المدينة كبيت: كيف تصبح المدن السورية فضاءات للانتماء والحياة؟
لم تبدأ أزمة المدن السورية مع الحرب. قبل ذلك بسنوات، كانت هذه المدن عاجزة، في كثير من الحالات، عن أن تكون بيوتًا. لم يكن الدمار هو ما أفقدها قدرتها على إنتاج الانتماء، بل بنية حضرية وسياسية جعلت كثيرًا من السكان يعيشون في أماكن لا يشعرون بأنها لهم. لذلك، لم تكن المشكلة في الدمار، بل في قدرة المدينة نفسها على إنتاج «الشعور بالبيت»، لا بوصفه مجرد مكان للسكن، بل فضاء للانتماء والمعنى. ولفهم كيفية تشكّل هذا الشعور، لا بد من النظر إلى طبيعة تنظيم الفضاء الحضري نفسه في ظل الاستبداد.
في ظل الاستبداد، لم تكن المدينة فضاءً عامًّا يُعاد إنتاجه عبر مشاركة سكانه، بل فضاءً مُدارًا من أعلى، تُحدَّد فيه إمكانيات الوجود والحركة والتعبير بشكل صارم. لم تكن الساحات فضاءات للتجمع، بل نقاطًا للمراقبة. حتى البيت نفسه لم يكن فضاءً آمنًا؛ فكما يقول السوريون: «للحيطان آذان»، في تعبير عن الحذر من الكلام حتى داخل أكثر الفضاءات خصوصية. ولم يقتصر هذا الإقصاء على البعد السياسي أو الأمني، بل تداخل مع أنماط من التهميش العمراني والاجتماعي، حيث نشأت أحياء كاملة خارج الاعتراف الرسمي، دون خدمات كافية أو استقرار قانوني، وهو ما جعل سكانها يعيشون في حالة دائمة من المؤقتية.
وفي المقابل، لم تكن المناطق «المنظمة» أكثر قدرة على إنتاج الانتماء؛ إذ غالبًا ما افتقرت إلى النسيج الاجتماعي الذي يمنح المكان معناه. وهكذا، لم تكن المشكلة في الفقر أو التنظيم بحد ذاتهما، بل في غياب الإحساس بأن هذا الفضاء يمكن أن يُشكَّل أو يُمتلك، ماديًّا أو رمزيًّا، من جانب من يعيشون فيه. هذه الأشكال «الناعمة» من الإقصاء لم تبقَ مستقرة، بل تصاعدت وتحولت مع الزمن إلى أشكال عنف مباشر أعادت تشكيل المدينة جذريًّا.
فمع تصاعد هذه الديناميكيات والعنف ضد السكان، لم يبقَ هذا الطرد البنيوي في حدوده الضمنية. تحوّلت المدينة من فضاء مُقيَّد إلى فضاء مُقتحَم. الاقتحامات العسكرية، القصف بالبراميل المتفجرة، الطيران، واستخدام الأسلحة الكيميائية. لم تستهدف فقط تدمير البنية المادية، بل أعادت تعريف علاقة السكان بالمكان نفسه. لم يعد الخوف مرتبطًا بالظهور، بل بالبقاء نفسه. ولم يعد الخروج خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية. بهذا المعنى، أصبحت المدينة نفسها بيئة معادية للحياة. وعلى هذا المستوى، لم يكن الطرد دائمًا جغرافيًّا، بل كان، في كثير من الأحيان، طردًا انفعاليًّا واجتماعيًّا. أي شعور بأن المدينة ليست لهم أصلًا، حتى لو كانوا يقيمون فيها. وعندما يتقاطع هذا الطرد الرمزي مع العنف المادي المباشر، تصبح القطيعة مع المكان أكثر جذرية: ليس فقط لأن المدينة تغيّرت، بل لأنها لم تعد قابلة للعيش أصلًا. وعلى الرغم من هذا التحول العنيف، فقد برزت الثورة كلحظة فارقة أعادت فتح إمكانية مختلفة للعلاقة مع المدينة.

معنى إعادة الإعمار
لم تكن الثورة مجرد حدث سياسي، بل لحظة أعادت تشكيل العلاقة بين الناس ومدنهم. لم يكن من قبيل المصادفة أن تُوصَف الانتفاضات العربية بثورات الكرامة، ولا أن تنطلق أولى المظاهرات السورية في دمشق القديمة بشعار: «الشعب السوري ما بينذل». لم يكن هذا الشعار تعبيرًا سياسيًّا فقط، بل إعلانًا عن استعادة علاقة مفقودة مع المكان، علاقة قائمة على الكرامة. في أبحاثي الميدانية، ظهرت المظاهرات بوصفها تجربة مكثفة لإعادة امتلاك الفضاء. لم يعد الشارع مجرد ممر، بل أصبح مكانًا للوجود المشترك، وللظهور، ولإعادة تعريف الذات داخل المدينة. في تلك اللحظة، لم تتغير الأبنية، لكن تغيّر معنى المدينة. أصبحت المدينة ممكنة.
