البريطانية – التنزانية لبينة حميد سرديات الشتات في «الخيوط المفقودة»
في سياق الفن، يصف مصطلح «الشتات» الفنانين الذين هاجروا أو انتقلوا من جزء من العالم إلى آخر، حاملين معهم تجاربهم الثقافية والشخصية. كثيرًا ما تؤثر هذه التجارب في أعمالهم الفنية، فتجد أن هؤلاء الفنانين يتناولون موضوعات مثل الهوية والنزوح وتعقيدات التنوع الثقافي، أو قد تتمحور كامل مسيرتهم الفنية حول استكشاف وعرض سرديات الشتات مثل الفنانة البريطانية التنزانية لبينة حميد.
التأريخ وإعادة سرد القصص المنسية هما الوسيلتان اللتان اختارت بهما لبينة، تسجيل شهادتها الخاصة عن الشتات. ويمكن أن نتلمس هذا من خلال عملها الفني التركيبي «الخيوط المفقودة». وإذا حاولنا تفكيك المفهوم الذي عرضته الفنانة، سنجد الأثر العميق الذي تركته تجربتها الحياتية، وعلاقتها بوطنها الأم، ثم علاقتها مع هويتها الشخصية على الأسلوب السردي الذي اختارته لموضوع الشتات.
حياة جديدة في لندن
بعد ولادة لبينة بمدة بسيطة عام 1954م توفي والدها بالملاريا، فقررت والدتها التي كانت تعمل مصممة منسوجات أن تنتزعها من وطنها زنجبار -جزء من تنزانيا حاليًّا- لتبدأ حياة جديدة في لندن. في ثمانينيات القرن الماضي كانت لبينة من أوائل الفنانين الذين انضموا إلى حركة الفنانين السود في بريطانيا. حصلت وقتها على درجة الماجستير في التاريخ الثقافي من الكلية الملكية للفنون في لندن. نظمت لبينة حينها وشاركت في العديد من المعارض، في محاولة لإثبات بصمة الفنانين السود ومواجهة التيار المعاكس الذي كان يرى أن ما يقدمه السود ليس فنًّا.
عرضت لبينة أعمالها الفنية في بريطانيا والعديد من المعارض حول العالم. وبعد العمل لعقود حصلت أخيرًا عام 2017م على جائزة تيرنير بصفتها أول امرأة بريطانية من أصل إفريقي تحصل على الجائزة. قدمت لها الجائزة اعترافًا لدعمها لقضايا السود والنساء على وجه الخصوص. تعمل لبينة الآن فنانةً وقيمةً فنيةً وكذلك أستاذًا في الفن المعاصر بجامعة سنترال لانكشاير في بريستون بالمملكة المتحدة.

تاريخ منسي
تقدم لبينة أعمالًا تتمحور حول مراحل وقضايا منسية من التاريخ الإفريقي؛ لتصحح السرديات المغلوطة عنه وتعيد سرد الحكايات من وجهة نظر المهمشين وبأصوات مَنْ أُسكِتُوا فيما مضى. يتجلى لنا هذا المفهوم في عملها الفني التركيبي «الخيوط المفقودة» الذي عرض لأول مرة في قاعة «جاوثورب في بيرنلي» كجزء من بينالي المنسوجات البريطانية لعام 2021م. يتكون العمل من 400 متر من المنسوجات النابضة بالحياة بأنماط مختلفة. هذه الأقمشة المعلقة من أطرافها والمنسدلة على شكل أمواج بمستويات مختلفة، تعبر عن حركة المحيطات والبحور التي حملت على ظهرها قصص صناعة القطن وسياسات تجارة العبيد والتعقيدات المرتبطة بالتاريخ الاستعماري، خصوصًا الجزء الذي استبعد من التاريخ.
أرادت لبينة أن تظهر الوجهين المتقابلين لتلك الممارسات، الوجه الأول هو الامتصاص الاستعماري لطاقة قارة لبناء قارة أخرى، والوجه الثاني هو الاحتفال بالجمال والتطور الذي تكاتفت من أجله أيادٍ من مناطق مختلفة من العالم. وفي هذا السياق نرى القماش المستخدم في العمل وكأنه يعبر عن الفكرة نفسها، فعادة ما تصنف هذه الأقمشة الزاهية بنقوشها المتنوعة على أنها منسوجات إفريقية، إلا أنها في الأصل مطورة من جانب الشركات الاستعمارية الهولندية التي حاولت إعادة إنتاج قماش الباتيك الجاوي في هولندا، لكنهم أخفقوا في تسويقه؛ لذا بدأ التجار الهولنديون ببيع القماش في أسواق غرب إفريقيا ليصبح جزءًا من تاريخ الشتات الإفريقي وفنونه وهويته.

الخوف من العودة
حين نعرف أن لبينة انتقلت من زنجبار وهي في الشهر الرابع من عمرها، قد يتبادر إلى الذهن أنها لا تعرف شيئًا عن المكان الذي تركته. لكنها تقول: إن حكايات وطنها الأصلي كانت هي الموضوع الرئيس في حواراتها مع والدتها عبر السنوات، مع هذا كانت تخاف من العودة. ظلت تقدم المبررات لنفسها طوال السنوات، بداية من الحرب التي اندلعت وهي في العاشرة من عمرها، إلى المراهقة المتخبطة، لتكبر وقد اجتمعت داخلها العديد من الأسباب التي منعتها من العودة. حين بلغت الأربعين من عمرها فكرت أن خلال رحلاتها حول العالم والمدن المختلفة التي زارتها كان يصاحبها حنين لوطنها الأصلي، فقررت أخيرًا أن تزوره. منذ هبطت لبينة سلالم الطائرة التي أقلتها إلى دار السلام، شعرت أنها تعرف جيدًا هذا المكان، وكأنها انتقلت بين منطقتين مألوفتين لها. تبدد الخوف الذي لازمها وشعرت أنها فعلًا في بلدها.

بين التعددية الثقافية والذوبان
الحديث عن الأوطان يوجب الحديث عن الهوية، واللغة هي جزء لا يتجزأ من هذه الهوية. الفنانة لبينة لم تتعلم اللغة السواحيلية لغة بلدها الأم، وكان هذا أحد أسباب ترددها حين كانت تفكر في زيارة وطنها، وعندما زارته انتابها شعور بأنها لا ترغب في البقاء. الوطن مرتبط في وجدان لبينة بالعلاقات الإنسانية والمعارف، والناس الذين كانت تعرفهم في تنزانيا، تشتتوا في أنحاء العالم منذ زمن. لم تستقر لبينة في تنزانيا وعادت إلى بريطانيا، فهل يعني هذا أنها تخلت عن هويتها التنزانية وذابت في هويتها الجديدة؟
يجيب لنا عن هذا التساؤل الباحث في علم الاجتماع ستيوارت هول، الذي ساهمت دراساته في تكوين فهم أكثر دقة وديناميكية لكيفية تعريف الأفراد لأنفسهم في سياق الشتات والتنوع الثقافي. تحدى هول في عمله فكرة الهوية الثابتة والفردية، واقترح بدلًا من ذلك أن هويات الناس مرنة وتتشكل بعوامل مختلفة، مثل الثقافة والتاريخ والسياق الاجتماعي والتنقل وتصادم الانتماءات بانتماءات جديدة. في مقالته «الهوية الثقافية والشتات» المنشورة في عام 1990م، ركز هول على تجارب الشتات الكاريبي بما فيها من نزوح وتهجين، مشجعًا على تبني مفهوم التعددية الثقافية، ومؤكدًا إمكانية أن يكون للفرد أكثر من هوية واحدة. وبطبيعة الحال تتمازج هذه الهويات المتعددة بنسب تحددها تجاربهم الشخصية مع الشتات.
لسرديات الشتات سياقات مختلفة تحددها أحداث الحكايات وتفاعل أبطالها معها. وبين بطل القصة ووطنه الأم علاقة فريدة، وهو أيضًا فريد من حيث أبعاد الهوية التي رسمها لنفسه. حين تُرْوَى قصص الشتات عبر الفن، فإنها تُمْنَحُ مساحة أكبر من الحرية وفرصة أخرى لسماع وجهة نظر مختلفة. الفن أيضًا يفتح للمتلقي بوابة للمعرفة ويغمره بنفحات تحرك المشاعر، وتحريك المشاعر هو هدف أسمى بكثير من مجرد المعرفة. الفنانة لبينة حميد تأخذ المشاهد إلى ماضٍ لم يُرْوَ، في تجربة خاصة من المعرفة والشعور، وكم نحن بحاجة إلى أن نعرف أكثر ونعمق الشعور نحو موضوع كان وما زال، ويبدو أنه سيستمر كثيرًا، وهو موضوع الشتات باختلاف أساليب سرده.