المترجم إلى أسامة منزلجي

المترجم

إلى أسامة منزلجي

قرأتُ كل شيء. وما بحثت عنه وجدته في الكتب. كل ما جال بخاطري، الأحلام والكوابيس، الأفكار والخيالات، ما أتمناه وما أخشاه، حتى ما أردت قوله عن نفسي -أخصُّ أفكاري وتجاربي- وجدتها فيها جميعًا. فماذا عندي أزيده عليها؟ لم يتركوا لي ما أقوله. وإن قلته، فهل أصوغه بهذا الجمال والعمق والدقة؟ بهذا الإبداع والجنون؟ وأين أرى آلامي وأحلامي، وما يجول في أبعد خبايا النفس، ما لا أجرؤ أن أواجه به نفسي، أين أراها مسلطة على شاشة بامتداد السماء، يشاهدها كل البشر ويشاركونني فيها؟

لديهم كل ما أطلبه. في «همنغواي» الإيجاز مع العمق، السهل الممتنع، في «أندرسون» الغرابة في قلب العادي، في «ميلر» التمرد شرطًا للعيش، أن تهدم كل شيء كي يبدأ البناء. أختار من كلٍّ ما أحتاجه، ما يضيء في داخلي زوايا كانت مظلمة، يفجِّر ينابيع كنت أظنها جفت. يفتحون لي أبواب نفوسهم، آخذ منها ما أشاء، يقدمونها لي بأيديهم. يجلسون معي في غرفتي، يشربون من قهوتي ويطلِّون معي من تلك الشرفة إلى الدروب الضيقة في الخارج. ما بيننا أكثر من الصداقة والمعايشة، ما يربطنا هو التوحد والتماهي. أصير أنا هم. أجول معهم في عوالم أخرى، أكثر حقيقة مما أراه بعيني وألمسه بيدي. يُشهدونني معهم لحظة الخلْق، معاناة الإبداع بآلامه ونشواته، خطوة خطوة، أعيد معايشتها، كأني أنا الذي أوجدتها. تمر عبري كلمات الآخرين وأفكارهم وخيالاتهم كما ولدَتْ أول مرة، فأتمثلها خلقًا جديدًا وأقدمها كما في فطرتها الأولى.

عوالم ليس لها حدود

أقول له: لماذا لا تخرج للدنيا؟ هناك الكثير، عوالم ليس لها حدود، تغني التجربة وتعمِّق الإبداع وهذا الخلق الذي تعيش له، أشياء ليست في كتبك. نعم، أعرف، في كتبك كل شيء، لكن المعايشة شيء آخر. للأشياء في الحياة طعم مختلف، طازج وحقيقي. وربما … ربما تصير مترجمًا أفضل.

ويقول لي: الكلمات ليست صورًا للأشياء، والكتب ليست بديلًا من الحياة ولا نسخة منها، إنها حياة من نوع آخر. أو أنها الحياة ذاتها بعيون أخرى، في مسارات بديلة أراها أعمق وأوسع وأوضح. فيها أرى دنيا بأسرها في عبارة. وحتى الأحرف لها حياتها الخاصة، لها شخصياتها. M هي جسر بين عاشقين. F وردة متفتحة. O دائرة الحياة، دورة الخلق. V هوة تنزلق إليها لتصعد من جديد.

– ولكن ألا تفتح نفسك لتجارب جديدة؟

نفسي مفتوحة على الدوام، مسام جلدي مجسات تلتقط كل ما حولي، تسمع أصغر همسة. ولذلك لا أحتاج الكثير، لا آخذ إلا بقدر ما أطيق. كأسي مرفوعة والعالم من حولي شلال. ولا تحتاج شلالًا متدفقًا لتملأ كأسًا.

***

أحيانًا، في أول ساعات الصباح، يداخلني شيء من الحزن، ينساب في الداخل كتيار رقيق. ولا أدري أحزن هو أم حنين؟ أم شوق إلى شيء لا أعرفه، شيء أدركه بعين الخيال ولا أستطيع أن أصفه بكلمات؟ يرافقني بعض الوقت حين أكون وحيدًا، ثم يتلاشى شيئًا فشيئًا بينما أنغمس في تيار الحياة، الشلال المتدفق الذي أرحتَ نفسكَ من صخبه. وأفكر أحيانًا، هل هذا هو الثمن؟ وهل هو ثمن كبير؟ هل يمكن لإنسان أن يقايض كل ما لديه بحياة دون هذا الحزن؟ وأفكر، لو كان مكاني هل يشعر نفس الشعور؟ وهل يظل ما به مجرد حزن يعكر صفوه بعض الوقت؟ وإن بقي مترجمًا، فأي مترجم يكون؟ ربما أفضل وربما أسوأ، أو ربما صار مترجمًا آخر.


أسامة منزلجي: مترجم سوري اعتزل الناس وعاش وحيدًا في بيته في اللاذقية، متفرغًا للترجمة الأدبية. توفي في شباط/ فبراير 2025م.