في عمل لي حول العلاقة بين الانفعالات والانتماء، أجادل بأن الشعور بالبيت لا يتشكل عبر الزمن أو الإقامة، بل من خلال الأمل في حياة جديدة داخل مكان معين. وهذا الأمل يُبنى على شروط مادية (كالاستقرار القانوني والاقتصادي)، وشروط انفعالية (كالكرامة، والاعتراف، والتقبل أو التفهم). ما فعلته المظاهرات هو أنها ولدت شعورًا بأن تحقق هذه الشروط أضحى قاب قوسين أو أدنى، داخل المدينة. هذا الأمل انهار مع الحرب؛ ليعود المكان إلى كونه فضاءً طاردًا، هذه المرة ليس فقط بسبب بنيته، بل بسبب العنف الذي اجتاحه. ولهذا، فإن إعادة الإعمار التي لا تعالج هذه الأبعاد البنيوية- السياسية، والاجتماعية، والانفعالية، تخاطر بإعادة إنتاج الشروط نفسها التي دفعت الناس إلى مغادرة المكان في المقام الأول، حتى لو تغيّرت الأبنية وبُنيت مدن جديدة.
وإذا كان هذا البعد الانفعالي مركزيًّا داخل المدينة، فإنه يصبح أكثر وضوحًا بشكل خاص عند أولئك الذين فقدوا المكان بالكامل: النازحون واللاجئون. فهؤلاء لا يتعاملون مع المكان بوصفه مجرد إطار للسكن، بل بوصفه شرطًا لإمكانية الحياة نفسها. في المقابلات التي أجريتها مع اللاجئين السوريين في برلين، تكررت عبارة واحدة؛ «آمل أن أتمكن من البدء بحياة جديدة هنا»، وعندما تغيب هذه الإمكانية، يفقد المكان معناه، حتى لو كان «آمنًا» أو «مبنيًّا». بهذا المعنى، لا يمكن فهم العودة بوصفها حركة عكسية بسيطة نحو مكان سابق، بل كبحث مستمر عن مكان يمكن أن يصبح بيتًا. فاللاجئون لا يقارنون فقط بين «هنا» و«هناك»، بل بين إمكانية الحياة. وعندما يصبح المنفى غير قابل للعيش، قد تبدو العودة خيارًا، لكنها تظل مشروطة بالسؤال نفسه: هل يمكن أن أبدأ حياة هنا؟ ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في الطريقة التي يُفهم بها مفهوم «إعادة الإعمار» نفسه.
في الخطاب العمراني السائد، تُفهم إعادة الإعمار بوصفها عملية تقنية: إعادة بناء مساكن، إصلاح البنية التحتية، واستعادة الوظائف الحضرية. غير أن هذا الفهم يفترض أن المشكلة كانت في «الدمار» فقط. والحال أن العلاقة بين السكان والمدن في سوريا كانت، قبل الحرب، علاقة هشّة ومتوترة. لم تكن المدينة فضاءً يُنتج الاستقرار والانتماء، بل فضاءً يُنظَّم بطريقة تحدّ من السيطرة، وتُضعف الإحساس بالكرامة، وتُبقي المستقبل مفتوحًا على عدم اليقين. ولا يقتصر هذا على الماضي. بل يمتد إلى الحاضر والمستقبل من خلال بعض السياسات الراهنة للسلطة الانتقالية التي تعيد تشكيل الفضاء الحضري بطرق مشابهة. فالمدن لا تبنى بالجدران فقط، بل أيضًا بمنظومة القواعد التي تنظّمها وتعيد تعريف من يحق له أن يكون فيها وكيف.

عمارة الإقصاء وعمارة الأمل
يمكن فهم بعض السياسات الحضرية الراهنة، مثل مشاريع التطوير العقاري الكبرى، بوصفها أمثلة على كيفية إعادة تشكيل الفضاء داخل المدينة. فمشاريع مثل «أبراج دمشق»، التي تقوم على إنشاء مدن متكاملة من الأبراج السكنية والمجمعات التجارية والخدمات المغلقة، لا تعيد بناء العمران فقط، بل تعيد توزيع السكان وتخلق أشكالًا جديدة من الإقصاء. بما يعيد إنتاج المدينة كفضاء انتقائي، لا كحيّز مشترك. ولا يقتصر هذا على حالة بعينها، بل يعكس نموذجًا عمرانيًّا أوسع يقوم على الأبراج، والمولات، والمشاريع الاستثمارية الكبرى بوصفها مؤشرًا على «التحديث». هذه النماذج تعيد إنتاج المنطق الإقصائي نفسه، عبر تحويل المدينة إلى فضاء استهلاكي مُجزّأ، يُضعف إمكانيات التفاعل اليومي، ويُقصي فئات واسعة من السكان. إن مدينة تُبنى حول المول، لا حول الشارع، هي مدينة تفقد قدرتها على إنتاج الانتماء.
