المقالات الأخيرة

ظنونه

ظنونه

تؤرقه ظنونه، أو معجزاته، لا فرق. الإحساس المسبق بكل شيء، قلق يسبق الحدوث، وفراسة تقرأ الشخصيات قبل أن تنطق. هذا الإدراك الحاد، المؤلم، لا يترك له مجالًا للحكم أو التبرئة؛ فقط إشارات تتساقط عليه من داخله. تؤرقه حماقة الشهداء فيه؛ إذ لا يبحث عن مكاسب، ولا يخشى خسائر، لا...

إلى هناك لا تطير الطائرات ولا تبحر السفن

إلى هناك لا تطير الطائرات ولا تبحر السفن

يا صَبيّة، هل تعلمين ما يحدث على الجانب الآخر من الأرض؟ هناك تضيع السفنُ في زغَبِ أشجار الحور ولا تعود، تذوب في عاصفة الحور الثلجية. وتصبح بصماتُ أصابع الزوجين متطابقة. يا صَبيّة، ما أكثر الأشياء المثيرة للاهتمام هناك! لدى سكان ذلك الجانب خريطة للعروق، مثل الأنهار...

شُرفة للعالم

شُرفة للعالم

تُطل من شرفة الطابق الخامس، أحيانًا تُفكر بالقفز، لكن أملها يُخبرها أن هناك مكانًا أفضل بانتظارها، فتعود إلى الداخل. تتوقف أمام رف المكتبة الصغير، كتاب تعليم اللغة الصينية يتوسط أربعة كتب باللغة الإنجليزية والفرنسية. من أعطاها الكتاب قال لها: إنها فتاة (فنزويلية)...

خطوة في ركاب «الغوث»: ابن شاباك السندي، نزيل الروم

خطوة في ركاب «الغوث»:

ابن شاباك السندي، نزيل الروم

لم يكن سفره إلى باريس رغبةً في مدينة، بل محاولةً لنجاةٍ مؤقتة من نفسه. كان يشعر أن المعنى يتآكل في داخله ببطء، كما يتآكل جدارٌ رطب لا ينهار دفعةً واحدة، بل يفقد تماسكه حجرًا بعد حجر. لم يكن الخوف من الفشل، بل من الذوبان؛ من أن يصبح حضوره باهتًا في عالمٍ يمضي مسرعًا...

العبقري غودار كما فهمته

العبقري غودار كما فهمته

«يحبُّ جان لوك غودار إثارة الجدل». بهذه العبارة الصادمة، افتتح بيتر برونت كتابه «جان لوك غودار»، الذي ترجمه إلى العربية الناقد والأكاديمي السعودي الدكتور كميل الحرز، ضمن مشروع الموسوعة السعودية للسينما. إثارة الجدل -سواء تمظهر في شكل لغة سينمائية مكتوبة، كما مارسه...

«جَنَى»

بواسطة | يوليو 1, 2026 | نصوص

كان معتز في نظر العامة لاجئًا عبر الحدود، أما بالنسبة له فكان خيالًا لحلمٍ تهشّم على عتبات الغربة، وصوتًا خافتًا ظلّ يهمس وسط المعارك بأنه ما زال حيًّا. هو شاب جاوز منتصف العشرين من عمره، يحاول أن يشق طريقه نحو تحقيق حلمه في متابعة دراسته للهندسة، رغم ضيق الحال وفقر اليد، فإن الإصرار والتحدي هما الثروة التي تمتلكها عائلته، يحيطان بها كشعاع نور على مائدة عشاء متواضعة، أحاديثهم عن مستقبل غني كانت عزاءهم الوحيد في حاضرٍ شحيح، لكنها الحرب التي اندلعت وحطّمت كلّ أمانيهم كوحش جائع، يفترس كل ما حوله، الأشجار، الأزقة، المدارس، الأطفال، البيوت، النساء، الرجال، العجائز، والأحلام.

كانت الفوضى مشهدًا على شاشة تسمّر حولها من نجا من الحرب، وواقعًا يصرخ في كل زاوية، لم يدرِ معتز إن كان لسوء الحظ أم لحسن الحظ قد نجا من هذه الحرب، لكنّ أحلامه تبخرت شيئًا فشيئًا، كما يتبخّر الضباب حين تطوله شمسٌ مع بداية صبح جديد.

في لحظة واحدة، صار الهرب ضرورة. منزلهم الذي كان ملاذًا صار هدفًا، ومن تبقّى من أفراد عائلته، تفرّق في طرقات أصبحت غريبة عنهم. غادر معتز أرضه حافي القلب، وفيه من الحزن ما لا يستطيع أن يرويه، لم يستطع أن يحمل في حقيبته إلّا صمتًا موجعًا، وعينين تنظران وراءهما أكثر مما تنظران للأمام.

حدثني معتز يومًا ما عن تلك الليلة التي هرب فيها من الحرب التي اشتعلت في بلاده متوجهًا إلى إحدى الدول الأورُبية… صوته كان متهدّجًا، وعيناه لا تخفيان انكسارًا قد لا يُجبر. أخبرني عن المسار الطويل الذي اتّبعه بين البحار والجبال والمعابر، عن لحظاتٍ ظنّ فيها أنه لن ينجو، عن الليالي التي بات فيها لا فراش يتوسده إلّا الأرض ولا غطاء يقيه برد الشتاء إلّا السماء، لكنه كان يتمسّك بإصراره على أن يجد وطنًا بديلًا، أو على الأقل مكانًا آمنًا.

إلّا أنّ الغربة طحنت روحه وزعزعت شعوره حول الأمان. وحدّثني عن شوقه لــ«جنى»، لكنني لم أجرؤ أن أسأله من هي «جنى»؟ هل هي أخته أم خطيبته أم زوجته؟

استقبله الوطن البديل بصمتٍ بارد، لم تفتح له أبوابه، ولم تهمس له شوارعه حتى بكلمة «أهلًا». اصطدم بلغة لا يفهمها وبنظرات غرباء تصنفه على أنه «الآخر». كل محاولة منه للحصول على عمل كانت تُقابل بعبارة «آسف، ليس لديك خبرة في هذا البلد»، حتى صارت العرقلة عادة، وانكسار النفس روتينًا. الوحدة والعزلة بدأتا تنهشانه من الداخل. كان يفتقد عائلته حدّ الألم. لم يعرف إن كانوا أحياءً أم تاهوا في دروبهم نحو الغربة أم التهمتهم الحرب. كل محاولة للتواصل معهم كانت ترتدّ عليه كشظايا الرصاص.

لم يكن غريبًا أن نراه جالسًا وحده في الحديقة كل مساء، محدقًا في الأفق وكأنه ينتظر أمرًا يدرك في قرارة نفسه أنه لن يتحقق. كان يكتب مذكراته بلغته العربية، لغة الضاد، وكأنها الحبل الوحيد الذي يربطه بوطنه. وكم كانت كلماته تقطر وجعًا، وتحمل في طياتها ذاكرة وطنٍ فقده، وعائلة لم تحن له الفرصة ليودّعها، فالحرب كانت أسرع منه. تغير اسمه من «معتز» إلى «لاجئ»، وبالرغم من غصة سيطرت على روحه قرر أن يتعرف على نفسه من جديد وبدأ رحلة التطوّع في مراكز اللاجئين الهاربين من الحروب، يستمع إلى معاناتهم وينقل معاناته إليهم، يُشعل شمعة لمن سار في العتمة ذاتها.

قال لي ذات يوم:

– إن لم أتمكن من إنقاذ «جنى»، فربما أستطيع أن أمدّ يد العون للآخرين.

وللمرة الثانية لم أجرؤ على سؤاله من هي «جنى»؟ … لم تُختصر غربته في الجغرافيا فقط، بل كانت غربة روح وعزلة لغة؛ إذ لم يكن يمتلك القدرة على التعبير، وعلى إيصال أفكاره. اللغة الجديدة كانت كبوابة فولاذية، يطرق عليها كل يوم دون أن تُفتح. كان عاجزًا عن طلب المساعدة، عن تكوين صداقات، عن مشاركة أبسط مشاعره. أخبرني ذات مرة، وهو يغالب دمعته:

– حينما قال ديكارت يومًا عبارته الشهيرة «أنا أفكر إذًا أنا موجود» لم يكن قد تغرّب يومًا بسبب حرب مفاجئة، فها أنا أفكر لكنني لا أشعر بوجودي ولا بانتمائي هنا في هذا البلد الغريب عني.

وكان التمييز سيفًا آخر مسلطًا على رقبته، عبارات جارحة يسمعها من هنا وهناك، نظرات شكّ، أسئلة تدور حوله:

– لماذا أنت هنا؟ … متى سترحل؟…

عبارات جارحة، لا إنسانية فيها، تزرع فيه شعورًا بالرفض…

قال لي البارحة:

– لو تدرك تلك العيون التي ترشقني بنظرات حادة مقدار الألم الذي سكن عينيّ بسبب «جنى» لما تجرّأت على مواجهتي.

وفي الوقت الذي فتحتُ فمي لأسأله من هي هذه الــ«جنى»، رنّ جواله… رسالة نصية منعتني من التعرف على «جنى» حين أبلغني بعد قراءتها أنّ عليه المغادرة…

علمتُ منه لاحقًا أنه التحق بدورات اللغة علّها تساعده في الحصول على وظيفة، وبدأ يكتب الكلمات الجديدة على أوراقٍ خبأها في جيبه، يراجعها وهو يأكل، وهو يتناول فنجان قهوته الصباحي، وفي أوقات فراغه بعمله التطوعي، ويحادث بها نفسه أمام المرآة. يخطئ، يضحك على أخطائه، ثم يُعيد الكرّة.

شيئًا فشيئًا، بدأ يتقن اللغة، وبدأ يتحدثها أمام سكان البلد الأصليين. ثم فكّر بالتكنولوجيا، أنشأ صفحات، وتواصل مع لاجئين آخرين، تبادل معهم حكايات الغربة، ثمّ انتقل للتواصل مع سكان البلد الذي لجأ إليه، ليطوّر لغته الجديدة.

أما من الناحية المعيشية، فكانت رحلة العمل وعرة… عمل في مطاعم بأجر زهيد، ووظائف مؤقتة، وحمل أوزانًا لا تناسب جسده النحيل، لكنه كان يقول:

– الكرامة لا تُشترى، والخبز لا يأتيك وأنت نائم.

وكلما التقينا، كنت أرى بريقًا جديدًا في عينيه بالرغم من أنّ حزنه ما زال يسيطر عليه، لكنه أصبح أكثر صلابة. بدأ يشارك في فعاليات الجالية، يُلقي قصصًا قصيرة في أمسيات ثقافية، ويبادلهم الهوايات المشتركة. وشيئًا فشيئًا لم يعد معتز لاجئًا في وطن غريب، أصبح وجهًا مألوفًا في الحي الذي يسكنه، شابًّا يحترمه الجميع، ويبدو لي أنهم عرفوا قصة «جنى» وتعاطفوا معه، إلّا أنا، لم أعرف حتى الساعة قصته معها، كما أصبح رمزًا للشباب الصامد في الغربة؛ لأنه لم يرضَ أن يُكسر، بل اختار أن يكون قنطرة بين ضفتين، ضفة اللجوء،
وضفة الإقامة.

اتصلتُ به صباح اليوم لأدعوه إلى تناول الغداء معي، وعلى مائدة الطعام استمعتُ إلى قصته التي بادرني بها قبل أن أفكر في السؤال عنها:

– كنتُ أعيش مع أبي وأمي وزوجتي في منزل متواضع لكنه ثري بالحب، كانت «جنى» طفلتي ذات سبع السنوات تملأ أرجاءه بأطوارها الغريبة، لكنها أطوار من نوع آخر، مشبعة بالحنان…

فاجأتني يومًا وهي تكتب على مرآة الصالة بقلم التلوين المفضّل لديها:

– أحبك يا بابا، وأشتاق إلى أمي..

كنتُ قد انفصلتُ عن والدتها لأسباب لا أريد الخوض فيها، ولمدة عام كانت «جنى» هي من يوقظني يوميًّا بعد شروق الشمس…

ذات يوم، استيقظتُ على صوت قذيفة وقعت في أرض دارنا، وصرتُ أركض كالمجنون في أرجائه، لم أعد أذكر أي تفاصيل من هذا اليوم المشؤوم، الشيء الوحيد الذي بقي عالقًا في ذاكرتي أنّ «جنى» لم توقظني في اليوم التالي!

المنشورات ذات الصلة

ظنونه

ظنونه

تؤرقه ظنونه، أو معجزاته، لا فرق. الإحساس المسبق بكل شيء، قلق يسبق الحدوث، وفراسة تقرأ الشخصيات قبل أن تنطق. هذا...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *