مرت عَلَيَّ سنوات طويلة، وأنا في الأربعين من عمري، بعد خروجي من أحد السجون العربية، حتى أصبت بلعنة المحبة. كنت أحب كل من أكلمه أو أتودد إليه، حتى أصبحت أخاف من المحبة نفسها. وبعد سنوات، حين عدت إلى الوطن، صار التقرب من الناس لعنةً حقيقية، وصارت محبتهم جريمةً. بعد أن عدت إلى الوطن، وقبل أن يبلغ الحب قلبي، مات أبي في الغربة، ومات حلمه برؤية الوطن.
وبعده ماتت وردة قلبي، أختي سائدة، التي زرعت في روحي حب الوطن والحرية. أختي التي أعطتني أول كتاب وأنا في الثالثة عشرة من عمري؛ رواية «الأم» لمكسيم غوركي.
بموتها مات الحب في قلبي. وحين حاولت أن أسقي بقاياه، ماتت أمي؛ أمي التي لولاها ما عرفت أن هناك ما يسمى حبًّا، ولا عرفت الوطن.
ثم توالت لعنة المحبة؛ مات أخي، ثم مات ابنه بعده بعام. وظلت تلك اللعنة تتجذر في روحي، ومع ذلك لم أكره أحدًا.
عشت أكثر من ربع قرن وحيدًا، في عزلة ووحدة، حتى أصبحت العزلة تغار مني.
كلما تعرفت إلى صديق أو صديقة، وجاء لقضاء بضعة أيام عندي، كنت أعد الأكواب الزائدة على الطاولة، وأرتب المكان كما لو أنني أستقبل الحياة نفسها.
ثم يمضي الجميع، وأبقى أنا والكتب التي تشهد على عزلة لا تنتهي.
قامت أكثر من انتفاضة، واندلعت أكثر من حرب، وتغيرت وجوه المدن، وسقطت أسماء وصعدت أخرى، وأنا ما زلت أعيش وحدي في عزلتي.
فكرت أكثر من مرة في الانتحار، لكنني أيقنت أنني أجمل ما في حياتي؛ لذلك أصبحت أُومِنُ بأن الحياة دين علينا أن نعيشه. وكما قال ناظم حكمت: «الحياة دين عليك أن تعيشها حتى آخر لحظة».
أحرق الحنين كل مساء
أجمع الذكريات كما كنت في طفولتي أجمع الطوابع القديمة، وأحرق الحنين كل مساء.
كنت أظن أن الوحدة قرار، ثم اكتشفت أنها طريق نحو الحرية؛ تلك الحرية التي أمضيت أكثر من أربعين عامًا من حياتي مناضلًا في حزب يساري، وسجنت من أجلها أكثر من مرة، وخضعت للإقامة الجبرية، قبل أن أنهي علاقتي بذلك الحزب حين وقف إلى جانب ذلك النظام الدكتاتوري الذي سقط بعد أن قتل كثيرين وزجّ بكثيرين في السجون.
تلك الحرية التي قالوا لنا: ناضلوا من أجلها، وتغنى بها بول إيلوار، وأراغون، وناظم حكمت، وكثير من الشعراء والكتاب، وما زلت حتى الآن أبحث عنها.
كنت أخاف من التعلق بالناس؛ لأن الذين أحببتهم إما غابوا، أو ابتعدوا، أو أخذتهم المنافي والحروب والموت.
لذلك جعلت من عزلتي جدارًا حول قلبي، وبنيت معبدًا في روحي، وسمحت للريح وذكريات من أحببت بالدخول. وعلقت صورة أمي هناك؛ بقيت وستبقى معلقة، مهما حاول كثيرون أن يسحبوني إلى الأسفل أو يدفعوني إلى كراهيتهم.
فكلما نظرت إلى عيني أمي نسيتهم.
وفي ليالٍ طويلة، حين ينام العالم، كنت أجلس مع أرواح أصدقائي، وأرواح كثير من أهلي، وأفرغ حنين العالم بالبكاء. أتذكر ضحكاتهم وأصواتهم والطرقات التي مشيناها معًا.
كأنه يرى ما لا نراه
أتذكر أمي وهي تنتظرني عند الباب، وأتذكر أبي وهو ينظر نحو الجبال البعيدة، كأنه يرى ما لا نراه. كنت أعيش على الذكريات، وفي سوء فهم مستمر لمعنى الحياة، وكأن حياتي قد انتهت صلاحيتها، كأي مادة غذائية.
وعلى الرغم من كل ذلك، فلم أكره الناس؛ كنت أخاف منهم فقط. أخاف أن أحبهم؛ لذلك كنت ألوح لهم من بعيد، وأكتفي بابتسامة بلاستيكية تشبه وجوه بعضهم. أشعر أحيانًا كأني رجل نجا من الغرق، لكنه لم يعد يثق في الماء بعد أن سرق أخي الصغير مني منذ سنوات.
واليوم، بعد كل هذه السنوات، أجلس في عزلتي وأفكر: هل المحبة لعنة أم نعمة مؤجلة؟
لكن ما أعرفه أن القلب الذي نجا من السجن، ومن الحروب، ومن المنافي، ما زال يبحث عن إنسان يجلس إلى جواره، وعن بيت ينام فيه من دون أن يشعر بالخوف، وعن يد صديق تمتد نحوه، لا لتنقذه من الوحدة، بل لكي تمر على كتفه بدفء يشبه دفء أمه.
0 تعليق