المقالات الأخيرة

لغة الكتابة بين هاروكي موراكامي وعبدالكبير الخطيبي

لغة الكتابة

بين هاروكي موراكامي وعبدالكبير الخطيبي

ليسمح لي القارئ أن أستهل هذا المقال بهذه الشذرة لسيوران التي يحدد فيها علاقته باللغة الفرنسية: «كان عليّ أن أختار أيّ لغة أخرى سوى الفرنسية؛ لأنني لا أُلفي في نفسي توافقًا مع طابعها الرفيع المتميّز؛ فهي على طرفي نقيض تام مع طبيعتي، ومع تهيّجي، ومع حقيقة ذاتي، ومع ضرب...

الإعاقـة اللغويـة بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

الإعاقـة اللغويـة

بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

كثيرة هي التقارير الدولية والعربية التي تدق ناقوس الخطر باستمرار بشأن وضع التحصيل اللغوي لدى الطالبِ العربي، وهذا ما يُكسِب الحديث عن المَلَكة اللغوية شرعية وراهنية مُلحَّة. المَلَكة، ما الملكة؟ الميم واللام والكاف في اللغة أصلٌ صحيح يدل على قوة في الشيء وصِحَّةٍ؛ إذ...

ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة السويدية

ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة السويدية

إن الترجمة أهم وسيلة لتقديم الآداب للقراء في الثقافات المختلفة. والسويد من البلدان التي نُشرت فيها ترجمات من الأدب العربي القديم والحديث من الشعر والرواية والقصة القصيرة. وتناول المتخصصون في اللغة العربية والأدب العربي في السويد النتاج الأدبي العربي بالدراسة والترجمة؛...

مفارقات نجيب محفوظ النوبلية!

مفارقات نجيب محفوظ النوبلية!

أثار تصريح المفكر المصري مصطفى الفقي -مؤخرًا- حول أولوية توفيق الحكيم الفوز بجائزة نوبل، صدى تردد في بعض المواقع الإلكترونية -عربية ومصرية- دون إغفاله القيمة الأدبية الرفيعة لنجيب محفوظ التي حققها بإنجازه الروائي على امتداد عقود من الدأب والمهارة. استحقاق الحكيم لنوبل...

لمحات من حياة أحد أعلام السودان: جمال محمد أحمد، رجل الدبلوماسية وفلسفة الهوية

لمحات من حياة أحد أعلام السودان:

جمال محمد أحمد، رجل الدبلوماسية وفلسفة الهوية

في أوقات الأزمات الكبرى تعود الأمم إلى مفكريها الكبار، لا لتستعيد ذكراهم فحسب، بل لتبحث في أعمالهم عن مفاتيح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ولعل هذا ما يفسر تجدد الاهتمام بالمفكر والأديب والدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد (1915- 1985م)، الذي لا تزال كتاباته وأفكاره...

ليست زينة:

كيف تصبح اللغة أصلًا للهيبة؟

بواسطة | سبتمبر 1, 2026 | مقالات

عتبات الصيف: حين يتثاءب السوق وتستيقظ الأسئلة

ثمة عادة اكتسبها معظم قراء المجلات الورقية، وهي أن صفحات الإعلانات لا تستحق التوقف. تُقلَّب سريعًا. وكأنها جسم دخيل على التجربة القرائية، لا ينتمي إليها إلا من باب الضرورة التجارية. ولم أكن مختلفًا عن غيري في ذلك. لكن عدد الصيف القائظ لعام 2026م من مجلة «باريس ريفيو» أبطأ في يدي قبل أن أُبطئ قراءتي. لم يحدث ذلك عند قصة قصيرة، ولا عند قصيدة، ولا في حوار مع أديب، بل عند العتبة التي لا يُفترض أنها تستحق الوقوف أصلًا: صفحات الإعلانات.

والصيف، كما اعتدناه، يمضي بإيقاع السوق المعاصرة؛ موسمًا للفورية، والعروض الخاطفة. غير أن الصفحات الأولى من هذا العدد جاءت على النقيض تمامًا؛ هادئة، رزينة، ممعنة في الوقار، حتى خُيّل إليّ أنها واحةٌ معزولة عن ضوضاء السوق، لا جزءٌ منها.

ولم تكن جودة الإخراج ما شدّ انتباهي، ولا حتى أسماء العلامات التجارية نفسها، بل شيء أبسط وأشد إرباكًا: اجتماع هذه الأسماء كلها في مكان واحد: (هيرميس، شانيل، غابرييلا هيرست، بوتيغا فينيتا، إيسوب، موبي، ميركوري، فارار، ستراوس أند جيرو) جامعة، ودار نشر، ومنتجات عناية شخصية، وغيرها من المؤسسات التي لا يجمع بينها، قطاع واحد ولا منتج واحد ولا جمهور واحد.

