تنطلق رؤية الفنانة والناقد السعودية الدكتورة رحاب الغذامي من أن العمل الفني ليس مجرد بناء جمالي، بل هو فضاء مفتوح لإنتاج المعنى والحوار. وتوضح، في حوار مع «الفيصل» أن النقد ليس سلطة تُقيّد المتلقي، وإنما أداة توسّع آفاق القراءة والتأويل.
يأتي هذا الحوار مع أستاذة النقد الفني في قسم الفنون البصرية بجامعة الملك سعود، في لحظة يشهد فيها المشهد الفني السعودي تحولات متسارعة، تتداخل فيها أسئلة الهوية مع رهانات الحداثة، ويتقاطع فيها الإبداع البصري مع النقد الأكاديمي.
ويتناول الحوار قضايا تتصل بالفن المفاهيمي، والرمزية الثقافية، والهوية الوطنية، ودور الفن في التحولات الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب مكانة التربية المتحفية ومستقبل النقد الفني في المملكة. كما يلقي الضوء على تجربة الفنان السعودي في المحافل الدولية، وعلى قدرة الفن الأصيل على مخاطبة العالم من دون التفريط في جذوره الثقافية، مؤكدًا أن خصوصية الهوية هي المدخل الحقيقي إلى العالمية.

المتلقي والناقد
• في دراستكِ حول أثر القراءة النقدية في «الحكم الجمالي»، ما أبرز النتائج التي خلصت إليها؟ من جهة ثانية هل كنت تسعين إلى تحرير المتلقي من سلطة الناقد، أم صياغة ذائقة جماعية قادرة على تفكيك شفرات الفن المعاصر بشكل مستقل؟
▪ العلاقة بين المتلقي والناقد ليست علاقة سلطة بقدر ما هي علاقة إثراء وتوسيع لدائرة الفهم. فالمتلقي يمتلك حقه الكامل في أن يستجيب للعمل الفني من خلال خبراته ومشاعره الخاصة، وهذه الاستجابة في حدّ ذاتها تمثل جزءًا أساسيًّا من التجربة الجمالية. وفي المقابل يقدم الناقد قراءة مختلفة تقوم على التحليل والتفسير وربط العناصر البصرية بسياقاتها الفكرية والثقافية، فيَنتج من خلال ذلك معنى جديد لا يطابق بالضرورة رؤية الفنان ولا رؤية المتلقي. وبناءً على ذلك لم يكن الهدف هو تحرير المتلقي من سلطة الناقد أو صياغة ذائقة جماعية موحدة، بل تأكيد أن العمل الفني يظل فضاءً مفتوحًا لتعدد القراءات. فالناقد لا يغلق المعنى وإنما يفتح مسارات جديدة للتأمل، بينما يظل المتلقي شريكًا فاعلًا في إنتاج الدلالة. حيث تكمن قيمة الفن الحقيقية في القدرة على استيعاب قراءات متعددة ومتجاورة تثري العمل وتمنحه حياة تتجاوز لحظة إنتاجه.
• في عملكِ الفني «الروح» الذي عُرض في العاصمة روما؛ ذكرت أن المساحة السوداء مستلهمة من هيبة الكعبة المشرفة، رامزة بالسواد إلى النماء والوحدة. إلى أي حد يمكن القول: إن الرموز ذات الخصوصية الثقافية الصرفة قادرة على جذب المتلقي العالمي؟
▪ في تجربتي مع عملي «الروح»، لم تكن نواة التمرة أو السواد عناصر محلية مغلقة على ثقافتها، بل كانت مدخلًا لحوار أوسع حول الإنسان والهوية والانتماء. وكلما كان الرمز أكثر صدقًا وأصالة في تمثيل بيئته، ازدادت قدرته على إثارة الفضول والتأمل. ولهذا أرى أن الفن لا يحتاج إلى التخلي عن خصوصيته ليصل إلى العالم، بل على العكس، فكلما ازداد ارتباطه بجذوره أصبح أكثر تأثيرًا وقدرة على الوصول إلى المتلقي. ومن خلال مشاركاتي الدولية، وجدت أن أكثر ما يجذب الجمهور ليس ما يعرفه مسبقًا، بل ما يكتشفه لأول مرة. فالرمز الثقافي الأصيل يتحول داخل العمل الفني إلى نافذة يرى من خلالها المتلقي مجتمعًا جديدًا وتجربة إنسانية مختلفة، وهنا تتحقق إحدى أهم وظائف الفن وهي خلق مساحة للحوار تتجاوز حدود اللغة والمكان.
