فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ بمنزلتها عنده.

ولأن الولادة من دون أبوين تبقى فعلًا مُعجزًا، كان هناك من يرغب، من بين الكُتَّاب، أن يتحقق فيه هذا الإعجاز، بأن يظهر في سيرةِ من وُلد من غير كُتب ولا مكتبة، وهذه الحالة كانت حالة نيتشه ابن القرن التاسع عشر أو قرن الكُتب كما سمّاه ذات شذرة، معتبرًا أن أعظم خدمة أسداها إلى نفسه أنه تخلص من القبوع في مكتبته، وأُنقِذَ من الكتب، مؤكدًا أنه كان يقضي سنوات عدة من دون أن يقرأ شيئًا، تحت ذريعة أن تفسد عليه الكتب عزلته، فكان يتساءل: «هل سأطيق أن تتخطى أفكار أجنبية السور الواقي وتقتحم علي بيتي؟»، ويجيب في الوقت نفسه: «هذا ما سيحدث لو شرعت في القراءة».

ومما يروى عن ابن سينا أنه لما استفرد بمكتبة السلطان الساماني، بعد علاجه للأخير، واطلع على ما فيها، دبّر إحراق المكتبة؛ ليستأثر لنفسه بما وجده فيها من علم!

رامبرنت الرسام الهولندي الذي كان بيته مجاورًا لبيت إسبينوزا يُصور لنا في إحدى أشهر لوحاته الفيلسوف وهو في لحظة تأمل، هذه اللوحة التي غالبًا ما تُستخدم كرمز للفلسفة، والتي تَكرَّر حضورها في كتابات جورج ساند وغوتييه وبروست وفاليري، لوحة يثير انتباهك فيها رجل عجوز يجلس بقرب نافذة، محني الرأس، ويداه مطويتان في مكان دون كتب، وهو مستغرق في تأمله، وزوجته مستغرقة في تدفئة الغرفة.

أكيد أن هذه اللوحة كانت ستعجب نيتشه من جهة ألا كتب في المشهد يمكن أن يركن إليها الفيلسوف، ولا رفوف تحيط به، ولا عناوين وأسماء تزعج هدأته، غير أن نيتشه أكيد سيتبرم منها؛ إذ ليس في اللوحة متسع لحركة الساقين؛ جيئة وذهابًا، فالمشي يجب أن يكون سلوك الفلاسفة اليومي؛ لذا كانت نصيحته للفيلسوف بألَّا يضع ثقته في فكرةٍ لم تخطر له وهو يمشي في الهواء الطلق، ولم ينخرط في احتفاء العضلات، ولا أمل في كتابة وتفكير كان حَيزه المكتبة، حتى حينما يضطرك كتاب لقراءته، بحسب نيتشه، فيجب أن تقرأه في سَفَر أو ضمن حصّة مشي، لتبقى الأسئلة الأولى التي ينبغي أن نطرحها على كتاب قبل أن نخوض مغامرة قراءته، هي: «هل يستطيع أن يمشي؟ وفضلًا عن ذلك، هل يستطيع أن يرقص؟». ولهذا سنجد نيتشه يحمل نسخة من كتاب «فاوست»؛ ليقرأها وهو يتجول في جبال الألب. فالكتب وجب أن تُقرأ حيث كُتبت أول مرة، كما في حالة «فاوست» الذي رسم غوته خطّته وهو في إيطاليا، فقراءة الكُتب المميزة، عند نيتشه، إنما يجب أن تتم خارج المكتبة، لا داخلها.

النظام المعتزلي

النّظّام المعتزلي الذي يُنقل عنه أنه لم تكن له مكتبة، بل إن ابن المرتضى في «المنية والأمل»، ينقل لنا أنه كان لا يكتب ولا يقرأ، سيرًا من ابن المرتضى على تكرار الروايات المعتزلية التي حاولت أن تجعل من النظام عقلًا فارقًا وغريبًا في تاريخ الفكر، غير أن هذه الروايات نفسها تؤكد أنه كان يحفظ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها، إضافة إلى كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف الناس في الفتيا، وهو ما يطرح السؤال عن إن كانت له مكتبة أم لا؟

وتحضرنا حالة ابن عربي الذي في خضمّ افتخاره أمام ابن رشد إذ لم يترك مكتبته ومعها مطالعة الكتب إلا ليلة وفاة والده وليلة عرسه، يذكر ابن عربي أن لقاءه بهذا الفيلسوف تم بعدما دخل ابن عربي خلوته جاهلًا، وخرج منها عالمًا، من غير درس ولا بحث ولا مطالعة كتاب، متنصلًا من أي نسبة إلى كتاب أو مكتبة. رافضًا أن يتحلّى بالشفافية في ذكر مصادره وكتبه، اللّهم إلا عوالم الخلوة والعزلة، من هنا لا نستغرب نصيحته: «امحُ ما كتبتَ، وانسَ ما حفظتَ، واجهلْ ما عَلِمْتَ، وكن هكذا معه، على كل حال، لا تتحدث معه بما قد علمته، فإنّ في ذلك تضييع الوقت».

