لمحات من حياة أحد أعلام السودان: جمال محمد أحمد، رجل الدبلوماسية وفلسفة الهوية

لمحات من حياة أحد أعلام السودان:

جمال محمد أحمد، رجل الدبلوماسية وفلسفة الهوية

في أوقات الأزمات الكبرى تعود الأمم إلى مفكريها الكبار، لا لتستعيد ذكراهم فحسب، بل لتبحث في أعمالهم عن مفاتيح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ولعل هذا ما يفسر تجدد الاهتمام بالمفكر والأديب والدبلوماسي السوداني جمال محمد أحمد (1915- 1985م)، الذي لا تزال كتاباته وأفكاره قادرة على مخاطبة أسئلة عصرنا برغم مرور عقود على رحيله. نظمت مؤخرًا الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة ندوة بعنوان: «الدبلوماسية وفلسفة الهوية: إبحار في فكر وأدب جمال محمد أحمد»، تحدث فيها السفير إبراهيم طه أيوب ودكتور بشرى الفاضل وبروفيسور عارف جمال محمد أحمد ودكتور عبدالله الفكي البشير إلى جانب السفير صلاح محمد أحمد الذي حالت ظروفه دون المشاركة المباشرة، فبعث بتسجيل صوتي أثرى به الندوة وأضفى عليها بعدًا إنسانيًّا ومعرفيًّا خاصًّا.

وقد أقيمت هذه الندوة احتفاءً بصدور المجموعة الأولى من الأعمال الكاملة للأديب جمال محمد أحمد وللتعريف بها، وسعيًا إلى إلقاء الضوء على بعض ملامح شخصيته الفكرية والإبداعية والإنسانية، وذلك في إطار احتفال مجلة «نوبيانا» بمرور عامين على انطلاقتها، وهي المناسبة التي أعادت إلى الواجهة سيرة أحد أعظم رموز الأدب والفكر والدبلوماسية في السودان.

ومن اللافت أن كثيرًا من أفكار جمال محمد أحمد تبدو اليوم شديدة المعاصرة. ففي زمن تتصاعد فيه النزاعات المرتبطة بالهوية، وتزداد فيه النزعات الإقصائية والانغلاق الثقافي، تكتسب دعوته إلى الحوار والتعددية والتكامل بين الانتماءات المختلفة أهمية استثنائية.

وقد كان هذا البعد حاضرًا بقوة في الندوة التي خصصت لاستعادة إرثه الفكري، حيث أجمع المتحدثون على أن رؤيته للهوية السودانية لا تزال قادرة على إلهام الأجيال الجديدة في البحث عن صيغ أكثر اتزانًا للتعايش والتنوع. فالرجل لم يقدم تنظيرًا مجردًا، وإنما قدم تجربة شخصية جسدت عمليًّا إمكان الجمع بين دوائر انتماء متعددة دون أيما تناقض أو تباين.

أعادت هذه الندوة تسليط الضوء على شخصية جمال محمد أحمد، الكاتب والمفكر والدبلوماسي الذي ترك بصمات واضحة لا تخطئها العين في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية السودانية. جمال محمد أحمد الذي وُلد في «سرة شرق» شماليّ السودان، في 17 إبريل 1915م، من أبرز الشخصيات السودانية في القرن العشرين، وقامة سامقة في الأدب والدبلوماسية والسياسة، وهو كاتب فذ ومفكر بارز وأديب أريب له إنتاج غزير، كما أنه دبلوماسي قدير تدرج في العمل بعد تعيينه سفيرًا بوزارة الخارجية ليصبح وكيلًا للوزارة فوزير دولة، ووصل قمة هرم الوزارة بتولي منصب وزير الخارجية. إضافة إلى ذلك كان لجمال باعٌ طويل في العمل الوطني؛ إذ كان من المؤسسين لمؤتمر الخريجين الذي كان في بدايته واجهة اجتماعية ثقافية لخريجي المدارس العليا في السودان، ثم تحول ليصبح طليعة للحركة الوطنية السودانية التي كانت الشعلة التي أضاءت الطريق لنيل السودان استقلاله، وقد تولى سكرتارية الهيئة الستينية لمؤتمر الخريجين عام 1936م ولكن ما لبث أن استقال من مؤتمر الخريجين. ولعل هذا الحدث في مطلع شبابه كان له أثر في تغيير مسار حياته؛ إذ ربما إنِ استمر في نشاطه بمؤتمر الخريجين لأصبح سياسيًّا ضليعًا، ولكن خروجه منه جعله أديبًا ومفكرًا ودبلوماسيًّا يشار إليه بالبنان.