• مع انتشار الفن المفاهيمي مؤخرًا؛ هل يعد ذلك الانتشار لنوع من الفن دون سواه؛ ظاهرة إيجابية؟ وهل تعتقدين أن الفن المفاهيمي هو النموذج الأمثل لإنتاج أعمال بإمكانها أن تستعيد مركزية الروح في مواجهة سيولة المادة التي تسيطر على الفنون البصرية المعاصرة؟
▪ يمثل بروز الفن المفاهيمي تحولًا مهمًّا في الفن المعاصر؛ لأنه لم يعد يركز على العمل بوصفه مادة أو شكلًا بصريًّا فقط، بل بوصفه تجربة فكرية وشعورية يعيشها المتلقي. فقيمة العمل هنا لا تكمن فيما يراه المتلقي، بل فيما يثيره من أسئلة وتأملات وحوارات داخلية تدفع المتلقي إلى التفاعل العميق والتفكر المستمر، متجاوزًا بذلك حدود المشاهدة العابرة والاستهلاك البصري السريع. فالفن الأكثر تأثيرًا ليس بالضرورة ما يلفت العين، بل ما يبقى عالقًا في وعي المتلقي بعد انتهاء لحظة المشاهدة.

الفن وثيقة دبلوماسية
• شاركت مرات عدة في المحافل الدولية. بِمَ خرجتِ من تجارب المشاركة الخارجية؟ وكيف يمكن للعمل الفني أن يكون وثيقة دبلوماسية ثقافية فنية تعيد تشكيل صورة الهوية السعودية في عقل الآخر غير السعودي؟
▪ لم تكن المشاركات الدولية بالنسبة لي مجرد فرصة لعرض الأعمال الفنية، بل كانت مساحة لاختبار قدرة الرموز الثقافية السعودية على التواصل مع الآخر خارج حدودها المحلية. فما يهمني في هذه التجارب هو مراقبة كيفية تلقي الجمهور الأجنبي لهذه الرموز، وكيف يفهمها ويعيد تفسيرها من خلال خلفيته الثقافية الخاصة. ومن هنا يتحول العمل الفني إلى وثيقة دبلوماسية ثقافية غير مباشرة، تحمل ملامح الهوية السعودية وقيمها ورموزها إلى العالم بلغة الفن. فالفن يمتلك قدرة استثنائية على بناء جسور الفهم بين الشعوب؛ لأنه يفتح مساحات للحوار بين الثقافات المختلفة ويخاطب الإنسان مباشرة. ولذلك أرى أن كل مشاركة خارجية هي مساهمة في تقديم صورة أكثر عمقًا وثراء عن الثقافة السعودية، وفي الوقت ذاته فرصة لفهم الكيفية التي يرى بها الآخر هويتنا ويتفاعل معها.
• بدراستكِ حول قضايا المرأة السعودية والفنون المعاصرة، حللتِ بعض أعمال الفنانات السعوديات لبيان دور الفن في التغيير الاجتماعي. ما النتائج التي خرجت بها من تلك الدراسة؟
▪ الفن لا يغير المجتمع عبر الخطاب المباشر، بل من خلال إعادة تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى القضايا من حولنا. ومن خلال دراستي لأعمال الفنانات السعوديات، وجدت أن الفن المعاصر نجح في نقل قضايا المرأة من نطاق النقاش الاجتماعي إلى فضاء ثقافي أوسع، أصبحت فيه موضوعًا للتأمل والحوار وإعادة التفكير. وما يميز هذه الأعمال أنها لم تقدم المرأة بوصفها قضية فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية ترتبط بالهوية والتمكين والصورة المجتمعية. ومن هنا تبرز قوة الفن بوصفه قوة ثقافية ناعمة لا يفرض التغيير، لكنه يطرح الأسئلة التي تسبق التغيير، ويرفع مستوى الوعي بالقضايا التي تستحق أن تُرى وتُناقش.
• يُعَدّ التحول نحو الاستثمار في الفنون من مستهدفات رؤية السعودية 2030. فكيف يستطيع الفنان أن يطوع أعماله لترفد الاقتصاد مع احتفاظها بهويتها الفنية؟
▪ في ظل رؤية السعودية 2030، لم يعد الفن مجرد منتج جمالي، بل أصبح جزءًا من الاقتصاد الإبداعي الذي يسهم في التنمية الثقافية والاقتصادية. ومن هنا تأتي أهمية أن يستثمر الفنان في هويته الثقافية وفي القصص والرموز التي تعبر عن مجتمعه؛ لأن ما يمنح العمل قيمته في السوق العالمية ليس نسخه للآخر، بل أصالته وقدرته على تقديم تجربة فنية تحمل هوية مميزة. فكلما كان عمل الفنان أكثر صدقًا مع هويته، ازدادت قدرته على الاستمرار والتأثير والنجاح اقتصاديًّا.
• كيف يمكن تحويل عناصر الهوية الوطنية إلى حاضنات فنية مفاهيمية عبر استلهام التراث الثقافي والنظر إليه بمنظور حداثي بعيدًا من اختزاله في مشاهد تقليدية محدودة لا ترتقي بالفلكلور، بل تحبسه في أطرها المعينة؟
▪ تحويل عناصر الهوية الوطنية إلى حاضنات فنية مفاهيمية يبدأ بالانتقال من النظر إلى التراث بوصفه شكلًا إلى فهمه بوصفه معنى. فالقيمة الحقيقية للتراث لا تكمن في تكرار صوره التقليدية، بل في إعادة قراءة القيم والأفكار التي يحملها وصياغتها بلغة معاصرة. وفي هذا السياق كانت لدي تجربة بحثية وفنية بعنوان «شمراخنا»، هدفت من خلالها إلى تحويل رموز الهوية الوطنية السعودية إلى عمل فني مفاهيمي. فالنخلة والتمر لم يظهرا بوصفهما عناصر تراثية فحسب، بل كانا رمزًا للكرم والترابط والانتماء. ومن هنا أرى أن الحداثة لا تعني الابتعاد من التراث، بل الكشف عن معانيه الضمنية ومنحه حياة جديدة تتجاوز الطرح التقليدي إلى فضاء الفن المعاصر.

التربية المتحفية
• من خلال تجربتكِ الأكاديمية في جامعة الملك سعود، كيف يمكن لبرامج التربية المتحفية أن تسهم في ردم الفجوة بين ما يُدرَّس داخل قاعات المحاضرات، والتحولات المتسارعة التي تشهدها المتاحف والمساحات الفنية المعاصرة؟
▪ التعلم الحقيقي للفن لا يكتمل داخل القاعة الدراسية وحدها، وذلك لأن العمل الفني يُفهم بصورة أعمق عندما يُعاش داخل سياقه الحقيقي. فالزيارات الميدانية للمتاحف والمعارض تمنح الطلاب فرصة الاحتكاك المباشر بالأعمال الفنية والجمهور والمؤسسات الثقافية، وهو ما يسهم في تطوير وعيهم النقدي وفهمهم للتحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الفني المعاصر؛ لذلك هي لا تعد نشاطًا مكملًا لعملية التعلم، بل جزء أساسي من بناء الفنان والباحث والناقد في عصر تتغير فيه الفنون بوتيرة متسارعة.
عين الناقد والفنان
• بصفتك أكاديمية، أنت لا تفصلين بين النظرية والممارسة، في أعمالك الفنية؛ فكيف تستطيعين أن تتعاملي مع اللوحة بعين الناقد، وفي الوقت نفسه تنظرين إليها بمنظورك الفني؟
▪ لا أتعامل مع العمل الفني بوصفه منتجًا بصريًّا فحسب، بل بوصفه نسيجًا فكريًّا وإبداعيًّا تتداخل فيه الفكرة مع الشكل، والمعنى مع المادة. وعندما أعمل على إنتاج عمل فني، أجد نفسي أمارس دور الفنان والناقد في الوقت ذاته، فكل عنصر يوضع في العمل يحمل وظيفة بصرية من جهة، ويقدم قراءة فكرية من جهة أخرى؛ لذلك أشعر أنني أُنتج نسختين متوازيتين من العمل، نسخة مرئية تخاطب العين، ونسخة فكرية مقروءة تخاطب العقل. وكلتا النسختين لا تقدم المعنى بصورة مباشرة، بل تترك للمتلقي مساحة للتأويل والاكتشاف. ولهذا لا أرى تعارضًا بين الممارسة الفنية والنقدية، بل أراهما مسارين متكاملين يسهم كل منهما في تعميق الآخر وإثراء التجربة الفنية.
• في إحدى مبادراتكِ، صممتِ «استمارة نقدية» لصالح معرض الفن السعودي المعاصر التابع لهيئة المتاحف؛ فما المعايير التي تدفعك لتأكيد أهمية حضور النقد بموازاة العمل الفني؟
▪ أُومِنُ بأن العمل الفني والنقد شريكان في إنتاج المعنى، فالفن يقدم الفكرة بصيغة مرئية، بينما يسهم النقد في كشف أبعادها الفكرية والثقافية والجمالية. وينطلق هذا التوجه من صميم ممارستي واهتمامي بالنقد الفني بوصفه أداة تساعد على بناء حوار أعمق مع العمل الفني. فازدهار المشهد الفني لا يتحقق بكثرة الأعمال وحدها، بل بوجود قراءات نقدية تسهم في إنتاج الوعي والمعرفة حولها.
• ذكرتِ في أحد الحوارات السابقة لك أن «الأقلام أقل عددًا من فرش الألوان» في المشهد السعودي الحالي. في رأيك ما الأسباب الكامنة وراء اختيار الجيل الحالي للممارسة الفنية المباشرة؟
▪ يشهد المشهد الفني السعودي اليوم حراكًا متسارعًا جعل الممارسة الفنية أكثر حضورًا وجاذبية للأجيال الجديدة؛ لما توفره من فرص للإنتاج والعرض والتفاعل المباشر مع الجمهور. وفي المقابل، يتطلب النقد الفني مسارًا مختلفًا يقوم على القراءة والبحث والتأمل وبناء الأدوات المعرفية، وهي عملية تحتاج إلى خبرة أكاديمية ووقت وجهد فكري طويل؛ لهذا يظل إنتاج النص النقدي أقل من إنتاج النص الإبداعي القائم على الممارسة والتجربة. ولهذا جاء قولي: إن «الأقلام أقل عددًا من فرش الألوان»، في إشارة إلى الفجوة بين حجم الإنتاج الفني المتنامي وعدد الأصوات النقدية القادرة على قراءته وتحليله. وعلى الرغم من التطور الملحوظ الذي شهده النقد الفني في السنوات الأخيرة، فإن ازدهار الفن لا يقاس بعدد الأعمال المنتجة فقط، بل بقدرة المجتمع على فهمها ومناقشتها وإنتاج المعرفة حولها.
0 تعليق