكايات الجارة أم حسن عدلا. يحب الاستماع إلى حكواتي السِّيَر الشعبية الراعي الخال حسن، وينجذب إلى «شغّيل الفاعل» باسل في روايته سيرة عنترة. ولعله أخذ هذه الميول والاستعدادات عن أبيه الذي «كان محبًّا للفنون بالفطرة، ولشدة تعلقه بها كان من أوائل الذين اشتروا راديو في القرية، رغم ضيق ذات اليد» (ص 29).
ممثل عنيد
على المستوى الموضوعي، شكل انتساب علي أحمد إلى قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة في عام 1970م، فرصة ذهبية له لتنمية تلك الميول والاستعدادات وصقلها بالدراسة والاختصاص. وأتاح له التتلمذ على الرائدين يعقوب الشدراوي وروجيه عسّاف اللذين يعترف بفضلهما بالقول: «أما تجربتي في معهد الفنون فيمكن اختصارها بلقائي ومعرفتي بيعقوب الشدراوي وروجيه عسّاف، فهذان الأستاذان لهما الفضل عليّ فيما أنجزته ووصلت إليه، إضافة إلى ما اكتسبته من أساتذة آخرين» (ص 65). ووفّر له فرصة الاطلاع على شتى المدارس والأساليب المسرحية، بدءًا «من ستانسلافسكي إلى غروتوفسكي فبريشت، مرورًا بـ«الكوميديا دي لارتي» ومسرح «النو»، فضلًا عن تجارب الفرق المسرحية الحديثة، كـ«مسرح الشمس» لأريان منوشكين ووبيتر بروك وغيرهما» (ص 327)، على حد تعبيره. هذه العوامل الموضوعية، معطوفة على تلك الذاتية، شكلت الأساس المتين الذي سينطلق منه علي أحمد، في مسيرته الطويلة التي تمخّضت عن تجربة مسرحية غنية ومتنوعة.
لعل ما يميز تجربة رفيق علي أحمد المسرحية، في الشكل، عن تجارب سواه، هو أنها لا تقتصر على مهارة مسرحية واحدة، فهو يجمع بين التمثيل الجماعي، والتمثيل منفردًا، والكتابة، والإنتاج، والإخراج في بعض الأحيان. وبذلك، تجتمع في شخصه جميع عناصر الفن المسرحي. على أنه يتألق في اثنين منها، على الأقل، هما الكتابة والتمثيل منفردًا. أما ما يميّز تجربته عن تجارب الآخرين، في المضمون، فهو اهتمامه بشؤون الناس وشجونهم، بقضاياهم وأوجاعهم، يطلقها من على خشبة المسرح، علّها تجد آذانًا مصغية، فيصلح العطار ما أفسد الدهر. وهو، في هذه الميزة، يصدر عن منظور خاص لدور المسرحي، ووظيفة المسرح. يعبّر عن دور المسرحي، كما يفهمه، بالقول: «إنما همي الأساسي كمسرحي هو إحداث نقاش وحوار ومحاولة إيجاد أجوبة لدى المشاهد وبين نفسه أو بينه وبين بقية المشاهدين» (ص 301)، ويعبّر عن وظيفة المسرح، كما يراها، بالقول: «لطالما كان المسرح بالنسبة لي منصة لطرح قضاياي وقضايا مجتمعي، وكوّة اعتراف وبوح بما يضمره الناس المحتاجون إلى من يكون لسان حالهم، وأبطال همومهم ومشاكلهم» (ص 303).
وإذا كان الكاتب قد كتب تجربته ليطلع على «الظروف والخفايا والمعاناة التي تُبذَل في تحضير وإعداد عمل مسرحي…»، فمن نافل القول، إن أشكال التحضير وآلياته كثيرًا ما تختلف بين عمل وآخر؛ ففي حين يتخذ التحضير طابعًا جماعيًّا، من حيث التأليف والتمثيل والإخراج، في مسرحية «من حكايات 1936» التي شارك فيها مع فرقة الحكواتي لروجيه عسّاف، فإن التحضير لمسرحية «الجرس» هو فردي إلى حدٍّ كبير؛ ذلك أن علي أحمد يتولى بنفسه تجميع المادة الأولية للمسرحية من ألسنة الناس، ويقوم بصياغتها، ويمثّل فيها منفردًا مجموعة من الأدوار، ويستدين مبلغ ألف دولار من أحد أصدقائه ليتمكّن من إنتاجها، ويتولى صديقه روجيه عسّاف إخراج المسرحية.
وبين النمطين الجماعي والفردي، تتموضع المسرحيات الأخرى التي قام ببطولتها، ولا سيما تلك التي كتبها الفنان منصور الرحباني، فلم تحل هيبة الأخير وتاريخه المسرحي العريق دون أن يبدي علي أحمد ملحوظاته في النص والشخصية والدور والمشهد، وكثيرًا ما كان يؤخذ برأيه.
وبعد؛ إذا كان لنا أن نرسم بورتريه لرفيق علي أحمد، بنتيجة قراءة سيرته المسرحية، فيمكن القول: إننا إزاء ممثل مستفز، مشاكس، عنيد، متصالح مع نفسه وفنه، مبدئي إلى حد أنه يرفض تلبية طلب بعض كبار القوم عرض مسرحية «الجرس» في قصر ودار، برغم السلطة التي يحظى بها صاحب القصر، وبرغم الإغراء المالي الذي قُدّم له مداورة من صاحب الدار.
وهو، على هذه المواصفات التي تعكس شخصية قوية، هشٌّ وعاطفي إلى أبعد الحدود، فما أن ينتهي من أداء مشهد الحاج محمد، المهجّر من بلدته الجنوبية، في مسرحية «من حكايات 1936»، حتى يهرع إلى الكواليس «باكيًا مجهشًا ببكاء يسمعه ويلاحظه بعض الممثلين» (ص 96).
وعودٌ على بدء، «على خشبة الحياة» سيرة مسرحية جميلة، تعكس تجربة كبرى لصاحبها، تستحق أن تُروى شهادة على عصر مضى، ورسالة إلى عصر يجيء، وهو ما يجعل قيمتها مضاعفة، ويحف قراءتها بكثير من الفائدة والمتعة.
0 تعليق