بعد أن استقال جمال محمد أحمد من مؤتمر الخريجين عمل معلمًا للغة الإنجليزية بالمدارس الثانوية، ثم عمل مدة سبع سنوات معلمًا بمعهد تدريب المعلمين ببخت الرضا، ومنه ابتعث للدراسة في جامعة ساوث ويلز بإنجلترا من عام 1943 إلى 1947م حيث نال دبلومًا في التربية، وبعد عودته التحق بمكتب النشر بوزارة المعارف ثم ابتعت مرة أخرى لإنجلترا في المدة من 1951 إلى 1954م حيث حصل على بكالوريوس الآداب من جامعة أكسفورد ليلتحق بعد عودته بكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم فيما بعد) مشرفًا للطلاب.

المثقف الشامل

الأديب الكبير والمفكر الفذ جمال محمد أحمد من الذين أثروا الساحة الثقافية وقدموا إسهامًا قيمًا للفكر والأدب السوداني والإفريقي والعربي، وحريّ بنا أن نقول: إنه قدم إسهامات عظيمة للفكر والأدب العالمي.

أثرى جمال الحياة الأدبية والفكرية بعددٍ من المؤلفات والتراجم والبحوث في مجالات الأدب والفكر والدبلوماسية، ونُشِرَت له كتب عدة شكلت إضافة مقدرة للمكتبة السودانية والعربية منها: «مطالعات في الشؤون الإفريقية» 1986م، و«في الدبلوماسية السودانية» 1985م، و«وجدان إفريقيا» 1972م، و«عرب وأفارقة» 1977م، و«في المسرحية الإفريقية» 1971م، و«سالى فو حمر» 1970م، و«»حكايات من سرة شرق»، و«أساطير سرة شرق»، و«الجذور الفِكرية للقومية المصرية» 1961م. وله باللغة الإنجليزية: The Intellectual Origins of Egyptian Nationalism (الأصول الفكرية للقومية المصرية). كما كتب مقدمة لديوان «أسرار تمبتكو القديمة» للسفير الدكتور عمر عبدالماجد. وصدر له، ضمن كتاب بحوث إفريقية «العنصر الديني في اليقظة الجزائرية» 1967م، وبحث متميز عن «علائق العربية الأوربية» 1982م، وأضاف للمكتبة العربية معربًا، «الدولة الاتحادية»، مادسن وجاي وهاملتن 1959م، وكتاب بازل دافدسن، «إفريقيا تحت أضواء جديدة»، وله «ولايات النيل المتحدة»، و«الثقافة الإفريقية المعاصرة»، وأيضًا له مخطوطات عدة لم تنشر منها مخطوطة كتاب عن «هواري بو مدين والعلاقات العربية الإفريقية».

جمال محمد أحمد استحق أن يوصف بالمثقف الشامل، وقد كتب عنه أديبنا الراحل الطيب صالح ذات مرة قائلًا: «كان بين مثقفي الإنجليز كأنه واحدٌ منهم، وبين مثقفي إفريقيا كأنه واحدٌ منهم».

ومن الأقوال المأثورة الخالدة للراحل المقيم التي تلخص رؤيته العميقة للكلمة ومكانتها: «الكلمة أنفس من أن تكون طوع الناس، كل الناس، لا يلقاها إلا ذو حظٍّ عظيم، قِلةٌ من الناس». وهي مقولةٌ ظلت شاهدةً على إيمانه برسالة الفكر وسمو الكلمة وندرة من يحملون أمانتها.

ترأس جمال اتحاد طلاب كلية غوردون التذكارية وأسهم بالكتابة في مجلة كلية غوردون التذكارية، وفي مقالٍ له نشر عام 1935م بعنوان «مؤهلات الزعامة بين العشائر والأمم» تستوقفنا مقولة له تكشف عن وعيه المبكر وهو لا يزال طالبًا جامعيًّا دون العشرين من عمره؛ إذ يقول: «ويلٌ لأمةٍ انشغلت بأشخاصٍ ونسيت أعمال الأشخاص، وويلٌ لأمةٍ أوقفت نشاطها على حرب الأشخاص لا على حرب أعمالهم». كما عمل سكرتيرًا لدار الثقافة، ومستشارًا ثقافيًّا لمجلة «حوار»، وعضوًا بهيئة تحرير مجلة «التاريخ الإفريقي المعاصر»، وعضوًا مؤسسًا لمركز الدراسات للوحدة العربية، ومن المؤسسين لمجلة «الصبيان» للأطفال ومشاركًا بالكتابة فيها، وعضوًا مؤسسًا للإنسايكلوبيديا الإفريقية، 1962م.