ابن عربي، وإن تمحّل في ادعاء أنه ابن الخلوة، لا ابن المكتبات والكتب، سرعان ما تفضحه كُنيته الثانية التي كادت تغلب عليه دهرًا، حتى إنه كُنّي مرة بابن أفلاطون، وكُنّي أخرى بالقشيري، هذه الكنية الأخيرة التي غلبت عليه، كما يذكر ابن عبدالملك في «الذيل والتكملة»، التي نَسَبته، بشكل واضح، إلى كتابٍ هو «الرسالة القشيرية» التي كان يُداوم على مطالعتها، علاوة على أن من يقرأ كتبه يقف مشدوهًا أمام موسوعية الرجل التي لا يمكن أن تنبثق إلا من مكتبة.

فالتقارير الحاسمة تؤكد أن ابن عَربِي قد قرأ أكوامًا كثيرة من الكتب، إلى حَد أن هِنري كُوربَان اعتبر أن مهمة الساعي لجرد مصادر ابن عَربِي قد تظل ميؤوسًا منها، إن لم تكن مستحيلة، فمن كَتب عشرات الآلاف من الأوراق بلا ملل ولا نصب، لا بد أن يكون قد قرأ عشرات الآلاف من الأوراق، بلا ملل ولا نصب، جامعًا بين «علم الخرق» و«علم الورق»، فالاعتماد على الكتب والركون إليها قد يصير عيبًا في حق الولي، فهو بإمكانه أن يحوز علومًا ويتحدث عما في الكتب، كما بإمكانه أن يكتب أحسن منها إن هو رغب، فبقدرته أن يحوز قدرة لا قِبل لأيٍّ بها، وهي أنه في مُكنته الكلام عن الكتب التي لم يطالعها.

وذلك قبل أن يكتب بيير بيار‏ كتابه الغريب الذي يجعلنا نتحدث عن الكتب التي لم يسبق لنا قراءتها! وقبل أن يتخيّل بورخيس، في حالات سأمه، عالـمًا خاليًّا من الكتب والمجلات؛ لأن كل امرئ فيه قادرٌ على تخيّل جميع الكتب والمجلات وجميع القصص والقصائد، الذي تحدث عنه في «يوتوبیا رجل مُتْعَب».

التنكر للكتب

قد نقضي من الكتب وطرنا، وكأي علاقة حميمية ومحرمة، نحاول أن نتنكر لها، نادمين أن تكون لنا مصدر متعة ذات نزوة، ففي سياق ترجمته لشيخ شيخه أبي العباس القسي، يذكر لنا ابن الطواح قصة لهذا الشيخ مع كتاب «الشفاء» للشيخ الرئيس؛ إذ إن والد أبي العباس باع محصوله من الشعير فاشترى بثمنه كتاب «الشفاء»، وبقي عند ابنه عامين يُطالع ما فيه، وحينما نال إربه منه، وأشبع وطره، قال لوالده: «إنه لا بد أن نحرقه أو نحله في الماء». وعلى الرغم من محاولات الوالد لبيع الكتاب واسترجاع ثمن محصول الشعير، فإن الولد ألجأه إلى إحراق الكتاب. الأمر نفسه سنجد السهروردي يفعله مع كتاب «الشفاء»، هذا الرجل الذي كان قارئًا كبيرًا لكتب الفلاسفة؛ إذ كان يملي من عقله نصوصهم، ويملي الردود عليها.

هنري برغسون

كتاب «الشفاء» تعرض لحملات عدائية كثيرة، فهو وإن كان قد أُلف بغرض تطبيب الأجساد، فقد ظلت التهم تلاحقه بمفعوله السلبي كونه يُمرض الأرواح ويفتك بها، ومن هنا كان يطيب لابن تيمية أن يستعيد ما كان يُكرره ابن العربي عن معلمه: «أبو حامد أمرضه الشفاء»، على الرغم من أن الرجل شُهد له بأنه صاحب مجربات في الطب الروحاني لا يزال يُعمل بها، وتعطي نتائج مشجعة، لكن الرجل وإن كان عالم روحانيات وأوبئة، فإنه لم يسلم من كتاب خطير هو «الشفاء». هذه التُّهم الصحية سرعان ما لاحقت كتاب أبي علي الآخر، وهو كتاب «القانون»، فقد أمرض هو الآخر محدثًا وفقيهًا ومتصوفًا شافعيًّا لا يشق له غبار وهو الإمام النووي، غير أن الإمام النووي لم يحرق الكتاب أو يغسله بالماء، وإنما باعه في الحال، فاستنار قلب الرجل بعدما كان قد أظلم.

