«صادحًا كالمآذن» للعماني سعيد الصقلاوي حيوية شعرية تعبر إلى العصر وحداثته

«صادحًا كالمآذن» للعماني سعيد الصقلاوي

حيوية شعرية تعبر إلى العصر وحداثته

قبل أن نلج العوالم النصية لديوان «صادحًا كالمآذن»، للشاعر العماني سعيد الصقلاوي، المركز الدولي للخدمات الثقافية، بيروت، تستوقفنا العتبة الأولى – العنوان «صادحًا كالمآذن». يشي ارتباط العتبة الرئيسة بالنصوص الشعرية الفرعية، بأن هذه العتبة، عبارة عن نواة النص العام – الديوان. تتشظى وتتناسل من خلالها بقية النصوص. لهذا، تعد هذه العتبة مولدًا شعريًّا، سواء على مستوى المعجم أو الحقول الدلالية، مما يجعل مدلول هذه العتبة، يحضر في كل نص من نصوص الديوان، سواء بشكل ضمني أو صريح.

يتكون عنوان الديوان من مركب اسمي – جملة اسمية «صادحًا كالمآذن»؛ بحيث يمكن إعادة صياغته كالتالي: «هذا الشعر، صادحًا كالمآذن». لتبقى حالة التجلي على مستوى الصوت، أهم سمة لهذه النصوص الشعرية. ينتمي معجمها إلى مجال لغوي ودلالي لحالة خاصة، تسمو بالذات الفردية والإنسانية. وفي الوقت نفسه، يجعل الذات الشاعرة الساعية إلى هذا السمو، محاصرة بالعزلة والضياع. يبرز ذلك من خلال شواهد كثيرة من قصائد الديوان. إذ تهيمن على حقلها المعجمي المفردات الآتية: التيه، البوح، النور، الروح، الرب، المحبة، الرحمة، القلب، الجمال… إلخ. يعمل هذا الحقل المعجمي بدوره على بناء حقل دلالي خاص، يؤشر على تأزم الذات (التيه) من جهة، ومحاولة انعتاقها. تجلى ذلك تجليًا بارزًا في النصوص الآتية: امتلاء، يقيني، صوت، ماذا تخبئ. وقد وظف الشاعر في هذه النصوص، مفردات من قبيل: البوح، المحبة، القلب، النور… إلخ. كما هيمن هذا المعجم، على عناوين أغلب قصائد الديوان.

تشكل النص الشعري

تقودنا القراءة الأولية لهذه النصوص الشعرية، إلى التأكيد على أن علاقة الشاعر بالقصيدة- في إطار تشكيل النص الشعري- علاقة صدامية، على حد تعبير الشاعر المغربي عبدالله راجع. ذلك أن المشاعر التي يتكوّن منها النص، أو التي يعمد إلى تنظيمها في بنية شعرية خاصة، تسبق لحظة الكتابة، وقد تظل تستولي عليه زمنًا قد يطول. ومع ذلك، يدخل الشاعر منطقة الاحتراق. مما يجعل الشاعر سعيد الصقلاوي، لا يشرع في الكتابة بمجرد أن تلح عليه مختلف تلك المشاعر، بل يحاول جاهدًا تشذيبها بعد الإمساك بها.

وفي هذا بالذات، يضع مخططًا للنص الشعري، حتى لا تنفلت منه أدق تفاصيله. يمهد الشاعر الطريق للانتقال من النص الغنائي (الذاتي)، إلى النص الدرامي بكل تعقيداته. تبرز هذه النزعة الصدامية في الديوان من خلال ثلاثة مستويات: مستوى الذات، مستوى الواقع (الحياة)، مستوى الذاكرة القرائية (التناص). وتشي هذه الذاكرة بأن الشاعر تمكن من توثيق الصلة بالثقافة العربية، قديمها وحديثها، وكان لثقافته العميقة أكبر الأثر في تكوين نصوصه الشعرية؛ مما جعل النص الشعري عنده، بمنزلة خلق وإبداع، فيه يجد الإنسان ذاته، ويعبر عنها، وإن كان في الوقت نفسه يعبر عن مجمل العصر، والظروف التي تتحقق فيها العملية الإبداعية.

