الإعاقـة اللغويـة بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

الإعاقـة اللغويـة

بين المَلَكة اللسانية والمهارات المدرسية

كثيرة هي التقارير الدولية والعربية التي تدق ناقوس الخطر باستمرار بشأن وضع التحصيل اللغوي لدى الطالبِ العربي، وهذا ما يُكسِب الحديث عن المَلَكة اللغوية شرعية وراهنية مُلحَّة.

المَلَكة، ما الملكة؟

الميم واللام والكاف في اللغة أصلٌ صحيح يدل على قوة في الشيء وصِحَّةٍ؛ إذ يقال: أمْلكَ عجينَه، أي قوّى عجنَه وشدَّهُ؛ «الأصل هذا، ثم قيل: مَلكَ الإنسانُ الشيءَ يملِكه مَلْكًا؛ لأن يده فيه قويةٌ صحيحة». وعليه فإن الملَكة لفظٌ معناه الحِيازة والتحكُّم، أو بتعبير ابن سِيدَه «احتواءُ الشيء والقدرةُ على الاستبداد به»؛ ومن هذا قولُه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي القدرةُ على كل شيء، وقد قُرئت «بيده ملَكَة كل شيء».

أما في الاصطلاح العام فأورد الجرجاني في «التعريفات» أن «المَلَكة هي صفة راسخة في النفس؛ وتحقيقُه أنه تحصُل للنفس هيئةٌ بسبب فِعل من الأفعال، ويقال لتلك الهيئة كيفية نفسانية، وتسمى حالةً ما دامت سريعة الزوال، فإذا تكررت ومارستْها النفسُ حتى رسختْ تلك الكيفيةُ فيها، وصارت بطيئةَ الزوال، فتصير مَلَكةً، وبالقياس إلى ذلك الفعلِ عادةً وخُلُقًا». ورسوخ الصفة هذا هو ما ينقله محمد الدريج في «التدريس بالملَكات» إلى الاصطلاح التربوي بالمماثلة قائلًا: «المَلَكة تركيبةٌ مندمجة من قدرات ومهارات واتجاهات، تُكتسب بالمشاهدة والمعاينة، وترسُخ بالممارسة وتكرار الأفعال، في إطار حل مشكلات، ومواجهة مواقف».

وقد سال مِدادٌ غزير حول كون الملَكة فطريةً أم مكتسبة، ولعل أرجح الآراء ما وقف في المنطقة الوسَطِ بين تفاعل الفطرة والكسب؛ حيث الملكة ليست استعدادًا فطريًّا طَبْعيًّا خالصًا، ولا هي اكتساب خالص في غياب سلامة الاستعداد الفطري، وإنما هي الكفاءة الموجودة بالقوة في الفطرة السليمة لكل منا، التي يُخرجها الاكتسابُ الجادّ المُلِحُّ إلى الوجود بالفعل.

الاكتساب اللغوي عند ابن خلدون

يتحدث ابن خلدون بتفصيل دقيق عن كيفية تخلُّق ملَكة اللغة لدى المتكلم من العرب الأوائل بما ملخصه أن هذا الأخير يسمع كلامَ أهلِ جيله، وأساليبَهم في مخاطباتهم، وكيفيةَ تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبيُّ استعمال المفردات في معانيها، فيَلقَنُها أولًا، ثم يسمع التراكيبَ، فيَلقنُها كذلك -وفي التراكيب مَربطُ فرسِ الملكةِ اللسانية- «ثم لا يزال سماعُهم [أي الأطفال والأعاجم] لذلك يتجدد في كل لحظةٍ، ومن كل مُتكلمٍ، واستعمالُه يتكرر، إلى أن يصير ذلك مَلَكةً، وصفةً راسخة، ويكون كأحدِهم [أي كأحد العرب]». وهذا الأمر في العصر الحديث مشاهَدٌ بالمعاينة؛ إذ نرى باستمرارٍ كيف أن أُمِّيِّين يهاجرون إلى بلدان غير عربية، وبعضها لغاتُها معقدة غريبة عنهم، فإذا بهم يتقنون التخاطب بها كأهلها في مدةٍ ليست بالطويلة! ثم يُعمِّم ابنُ خلدونٍ قانون الاكتساب اللغوي هذا قائلًا: «هكذا تصيَّرتِ الألسُنُ واللغات من جيل إلى جيل، وتعلَّمَها العجمُ والأطفال، وهذا معنى ما تقوله العامةُ من أن اللغة للعرب بالطبعِ».

