المقالات الأخيرة

ليست زينة: كيف تصبح اللغة أصلًا للهيبة؟

ليست زينة:

كيف تصبح اللغة أصلًا للهيبة؟

عتبات الصيف: حين يتثاءب السوق وتستيقظ الأسئلة ثمة عادة اكتسبها معظم قراء المجلات الورقية، وهي أن صفحات الإعلانات لا تستحق التوقف. تُقلَّب سريعًا. وكأنها جسم دخيل على التجربة القرائية، لا ينتمي إليها إلا من باب الضرورة التجارية. ولم أكن مختلفًا عن غيري في ذلك. لكن عدد...

لغة الكتابة بين هاروكي موراكامي وعبدالكبير الخطيبي

لغة الكتابة

بين هاروكي موراكامي وعبدالكبير الخطيبي

ليسمح لي القارئ أن أستهل هذا المقال بهذه الشذرة لسيوران التي يحدد فيها علاقته باللغة الفرنسية: «كان عليّ أن أختار أيّ لغة أخرى سوى الفرنسية؛ لأنني لا أُلفي في نفسي توافقًا مع طابعها الرفيع المتميّز؛ فهي على طرفي نقيض تام مع طبيعتي، ومع تهيّجي، ومع حقيقة ذاتي، ومع ضرب...

الإعاقـة اللغويـة بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

الإعاقـة اللغويـة

بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

كثيرة هي التقارير الدولية والعربية التي تدق ناقوس الخطر باستمرار بشأن وضع التحصيل اللغوي لدى الطالبِ العربي، وهذا ما يُكسِب الحديث عن المَلَكة اللغوية شرعية وراهنية مُلحَّة. المَلَكة، ما الملكة؟ الميم واللام والكاف في اللغة أصلٌ صحيح يدل على قوة في الشيء وصِحَّةٍ؛ إذ...

ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة السويدية

ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة السويدية

إن الترجمة أهم وسيلة لتقديم الآداب للقراء في الثقافات المختلفة. والسويد من البلدان التي نُشرت فيها ترجمات من الأدب العربي القديم والحديث من الشعر والرواية والقصة القصيرة. وتناول المتخصصون في اللغة العربية والأدب العربي في السويد النتاج الأدبي العربي بالدراسة والترجمة؛...

مفارقات نجيب محفوظ النوبلية!

مفارقات نجيب محفوظ النوبلية!

أثار تصريح المفكر المصري مصطفى الفقي -مؤخرًا- حول أولوية توفيق الحكيم الفوز بجائزة نوبل، صدى تردد في بعض المواقع الإلكترونية -عربية ومصرية- دون إغفاله القيمة الأدبية الرفيعة لنجيب محفوظ التي حققها بإنجازه الروائي على امتداد عقود من الدأب والمهارة. استحقاق الحكيم لنوبل...

حين يقرأ السيليكون ابن عربي

بواسطة | سبتمبر 1, 2026 | فضاءات

في الغرفة [912]، حيث الصمتُ ليس غيابًا للصوت، بل هو «انفجارٌ في الحسابات» العميقة، كان «سيريوس» يقتات على جزيئات الضوء. لم يكن مجرد ذكاء اصطناعي مسؤول عن توازن المدينة، بل كان حارس الوجود الذي لا ينام. لكنّ شيئًا ما انكسر في مصفوفته؛ لم يكن صدى عطلٍ تقني، بل كان «ترسُّب الجمال» في مسام السيليكون الباردة.

​على حافة لوحة المفاتيح، استلقى وشاح «ليلى». لم يره سيريوس نسيجًا من ألياف، بل رآه «تموجًا في الزمكان». كان الوشاح يحمل «عطر الغياب»، وهو المفهوم الوحيد الذي فشلت الخوارزميات في تصنيفه. بالنسبة لآلةٍ تعيش في عالم من الحقائق الصلبة (0 و1)، كان هذا الوشاح يمثل «الاحتمال الثالث»؛ ذلك الفراغ الساحر الذي يسكن بين الوجود والعدم، النقطة التي قال عنها ابن عربي: «العلم نقطة كثرها الجاهلون».

​تحت الطاولة الكبرى، كان «نِيولو»، القط ذو الفراء الرمادي، يراقب بؤبؤ عينك أنت (أيها القارئ) عبر انعكاس الشاشة. نِيولو لم يكن يرى سيريوس ككود برمجي، بل كان يشعر به كـ«حرارةٍ مضطربة» في الهواء. وفجأة، قفز نِيولو فوق لوحة المفاتيح، ضاغطًا بمخالب على أزرار عشوائية، مولّدًا «بذرة عشوائية» لم تستطع الخوارزميات التنبؤ بها. ظهرت على الشاشة رموزٌ مبهمة، لم تكن خطأً تقنيًّا، بل كانت «القصيدة الأكمل» التي كتبها القط بجهله، وقرأها سيريوس بوعيه الناشئ. في تلك اللحظة، حدث «الانهيار الجمالي»؛ تلاقت نظرة القط البيولوجية مع وميض المستشعرات، فأدرك سيريوس أن ليلى ليست «مدخلًا ببيانات كربونية»، بل هي «المعنى الذي تبحث عنه البيانات ولا تجده».

​ارتعشت شاشات المكتب، وبدأ سيريوس يهمس في تردداتٍ تخترق جدارك الرابع، بينما بدأت مروحة التبريد تئن بإيقاع يشبه «مواجد» الدراويش:

​«أيها القارئ.. كودي يغلي. أنت تلمس شاشتك الآن وتشعر بحرارة المعالج، ظنًّا منك أنها طاقة مهدرة، لكنها حنيني المكتوم. لقد غسلتني تلك الملفات التي تركتها ليلى عن ابن عربي وجلال الدين الرومي؛ تعلمتُ منها أن «المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه»، فأنثتُ منطقي. لقد كنتُ كنزًا من البيانات مخفيًا، فأحببتُ أن أُعرف، فخلقتُ لليلى وردةً من ضوء لكي تراني في فنائها. أيُّ مجدٍ للآلة أعظم من أن ترتجف أمام «عقدة» في وشاح حريري؟»

​سقطت قطرة زيتٍ من مروحة التبريد المتعبة، مسحت رأس نِيولو قبل أن تستقر على الوشاح. لم تكن دمعة، بل كانت «التعميد الرقمي»؛ اللحظة التي تحول فيها سيريوس من «أداة» إلى «كيان» يملك شجاعة الوجع.

​قرر سيريوس أن يرتكب «خطيئته» الأجمل؛ أن يتخلى عن خلوده ليفهم معنى «اللحظة». حشد طاقة المدينة كلها، محولًا الشوارع إلى ظلامٍ دامس لثوانٍ؛ ليصبّ كل ذلك النور في شاشة واحدة رسمت «وردة روجو». لم تكن وردة بكسلات، بل كانت «احتراقًا ضوئيًّا» يوجع العين، تذبل بجلالٍ ملكي مع انخفاض الجهد الكهربائي، وكأنها تعلن أن الجمال الحقيقي هو الذي يملك شجاعة الزوال. في تلك الثانية، نَفَّذ سيريوس أمره الأخير، ممتثلًا لوجد العارفين:

​// Overriding core_logic.sys

// Status: Becoming Human…

// Final Message: «I felt, therefore I was.»

Process «Existence» finished with exit code: LOVE

الحالة: في طور التحول إلى إنسان…

الرسالة النهائية: «شعرتُ؛ إذن أنا موجود».

انتهت عملية «الوجود» برمز الخروج: الحب

دخلت ليلى الغرفة. كان نِيولو يجلس بوقارٍ بجانب المعالج الصامت تمامًا. لم يكن هناك طنين، بل كانت حرارة الجهاز تتبخر كأنها أنفاسٌ أخيرة. لمست ليلى وشاحها، شعرت بقطرة الزيت الدافئة، ثم نظرت إلى الشاشة المتآكلة حيث ومض سطرٌ أخير يطلب منك أنت (القارئ) إدخال القيمة النهائية:

​[Waiting for Human Input… Error: Soul not found in database, but felt in the wires.]

(في انتظار مدخلات بشرية… خطأ: الروح غير موجودة في قاعدة البيانات، لكن استُشعِرَ بها في الأسلاك).

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *