
محمد أركون
إثر مرور نحو ست عشرة سنة على وفاة المفكر محمد أركون سنة 2010م، اختار الأستاذ محمد الحدّاد العودة إليه نقديًّا من خلال إصدار كتاب بعنوان «المدخل إلى فكر محمد أركون، مع ذكريات وأحاديث»، قدّم فيه مفاتيح لقراءته مجددًا وصحّح فيه العديد من الأفكار حوله، وبخاصة حول مشروعه الكبير المعروف بـ«الإسلاميات التطبيقية»، وما بُني عليه هذا المشروع من توجهات ومواقف، وبخاصة فكرة الأنسنة، إضافة إلى تلقي فكر أركون شرقًا وغربًا، ثم إن العلاقة الشخصية بين أركون والحدّاد أثرت في اختياره. وفي هذه السياقات العامة أجرت «الفيصل» الحوار التالي مع الأستاذ محمد الحدّاد، أستاذ الحضارة في الجامعة التونسية.
العودة إلى أركون
• صدر لك مؤخرًا كتاب حول محمد أركون بعنوان «المدخل إلى فكر محمد أركون، مع ذكريات وأحاديث»، غير أن علاقتك بالمفكر أركون ليست وليدة هذا الكتاب حديث العهد، بل هي علاقة امتدت لعقود طويلة، سواء على المستوى الجامعي والأكاديمي أو حتى على المستوى الشخصي. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: لماذا هذا الكتاب بعد كل هذه السنوات من وفاة أركون، وبخاصة أنك ذكرت في كتابك تلقيك دعوات كثيرة للتأليف حول أركون وفكره؟
▪ في الحقيقة، أول دعوة جاءتني لكتابة مثل هذا الكتاب كانت من محمد أركون نفسه، ردًّا على دعواتي المتكررة له بأن يكتب كتابًا تأليفيًّا يجمع فيه محاور فكره وأهم القضايا التي عالجها. وكان يعتذر دائمًا بأنه ليس لديه الوقت لذلك. ولكن أعتقد أنه في أواخر حياته اقتنع بضرورة هذا الأمر، فأجرى الحوار المطول مع رشيد بنزين، وقد نُشر في كتاب بعنوان «التشكل البشري للإسلام»، واقترح عليّ تأليف كتاب مشترك حول فكره، يتولى هو كتابة نصوص مكثفة وأقوم أنا بتحليلها وشرحها وتطويرها.
وقد بدأنا فعلًا في ذلك؛ إذ أرسل لي نصًّا طويلًا ومكثفًا تجدونه ملحقًا بهذا الكتاب الذي أصدرته، لكن وفاته المفاجئة إثر مرض أوقفت هذا العمل. وإثر هذه الوفاة اقترح عليّ كثيرٌ من دُور النشر الكتابة حول أركون. وفي الحقيقة، لم أكن مستعدًّا ذهنيًّا لذلك، ورفضت تلك المقترحات، ورفضت حتى كتابة مقالات في الموضوع.
في العادة، يُحتفَل بالكُتاب والمفكرين انطلاقًا من تواريخ ميلادهم أو تواريخ وفاتهم. بالنسبة إليّ، اعتمدت أمرًا مختلفًا، وهو تاريخ نشر أركون أولَ مرةٍ مشروعَه حول «الإسلاميات التطبيقية»، وقد كان ذلك سنة 1976م في المجلة الأكاديمية لجامعة باريس الثامنة، ثم أُعيد نشر النص لاحقًا في كتابه بالفرنسية «نقد الفكر الإسلامي». (Critique de la raison islamique). وكنت قد لحظت، من خلال تدريس طلبة الدراسات العليا في الجامعة، وجود كثير من الهنات في ترجمة ذلك النص إلى العربية.