كان له مساهمات مميزة في مركز دراسات الشرق الأوسط (جامعة هارفارد) وكان أستاذًا زائرًا في المركز، ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم حيث عمل أستاذًا زائرًا وممتحنًا خارجيًّا بالمعهد لسنوات عدة، وكذلك بالمعهد الدولي لدراسة اللغة العربية الذي أصبح مديرًا له لمدة عام.

بصمات لا تخطئها العين

ولا تكتمل الصورة عن الراحل -بعد أن تناولنا بعض مساهماته الثقافية والفكرية- إلا بالتطرق لهذه الشخصية الفريدة في مجالٍ بذّ فيه أقرانه وتفوق عليهم، ألا وهو مجال الدبلوماسية.

فالسفير جمال محمد أحمد من الجيل المؤسس لوزارة الخارجية: عقيل أحمد عقيل، ومحمد عثمان يس، وعوض ساتي، وبابكر الديب، وإبراهيم أنيس، ومحمد حمد النيل، وخليفة عباس العبيد، ويوسف مصطفى التِّني، من الذين وضعوا اللبنات الأولى لقيام خدمة دبلوماسية متميزة كانت مضرِب المثل في العالم، وكانوا -ما عدا الدكتور عقيل أحمد عقيل الذي كان أول وكيل لوزارة الخارجية عندما أُنشِئت وكالة السودان للشؤون الخارجية لتكون نواة لوزارة الخارجية بعد الاستقلال، والسفير محمد عثمان يس أول وكيل لوزارة الخارجية بعد الاستقلال- أول سفراء للسودان وقد مثلوا بلادهم خير تمثيل في مختلف دول العالم.

وكانت أول دفعة من السفراء من خمسة سفراء هم: عوض ساتي، وبابكر الديب، وإبراهيم أنيس، ومحمد حمد النيل، وخليفة عباس العبيد، وقد عُيِّنوا في فبراير 1956م في عهد وزير الخارجية الأول مبارك زروق، وعند تولي محمد أحمد محجوب وزارة الخارجية في يوليو 1956م عُيِّن جمال محمد أحمد، ويوسف مصطفى التِّني؛ ليصير العدد سبعة، حيث بعث جمال سفيرًا لدى الدول العربية (العراق وسوريا ولبنان والأردن إضافة إلى تركيا) ومقره بغداد (1956- 1959م)، وبعد ذلك عمل سفيرًا بإثيوبيا (1959- 1964م)، فمندوبًا دائمًا بالأمم المتحدة في نيويورك (1964- 1965م)، ثم سفيرًا بالمملكة المتحدة لثلاث مُدَد: الأولى (10 أكتوبر 1965- 7 يناير 1966م)، والثانية (27 إبريل 1966- 26 يونيو 1967م) والثالثة (20 يوليو 1969- 31 ديسمبر 1969م).

جمال من الذين تركوا بصمات لا تخطئها العين في وزارة الخارجية سفيرًا ووكيلًا ووزيرًا، وهو من ضمن ثلاثة من الوزراء الذين تولوا وزارة الخارجية قادمين إليها من مهنة التعليم مع هاشم عثمان ومحمد توفيق أحمد.

كان جمال محمد أحمد يهتم بالتفصيلات الصغيرة التي يرى بعضٌ فيها عدم أهمية، ومما يذكر عنه في الدبلوماسية أنه عندما أدخلت تغييرات بأن يقدم السفراء أوراق اعتمادهم بالزي السوداني التقليدي وهو الجلباب والعمامة والعباءة والمركوب. لم يجد ذلك القرار هوًى في نفسه فكتب يقول في كتاب صغير الحجم فائق القيمة «في الدبلوماسية السودانية» ما يلي: «الجلابية بالطبع لباسٌ مريح والعمامة غطاءٌ للرأس في البلادِ الحارة، والعباءة يستعملها الناس في بعض أجزاء السودان. والمركوب…. ماذا؟ يدخل السفير على الرئيس أو الملك، ماسكًا بعض الأحيان عمامته لأنها مالت إلى جنب أو تدلت على القفا أو الوجه، وفي الوقتِ عينه مجمعًا أطراف العباءة بعضها دخل تحت قدميه، بعضها مال من على كتفه. أحوال يصعب أن يكون الواحد فيها مطمئنًّا وهو يتحدث لرئيس أو ملك، مشغولٌ بهندامه. الجلابية يلبسها الكثيرون غيرنا… والعمامة ليست خاصة بنا نحن في السودان، والعباءة من البحرين، أظن….. ماذا بقي؟ المركوب؟ أنا لا أرى أن البدلة العادية تستحق العقاب، ما أذنبت؟».

لعل ما يلفت النظر في تجربة جمال محمد أحمد الدبلوماسية هو إيمانه المبكر بما يعرف اليوم بـ«الدبلوماسية الثقافية»؛ فقد أدرك أن صورة الدول لا تُصنَع بالسياسة وحدها، وإنما تَصنعها الثقافة أيضًا. ولذلك لم يفصل بين دوره الدبلوماسي ودوره الثقافي، بل تعامل مع الأدب والفكر بوصفهما أدوات فاعلة في بناء جسور التفاهم بين الشعوب. ومن هنا جاء اهتمامه بإفريقيا وثقافاتها وآدابها ومسرحها، لا بوصفها موضوعات بحثية فحسب، وإنما لكونها جزءًا من مشروع حضاري أوسع يسعى إلى إعادة اكتشاف القارة الإفريقية وتقديمها إلى القارئ بعيدًا من الصور النمطية السائدة في المخيلة العربية. وقد ظل جمال محمد أحمد شغوفًا بالأدب والفكر طيلة حياته، وفي أخريات أيامه تولى منصب الأمين العام للمجلس القومي للآداب والفنون، وكان رئيس اتحاد الكتاب السودانيين عندما توفاه الله عام 1985م.

جائزة المفكر جمال محمد أحمد الدولية

كنا قد سعدنا في وزارة الخارجية بإقامة منتدى السفير جمال محمد أحمد الثقافي عام 2010م الذي كان يقيم ندوة شهرية، وقد نظمنا عددًا من الندوات في هذه المنتدى، ابتدأناها بندوة افتتاحية عن جمال محمد أحمد، ثم ندوة عن اتفاقية مياه النيل لسنة 1959م تحدث فيها الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان، تلتها ندوة عن الاستفتاء وتقرير المصير، بعنوان: «مآلات الوحدة والانفصال»، تحدث فيها بروفيسور حسين سليمان أبو صالح، وكان المناقش الرئيس في الندوة دكتور محمد يوسف أحمد المصطفى القيادي بالحركة الشعبية لتحرير السودان. يا للأسف! توقفت أعمال هذا المنتدى منتصف 2011م.

وعندما التقيتُ الأديبَ والروائي الكبير دكتور بشرى الفاضل في أوتاوا بعد أسبوع من ندوة «الدبلوماسية وفلسفة الهوية: إبحار في فكر وأدب جمال محمد أحمد»، دار بيننا حديثٌ طويل حول الندوة التي شاركنا فيها ونظمتها الرابطة النوبية السودانية بالمملكة المتحدة عن فكر وأدب جمال محمد أحمد. وأخبرني دكتور بشرى أنه، عقب انتهاء الندوة، تواصل مع هيئة تحرير مجلة «نوبيانا» مقترحًا إطلاق جائزة المفكر جمال محمد أحمد الدولية، تُمنَح سنويًّا لأفضل عمل فكري سوداني يمكن أن يثري المعرفة ويسهم في نهضة الفكر والثقافة.

ولا ريب أن هذه المبادرة فكرةً رائعة عظيمة الأثر، من شأنها أن تسهم في تخليد ذكرى الراحل المقيم جمال محمد أحمد، ذلك المفكر الفذ الذي تجاوز إشعاعه حدود السودان ليترك بصمته في فضاءات إفريقيا والعالم العربي، بل في الساحة الإنسانية الرحبة.

ومن هنا، فإن إنشاء جائزة تحمل اسمه ليس مجرد احتفاءٍ بسيرة رجلٍ استثنائي، بل هو استثمارٌ في المستقبل بتشجيع الأجيال الجديدة من الباحثين والمفكرين والمبدعين على مواصلة مسيرة العطاء الفكري التي جسدها الراحل الكبير.