وهكذا أيضًا يصوغ ابن خلدون قانون العمران اللغوي على أساسين: أولهما، تحصيل أنظمة التراكيب اللغوية بعد الألفاظ؛ لأن اللغة نظام اجتماعيٌّ، وعُرفٌ اصطلاحيٌّ، وليست كلامًا فرديًّا. والأساس الثاني: المُعايَشة اللغوية المُحايِثة، وذلك بالسماعِ، ومحاكاةِ النُّظَراء، وكثرةِ التكرارِ، والاستعمالِ والتداولِ. وبما أن هذه المعايَشةَ اللغويةَ المحايِثةَ أصبحت اليوم في حُكم المعدوم الممتنِع، وذلك لحلول اللهجات العامِّية محل الفصحى الأمِّ، فإن المشكل الذي يطرح نفسَه بخصوص تحقق الملكة اللغوية هو: مِمَّن تُسمَع اللغة إنْ غابَ السماعُ وهو أبو الملكات اللسانية؟

لقد تنبه ابن خلدون إلى هاته المسألة قديمًا؛ لأن بيئة ابن خلدون كانت تعاني ما تعانيه البيئةُ العربية حاليًّا على مستوى شيوعِ العاميات؛ لذا وجدناه يتحدث عن مُعادلٍ موضوعيٍّ للسماع، وهو الحفظُ؛ فإذا تعذرَ السماع المباشر عن العرب سَلِيمي اللسانِ الفصحاءِ، فإن الحفظَ سَماعٌ غير مباشر عنهم؛ ذلك بأنه يخلق للحافظ بيئةً صناعية تحل محل البيئة الطبيعية للسماع الغائب، فتُنْزِله مَنزلةَ السامع عن أهل اللغة؛ لذا يُلِحُّ ابن خلدون على ضرورة الحفظ لطالبِ حيازةِ ملكةِ اللغة إلحاحَ البديهة: «في أن حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ»، فيقول: «ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكةَ، ويرومُ تحصيلَها، أن يَأخذ نفسَه بحِفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلماتِ المُوَلَّدين أيضًا في سائر الفنون، حتى يتنزَّل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلةَ من نشأ بينهم، ولُقِّنَ العبارةَ عن المَقاصد منهم […]، فتحصُلَ له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزدادَ بكثرتها رسوخًا وقوة».

نحو مقاربة انغماسية

تحصُر جميع الأنظمة الدراسية العالمية المهاراتِ اللغويةَ المطلوب تحقيقُها لدى المتعلم في أربعٍ: السماع والتعبير (المحادثة) والقراءة والكتابة، ونقتصر في هذا المقام على الحديث عما له علاقة بالملكة اللغوية، وأقصد المهارتين الأُولَييْنِ: السماع والتعبير (أو المحادثة)، مع العلم أن المهارتين الأُخْرَييْن تَؤولان معًا إلى السماع والتعبير؛ لأن القراءة مجردُ سماع للذات المتكلمة، ولأن الكتابة مجرد تمثيل خطي للتعبير، وإنما اختُرعت للحاجة إليها، لا لأنها تدخل في صُلب اللغة.

تتربع مهارةُ السماع في صدارة المهارات المستهدفة في الأنظمة التعليمية كافة، بدليل بَدءِ تعلُّم اللغات بالإسْماع؛ ذلك بأن اللغة أصوات، وإنما تُدرك الأصوات بالآذان مِن طريق السماع، وأيُّما خللٍ في هاته المهارة، أو إهمالٍ لها، ينجُم عنه بالضرورة خللٌ في اكتساب التعبير والكلام؛ لذا نجد الحاسة أمسَّ ما تكون إلى السماع في مراحل التعلُّم الأولَى، نظرًا إلى الحاجة إلى معرفةِ نُطق الأصوات، مخارجَ وصفاتٍ، وإلى الحاجة إلى زادٍ معجمي للتعبير عن المدلولات التي تشمل الذواتِ والأسماءَ والأفعالَ والمعانيَ وغيرَها مما يُفكَّر فيه وبه، وإلى الحاجة إلى البِنَى التركيبية المتاحة للتعبير السليم، وغير ذلك.

وإذا كُنا قد قررنا من قبلُ أن السماع الذي هو أبو الملكات اللسانية أصبح غيرَ مُتاحٍ إلا في حدودٍ مدرسيَّةٍ ضيقة للغاية، وأن الحِفظ يحلُّ إلى حد كبير محلَّ السماع الغائب، وبشكل واسع وفعال، فإننا نسجل هنا أن هاته المهارةَ، مهارةَ الحفظِ الذي يرفُد السماعَ ويُغذِّيه، قد حُوربت في كثير من مناهج التعليم العربية -بعد أن وُصمت بشتى النعوت السلبية- محارَبةً
جلية مبنيةً على تمثلات خاطئة، لا على مستندات علمية أو تربوية.

ومن بين أشْيَعِ تَعِلَّات محاربةِ الحفظ في التعليم المقابلةُ الضديةُ بينه وبين الفهم، حتى شاع بين كثير من الناس أن الحافظ لا يفهم، ومدلول هذا المنطوق: أن الفاهم لا يحتاج إلى الحفظ! بينما الحفظ والفهم مهارتان متباينتان تمامَ التبايُن، والمقابلةُ بينهما على أي وجه من وجوه التضاد مقابلةٌ خاطئة؛ لأن الحفظ شيء، والفهم شيء آخر مختلف تمامًا، فهما نشاطان ذهنيان، ولكل نشاط منهما مَنْطِقُه الخاص. وبغض النظر عن أن تربويِّينا القدامى قد تحدثوا عن الحفظ المحمود (المسنود بالفهم) مقابلَ الحفظ المذموم (كمثَل الحمارِ يَحملُ أسفارًا)، وعن أن «الحفظَ الإتقانُ»، فإنه من البَدَيهيِّ ألا يُنكر أحدٌ أن كثيرًا من الحُفَّاظ لا يفهم ما يحفظ، تمامًا كما لا يُنكِر أن كثيرًا ممن يَفهم يُعْوِزُه الحفظُ لِيكُون ذا ملَكة لغوية؛ لذا لا يتطور أداؤه اللغوي، بل قد يبقى حبيس إعاقة لغوية تحول بينه وبين انطلاق اللسان، وكذا بينه وبين الإنتاج الأدبي؛ ذلك بأن اللغة ليست فهمًا خالصًا، تمامًا ككونها ليست حفظًا خالصًا.

أما مهارة التعبير، شفهيًّا كان أم كتابيًّا، فهي مهارة منظمة منهجيًّا، تَتَغَيَّا الوصول بالمتعلِّم إلى تمكينه من ترجمة أفكاره ومشاعره وأحاسيسه ومُراداته وخبراته إلى نسق لغوي قابل للنقل إلى المتلقي عبر فهمه بعد سماعه؛ لأن اشتقاق «التعبير» أصلًا من فعل «عبَّر» عما في نفسه، أي أَعْرَبَ وبَيَّنَ، وإنما «جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا» كما قال الشاعر القديم. وعليه فمهارة التعبير تستهدف الإنجاز الفعليَّ للغة، والممارسةَ الأدائية الإجرائية لها، تحقيقًا لغرضها التواصليِّ الأول، ثم لوظائفها الأخرى المعروفة، سواء كان التواصل أفقيًّا، بمعنى التفاعل بين الناس الذين يعيشون في الزمن نفسِه، كما بين المعلمين والمتعلمين، أو عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية وغيرها، أم كان عموديًّا يربط متكلِّمِي اللغةِ الذين عاشوا في أزمنة تاريخية مختلفةٍ، كربط مختلِف الأجيالِ العربية بتراكماتِ الإنتاج العلمي والفني الذي أفرزته حضارة أجدادهم التي كتبت بالعربية، والمقصودُ التواصلُ مع أسس هذه الحضارة من قرآن وحديث وشعر وتاريخ وعلوم ومؤلفات تُعَدُّ بالملايين في مختلف الفنون والعلوم.

الإعاقة اللغوية في المدرسة العربية

غير أن واقع مهارة التعبير في المدرسة العربية لا يَخْفَى، حتى إنك لتجد في كثير من طُلاب الجامعة، بَلْهَ تلاميذَ الصفوفِ الابتدائية والمتوسطة والثانوية، خيرَ مثال على ما سميناه بالإعاقة اللغوية، حيث قد يعجز كثير منهم عن الاسترسال في التعبير عن موقف أو فكرة أو شعور لأكثرَ من دقيقتين، مُقَطِّعًا كلامَه أو مُفرداتِه المبعثرة بالتقسيط المُمِلّ. ولا شك أن النظام التعليمي يتحمل الوزر الأكبر في هذا العجز، لما سلفَ أن بيَّناه بخصوص تغييب أو تقليص مهارة السماع المرتبط بالكلام والتعبير ارتباطَ اقتضاءٍ، وُجودًا وعَدمًا، وقوة وضعفًا، ثم لضَعفِ تكوين هيئة التدريس التي تجتر الطرائق القديمة بدل الطرائق الفعالة، وهو ما يعيد إنتاج الواقع اللغوي المَعُوق، ومن بين أهم علائم إعاقاته عدمُ تركيزٍ وتركيز.

فأما عدم التركيز فعلى المتعلم الذي لم يُجعل في بؤرة تلقي اللغة (سماعها) وأدائها (التعبير بها)، وأما التركيز فعلى اختزال اللغة في النحوِ، والإعرابِ خاصة، بينما النحو والإعراب مجرد أداتين تعليميتين، وليسا غايةً في نفسِهما، (اللهم إلا لدى طلاب التخصص اللغوي العلمي الدقيق). وقد قرر ابن خلدون منذ قرون أنْ لا أثرَ لهما في اكتساب الملكة اللغوية قائلًا: «في أن ملكة هذا اللسان غيرُ صناعةِ العربية ومستغنيةٌ عنها في التعليم»؛ لأن النحو علمٌ بكيفيةٍ، لا نفسُ تلك الكيفية؛ والعلمُ بكيفية قوانين اللغة لا يعني حصول اللغة، شارحًا ذلك بقياسِ حال من يُجيد عِلمَ النحو وليس بسليقيٍّ ذي مَلَكةٍ على حال من يُجيد العلم بحرفة الخياطة وليس بخياط، فهو بصيرٌ بها، لكنه غيرُ مُحْكِم لمَلَكتها؛ فإذا سألته عنها أجابك بأن الخياطة هي أن يُدخل الخيط في خُرْت الإبرة، ثم يغرزها في لِفْقيِ الثوب مجتمعيْنِ، ويُخرجها من الجانب الآخر بمقدار كذا، ثم يردّها إلى حيث ابتدأت، متماديًا في إنبائك بكثير من تفاصيل الخياطة الأخرى، غير أنه «إذا طُولِبَ أن يعمل ذلك بيده، لا يُحكِم منه شيئًا»!

هذا التحدي هو الذي دفع كثيرًا من اللسانيين التطبيقيين والتربويين إلى اقتراح مناهج تعليمية بديلة تقوم على فكرة العيش العميق في مجتمع اللغة المدروسة، كالمقاربة الانغماسية أو الانغطاسية، وكالتدريس بالمَلَكَات، حيث لا ينحصر اكتساب اللغة في الحصص المدرسية، وإنما يمتد إلى مختلف أنشطة الحياة المدرسية والحياة العامة كالبرامج الرياضية والترفيهية، والزيارات الميدانية، والتواصل في الأسرة والإعلام، حيث يُحاكي اكتسابُ اللغةِ الأمِّ (العربية الفصيحة) اكتسابَ لُغةِ الأمِّ (العربية العامية أو أي لغة أجنبية أخرى)، مما برهنت التجارب المنجزَة عن نتائجه الإيجابية الباهرة.