ضمن هذا الإطار، لا تؤثر هذه السياسات فقط في البنية المادية للمدينة، بل في الشروط الانفعالية التي تشكّل العلاقة معها. فعندما يُنظَّم الفضاء بطريقة تُضعف الاعتراف أو تُقيّد الوجود المشترك، فإن ذلك يقوّض الأمل في حياة جديدة، وهو الشرط المركزي للشعور بالبيت. ومن دون إعادة إنتاج هذه الشروط، قد تتحول المدن المُعاد بناؤها إلى فضاءات للسكن، لكنها لا تصبح أماكن للحياة. في مقابل ذلك، يمكن التفكير في نماذج عمرانية محلية لفهم بدائل ممكنة. «البيت الدمشقي» ليس مجرد شكل تقليدي، بل نظام مكاني: فناء داخلي، تدرج بين الخاص والعام، وعلاقة يومية مع الضوء والهواء. هذا النموذج لا يُستنسخ، بل يُترجم مع حساسية عالية للسياق السوري. فبدلًا من الأبراج التي تفصل السكان عموديًّا، يمكن تخيّل نسيج حضري يقوم على وحدات أفقية متقاربة، تنتج فراغات مشتركة شبه خاصة، تتيح التفاعل التدريجي. ربما لا تحتاج المدن السورية إلى أبراج أعلى، بل إلى فراغات أقرب.
في بعض تجارب الإسكان المعاصرة، يُقدَّم المسكن كهيكل قابل للتوسعة، يتيح للسكان استكماله تدريجيًّا. لا يقدّم هذا النموذج حلًّا اقتصاديًّا فقط، بل يعيد تعريف السكن بوصفه علاقة مستمرة مع المكان. ويظهر توجه نحو إدماج السكان، في عملية التخطيط أو الحفاظ على أنماط عمرانية قائمة بدل استبدالها كاملة. ما يجمع هذه التجارب ليس شكلها المعماري، بل انتقالها من بناء المساكن إلى إنتاج العلاقة مع المكان. ولا يعني ذلك نقل هذه النماذج إلى السياق السوري، بل الاستفادة من منطقها: إن إعادة الإعمار ليست بناءً جاهزًا للحياة، بل عملية تتشكل معها. وإذا كان الأمل لا يُبنى نظريًّا فقط، بل يُترجم مكانيًّا، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن للعمارة أن تساهم في إنتاجه؟ يمكن ترجمة ذلك إلى أربعة اتجاهات تصميمية مترابطة:
تصميم الاستقرار داخل المكان: عبر أنماط تخطيط تسمح بالتملك التدريجي وتحدّ من الإحساس بالمؤقتية، بحيث لا يكون وجود السكان في المكان هشًّا أو مشروطًا.
فهم المسكن كعملية مفتوحة: من خلال أنظمة قابلة للتعديل والتوسعة، تتيح للسكان بناء علاقة تراكمية مع المكان بدل فرض نموذج جامد للحياة.

الحفاظ على الاستمرارية المكانية والذاكرة العمرانية: عبر إعادة تفعيل شبكات الحركة والأنماط القائمة، بدلًا من محوها بالكامل، بما يسمح بربط المستقبل بسياق مألوف.
تصميم الفضاء الحضري كمساحة للتفاعل والكرامة: من خلال خلق فراغات مشتركة ومتدرجة، وتفكيك العزل العمراني، بما يتيح اللقاء اليومي ويعزز الإحساس بالاعتراف داخل المكان.
هذه المبادئ يمكن أن تُفهم ضمن ما يمكن تسميته «عمارة الأمل»: عمارة لا تكتفي بإيواء الناس، بل تتيح لهم أن يتخيلوا مستقبلًا داخل المكان. المسألة تتجاوز العمارة بوصفها تقنية. إنها مسألة علاقة؛ فالتحدي في سوريا ليس فقط إعادة بناء المدن، بل إعادة بناء العلاقة معها. فالمدن لن تصبح جاذبة، إلا إذا تغيّر ما تنتج، وما يجب أن تنتجه ليس فقط السكن… بل الأمل.
لا تصبح المدن بيوتًا حين تُبنى… بل حين تُمكّن الحياة.