ولم تكن تلك مصادفة عدد بعينه؛ فحين رجعت إلى أعداد سابقة على العدد الذي بين يديّ، وجدت النمط نفسه يتكرر عامًا بعد عام. وهنا بدأ السؤال يفرض نفسه: كيف انتهى المطاف بكل هؤلاء المعلنين إلى مجلة أدبية فصلية؟

قد تبدو الإجابة بديهيةً: إعلانات مدفوعة القيمة، والمجلة تبيع صفحاتها كما تفعل سائر المجلات. لكن مثل هذه الإجابة، على صحتها المحاسبية، تشرح الآلية المالية، ولا تفسّر الظاهرة الثقافية. فلو كانت المسألة مجرد شراء مساحة، لَمَا عجزت المنصات الرقمية عن حسم هذه المنافسة منذ سنوات. فلماذا جاءت إلى هنا؟

بدأت أشعر أن صفحات الإعلانات تهمس للقارئ: لا تنظر إلى كل إعلان منفردًا، بل انظر إلى اجتماعها. لا تقرأ النصوص، بل اقرأ الخريطة التي رسمتها هذه الجهات لنفسها.

مقايضة أم مصافحة؟

اعتدنا أن نصف العلاقة بين المجلات والمعلنين بأنها علاقة إعلان، أو رعاية، أو دعم، أو مسؤولية اجتماعية. ولكل واحدة من هذه الكلمات معناها المشروع، غير أن شيئًا منها لم يكن يصف بدقة ما رأيته. أما الإعلان، فيختزل المسألة كلها في شراء مساحة بهدف بيع منتج. لكنَّ أيًّا من هذه المفردات لا يفسّر سبب التقاء مصرف، ودار أزياء، ودار نشر أدبية، وجامعة، داخل مجلة يقرؤها بضعة آلاف من القراء، ثم يبدو اجتماعهم طبيعيًّا إلى هذا الحد.

لم أشعر أن المجلة كانت تستجدي حضور تلك العلامات. بل بدا الطرفان وكأنهما يلتقيان على أرض يعرف كل واحد منهما أن الآخر يملك شيئًا يحتاج إليه، لكنه لا يستطيع إنتاجه وحده.

وهنا بدأت أقتنع أن الصفحة الورقية لم تكن السلعة الحقيقية؛ السياق هو السلعة. فالمجلة لا تمنح المعلن مجرد مساحة، وإنما تمنحه سياقًا راكمته عبر عقود من التحرير، والانضباط، واللغة، وبناء السمعة. وما يشتريه المعلن، في الحقيقة، ليس الحبر ولا الورق، بل التاريخ المختزن في ذلك الورق.

يمكن قراءة هذا المشهد بعينين مختلفتين، وكلتاهما ضرورية لمن يريد أن يفهمه فهمًا كاملًا. فمن عين الاتصال المؤسسي، ما يحدث هو ما تعرفه أدبيات العلامة التجارية باسم «الترابط الرمزي»؛ إذ تستعير المؤسسة قيمة الفضاء الذي تظهر فيه لتضيفها إلى صورتها عن نفسها، تمامًا كما تستعير المجلة من رأس مال المعلن الاقتصادي. المكان الذي تظهر فيه المؤسسة، واللغة التي تحيط بها، والبيئة التي تنتسب إليها، كلها تتحول إلى رسائل موازية للرسالة الإعلانية نفسها. ومن عين اللغة والأدب، ما يحدث هو أن هذه المؤسسات تعامل الكلمة والسياق التحريري بوصفهما مادة ذات قيمة مستقلة، لا مجرد وعاء ناقل لرسالة تسويقية.

ولذلك فإن السؤال لم يعد: لماذا أعلنت هذه المؤسسات في مجلة أدبية؟ بل أصبح سؤالًا آخر: ما الذي يجعل مؤسسة اقتصادية ترى أن مجرد وجودها داخل فضاء ثقافي يضيف إلى مكانتها؟ ذلك هو السؤال الذي يستحق التأمل؛ لأن الحضارات لا تُقاس بعدد مؤسساتها وحده، وإنما بقدرة تلك المؤسسات على أن تجعل غيرها يرغب في الانتساب إليها. ولربما ساغت هنا الاستعانة ببعض مفاهيم علم الاجتماع الثقافي.

يتحدث بيير بورديو عن تحوّل رؤوس الأموال بين صورها الاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية، والرمزية؛ فليس المال وحده هو ما يمنح المؤسسة قوتها، كما أن المكانة ليست مجرد أثر جانبي للثروة. فقد يتحول التعليم إلى هيبة، والهيبة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قيمة اقتصادية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو المجلة الأدبية مجرد وسيط إعلاني، بل حقلًا ثقافيًّا، راكم عبر الزمن، رأس مال رمزيًّا يصعب شراؤه مباشرة.

وأستعين هنا أيضًا بمفهومه عن «الذوق» في كتابه «التمييز»؛ فالذوق، عنده، ليس شأنًا شخصيًّا معزولًا، بل أداة يرسم بها المجتمع حدوده الخفية، ويميّز بها من ينتمي إلى حقل معين ممن لا ينتمي إليه. وهذا ما يفسّر لماذا تتشارك مؤسسات متباعدة النشاط، ذوقًا متقاربًا في اختيار المكان الذي تظهر فيه: إنها لا تتشابه في منتجاتها، بل في الصورة التي تريد أن تُرى بها.

لكني أستحضر بورديو هنا بشيء من الحذر؛ فهو لم يكن يحتفي بهذا التبادل، بل كان يحاول كشف الآليات التي يُعاد بها إنتاج المكانة داخل المجتمع؛ لأنها تساعد على قراءةِ مشهدٍ بدا أعقدَ من أن تفسّره لغة التسويق وحدَها.

الحرف ليس زينة

إذا كانت تلك الصفحات قد دفعتني إلى إعادة النظر في معنى الإعلان، فإنها دفعتني، قبل ذلك، إلى إعادة النظر في معنى اللغة نفسها. فالوقار المؤسسي لا يولد من قبيل المصادفة، فهو سمةٌ تُطبخ على نار هادئة داخل سلسلة طويلة من القرارات الصغيرة. يمكن تسمية هذه السلسلة بـ«سلسلة إنتاج المكانة».

وهي ليست سلسلة تبدأ بالإعلان وتنتهي بالمستهلك، بل تبدأ قبل ذلك بوقت طويل؛ عند المحرر الذي يرفض نصًّا لا يليق بالمؤسسة، والمدقق الذي يراجع جملة صغيرة بالجدية نفسها التي تُراجع بها صفقة كبيرة، والمصمم الذي يعرف أن البياض جزء من المعنى، والإدارة التي لا تستعجل بناء السمعة؛ لأن في التريث مكسبًا مؤجلًا يفوق أي مكسب عاجل. وعندما تتشكل المكانة، لا تعود المؤسسة تبحث عن شركاء، بل يبدأ الشركاء بالبحث عنها.

وهذا ما يفسّر، ولو جزئيًّا، ذلك الاجتماع الهادئ للعلامات التجارية في مجلة أدبية لا تنافس الصحافة الجماهيرية في الانتشار، لكنها تنافسها في ميدان مختلف؛ في القيمة التي يضيفها مجرد الانتساب إليها. تأمل، على سبيل المثال، النشرات البريدية التي تصدرها دار العطور الفرنسية العريقة غيرلان. فأنت لن تقرأ، على الأغلب، وصفًا تقنيًّا لعطر جديد ولا قائمة بمكوناته الكيميائية، بل ستدخل عالمًا من التاريخ، والذاكرة، والمكان، والاستعارة.

وليس المقصود هنا أنْ تُجمّل اللغةُ المنتج، بل إن المنتج نفسه يدخل إلى القارئ عبر اللغة. فاللغة، في المؤسسات التي راكمت مكانتها، ليست الغلاف الأخير الذي يحيط بالمنتج بعد اكتماله، بل هي حاضرة في الاجتماع الأول، رفيقةً لنشأته الأولى. إنها تطرح سؤالًا يسبق سؤال البيع نفسه: من نحن؟ وما العالم الذي نريد أن ننتمي إليه؟

فوجود المحرر، أو الكاتب، أو المدقق اللغوي، داخل تلك المؤسسات ليس ترفًا ثقافيًّا، ولا عبئًا إداريًّا يمكن الاستغناء عنه عند أول أزمة مالية، بل هو جزء من سلسلة إنتاج القيمة. وتؤكد مونيكا هيلر هذه الفكرة بمفهومها عن «تسليع اللغة»؛ إذ ترى أن الاقتصاد الحديث، ولا سيما في قطاعات الخدمات والرفاهية، لم يعد يتعامل مع اللغة بوصفها أداة للتواصل، بل بوصفها أصلًا إنتاجيًّا غير ملموس، يشارك في تشكيل معنى المنتج، وتحديد موقعه داخل المخيال الثقافي للمستهلك؛ فاللغة لا تأتي بعد المنتج لتصفه، بل تسبقه أحيانًا في صناعة قيمته.

ويكتمل هذا مع ما ذهب إليه تشارلز فومبرون وسيس فان ريل في أدبيات السمعة المؤسسية؛ إذ يريان أن الأصول غير الملموسة، مثل: السمعة، والثقة، والهوية اللغوية، ليست عناصر تجميلية، بل هي من أهم محددات القيمة طويلة المدى للمؤسسة.

من هنا أجدني أقلّ ميلًا إلى الاعتقاد بأن المؤسسات الكبرى نجحت لأنها أتقنت الإعلان؛ فالقول الأدق أنها أتقنت بناء بيئة جعلت الإعلان يعدُّ امتدادًا طبيعيًّا لشخصيتها، لا نشاطًا منفصلًا عنها. فاللغة هنا ليست زينة مجردة، إنها، لدى المؤسسات التي تدرك قيمتها، أحد أهم الأصول التي تُبنى بها المكانة. وكلما قارنت بين ما تنتجه مؤسسات عالمية راسخة وما تنتجه كثير من مؤسساتنا، بدا الفرق أقل تعلقًا بجمال الأسلوب، وأكثر تعلقًا بموقع اللغة داخل المؤسسة: هناك تُعامل اللغة بوصفها أصلًا، وهنا تُعامل بوصفها مرحلة.

الثمن الخفي للمكانة

غير أن الإنصاف يقتضي ألا يُقرأ هذا الاقتصاد الرمزي قراءةً احتفائيةً خالصةً. وحين تعتمد مجلة أدبية رفيعة على إعلانات علامات الرفاهية لتمويل استقلالها، ينشأ سؤال مشروع عن حدود هذا الاستقلال. فإلى أي مدى يستطيع الحقل الثقافي أن يحافظ على استقلال منطقه الداخلي، وهو يتقاطع مع رؤوس أموال اقتصادية ضخمة؟

ولعل أجمل ما في هذا العدد من مجلة «باريس ريفيو» أنه لم يدفعني إلى الإعجاب بالمشهد بقدر ما دفعني إلى التفكير فيه. فالصفحات الإعلانية لم تفسد التجربة الأدبية، كما أنها لم تتحول إلى بطلها. كانت تقول، دون أن تفصح: إن المؤسسات لا تتنافس فقط على بيع منتجاتها، بل تتنافس أيضًا على اختيار العالم الذي تريد أن تُقرأ من داخله.

العشب [ليس] دائمًا أشدّ اخضرارًا على الضفة الأخرى

وجدتني، وأنا أتأمل هذه الظاهرة، أفكر في سياقنا المحلي؛ لا لأن المقارنة بين البيئات مغرية، بل لأنها كثيرًا ما تكون مضللة. فالأسئلة المهمة لا تبدأ عادة بـ«لماذا لا نملك مثلهم؟»، وإنما تبدأ بـ «ما الذي ننظر إليه أصلًا؟» ولو أخطأنا في تعريف الظاهرة، فلن تنجح المقارنات اللاحقة في تفسير حضورها أو غيابها.

ولهذا لا يشغلني سؤال: لماذا لا تعلن هيرمس في مجلة عربية؟ ولا سؤال: لماذا لا نملك نسخة عربية من مجلة «باريس ريفيو»؟ السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل بدأ يتشكل لدينا فضاء ترى المؤسسات المختلفة أن مجرد الانتساب إليه يضيف إلى مكانتها؟

وقد شهدت المملكة، في الأعوام الأخيرة، تحولات ثقافية واسعة يصعب إنكارها؛ مؤسسات جديدة، ومتاحف، ومهرجانات، وهيئات، وحركة نشر وترجمة، واستثمارات كبيرة في الثقافة والفنون، ودخول متزايد للقطاع الخاص إلى هذا المجال؛ غير أن بناء المؤسسة ليس نهاية الطريق، بل بدايته؛ فالمؤسسة يمكن أن تنشأ بقرار، أما المكانة فتحتاج إلى زمن، وإلى ذاكرة، وإلى سلوك يومي يرسّخ الثقة عامًا بعد عام.

فنحن لا نفتقر إلى الطموح، ولا إلى الموارد، ولا إلى الكفاءات. لكن بناء سلسلة إنتاج المكانة يتطلب ما هو أبعد من ذلك: يتطلب أن ترى المؤسسة الثقافية في المؤسسة التجارية شريكًا في صناعة القيمة، لا مجرد ممول. كما يتطلب أن ترى المؤسسة التجارية في الثقافة أصلًا إستراتيجيًّا، لا بندًا موسميًّا. ويتطلب، قبل هذا وذاك، أن تتحول اللغة نفسها من خدمة لاحقة إلى قرار مؤسسي مبكر؛ فاللغة لا تصنع السمعة وحدها، لكنها تظل الخيط الناظم لهذه العناصر جميعًا.

والسؤال الأعمق ليس: من يدفع للثقافة؟ بل: كيف تصبح الثقافة، واللغة الرفيعة، وجودة التحرير، أصولًا مؤسسية ترفع قيمة المؤسسة نفسها، وتغدو جزءًا من هويتها؟ وعندها فقط، يصبح الإعلان نتيجة للمكانة، لا محاولة لصناعتها. وربما يكون ذلك هو الفرق بين مؤسسة تستخدم اللغة، وأخرى تحيا بها.

أفق الغلاف الأخير: عن الزمن وصناعة الوقار

حين أُغلقَ عدد الصيف من مجلة «باريس ريفيو» لم يبقَ في ذهني إعلان بعينه، بل بقي سؤال واحد يلح عليّ أكثر من سواه: كيف يصبح الوقار أصلًا مؤسسيًّا؟ ما لفت انتباهي أن الغلاف الأخير للمجلة، لم يُشغل بعرض موسمي، ولا بخصم استثنائي، بل باحتفاء دار نشر عريقة بمرور ثمانين عامًا على تأسيسها. وكأن المؤسسة لا تقول للقارئ: «اشترِ كتابًا»، بل تقول: «نحن هنا منذ ثمانية عقود».

وهذا، في ظني، هو الفرق بين من يبني مؤسسة ومن يبني مكانة. فالمكانة لا تُقاس بسرعة النمو وحدها، ولا بما تحققه حملة إعلانية ناجحة. إنها ثمرة زمن طويل، تراكم فيه المؤسسة الثقة قبل الأرباح، والانضباط قبل الشهرة، والسمعة قبل الانتشار. ولعل هذا هو ما يمكن تسميته، بتعبير أقرب إلى التأمل منه إلى الاصطلاح: «النظرة الرفيعة». وهي ليست رفعة في الذوق وحده، ولا في الأسلوب، بل في أفق النظر نفسه؛ أن تمتلك المؤسسة شجاعة الاستثمار فيما لن يؤتي ثماره في الآني العاجل، مدركةً أن ما لا يُقاس بالأرقام قد يكون أثمن مما يُقاس.

بدا لي أن السؤال الذي بدأت به هذه المقالة لم يكن سؤالًا عن الإعلانات أصلًا؛ كانت الإعلانات مجرد نافذة. أما السؤال الحقيقي فكان عن الكيفية التي تُنتج بها المؤسسات وقارها، وعن الأسباب التي تجعل بعض الأسماء التجارية، بعد سنوات طويلة، تُقرأ بوصفها قيمة قبل أن تُقرأ بوصفها علامة.

لا أزعم أن ما رأيته يصلح نموذجًا ينبغي استنساخه، ولا أن كل علاقة بين الثقافة والتجارة تنتج بالضرورة هذا التبادل الرمزي. لكني خرجت بقناعة يصعب أن أفارقها: أن اللغة، حين تُعامل بوصفها أصلًا مؤسسيًّا لا زينة أسلوبية، وحين يصبح التحرير جزءًا من فلسفة المؤسسة لا مرحلة في آخر المشروع، فإن شيئًا ما يتشكل بصمت. حين تُصان المواعيد كما تُصان الجمل، ويُحترم القارئ كما يُحترم العميل. لكنه لا يلبث، مع الأيام، أن يرتدي اسمًا واحدًا بيّنًا لا يشاركه فيه سواه: المكانة.

والمؤسسات، لا تُعرف فقط بما تنتجه، ولا بما تملكه، بل تُعرف أيضًا بالعالم الذي ترغب المؤسسات الأخرى في أن تُنسب إليه وبمن يجاورها فيه. وهذا هو المعنى الأعمق الذي جعل صفحات إعلانية، تدفعني إلى التوقف، بل وإلى الكتابة. ليس لأنها أقنعتني بشيء، بل لأنها دفعتني إلى التفكير في الكيفية التي تصبح بها الهيبة أصلًا لا أثرًا، وكيف يتحول الوقار، حين يُدار بالصبر، إلى أحد أكثر الأصول قيمة، وأقلها ضجيجًا.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *