«لا بيت لشبّاك الحفيد» لمحمد ناصر المولهي قسوة الواقع وغنائيّة الرومانسيّة

«لا بيت لشبّاك الحفيد» لمحمد ناصر المولهي

قسوة الواقع وغنائيّة الرومانسيّة

بدايةً، يبدو لي صوت الشاعر التونسي محمد ناصر المولهي مختلفًا عن أصوات الشعر التونسيّ المعروف حديثًا. يستطيع قارئ ديوان «لا بيت لشبّاك الحفيد» -الصادر عن دار أبجديات للنشر والتوزيع- تونس (136 صفحة)، وبغلاف مصمّم عن لوحة للفنان التشكيليّ السوريّ ياسر حمود- أن يُمضي رحلةً ممتعةً (شعريًّا)، وفي جولته مع الشاعر «المختلف» (المولهي)، سيتنقل بين أزمنة وأماكن مختلفة، تاريخية وراهنة. يتطلّب هذا الأمر انتباهًا أثناء هذا التنقّل المشوب بتقلّب ثيمات الديوان وقصائده، نصوصه، ومقطوعاته، النثريّة منها والموزونة، ضمن بعض بحور الشعر العربي الصافية، غير المركبة، وسيتنقل كذلك بين الواقعيّ اليوميّ وبين التأمّلات الفلسفية والأسئلة الوجودية. وهو في أحواله كلّها يبحث عن الإنسان/ الإنسانيّ فيه، وفي البشر، وما يصبو إليه من أحلام في صور شتّى.

ثلاث قصائد وصوت واحد

ينقسم ديوان المولهي هذا إلى ثلاثة أجزاء؛ أو ثلاث قصائد أساسية، تتفرّع كلّ منها إلى مقاطع: الأولى هي «باي عرب»، والثانية «سيّد الغرفة»، أما الثالثة فحملت عنوانًا: «أعد لي قميصي أيها الحب». وفي هذه العوالم، متعدّدة الوجوه، نرى حضور الشاعر، الشعريّ والشخصيّ، مجسّدًا في شخوص قصائده التائهين، الغرباء، المهمّشين، والمهزومين أو المأزومين؛ أي أنهم «أبطال» مأساة إنسانية، أبطالٌ بالمعنى السلبيّ للبطولة، في صوت يقطر مرارة وألمًا ووجعًا وأسًى، ممزوجة كلّها بالحسّ الوجودي بأبعاده المتعدّدة؛ الغربة والاغتراب والعزلة وشعور الوحدة والقهر والضياع.

بدءًا من الإهداء في قصيدة «باي عرب»، الموجّه إلى «روح علي بن غذاهم»، يسترجع الشاعر شخصيّة «باي عرب»، قائد ثورة 1864م التونسية، وهي الصفة التي أطلقها الثوار على هذا الثائر، الذي قاد الثورة الشعبية الكبرى ضد نظام محمد الصادق باي. لكنْ، بعد سنتين من المقاومة، تمكنت السلطة من اعتقاله، ثم قتله بالسمّ في سجن حلق الوادي. كما يرسم الشاعر، بالشعر، مشاهد السجن والزنزانة (الكراكة) وتجلياتها، ومواجهة هذا القائد مع الباي العثماني وعمّاله. وهذه إحدى أهم قصائد الديوان، ففي عوالمها نغرق، حسب المنظار الطفوليّ للشاعر الذي ينظر ببراءة، ولكن بحكمة ورؤية عميقتين، إلى عالم ينهار على غير صعيد.

تبدو عوالم الشاعر مألوفةٌ، من بَشَر وحوادثَ وبيوت وموت أو حياة، وغير ذلك، لكنّ غير المألوف هو أسلوب تصويره لهذه العوالم، والأحاسيس التي تتركها الصور لدى القارئ. ومن خلال وقفة مع عناوين قصائده/ بل قصيدته المطوّلة الموزّعة في مقطوعات، يمكن أن نتعرّف إلى أبرز هذه العوالم، وما يجعلها مدهشة أو مُبهِرة أحيانًا. ولمن يدقق القراءة، يمكن أن يبدو الديوان كلّه قصيدة واحدة في فقرات تحمل كلّ منها عنوانًا مستقلًّا، يجمعها جميعًا عنوان «الحريّة» بكلّ ما تحمل من المعاني.

من سيرة الثائر ومسيرته

قصيدة «باي عرب» هي، في صورة ما، سيرة الثائر بن غذاهم ومسيرته نحو هذه الحرية، ففي القصيدة الأولى، مع مقاطعها، نحن حيال مشهد حركيّ ومتحرّك مثل لقطة في الحلم:

«في الكرّاكة/ اللّيلُ يشمُّ الليلَ/ ووجهي يغرق/ وسْط صراخ الصِّبْية والفتياتِ/ أحاول أن أتذكّره/ كيْ أُخرجَه/ كي أمسحَ عنه العارَ/ وأبعِدَه عن أهلي».

محمد ناصر المولهي

وبينما نتنقّل بين مقطوعات هذه القصيدة، تهبّ الذكرياتُ، ويفوح «الحنين الأشقر» من بيت بلا شمس أو نافذة، يتذكّر الفتى، أو الشاعر أو الثائر، ويرى نفسَه: «طفلًا يحلُم أن تأخذه فرسٌ/ أسرعُ من بارود الخيّالة/ أجمل من جارية البايِ الحلوةِ».

ويظلّ «بطل القصيدة» يحلم بشخصيّة الثائر ويتذكّرها أو يتخيّلها، ولكن في شخوص كثيرة، وضمن أحوال تُراوِحُ بين الماضي/ التاريخ، والحاضر والمستقبل الذي ينتظر الجميع، ممّن يمثّلهم الشاعر أو الثائر، فكلاهما يمثِّل الشخصية الطامحة إلى مقاومة الاستبداد والطغيان المجَسَّدين في شخص الباي العثماني، رغم ظلالٍ من الهشاشة في الشخصيتين الداعيتَين إلى الثورة والتحرير. هشاشة تبرز في حالٍ من الضياع والتيه في بعض الأحيان:

«جسدي يحجِبهُ ظِلّي الأوسعُ من أيامي/ روحي وهي بِشكلِ فقاعةِ ماءٍ تائهةٍ/ في الزنزانة تغرق من فوقي/ معها أغرق».

وهكذا، فنحن حيالَ شخصيّة مركّبة، وربّما متردّدة ومتشكّكة، حمّالة هواجسَ وأوهامٍ. لكنها، من جهة مقابلة، شخصية رقيقة وتحبّ الحياةَ بشدّة أيضًا. شخصيّة تبكي وتغنّي في الآن نفسه. إنّها، كما أرى، شخصية إنسان طبيعيّ، بل هي الشخصيّة الطبيعية للإنسان في حياته الطبيعية، ولكنّه الإنسان المعذَّب، كما تصوّره القصيدة:

«فيما كنتُ بكيتُ/ لأجلِ فتاة تبكي/ غنّيتُ لأجل فتاة تبكي».

وتبرز في قصيدة الشاعر ولغته، بقوّة، مفردات الوحدة والعزلة، لكنّها غالبًا ما تنتهي بدعوة إلى امتشاق الأمل، ففي حين يقول: «أنا قليلٌ بعدكمْ يا إخوتي/ لا تتركوني هاهنا»، إلّا أنّه يلتفت فيرى نفسَه بين زمنين؛ إذ يقول: «أمامنا غدُنا وماضينا». وهو هنا يقدّم الغدَ/ المستقبلَ على الماضي الذي هو ذاكرة يتكئ عليها، رافضًا الراهن، ومتطلّعًا إلى المستقبل.

أمّا «الثورةُ» في وعيه، فهي «حزن امرأةٍ/ هي كل أرامل هذا الكون»، وهذا ملمح من ملامحها، لكنّ الثورة قد تأتي في صورة أخرى مختلفة من الصور، عبر استعارة شفّافة كما في هذه الصورة:

«الماء قديمًا/ كان عيُونَ رجالٍ/ ثاروا ضد أيادِي البايْ»

ويذهب الشاعر في وصف الحروب، منذ الحرب الأولى بين هابيل وقابيل، رائيًا فيما يرى قتال «قبائل هابيل ضد قبائل قابيل/ وحدي هُزمت»؛ لذلك فهو يوصي خديجة ألّا تحمل اسمَه معها، وألّا تبحث عن عظامه، ويختم وصيّته بـ«خذي ولديّ/ إلى غد أحفادنا»، الأحفاد الذين يرى فيهم أملَ الغد والمستقبل، مستقبل البشريّة ربما. فهو الشاعر الذي يقول -بالشعر- ما لا يُقال، ويرى ما لا يُرى، ويتنبأ بمستقبل أجملَ وأبهى للبشر المطحونين بالحروب الهمجيّة.

هموم سيّد الغرفة

وبالانتقال إلى القصيدة الثانية «سيّد الغرفة»، ننتقل مع الشاعر إلى همومٍ أخرى للقصيدة، هموم الشاعر وحده، وفي وَحْدَته، حيث الغرفة/ المأوى، تغدو جحيمًا من الفوضى، وحيث الشعرُ لا يحمي شاعره الذي لا يملك شيئًا، فحتى قلبه «مِلْكُ امرأة لا أعرفها»، وقصائده يكتبها ويعلقها للقرّاء يدوسون عليها. واحد من المشاهد المأسويّة، بين مشاهد «قياميّة» كما في مشهد الغرفة حين تهبّ الريح من الشبّاك، فتقلب محتوياتها، كما لو كانت «القيامة» قامت، أو كما مشهد نرى فيه الشخص الذي يملكُ نظرة فلّاحٍ فوق ربوة:

«تسترخي عيناهُ/ أمام حريقٍ يلعق كلّ الحقل».

أو حيث يقف الشاعر أمام بلده الذي «بلا اسم»، فيخاطبه بعتاب غاضب، حول ما آلت إليه أحواله:

«ما اسمك يا بلدي؟/ أيُّ الأمواج أذابت نظرتكَ السمراء/ ماذا تفعل حيث تخبّئ نفسك؟ / ذهبوا بحثًا عن غيرك/ لكنك لا تتركُهم…/ كان هنا بلدٌ ماتَ».

وفي قصيدة حول المآسي التي تُحْدثُها «الحضارةُ»، يرى كيف أنّها تُعلّمنا «أن الحديد أهم من العظمِ»، و«أنْ لا بلاد لنا/ لا طفولةَ»، بهذه العبارات المكثّفة يختصر الشاعر هجاءه المعمّق لما يُسمّى الحضارة. وهو بالمثل يهجو روح القطيع التي يعيش بها كثيرون، حيث يقولون: «آمين» في أحوالهم كلّها، إن دعوتَ لأجل حياة الرئيس، أو شتمتَه.

كثيرة هي هموم الشاعر والشعر في ديوان المولهي، ولن تتمكن قراءة كهذه من قول كل شيء؛ لذا يجدر بنا أن نعرض في خلاصةٍ «زبدة» ما يذهب إليه الشاعر، ما بين سطوره التي تبدو على قدْرٍ من البساطة، لكنّها البساطة المكثّفة والمعمّقة والمثيرة للدهشة، في اشتباكها مع هموم الإنسان المعاصر، وسط تقلّباتٍ تهوي به إلى هاوياتٍ شديدة القتامة، وحافلة بروائح مشاهد لا تليق بحياة البشر الكريمة. مشاهد شعرية بأساليب عدّة، يكثر فيها السرد الشعريّ، والوصف المكثف لأحوال الفرد والبشر والطبيعة، ليرسم صورة العالم الذي يتهاوى، والإنسان الذي يغرق في المزيد من البؤس، يومًا بعد يوم.

وفي الختام، ينبغي تأكيد ملمَح القاموس الثريّ، والخيال الواسع، في الديوان كلّه، وكذلك القدْر العالي من الغناء الرومانسيّ الشجيّ، وتحديدًا هذه الغنائية في قصيدة «أعِد لي قميصي أيها الحب»، يقول الشاعر:

«أحتاج رعشة وجهها/ وكتابها وسط الحقيبة/ صوتَها الغافي على الشفتين».

وفي مقطع بعنوان «وجه آخر للحبّ»:

«عاد الشتاء/ ولم أجهّز غرفتي للحب/ كنا انتظرنا الحب أعوامًا/ وهيأنا له فرحًا وأغطية وأحلامًا/ وموسيقا».