سنجد نفس الكتاب يتعرض لنفس المصير غير أنه مصير أكثر احتقارًا، حينما سيؤتي بكتاب «القانون» إلى المغرب، فيتصفحه طبيب كبير هو ابن زهر، فيتأمله مليًّا، وعوض أن يدخله خزانته، أخذ يقطع طُررًا منه كي يكتب عليها أدوية لمرضاه، قد يتعلق الأمر هنا بالغيرة من صاحب الكتاب، ومحاولة للتملص من إمكانية الاعتراف بفضله، فالأطباء كما الفقهاء كما الفلاسفة لهم أشد تغايُرًا من التيوس في زَرْبِها، ولنتذكر هنا قصة أفلاطون الذي يفاجئنا برغبته الصادمة في أن يتلف ويضرم النار في مؤلفات ديموقريطوس التي تمكن من جمعها، لولا تدخل فيلسوفين فيثاغورثيين حالًّا بينه وبين هذه الفِعْلة بقولهما: «إنه ليست هناك فائدة ترجى من ذلك»، نظرًا لأن الكتب المعنية كانت قد راجت وانتشرت بالفعل بين الجماهير، فاكتفى أفلاطون -الذي ذكر تقريبًا جميع الفلاسفة القدامى– بألا يذكر إطلاقًا ديموقريطوس، حتى عندما كان الأمر يستلزم ذلك، كما يُنبهنا ديوجنيس، في حين نجده يُعنون محاورة كاملة باسم بروتاجوراس ناسخ كتب ديموقريطوس، هذا الأخير الذي تمكن بكتابه «العالم الكبير» من انتزاع مديح الفيلسوف الهجاء تيمون، وثنائه، وتمكن من أن تكون له جنازة مهيبة بين أهل مسقط رأسه الذين يقضي قانونهم بعدم دفن مَنْ بَدَّدَ ميراثَ والدِه. فكان احترام أفلاطون لتلميذ ديموقريطوس، واستخفافه بمعلمه الذي كاد أفلاطون يضرم النار في كتبه، ربما لما كان يمتاز به بروتاجوراس من كونه لطيف المعشر، عليمًا بالطرق اللبقة للجدال والتحاور.

الكون مكتبة كبيرة

عرفنا أناسًا كل حديثهم عن المكتبة، غير أنهم لم يمتلكوا مكتبة تشفي الغليل، فرجل كبورخيس الذي لم يكن الكون عنده سوى مكتبة كبيرة، وكانت المكتبة سيرته الذاتية، وأقر مرارًا بأنه لا يتخيل الفردوس إلا على مكتبة كلها رفوف، على شاكلة أبي العلاء الهمذاني، وأن الله لم يهبه في الدنيا من نعيم سوى: الليل والكتب، ومع كل ذلك كان حجم مكتبته، كما يؤكد تلميذه مانغويل، مُحبطًا للغاية، لا يعكس استحضاره الدائم للكتب، وحديثه المتواصل عن المكتبات، لهذا فزواره الذين كانوا يتطلعون إلى أن يجدوا بهو بيته مليئًا بالكتب، وكذلك مطبخ البيت، كما سقيفته قد أخذت الكتب مكان ما هو مهم جدًّا في أي منزل، ومعها رزم تسد منافذ الأبواب، وتحتل كل ركن وزاوية، شُرِخ أفق توقعهم أمام الزوايا الخجولة التي خُصصت للكتب في منزل رجل لطالما اعتبر أن ما هو جوهري بحسبه في الواقع إنما يكمن في الكتب؛ وفي قراءة الكتب؛ وفي تأليف الكتب؛ وفي الحديث عن الكتب، مواصلًا حوارًا طويلًا بدأ قبل آلاف السنين بين من يحبون الكتب ويعشقون المكتبات.

الواقع يبقى أصدق من الكتب، ومما فيها من خيالات وتهيؤات، ولهذا تخلى أبو الطيب عن كل طيبته تجاه الكتب، فأنشد:

السيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ

في حَدهِ الحَدّ بين الجِدّ وَاللَّعِبِ

جورج سانتايانا

ينقل لنا هيغل أنه بينما كان زينون الإيلي يقرأ من كتابه عن حججه ضد الحركة، كان ديوجينيس يذرع الأرض أمامه جيئةً وذهابًا، هادمًا كل حجج زينون ومفارقاته بحركات أقدامه الثابتة، التي لا يمكن نقض انتقالها من موقع إلى آخر، فمفارقات زينون قد تبقى صحيحة، لكن فقط على مستوى الكتب، وعلى ذلك يمكن أن تقيس مجموعة لا تعد من الأفكار والمخلوقات الوهمية التي لا وجود لها إلا من داخل الكتب والمكتبات، تموت فور أن تخرج من الكتب كما الأسماك حينما تخرج من البحر.

الكتب التي كان زينون مغرمًا بها، كما مغرمًا بقراءة أخبار الأقدمين والمتأخرين عبرها، فقد ترك سفنه وتجارته في بحر إيجه ليشتغل في متجر للكتب، بينما اختار عدوه ديوجينيس الذي لا مكتبة له، أن يقبع في برميل بسيط في أزقة أثينا، لهذا ربما كان يعتبر ديوجينيس الانتهاء من قراء كتاب وصولًا لليابسة؛ إذ بينما كان هناك شخص يقرأ كتابًا عليه، وقد أطال القراءة، وحينما شارف على النهاية، أشار بأن هناك مساحة خالية من الكتاب أمامه، فقال ديوجينيس: «استبشروا، أيها الرجال. فإنني ألمس اليابسة!». اليابسة التي حط عليها زينون بعد غرق سفينته، غير أنه سرعان ما وجد نفسه في متجر كتب، يقرأ كل شيء أمامه ويبحر بين كتب الأقدمين والمتأخرين، فيبيع بعضها ويحتفظ ببعضها الآخر.

جامع الكتب الجاهل

ليس شراء الكتب وإحاطة القارئ نفسه بها، وامتلاك مكتبة كبيرة، هي الطريق الأصلح ليكون المرء صاحب معرفة، وإنما ستكون طريقته تلك بشعة وسيئة، فليس بهذا تحصل عنده ذائقة أدبية كما أكد لوقياينوس في خطابه الموجع إلى جامع الكُتب الجاهل؛ إذ يجب التمييز بين الكتب القيمة، والهراء الأحرى به أن يمزق إلى أشلاء، فلا يمكن بمراكمة الكتب أن تخدع الناس في كون الواحد منا أديبًا ذا فطنة، أو تحكم علينا بأنا فلاسفة أصحاب قول وحكمة؛ لأننا لا نملك مهارة الرامي المتمرس ولا عينه.

والفيلسوف الحقيقي كان يبحث دومًا عن النصوص الجيدة والكتب الجيدة ليقرأها، فهذا ديدنه، وهذا مطلبه. ولنتذكر هنا عندما حَظِي أرستيبوس بهبة من ديونيسيوس. أما أفلاطون فلم يأخذ من هذا العاهل سوى كتاب، فلام شخص ما أرستيبوس على ذلك، فأجابه بأن حاجته إلى الأموال، أما أفلاطون فحاجته إلى الكتب. وإن كانت إجابة أرستيبوس مليئة بالسخرية التي كان يتقنها، فإن ذلك يلخص حال الفيلسوف في علاقته بالكتب، فالذي كان يعلمه أرستيبوس، وحاول تجاوزه هنا، أن أفلاطون كان واسع الثراء، فكان همه جمع الكتب بحيث كان يطالب بها كل من عرف أنها عنده، على الرغم من توارد الحكايات عن حبه للمال هو الآخر، فقد تلقى من الطاغية ديونيسيوس ذات مرة هبة تربو على 480000 دراخمة، وذلك طبقًا لما ينقل لنا ديوجنيس نقلًا عن أونيطور في مقالة له بعنوان: «هل يجب على الرجل الحكيم أن يجمع المال؟».

لكن الحكايات تتوارد مرة ثانية لتؤكد أنه كان يصرف تلك الأموال في جمع الكتب، فنجده يرسل رسالة إلى ديون في جزيرة صقلية، يطلب منه أن يشترى له ثلاثة كتب من كتب الفلسفة الفيثاغورية من لدن فيلولاؤوس بمبلغ كبير، وسنجده يتلقى كتبًا كثيرة من عدد من أصدقائه الذين كان منهم شاعر الكوميديا إبيخــــارموس الذي نسخ عددًا كبيرًا من كتبه، ومن شدة حبه لبعض الكتب كان يضعها، لا في رفوف مكتبته، بل تحت وسادته.

نعم، إن المكتبة قد تكون جزءًا من حقيقتنا وحقيقة العالم، غير أنها لا تمثل كل ما في هذا العالم من حقائق، والكتب قد تعبر عن جوانب من حقيقة من كتبها أو كُتبت عنه، غير أنها لا تعبر عن حقيقة الكاتب أو من كتب الأخير عنه.

فمواهبنا في وصف العالم ليست في تفوقها بقادرة على نقل كل شيء، ففيثاغورس رغم أنه بحسب هيروقليتوس قد مارس البحث أكثر من جميع الناس، وانتقى من بين ما ألفه من هذه الكتب كل الحكمة التي اختص بها نفسه؛ ولقد كان غزير المعرفة، ولكن فنه كان رديئًا، فالذين عاصروه، كما ينقل ديوجنيس، ينقلون أن كلامه، خير من كتبه، فقد كان ست مئة شخص يصرون على الذهاب إلى محاضراته لسماع دروسه اللیلية، معتبرين أن حضور دروسه لهو من الحظ الوافر الذي نالوه.

ولهذا ربما فكُتب الرجل لم تلقَ ذلك الانتشار الواسع ما دام أن فيلولاؤوس كان هو الوحيد الذي اقتنى الكتب الثلاثة ذات الصيت الذائع لفيثاغورس، لكن لو لم يجد فيها أفلاطون ما يعجبه لما غامر بإرسال مئة مينا (10000 دراخمة) كي يشتريها. غير أنه تلاقاها هدية من الطاغية ديونيسويوس في الأخير، لكنّ قومًا ذهبوا إلى أن فيثاغورس كان أذكى من أن يترك خلفه كتابًا من الأصل، وأشد ذكاءً من أن يكتب بأسلوب رديء.

روسو الذي أكد أن العلوم والكتب لم تنفع في إسعاد الإنسان، آمن في آخر عمره أن الكتب كثيرة، والعمر قصير، وبخاصة أنه قد كُتب عن كل شيء تقريبًا، ولا يمكننا أن نقرأ كل ما كُتب، وبالتالي يجب أن ننصت لذواتنا قليلًا وللعالم أيضًا، فليست كل الأسرار التي يجب أن تُقرأ، إنما موجودة في الكتب وحدها. من هنا يحدثنا روسو، في الجولة الخامسة من جولاته الفريدة في «أحلام يقظة جوال منفرد»، أن في ألمانيا هناك من ألف كتابًا كاملًا عن قشرة ليمونة، وكي لا يترك الفرصة دون أن يُظهر لنا قوته في الكتابة، يؤكد أنه هو الآخر كان في استطاعته أن يؤلف كتابًا عن كل بَقل من بَقُول المراعي، وعن كل طحلب من طحالب الغابات، وعن كل حزاز يمكن أن يوشي الصخور، وأنه شرع بالفعل في ذلك، غير أنه لم يكمله.

فمهمة كهذه تبقى أكبر من صحته التي صارت نحو الانحلال والفتور، غير أنه تذرع بأن الجزيرة التي كانت موضع خرجاته وزياراته البيئية، لم يستقر فيها غير شهرين، وقد كان حَريًّا به أن يُحبس فيها لعامين، لا بل لقرنين، كما تمنى هو ذلك، دون أن يصيبه السأم، حتى وهو بعيد عن مكتبته، لكن قدر الله وما شاء فعل؛ إذ لو تمكن روسو، وألف كتبه الكثيرة تلك عن أنواع البقول والطحالب، وعن بقية النباتات الأخرى لاضطرنا إلى قراءتها، هي الأخرى، كما اضطرنا لقراءة أعماله: «أصل التفاوت بين الناس»، و«إميل» أو «التربية»، و«عقيدة القس من جبل السافوا». روسو الذي لم يعد يحب قراءة الكتب، ولا حتى الكتابة في آخر عمره.

حوار الأحياء والموتى.. الإنسان العربي والموت

حوار الأحياء والموتى.. الإنسان العربي والموت

من منظور الفلسفة الأبيقورية، يبقى الموت، شيئًا لا يستحق الاهتمام، ولا ينبغي أن نُعيره أيّ أهمية، فنحن إن كنّا في وضع الحياة، فهو لا يعنينا، كأصحاب حركة ونشاط، وإن كنا في وضع الموت، فهو أيضًا لا يعنينا، لأننا سنكون غير موجودين أصلا. أما بالنسبة لحضارتنا العربية فيبقى الموت شيئًا بالغ الأهمية، ومثار تفاعلات لا تنتهي، حيث يصير للموت والميت مكانٌ هو الأهم، ويصير حيز الفعل، المنسوب للأموات، الأكثر تأثيرًا وفاعلية، وهذا ما تؤكده أعداد الأضرحة المتوزعة على جغرافيا العالم الإسلامي، وما تُرسّخه من جهة أخرى أعداد الزائرين لهذه المراقد وأعداد المرتبطين بها، وكذا عدد كتب المناقب والطبقات المخلدة لسِيَرِ من ماتوا.

الموت مجالًا للمباهاة

في وسط أتقن الاحتفاء بالموتى، والإعلاء من شأنهم، تبقى الكتابة عن المقابر والأضرحة أمرًا عاديًّا جدًّا، بل ضروريًّا، فالموت يبقى تتمة لمسار وليس نهاية سيرة، ولا حظرًا لها، إلى درجة أن جنازة الميت بَقيت مناسبة للمباهاة والتباري بين الميت وبقية زملائه الموتى، أو بينه وبين من تركهم خلفه من أصحاب المذاهب المخالفة، حيث يؤثَر عن الإمام أحمد متوعدًا بعض الطوائف التي كانت حملت له العداء قوله: «بيننا وبينكم يومُ الجنائز»؛ لتكون الجنازة لا، كما قد يُعتقد، إغلاقًا تامًّا لحساب الميت الدنيوي، ولا طيًّا لدفتر حساباته الشخصية، وسدًّا لسجل خصوماته السابقة التي لم تُحلّ بعد مع غرمائه الدنيويين، والتي لم يُقضَ فيها بقول فصل، وإنما هي استمرار لحياته الأولى ومعاركها العنيدة التي لم تُحسم بعد، فـالشخص الميت إما أن يعامل كحثالة أو كرمز، كما يؤكد كونديرا.

في الأزمنة العربية الوسيطة صار الموت وسيلة إقناع وأداة إثبات للذات، كما هو وسيلة لقهر الآخر وإسكاته نهائيًّا في النزاعات الفكرية، وهنا يورد صاحب نفحات الأُنس قصة دخول فريد الدين العطار طريق الصوفية، فبينما كان في دكّانه، إذ أقبل عليه درويشٌ، وطلب منه «شيئًا لله»، فلم يعطِه، فقال له الدرويش: «كيف ستكون ميتتُك أيها الخواجة؟»، فأجابه فريد الدين: «مثلما تموت أنت». فقال الدرويش: «وهل يمكنك أنْ تموتَ كما أموت؟»، فوضع الدرويش يديه تحت رأسه، ثم فاضت روحه. فأغلق العطار باب دكانه، ونحا نحو أهل الطريقة. ويورد صاحب كتاب المقابر والمشاهد أن أحد موتى كتابه كان يكتب، فوقع القلم من يده، فاستند إلى حائط وقال: «والله إن كان الموت لهذا فهو طيب»، فمات من فوره. بل إن التباري في الموت قد يستمر حتى بعد الموت، فالصراع الخفي الذي كان بين صوفي كبير هو بشر الحافي وفقيه كبير هو أحمد بن حنبل يمتد إلى المقبرة، فعوض أن يبقى اسم بشر بن الحارث الحافي اسمًا للمقبرة التي دُفن بها، يُزاح ويعوض باسم نِدِّه أحمد بن حنبل؛ فور دفن الأخير فيها، يقول علي بن أنجب: «وكان يقال مقبرة بشر الحافي إلى أن توفي أبو عبدالله أحمد ابن حنبل (…) ودفن بها، فنُسبت إليه، واشتهرت به، فهي تُسمى الآن مقبرة أحمد».

وقد صار الموت محل نكاية وانتقام من جثة الميت ومن قبره، فالقاضي عياض الذي لم ينس الصوفية خرجاته ضد أبي حامد القاسية والمجحفة، لم يكن باستطاعة المتَصوّف إلا أن يساهم بدوره في الإساءة للقاضي عياض، بتنشيط مخيلته من خلال حبك قصص ستُتَداوَل حتى دونما قرائن ولا تَحَرّ تاريخيّ تسيء للقاضي عياض، فقُطِّع أبو الفضل إربًا، ودُفن في مكان مجهول بمراكش، بلا صلاة ولا غسل، وأُقطِعت منطقة دفنه للنصارى، فبنوا جوار قبره كنيسة، في أقصى مشاهد التمثيل بالمخالف قَسْوَةً. غير أنه بعد مدة طويلة سيتعامى الصوفي عن ذكرى الإساءة، ليعيد له الاعتبار، ويبالغ في تعظيمه بعدما بُولِغ في الإساءة له، حتى إنه لما قَدم أحد مشايخ التصوف المغربي وهو أبو علي اليوسي لزيارة ضريح عياض اعترضه جيران ضريح القاضي، ليُحدّد لهم حَرَم الضريح، فقال لهم اليوسي: «المغْرِب كله حَرمٌ لأبي الفضل».

هكذا إذن، ينتقل الموت بضحاياه إلى أن يصيروا برمزية غير عادية، يقاس على إثرها حُب الناس للميت، وتوهب له كارزمية أخرى تنضاف إلى الهيبة التي قد يكون حازها وهو حيّ، ففي جنازة أبي محمد الهسكوري (ت: 710هـ)؛ ولما خرج الناس بنعشه ازدحم عليه أهل القيروان حتى صار النعش في أكف مشيّعيه، وأحمد الدقاق (ت: 748هـ) ازدحم الناس على قبره، وقطعوا الحصير الذي حمل عليه تبرّكًا به، ليرجع كل رجل بقشة منه، وفي جنازة يوسف بن عمر الأنفاسي، (ت: 761هـ) حُمل وسط النهار من بيته، ولم يبلغ قبره من كثرة الازدحام إلا قرب غروب الشمس. وقد يُنتقل بأمر الجنازة العادية إلى محلّ للقتال، ويصير جثمان الميت محل نِزال بين من يعدون أنفسهم الأحق به، فهذا أبو محمد الهزرجي حينما مات، همّت القبائل التنافس عليه، فكُلُّ قبيلة، تقول: «إنما ندفنه عندنا».

وفي ذات السياق حينما مات غلام الخلال، وكان من أعيان الحنابلة وزهادهم، اختلف أهل بغداد في موضع دفنه، فقال بعضهم: «ندفنه في مقابر الإمام أحمد». وقال الباقون: «بل يُدفن عندنا هنا»، حتى إنهم جرّدوا لأجل حسم الأمر السيوف، وثارت الفتنة. فأمر الإمام بأن يُدفن في موضع مقابل لدار الخلافة، لم يكن قد دُفن فيه أحد، فصار موضع دفنه مقبرة يقصدها الناس طلبًا لمجاورة غلام الخلال. وفي الوقت نفسه قد يحرم مفسر كبير كالطبري من أن يدفن في مقابر المسلمين، الشيء الذي دفع أصحابه لأن يدفنوه في صحن داره برحبة يعقوب ببغداد، مِمَّا لم ينه الناس أن يصلوا على قبره ليلًا ونهارًا شهورًا عدة.

حينما تصير المقابر مدنًا

لم تبق المقابر التي انزوى إليها الموتى في مأمن؛ للارتياح من جلبة العالم ومعاركه المذهبية، حيث صارت الأكثر جلبة والأكثر ضجيجًا، وكما كان للأحياء مدنٌ يسكنونها وأسواق تُروَّج فيها بضائعهم وتُتَداول فيها أموالهم، فقد استحدثت للأموات مدنٌ وأسواق تُنافس مدن من لا يزالون على قيد الحياة، تعجّ هي الأخرى بالمال والبضائع، وهذا ما قد يكون اضطر ماسينيون لأن يسمي أحد أهم مقابر القاهرة مدينة(١)، لِمَا امتازت به من شروط تؤهلها لأن تكون مدينة حقيقية، فمقبرة القرافة التي ألف عنها ماسينيون كتابًا كاملًا، يروي المقريزي أنها كانت لها شُرطة وعَسس ونُظّار، والإقامة فيها كانت مقننة بهدف دفن الموتى، وحراسة الأضرحة، والاهتمام بنظافتها، وبناء المقابر الجديدة، وإقامة طقوس الموت والدفن، ورعاية بعض الفقراء وعابري السبيل والمتصوفة، وبعضهم سماها حديقة(٢)، فهي ليست مكانًا دائمًا للحزن والوحشة، وإنما هي مكان فوق العادة للسياحة والتأمل، بل للكتابة أيضًا(٣)، كما هي مكان جيد للقراءة والمطالعة حيث نجد في كتاب المقابر والمشاهد أكثر من ثلاث مكتبات ضخمة قد وُقِفت على مقابر وأضرحة بغداد، يستفيد منها الزائرون، وعلى كل منها ناظر وحَرس.

وقد تصل العمارة والكِبَر بالمدافن العربية في الزمن الوسيط إلى درجة تحتاج معها إلى دليل وهو ما دفع كُلًّا من موفق الدين أبي الحرم مكي (ت: 615هـ) إلى كتابة مرشد الزوار إلى قبور الأبرار وابن الزيات (ت: 814 هـ) إلى تأليف الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة لتتكاثر أدبيات زيارة المدافن وتتناسل، ليكون الأمر شبيهًا بكتبٍ في الإرشاد السياحي، يُحَدّد فيه يوم الزيارة وساعة الانطلاق وما يجب عمله وما يتوجب تركه. في محاولة لتنظيم طقوس الاحتفاء بالأموات، فصار كل يوم رهينًا بزيارة ضريح أو مقبرة، ففي مصر جُعل يوم الإثنين للسيد الحسين، ويوم الثلاثاء والسبت للسيدة نفيسة، ويوم الخميس والجمعة للقرافة لزيارة الشافعي.

في المقابر والمدافن انتقل الميت شيئًا فشيئًا من «مشغول بنفسه» إلى موضوع للاشتغال، يَشغل الآخرين، ويحظى باهتمامهم؛ ليصير هذا المنتزع من باقَة الباقين على قيد الحياة، موضوع احتفاء وإحياء مستمر، فهو إن كان المـــوت المخبأ الــذي يلجـــأ إليــه الكــائن كما لو يــلجـأ إلــى قلــعة جبــل، كما يؤكد هايدغر، للاختباء عن الآخرين وقطع الصلة معهم، غير أن الأحياء يَحُولُون دون الهناءة التي يرجونها، ويحوِّلون الهدأة إلى جَلبة، فتبدأ الأمور بشكل بسيط عند حدود تلاوة القرآن عند رأس الفقيد، لإيناس وحشته في سفره الجديد، وبعدها إحياء أيام يقضيها الأحياء بجانبه، حتى إنها كانت تستغرق عند قبر بعضهم شهرًا كاملًا؛ لتتحول المقابر شيئا فشيئًا إلى مكان يتجاوز أسواق الأحياء رواجًا وجلبة، وليَقلب الأموات المعادلة.

صار من عادات البغداديين مثلًا، وأعرافهم التي دأبوا عليها عند قبر أحمد بن حنبل إحياء ليلة النصف من شعبان، فكانت توقد عند قبره مئة من الشمع. ويُحصي أحدهم في بعض الليالي أنه قد دخل إلى إحدى مقابر بغداد نيّف وأربعون ألف شمعة، وكانت الجموع الغفيرة من أهل بغداد يقصدون إحدى مقابر المدينة في كل يوم أربعاء بالزيارة والتعظيم، فالميت لم يعد يعتقد أن ليس له من الأمر شيء، بل صارت له يدٌ خفية تُحرك الأمور من وراء أستار، يقول الرحالة الحضيكي مثلًا عن أبي العباس السبتي وضريحه بمقبرة باب تاغزوت: «كان رضي الله عنه يحب المساكين، ويجري عليهم حيًّا وميتًا. ترى الناس رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، عاكفين على قبره بلا عدد، ورزقهم يأتيهم من كل ناحية في رخاء وغلاء، والناس في القحط يموتون جوعًا، والضعفاء والأرامل والعُميُ على قبره يأكلون ويشربون من رزق الله تعالى، وذلك بركة الشيخ، والمشاهدة تغني «وليس الخبر كالعيان»»(٤).

إن الميت/ الولي بوصفه حارسًا غيورًا على كل من لاذ به؛ يستحق حقًّا أن يكون قبره آية معمارية تليق بالمهام التي لا يُفلح غيره في إنجازها، من سقوط المطر إلى إطعام الفقير والجائع المقتر، وعند زوايا ضريحه يجد الفرد والجماعة من اليائسين من يواسي الكُلوم، ومن يُنَفِّسُ عن استياءاتهم ويجبر كُسُورهم، فالولي حتى وهو ميت، يقوم بعملية سطو على الوظائف الموكلة بالأحياء، فالولي وأصدقاؤه الآخرون هم من يحكمون وهم من يُصرّفون أمور الناس، يقول الشيخ زروق (ت: 899 هـ): «من لهم التصرف في المغرب بعد وفاتهم، ثلاثة: الشيخ أبو العباس السبتي (ت: 601 هـ)، وعبدالسلام بن مشيش (ت: 625 هـ)، وأبو يعزى (ت: 572 هـ)»(٥)، أي أن الأولياء هم العاصم والمأمن وقت الشدائد وزمن الكوارث، يقول ابن أنجب عن مقبرة باب حرب: «وقد دفن بهذه المقبرة من كبار العلماء، ومشاهير الفضلاء، وأعيان الزهاد والنبلاء، من يُستنزل ببركتهم ممتنع القطر، ويدفع بقصدهم كارث الأمر»(٦).

تشييد العمران والإفراط فيه حد البذخ، يصير شيئًا عاديًّا، بل ضروريًّا في الأبنية التي تحوي جثامين الموتى، وبشكل هو الأكثر دهاءً يمسخون فكرة غيابه ليجعلوها حضورًا غير عادي بالمرة، يتغلغل وجوده داخل جماعتهم، وبشكل هو الأكثر مهابة حتى من الأحياء أنفسهم، يُبالغون في تقديره وتوقيره، بجعل بنائه الذي يسكنه آية في التشييد والتزاويق. المقابر كانت عند الإنسان العربي تشبه تمامًا البَانثيون (Panthéon) عند اليونان، أو مدافن عظماء الأمة عند أيّ فرنسي، فالأعلام من أهل العلم والزهد بالكثرة مما لا يمكن حصره في المقبرة الواحدة؛ لهذا يكثر عند أصحاب الطبقات والتراجم في ختام القول عن إحدى المقابر: «وقد دُفن بها خلق كثير من الفقهاء والصالحين والأولياء الزاهدين»، أو القول عن أحد الأضرحة: «وبالقرب منه وحوله قبور جماعة من أئمة الدين، وعلماء المسلمين، والعباد الصالحين» أو قوله: «وقد دفن بها كبار العلماء وأرباب الصلاح والزهادة والمجاهدة والعبادة الجمّ الغفير، والعلم الكثير».

على سبيل الختم

لم يكن الموت حدثًا بسيطًا وعاديًّا، قد يأتي على روح الواحد منا وعلى جسده، ليُختتم به برنامج حياةٍ ومسار عيش، كما هي الولادة، إعلانٌ عن بدايته. إن الموت بقدر ما هو رغبة فيزيقية أو حتى ميتافيزيقية لإجراء الفناء في الجسد البشري، فإنه يتحول لدى القريبين من الميت إلى محاولة مضادة لأجل ترميم هذا الخراب، بخلق نوع من الاتزان الذي أمسى مفتقدًا مع حالة الموت، وتعويض حالة اللاحضور بأفعال يتداخل فيها الجمالي بالعقائدي، ليتحول الموت بما هو نهاية وحدث طبيعي عادي جدًّا إلى بداية وحدث ثقافي غير عادي بالمرة والمطلق، والالتفاف عليه ليتحول من مصدر قلق واضطراب إلى منبع بركة ونِعم لا تنتهي، بل مكمن طَمأنة من الأموات أنفسهم لمن هم على قيد الحياة، والمجد لله الحي الذي لا يفنى ولا يموت.


هوامش:

(١) Louis Massignon, La cité des morts au Caire: Qarâfa, Darb al-Amar, Institut français d’archéologie orientale, 1958.

(٢) سمير أيت أمغار، حديقة الأموات، بحث في تاريخ مقبرة الأشراف السعديين بمراكش، مراكش: منشورات آفاق، 2017م.

(٣) ففي المقبرة ألّف أبو الفرج بن الجوزي كتابه: تقريب الطريق الأبعد في فضل مقبرة أحمد، وفي المقبرة عثر خيري شلبي على المكان الأنسب للكتابة، وهو المقبرة ذاتها.

(٤) محمد بن أحمد الحضيكي، الرحلة الحجازية، ص 67.

(٥) التعارجي، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، ج: 1، ص 308.

(٦) علي بن أنجب، المقابر والمشاهد، ص 48.