«الخطاب النقدي المعاصر» لعادل ضرغام نحو ممارسة نقدية مرنة وواعية

«الخطاب النقدي المعاصر» لعادل ضرغام

نحو ممارسة نقدية مرنة وواعية

يمثّل كتاب «الخطاب النقدي المعاصر: رؤى ومقاربات» (مؤسسة بتانة الثقافية، القاهرة) للدكتور عادل ضرغام، محاولة جادّة لرصد تحولات النقد الأدبي العربي في سياق التحولات المعرفية والمنهجية التي شهدتها الدراسات الإنسانية عمومًا، والدراسات الأدبية خصوصًا. فالكتاب لا ينشغل فقط بعرض المناهج النقدية أو تتبع تاريخها، بل يسعى إلى مساءلة الخطاب النقدي ذاته بوصفه ممارسة ثقافية ومعرفية لها شروطها وسياقاتها ولغتها الخاصة وآليات اشتغالها.

ينطلق المؤلف من قناعة مفادها أن النقد الأدبي العربي لم يعد قادرًا على الاستمرار داخل حدود المناهج التقليدية الصارمة، سواء كانت سياقية أو نسقية، وذلك بسبب تعقُّد النصوص الأدبية، وتداخل الأجناس الأدبية، واتساع مفهوم النص. ومن هنا يطرح الكتاب سؤالًا محوريًّا مفاده: كيف يشتغل الخطاب النقدي في ظل هذا التعدد المنهجي؟ وهل يكفي الالتزام الصارم بمنهج واحد لفهم النصوص؟

يعالج الكتاب هذه الإشكالية من خلال مجموعة من الفصول التي تجمع بين التأصيل النظري، والتطبيق العملي عبر مساءلة بعض المشاريع النقدية المعاصرة. ويبدو واضحًا أن المؤلف يتبنى رؤية منفتحة تقوم على تجاوز الجمود المنهجي من دون الوقوع في الانطباعية أو العشوائية، مؤكدًا أن المنهج يجب أن يظل أداة مرنة في يد الناقد، لا سلطة تفرض نفسها على النص.

نقد النمطية المنهجية في القراءة الأدبية

ومن أبرز المفاهيم التي يطرحها الكتاب مفهوم «السَّردية النقدية»، حيث يتعامل مع الكتابة النقدية بوصفها خطابًا له طابع سردي، وليس مجرد أداة تحليلية محايدة. فالنقد لا يكتفي بوصف النص أو تفكيكه، بل يعيد إنتاجه داخل خطاب جديد تحكمه اختيارات الناقد الفكرية والمنهجية والثقافية. وبذلك يصبح النقد ممارسة تأويلية واعية، وليست عملية تقنية خالية من الموقف.

كما يلفت الانتباه إلى فكرة «الترسّب الإجرائي للمناهج»، والمراد بها أن المناهج النقدية لا تختفي تمامًا حتى بعد تجاوزها نظريًّا، بل يبقى بعض إجراءاتها وآلياتها حاضرة داخل الممارسة النقدية، أحيانًا من دون وعي من الناقد. وهو ما يفسر استمرار حضور مفاهيم بنيوية أو سردية داخل قراءات تعلن انتماءها إلى النقد الثقافي أو مناهج ما بعد البنيوية. وبهذا المعنى، يؤكد الكتاب أن تاريخ المناهج لا يُمحى، بل يظل فاعلًا بصورة مركبة داخل الخطاب النقدي. فالنقد الأدبي أصبح مجالًا مفتوحًا لتداخل المناهج بحسب طبيعة النص وأسئلته، غير أن هذا التداخل لا يعني الفوضى أو غياب المنهج، بل يتطلب وعيًا نقديًّا في حدود كل منهج وإمكاناته.

كما ينتقد الكاتب «النمطية المنهجية» التي تحوّل المنهج من أداة تحليلية إلى قالب جاهز يُفرض على النص فرضًا. ويشبّه هذا السلوك بأسطورة «بروكست» الذي كان يُخضع ضحاياه لسرير ثابت، إما بمدّ أجسادهم أو قطعها لتناسب مقاسه. وبالمثل، يقوم بعض النقاد بقصّ دلالات النص أو ليّها لتناسب افتراضات منهجية مسبقة، بدل الانطلاق من خصوصية النص نفسه.

وفي مواجهة هذا التصلب، يدعو الكتاب إلى تجاوز الفهم الجامد للمناهج من دون التخلي عنها، مؤكدًا أن المشكلة لا تكمن في المنهج ذاته، بل في تقديسه وتحويله إلى سلطة قاهرة. ومن هنا يطرح فكرة «التعاظم على المنهج»، أي الإفادة من المنهج مع تجاوزه وتطويره. ويضرب مثالًا بمناهج السرد، وبخاصة نموذج جيرار جينيت، مؤكدًا أن الإفادة منه لا تعني التطبيق الحرفي لمفاهيمه، بل توظيفه ضمن أفق تحليلي أوسع يستجيب لتحولات النصوص الحديثة.

وتحتل السردية النقدية موقعًا مركزيًّا في الكتاب، حيث لا يقتصر السرد على النصوص الحكائية، بل يُنظر إليه بوصفه مبدأ يمكن تطبيقه على الخطاب النقدي ذاته. فالنقد -وفق هذا التصور- يبني سرديته الخاصة من خلال ترتيب الأفكار واختيار الأمثلة وصياغة النتائج، وهو ما يجعل مساءلة الخطاب النقدي ضرورة لا تقل أهمية عن تحليل النصوص الأدبية.

ويتقاطع هذا التصور مع النقد الثقافي في رفض فكرة الحياد التام؛ إذ يؤكد الكتاب أن كل قراءة نقدية تنطلق من افتراضات فكرية ومواقف ثقافية تتصل بقضايا الهوية والسلطة والمعنى. غير أن المؤلف يحذّر في الوقت نفسه من التعامل مع النقد الثقافي بوصفه بديلًا جاهزًا لكل المناهج دون وعي بأدواته وحدوده؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى قراءات اختزالية تفتقر إلى الدقة التحليلية. كما يتوقف الكتاب عند إشكالية تلقي المناهج النقدية الحديثة في السياق العربي، مشيرًا إلى ما صاحب هذا التلقي من اضطراب مفهومي ومصطلحي. فكثير من المصطلحات انتقلت إلى النقد العربي دون وعي كافٍ بسياقاتها المعرفية، فتحولت أحيانًا إلى مجرد شعارات أو علامات حداثة، وفقدت وظيفتها التحليلية.

حدود المناهج وإمكانات التطوير النقدي

بناءً على ما سبق، تتجلّى أهمية كتاب «الخطاب النقدي المعاصر» في كونه يسعى إلى بناء رؤية شاملة لطبيعة الممارسة النقدية العربية المعاصرة وحدودها وإمكانات تطويرها. فالكتاب لا ينشغل بالنصوص بوصفها غاية نهائية، بقدر ما ينشغل بالنقد نفسه بوصفه خطابًا معرفيًّا وثقافيًّا تحكمه اختيارات منهجية، وتوجّهات فكرية، وسياقات إنتاج محددة.

ومن أبرز نقاط القوة في الكتاب أنه يتوقف عند إشكالية تلقي المناهج النقدية الحديثة داخل السياق العربي، مبرزًا ما صاحب هذا التلقي من اضطراب مفهومي ومصطلحي. فالمصطلح النقدي في كثير من الأحيان انتقل من سياقه المعرفي الأصلي إلى الاستعمال العربي من دون ضبط دقيق لدلالاته أو وعي بشروط إنتاجه، وهو ما أدى إلى التباس في الفهم، وتضارب في التطبيقات. كما ينبّه إلى أن المصطلح حين يُستخدم بوصفه علامة حداثة أو زينة معرفية يفقد وظيفته التحليلية، ويتحول إلى عنصر إرباك داخل الخطاب النقدي. ومن ثمّ يجب إعادة النظر في المصطلح من حيث الترجمة ومن حيث إدماجه في سياق واعٍ يراعي خصوصية النصوص والسياقات الثقافية المختلفة.

وفي المقابل، يمكن تسجيل ملاحظة نقدية على الكتاب، وهي ميل لغته في مواضع عدّة إلى الكثافة التركيبية والاصطلاحية، وهو ما قد يحدّ من سلاسة التلقي، ولا تقلّل هذه الملاحظة من القيمة العلمية للكتاب، بل تظل ملاحظة شكلية قياسًا إلى ما يقدمه من إسهام معرفي واضح؛ فالكتاب يفتح آفاقًا جديدة للتفكير في طبيعة الخطاب النقدي، ويحفز القارئ على إعادة النظر في المسلمات المنهجية، وعلى ممارسة نقدية أكثر وعيًا.

وختامًا، يمكن القول: إن كتاب «الخطاب النقدي المعاصر» يمثل إضافة مهمة إلى المكتبة النقدية؛ لما يطرحه من أسئلة جادة حول المنهج. فهو كتاب موجّه إلى من يسعى إلى تجاوز القراءة النمطية، وإلى بناء ممارسة نقدية مرنة، واعية ومنفتحة على التحولات المعرفية المعاصرة.