مستوى الذات

يكشف المعنى الشعري عند الشاعر سعيد الصقلاوي، عن وجع وانكسار وتشظي، خاصة علاقة الذات الشاعرة بالأمكنة وبالإبداع الشعري. كما يجعلها دائمة التصدع والتفتت، على المستوى الوجودي. حيث تستعيد الذات الشاعرة ذكريات المكان الأول، التي تصير أحلامًا مستعادة، وبؤرة لتناسل الأسئلة الجوهرية حول الوجود والعدم، وكذا الذاكرة (الامتلاك) والفقدان. بهذا الحنين الجارف للماضي، يصر الشاعر على صياغة نصوصه الشعرية من منطلقات سلوكية وطقوسية، رغبة منه في لملمة شظايا الذاكرة، وتحفيزها قصد الخروج من النهائي (المادي) إلى اللانهائي (اللامادي/الروحي). لأن التوغل في هذا البعد الذاتي، جعل نصوصه، تعرف نوعًا من التماس البارز مع التجربة الصوفية ورؤيتها للوجود والكون.

سعى الشاعر من خلال هذه الحالة إلى الكشف عن المستور، باعتباره إحدى منطلقات الشعراء المتصوفة الذين يعتمدون لغة التجلي والأحوال والمقامات، قصد ولوج آفاق لغوية ورمزية إيحائية رحبة، تنقلب فيه اللغة من عجزها وضبابيتها المحدودة، إلى الخلق اللغوي الذي يصل إلى البعد الإيمائي في اللغة،ـ حيث تفيض الأشعار ذات البعد الصوفي، بمفردات الجمال والجلال. كما يبرز في مدونات المتصوفة: الحلاج وابن الفارض وابن عربي والشوشتري ورابعة العدوية.

تجلى هذا البعد في هذا الديوان، في العديد من النصوص الشعرية. يقول الشاعر في نص «صوت»: سمعت صوتك في قلبي وفي أذني/ فليت تعرف ما يجري به زمني وليت تعرف أني في تهافته/ جناحي الأفق والنجمات لي سكن».

مستوى الواقع – الحياة

يميز الديوان في هذا الجانب، الحيوية التي عرفها الشعر العربي في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيل شعري جديد. مما جعله يتقاطع في جوانب عدة مع المفارقات الساخرة لمحمد الماغوط، وأمل دنقل، ومظفر النواب، وأحمد مطر، في نقد الواقع القائم. كما يتقاطع من جوانب أخرى مع شعريات محمود درويش وعلي جعفر العلاق، وقاسم حداد، وأنسي الحاج، وسركون بولص، ومحمد بنطلحة العابرة بالشعر العربي إلى البعد الكوني. وبذلك، اكتملت صيرورة الزمن الشعري في الديوان. يبرز ذلك بشكل جلي من خلال نصوص شعرية مثل عتاب، هاجس، أنت بين الناس نجم. يقول الشاعر في نص «عتاب»: أسر إذا الأيام جادت بصاحب/ وتسعدني سكناه ما دام راغبا أشاطره الدنيا بكل صناعها/ وأمنحه ودي ولست معايبا».

مستوى التناص

يشكل التناص ركيزة أساسية، وآلية ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في أي خطاب أدبي (الشعري على وجه الخصوص). لهذا، استند الشاعر إلى التراث الفكري، والفلسفي، والإبداعي. فكانت صوره الشعرية، مستمدة من منابع ومرجعيات مختلفة: القرآن الكريم، والحديث النبوي، والرمز الثقافي، وغيرها من المنابع. وبما أن الشاعر سعيد الصقلاوي من بين الشعراء المنغمسين في التراث الفكري الإنساني بمختلف جوانبه، فقد جاءت العملية التناصية في ديوانه، حاملة أبعادًا دلالیة واضحة المعالم. تؤشر إلى تشبعه بالثقافة الدينية أكثر من غيرها. تجلى ذلك في مجموعة من النصوص. نذكر من بينها: شغف، سعي، رحيل، استغراب، أنت بين الناس نجم، وغيرهما من النصوص الشعرية الأخرى. حيث يشكل تموقع النص الديني في شعره موقع الريادة، سواء من خلال توظيفه بشكل صريح أو ضمني. لكن على الرغم من هيمنة هذا الحقل الديني، فإن المنابع الأخرى حاضرة كذلك. يقول الشاعر في نص «أنت بين الناس نجم»: أيها الشاكي على ما تشتكي طولًا وعرضا/ رب هذا الكون يقضي فاغتنم ما كان يقضى».

شكلت نصوص الشاعر سعيد الصقلاوي في هذا الديوان، عوالم نصية غنية. تفيض بالجمالية، والإنشادية الصوفية. كما تعكس صور مجتمع جريح، وصورًا نفسية للذات الشاعرة في تفاعلها مع الأحداث، وتأثراتها، وانفعالاتها. مما جعل تشكلها الفني، وبناءها الشعري خصبًا، تبعًا لما وظفه الشاعر من تلاوين اللغة والألفاظ، بعيدًا من كل معيارية جوفاء. لذلك، خلت صور نصوصه الشعرية، ولغته الفنية والجمالية، من أي تعقيد أو غموض؛ لأنه لا يتلمس الوضوح فقط، بل يتلمس الشعر والفن الشعري الخالص. يتلمس لغة خاصة، ليصل إلى هذا الدفق الشعري الذي يميزه في الساحة الشعرية العمانية والعربية على السواء.

«ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود تراجيديا الحياة ومأساة رحلة البحث عن الخلاص

«ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود

تراجيديا الحياة ومأساة رحلة البحث عن الخلاص

رواية «ذاكرة بلا صور» للكاتبة الليبية عزة سمهود، الصادرة في طبعتها الأولى عن دار الرشيد، الإمارات العربية المتحدة، ووصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، هي رواية ذات منزع واقعي رمزي. تستند إلى رؤية سردية مبنية على بعد مأساوي من خلال بنية سردية قائمة على تقنيات التقطيع والتشذير لبنية الأحداث والأزمنة والأمكنة، من دون أن تجنح كلية نحو التجريد؛ لارتباط أحداثها وواقعها بالهجرة السرية والحلم
بالفردوس؛ أوربا.

التشخيص التخييلي وتراجيديا الواقع

يمتد العالم الحكائي لأحداث الرواية ليشمل مسارًا تاريخيًّا لصور الواقع الاجتماعي للدول الإفريقية جنوب الصحراء (نيجيريا) في حقبة تاريخية تمتد إلى اليوم. يتساوق هذا الامتداد مع ذاكرة السارد. ويؤطرها من ناحية تنضيد الأحداث والشخوص والأزمنة والأمكنة. وذلك من خلال صوت السارد الرئيس للأحداث/ الشخصية المحورية (شخصية آبيا) التي تتمثل حياتها في مسار مأساة اجتماعية من ناحية العلاقة بالواقع الذي تهيمن عليه الصراع والحروب الأهلية والقتل. يقول السارد (شخصية آبيا) في الصفحة 4: «علينا مغادرة مايدو غوري، فالأخبار تقول: إنَّ الهجوم القادم عليها، ولا بد أن ننقذ محاصيلنا قبل نهبها».

عزة سمهود

يضرب هذا الصراع عميقًا في الذات والنفس والوجدان والجسد الإفريقي، من خلال انعكاس شفاف لصور هذا الواقع في التمثلات التخييلية للنص الحكائي. كما تتجاور لغة السرد التعييني المباشر مع لغة الوصف الرمزي الذي يجرد السرد التعييني من الدلالة المباشرة ويمنحه عمقًا وكثافة رمزية. تنهض بنية هذا النص السردي على التشخيص المحاكاتي من خلال العلاقة بين النص والمرجع الواقعي عبر علاقة انعكاسية مرآوية؛ إذ إن الشخوص، مثلما الأحداث، قابلة للتمثل على مستوى الواقع الاجتماعي المأساوي الذي هيمن عليه الحلم والاغتراب والمأساة. بدءًا من الفصل الأول للرواية المعنون بـ«البوغا» وهو لقب يطلقه السكان المحليون على تاجر البشر، سواء كان مُشتريًا أم بائعًا. لكن حين يقع الإنسان في أيدي هؤلاء التجار، يبصم على وجوده الواقعي والاجتماعي ببصمة الأحلام المهدورة، والمأساة المنتظرة. تجلى ذلك في جل فصول الرواية: الفصل الأول/ البوغا (ص:2)، الفصل الثاني/ يوم حلقوا شعري (ص:17)، الفصل الثالث/ باب الجحيم (ص: 42)، الفصل الرابع/ سجن إعبيدة (ص: 49)، الفصل الخامس/ اللجوء (ص: 57). تلتقي هذه الفصول في قول السارد في المقطع الأخير: «وسأتكلم عن تلك الصور التي ظلت تتوهَّج في ذاكرة الفتيات حتى احترقت وانطفأت أعمارهن»، ص: 77.

مرايا الذات الإنسانية المقهورة

ينطلق السرد الروائي في الرواية من بؤرة مركزية تتمثل في الصراعات القبلية والقتل والخراب والترحيل: «حين خرجنا من الدغل تفرقنا للبحث عن ناجين في أزايا، وحمدتُ الله أنَّ أمي إيفيلين باولو خرجتْ فور الاجتياح بابنتي ماريان اتجاه مايدو غوري» ص 2. فمنذ الوهلة الأولى يلج السارد عالمًا يزخر بصور الموت، لتمتد إلى بؤرة ثانية مجسدة في محاولة الشخصيات (آبيا، البنت مارينا، الأم إيفيلن، الخالة كاتي) الإفلات من هذه المأساة التي تتمثل رمزيًّا في شخصية آبيا التي تسير في مصيرها نحو معاناة التهجير والضياع. وعلى نحو مركزي أيضًا، تهيمن على النص ثيمة التفكك القبلي/ المجتمعي متمثلة في رمزية الأرض، حين تجري مقاومة بؤس الواقع وشبح تفكك الأسرة/ المجتمع بكل تحدٍّ وصمود. تنضاف إليها الشخصية المحورية (شخصية آبيا) التي توزعت مواقفها بين الحلم بواقع بديل وحلم بحياة ثانية مغايرة، وهو حل لم يكن موفقًا؛ لأن حاضر حياتها وذاكرتها المحاصرة بهذه الصور المأساوية، لا تستطيع الانعتاق من الإخفاقات المتصلة بها.

ينضاف إلى تراتبية موضوعات الإخفاق هاته، موضوعتان تستحضرهما، وتحولهما إلى سلوك انتهازي وإفراز لعقد مرضية لإنتاج الانتكاسات والهزيمة، وردود الأفعال السلبية التي تعد هروبًا مضادًّا إلى ما هو أسوأ من أشكال الإخفاقات السابقة (داخل القبيلة). هذا النسيج الشخوصي منحته الروائية، نسقًا رمزيًّا، أنتج متخيلًا للمرايا المتعاكسة؛ إذ بإمكان متلقي الرواية، قراءة وتأويل إخفاقات شخصية آبيا والشخصيات المرافقة لها في الرحلة الخلاصية (شخصية آمندا، شخصية فيكتورا، شخصية فايا، شخصية جلوريا)، وهي منعكسة في مرآة المأساة. لهذا، فإن أشكال الانعكاس المرآوي للشخوص الواردة في الرواية، خلقت نوعًا من التقنية السردية الخاصة في بنائها، ومنحت الرواية بنية درامية مؤثرة، ونقلت النص من التشخيص الواقعي المباشر، إلى التشخيص الفني الرمزي.

رحلة البحث عن الخلاص

جسدت ذاكرة السارد/ شخصية آبيا، كثيرًا من صور المعاناة والموت المادي والرمزي التي تزخر بها الرواية، من خلال شخصيات تغترب عبر رحلتها الخلاصية، ونزعتها الهروبية من عالم مأساوي تنهار فيه القيم الإنسانية، كما تحكمه عصابات التهريب. يقول السارد في الصفحة 11: «هزت إحداهن رأسها نفيًا ثم قالت: عن طريق إزقيل، أرشدنا ابن عمي كومو إلى الوسيط إزقيل، ليقوم بتمريرنا». تتكرر صور التهريب على طول المسار السردي للرواية، وترتبط هذه الصور بمشاهد التعذيب في أثناء هذه الرحلة الخلاصية. تجلى ذلك في حلق الرؤوس: «تسمرتُ مكاني فلكزتني العجوز على جنبي، ودفعتني نحو الكرسي» ص:22، ومشاهد ختان، وصولًا إلى سجون المهربين (سجن إعبيدة، ص: 49، سجن شتراوس، ص: 68). ثم إلى الكنيسة بوصفها الخلاص من هذه الرحلة المأساوية. يقول السارد في ص: 72،73: «توقف السائق وهو يشير للمبنى المفتوح، نزلتُ بسرعة وركضتُ نحو مدخل الكنيسة الكبير». يشي هذا المقطع السردي الأخير من الرواية بمنحى رمزي لهذه الرحلة الخلاصية التي هيمن عليها السقوط والهزيمة، وهو ما يجعلها رواية تؤشر إلى مأزق وعي شقي في قراءة العلاقة بين الواقع والسلطة (بشتى أصنافها). تعكس رواية «ذاكرة بلا صور» لعزة سمهود، واقعًا ممسوخًا فقد فيه الإنسان ما تبقى من أصالته وجوهره الإنساني.