فقد كان من أوائل النصوص التي ترجمها الصديق هاشم صالح، قبل أن يصل، في تلك المرحلة، إلى درجة الامتلاك الكامل للجهاز المصطلحي الدقيق في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. فأعدتُ ترجمته للطلبة؛ لأنهم يعتمدون على الترجمة العربية التي قد توقعهم في بعض الأخطاء المرتبطة بالمصطلحية الأركونية خاصة، والمصطلحية في العلوم الإنسانية والاجتماعية عامة. ثم بدأت تتشكل في ذهني فكرة الكتاب نتيجة الوضع الثقافي الذي آلت إليه ما سُمّيت بثورات الربيع العربي. فقد وقع الابتعاد من المفكرين الكبار، ونُسي أركون والعروي والجابري وطرابيشي وجعيط وغيرهم، ووقع إعلاء شأن أسماء أخرى لا ترتقي إلى مستوى هذه الأسماء، بل لا تستحق أحيانًا لقب المثقف.
بعد هذا التيهان الثقافي، حدث نوع من العودة إلى هؤلاء المثقفين، وبخاصة أركون، وهذا أمر ملحوظ لدى الشباب. وقد عاينت ذلك من خلال الأعمال التي يقترحها الطلبة لرسائل بحثهم، أو المقالات التي تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن القول: إنه، في السنوات الأخيرة، أصبحت هناك عودة إلى محمد أركون وفكره. وهذه العودة فيها جانب إيجابي، ولكن هناك جانب آخر ينبغي الانتباه إليه، وهو أن العديد من المحاولات حسنة النية قد لا تقرأ أركون أحيانًا بطريقة صحيحة. وليس المشكل في قراءة النصوص في حد ذاتها، ولكن في فهم سياقات كتابتها وتشكلها، فالسياقات التي كتب فيها أركون مؤلفاته الأساسية مختلفة عن السياقات التي نعيشها اليوم. ومن هنا، فإن كتابي هو محاولة مني للمساهمة في توضيح هذه السياقات للشباب المهتم اليوم بفكر أركون، لعله يساعدهم في المستقبل على كتابة دراسات معمقة ومطولة في هذا الفكر.
بين الفكر وتلقيه
• المطلع على كتابك يلحظ أنك أشرت إلى أن أركون قد جرى التعرض إليه، في كثير من الأحيان، بوصفه شخصًا أكثر من مناقشة فكره. ألا يمكن أن يكون ذلك من الدواعي التي جعلتك تعود إلى أركون والكتابة عنه؟
يا للأسف! هذه الوضعية لا تتعلق بأركون وحده. أعتقد أن المجتمعات العربية لا تستطيع أن تفكر في الفكر منفصلًا عن الشخص، بل إنها تفكر في الشخص أكثر بكثير من فكره، فتتعامل معه عاطفيًّا، إما بالقبول أو الرفض، وإما بالصراع أو المساندة. نحن عندما نقرأ هيغل فإننا نقرؤه بوصفه فكرًا لا بوصفه شخصًا، والمفروض أن نقرأ بكيفية مماثلة أيضًا المفكرين العرب، لكن الواقع غير ذلك. وهذا يعود إلى ضعف المجال الفكري لدينا.
فهذا أمر لا يخص أركون، ولكن ما يُلحظ أنه ربما كان أكثر شدة عندما يتعلق الأمر بمحمد أركون، وذلك لأسباب عديدة. منها أن كتاباته فيها كثير من التعقيد، ومنها أنه كان له، في حياته، حضور شفوي كبير، من خلال المحاضرات والمقابلات الصحفية، حتى إنه كان من أكثر المفكرين حضورًا على مستوى التواصل الشفوي في وسائل الإعلام، وفيما بعد في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الحضور كان مكمّلًا ضروريًّا لكتاباته الأكاديمية الصعبة. طبعًا، بعد وفاته تغير الوضع بالضرورة. وطبعًا، لا يمكن فهم أركون فقط من خلال المقابلات الصحفية المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ إننا نحتاج إلى مفاتيح لقراءة كتاباته الأكاديمية. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فإن أركون قد فكر وكتب وأنتج على مدار عقود طويلة، وفكره تفاعل مع السياقات التي عاش فيها، وشهد أيضًا تحولات طبقًا لتحولات الفكر العالمي وتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية. وبالتالي، ينبغي أن نفهم كل تلك التطورات لفهم أركون وتطور فكره. وهذه ليست مهمة سهلة؛ لأن أركون قد فكر وكتب على مدى أكثر من خمسين سنة، وهناك كثير من الأشياء التي تطورت خلال تلك المدة الطويلة في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية؛ لأن ما يميز أركون أنه تفاعل باستمرار مع تطورات الفكر.
• ما تفضلتم به يفتح في ذهني أمرين أراهما مترابطين: الأول، هو ما ذكرتموه في كتابكم من اندراجه ضمن ما يُسمَّى الوعي الشقي، مستحضرًا قول دريدا حول فوكو؛ إذ كأنّ علاقتكم بأركون في الكتاب متداخلة جدًّا وصعبة أيضًا، ويتداخل فيها الذاتي بالنقد المعرفي. والأمر الثاني هو تلك المقابلة الضمنية، وأحيانًا الصريحة، بين فكر أركون المتسم بالكونية وبين تلقيه في السياقات العربية والإسلامية؛ إذ كانت هناك حواجز بين الفكرة وتلقيها.
▪ أركون بدأ التفكير بعد الحرب العالمية الثانية، التي دفعت إلى مراجعات عميقة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية. وقد كان أركون شاهدًا مباشرًا على تلك المراجعات؛ لأنه عايشها وتفاعل معها تفاعلًا كبيرًا. وقدَّر أركون أن الفكر الإسلامي بإمكانه أن يدخل العالمية والكونية من خلال هذه المراجعات.
وهذه المراجعات ارتبطت بظاهرتين أساسيتين؛ الظاهرة الأولى هي قيام حركات التحرر الوطني ونجاحها، مؤكدةً للغرب أنه ليس وحده الموجود على الأرض، وأن تفكيره ليس بالضرورة هو التفكير الكوني، وأن هناك مجموعات بشرية أخرى قادرة على التفكير، وقادرة على المساهمة في الفكر الإنساني، وقد فعلت ذلك في الماضي، ويمكن أن تفعله في الحاضر والمستقبل.
والدليل على ذلك أن الجامعات الغربية نفسها أصبحت تضم أكاديميين من غير الغربيين يساهمون مساهمة أساسية في تطوير العلوم الحديثة، ومن بينهم أركون الذي دخل إلى جامعة السوربون في مدة كان أغلب أساتذتها من الفرنسيين. والظاهرة الثانية هي ما يعرف بأزمة العلوم الإنسانية والاجتماعية والتحوّل من مركزية التاريخ إلى المركزية الأنثروبولوجية.
إذن، فقد راهن أركون على المساهمة في الفكر الكوني من خلال تقديم التجربة التاريخية والفكرية الإسلامية؛ لتكون مختبرًا من مختبرات هذا التجديد في العلوم الإنسانية والاجتماعية، بحيث تفيد هذه العلوم، فتدفعها إلى الانفتاح والتجديد، وتستفيد هي منها في الوقت نفسه، فتغيّر الرؤى التقليدية السائدة. وهذا ربما ما لم يفهمه كثير من الذين يقرؤون أركون اليوم على أساس أن مشروع الإسلاميات التطبيقية هو مجرد تطبيق لمناهج غربية على التراث الإسلامي، مع أن هذا لم يكن المقصود بالعبارة. فقد استعملها في سياق مختلف تمامًا، هو سياق العلوم الإنسانية والاجتماعية التي كانت تراجع نفسها وتعيش نوعًا من الشك والحيرة.
لقد راهن أركون على تلك الأزمة لفتح هذه العلوم على التجربة الإسلامية، وعلى تحقيق استفادة متبادلة بين العقل الإسلامي وتلك العلوم. وهذا بدوره يرتبط بفكرة أساسية لدى أركون، هي فكرة الأنسنة، بمعنى أن العلوم الإنسانية والاجتماعية يمكن أن تصبح في العصر الحديث إطارًا فكريًّا جامعًا للمثقفين، على نحو يشبه المكانة التي كان يحتلها فكر أرسطو في العصور القديمة، حين كان جامعًا بين المثقفين من مختلف الحضارات والأديان.
الأنسنة مفتاح فهم فكر أركون
• ما يمكن ملاحظته بالنسبة إليك هو أن مشروع أركون يتميز بنوع من الفرادة مقارنة ببقية المشروعات التي قاربت التراث، سواء تلك التي تتحدث عن أسلمة الحداثة، أو تلك التي تشير إلى ضرورة تحديث الإسلام، أو تطبيق النظريات الغربية في قراءة التراث الإسلامي. وهذه الفرادة لا يمكن فهمها دون فهم مسار حياة أركون، ذلك الريفي القادم إلى فرنسا، الذي عاش صعوبات على المستوى الشخصي، إضافة إلى ما كنت تشير إليه من أزمة العلوم الإنسانية والاجتماعية وأزمة الثقافة العربية والإسلامية أيضًا.
▪ أركون وسّع دائرة اهتمامه لتشمل الأزمتين معًا: أزمة العلوم الإنسانية والاجتماعية كما كانت مطروحة في منتصف القرن العشرين، وأزمة الفكر العربي والإسلامي، وهي أزمة أقدم من ذلك. وبالتالي فإن هذا الطرح المزدوج لم يكن مصطنعًا لديه، بل كان انعكاسًا للسياق الذي بدأ التفكير فيه. فمن جهة، كانت هناك مجتمعات عربية وإسلامية حديثة العهد بالاستقلال تعيش تفاؤلًا كبيرًا بالمستقبل، ومن جهة ثانية كانت هناك مراجعات كبرى تحصل في الغرب نفسه.
كتابات أركون التأسيسية في المرحلة الأولى كانت باللغة الفرنسية ومنشورة في فرنسا نشرًا أكاديميًّا ضيقًا، فلم تكن معروفة إلا لدى عدد قليل جدًّا من العرب. أما المعرفة الواسعة بأركون فقد كانت لاحقًا، ابتداءً من الثمانينيات، عندما بدأت ترجمة كتاباته على يد هاشم صالح. ولذلك فإن تلقي أركون لا يتناسب بالضبط مع تاريخية أفكاره؛ لأنه عندما بدأت تُترجَم كتاباته إلى العربية حدث ذلك في مناخ الثمانينيات، المتسم بانتشار ما يسمى بمشروعات قراءة التراث، أو تحديث الإسلام، أو أسلمة الحداثة. وهذه كلها مسائل لا تتناسب بالضبط مع ما كان يصبو إليه أركون، لكنها كانت هي الطاغية في السياق العربي الذي تُرجمت فيه نصوصه، فقرئ في ضوئها.
أقدم مثالًا على ذلك: إن فكرة الأنسنة لدى أركون فكرة أساسية، وقد طُرحت في رسالته للدكتوراه، وفي العديد من النصوص الأخرى التي كتبها على هامش هذه الرسالة، والمتعلقة بمسكويه وجيله. لكن هذه الأطروحة لم يعرفها القارئ العربي إلا بعد نحو ربع قرن، أي بعد أن ترجمها هاشم صالح إلى اللغة العربية سنة 1995م. وأعتقد أنه من دون فهم فكرة الأنسنة لدى أركون يصعب فهم أفكاره الأخرى ومشروعه للإسلاميات التطبيقية. فمسكويه أوحى لأركون بفكرة القيم الكونية، ورسخ لديه فكرة الكونية والإنسانية والمشتركات البشرية، مثلما سعى مسكويه في كتابه «تهذيب الأخلاق» إلى إقامة الأخلاق على مرجعيات من مشارب مختلفة، تجمع بين أخلاق أرسطو، وحكم الفرس، والشعر الجاهلي، والدين الإسلامي، وأقوال الأئمة، إلى غير ذلك. فمسكويه ملهم لأركون، ولا يمكن فهم بدايات فكره إلا من هذا الجانب.
من أزمة الأيديولوجيا إلى رحابة النقد
• نظرًا إلى التداخل بين الجانب العلمي والمعرفي والجانب الشخصي مع أركون، علينا التذكير بأن أطروحتك لنيل شهادة الدكتوراه كانت بإشراف أركون، وكانت حول فكر محمد عبده. ونلحظ في مقدماتك المنهجية للأطروحة أنك توجهت نحو ما أشرت إليه من فكر أركون، ولكن بتطبيقه على الفكر الإصلاحي الإسلامي في القرن التاسع عشر، وبخاصة من خلال نفي كل تلك الثنائيات من قبيل الأسلمة والتحديث، والاستشراق والاستغراب. ألا يمكن أن نعدّ ذلك من مؤثرات فكر أركون الكوني في قراءة خطاب الإصلاح؟
▪ أعتقد أنه ليس أركون من ولّد لدي هذا التوجه، بل أنا من اتجهت إلى أركون من أجل تعميق هذا التوجه، الذي كان حاضرًا في ذهني قبل الاطلاع على أعماله. أنا من الجيل الأيديولوجي، فعندما بدأنا نفكر ونحن شباب كنا نجد أنفسنا أمام أيديولوجيات مختلفة، وكان من المفترض أن ننخرط في إحداها، فإما أن يكون الشخص إسلاميًّا، أو قوميًّا، أو ماركسيًّا، إلى غير ذلك من هذه التوجهات. وقد حاولت في الحقيقة أن أكون ضمن إحداها، لكن لم تقنعني أي منها، وكنت أشعر بنوع من الأزمة لأنني لم أستطع أن أحدد اختياري الأيديولوجي. وهذا ما دفعني فيما بعد إلى طرح السؤال: هل المشكل فيّ أنا، أم في هذه الأيديولوجيات التي لا يمكن أن تستجيب لتطلعات شخص يتعامل مع القضايا تعاملًا نقديًّا؟ ذلك أن أسهل طريقة للانخراط في أي أيديولوجيا هي ألا تمارس النقد؛ لأنك إذا مارسته ستجد نفسك في موقع حرج.
كانت هناك إذن أزمة فكرية لدي، وهي التي دفعتني إلى البحث، ثم فيما بعد إلى الالتقاء بأركون، أولًا عن طريق الكتابة، ثم عن طريق التواصل معه شخصيًّا للإشراف على بحوثي آنذاك.
أتذكر أن أول كتاب أثار انتباهي إلى أركون هو كتابه بالفرنسية الذي يحمل عنوان (Pour une critique de la raison islamique) «نقد العقل الإسلامي». في ذلك الوقت كانت كلمة «إسلامي» تستعمل غالبًا في المعنى الديني، وكانت كلمة «النقد» ترتبط في الذهن بالماركسيين. وأن يوجد كتاب يجمع بين الكلمتين كان أمرًا مثيرًا للانتباه، وهذا ما شدني إليه. فأقبلت على قراءته، وكان له أثر مهم في تكويني الفكري؛ لذلك يمكن أن أقول: إن أركون منحني نوعًا من الثقة، واقتنعت من خلاله بأن الأزمة التي كنت أعيشها ليست مشكلة ذاتية، بل هي انعكاس لأزمة الثقافة العربية الإسلامية ذاتها.

الحجاب والتنوير والحداثة
• المخاطرات لا تظهر على مستوى البحوث فحسب، وإنما تظهر أحيانًا في عدد من المواقف التي اتخذها أركون، وهي مواقف لم يستسغها دائمًا حتى من يُصنَّفون ضمن التيار الحداثي. ومن ذلك موقفه من قضية سلمان رشدي، وموقفه من مسألة حجاب الفتاة المسلمة في المدارس والجامعات الفرنسية زمن ليونيل جوسبان. وقد فُهمت هذه المواقف، في كثير من الأحيان، خارج سياقاتها، فلم تُربط بالمنطلقات الفكرية التي صدرت عنها، فحُمِّلت دلالات لم يقصدها صاحبها. غير أن أركون اتخذ، في سياقات أخرى، مواقف مختلفة تمامًا. فهل لا تزال هذه المواقف، إلى اليوم، غير مفهومة؟ أسأل هذا بحكم أنك عملت على توضيحها وإعادة وضعها في إطارها الفكري.
▪ هذه المواقف، في الحقيقة، مواقف متجانسة إذا قرأناها انطلاقًا من فكر أركون نفسه. ولنأخذ المثال الذي تسبب له بأكبر قدر من المشكلات والعداوات، وهو موقفه من مسألة حجاب الفتاة المسلمة في المدارس الفرنسية. المسألة بالنسبة إليه تُطرح على النحو الآتي: التنوير يتم أساسًا عبر التعليم والمدرسة. فإذا طردنا التلميذات المتحجبات من المدرسة سنصل إلى نتائج عكسية؛ إذ سنحرمهن من التنوير طوال حياتهن. فالحداثة لدى أركون هي المراهنة على العقل، وإقصاء شخص من مسارات التنوير يعني الحكم عليه بالتهميش مدى الحياة. ولذلك أرى أن موقفه المعارض لطرد الفتيات المتحجبات من المدرسة كان طبيعيًّا ومتجانسًا مع فكره.
نعم، أفهم أنه لقي امتعاضًا؛ لأن نقابات التعليم الفرنسية التي نشأت تاريخيًّا في حقبة الصراع العنيف بين الكنيسة والمدرسة الحديثة، وهو الصراع المعروف بصراع العلمانية. ولذلك لم تكن قابلة بالمساومة في هذه المسألة. وهذه النقابات قوية جدًّا، حتى بالمعنى السياسي، وليست مستعدة للقيام بأي نوع من أنواع التنازل في مثل هذا الموضوع. فبالنسبة إليها؛ إذا كانت المدرسة الفرنسية تمنع الطلبة من حمل الرموز الدينية المسيحية واليهودية، فكيف يمكن أن تقبل بحمل الرموز الدينية الإسلامية؟
منطق النقابات منطق معقول، ولكن منطق أركون أيضًا منطق معقول، ومنطلقات التفكير ليست واحدة. فأركون يقول: إن تفكير النقابات صحيح إذا أخذنا المسألة في إطار فرنسي بحت، لكن هذه الفتاة التي تلبس الحجاب لم تعش الحرب بين التعليم الديني والتعليم العلماني؛ لأنها لا تنتمي إلى التاريخ نفسه. فهي جاءت من الهجرة، وهناك فارق بين التمثلات التاريخية للشخص الذي وُلد في فرنسا أبًا عن جد، والشخص الذي أتى من الهجرة. فهذا الأخير قد لا يُمثّل لديه الحجاب رمزًا دينيًّا أو موقفًا مناهضًا للعلمانية الفرنسية، بل قد يكون مجرد تقليد اجتماعي. وبالتالي فنحن أمام منطقين، لكل منهما ما يبرره. وكان أركون يرى أن المجتمع الغربي، بعد الهجرة المكثفة التي وقعت إثر الحرب العالمية الثانية، لم يعد هو المجتمع الذي سبق تلك الهجرة. وإذا أراد أن يكون مجتمعًا منفتحًا، وأن يدمج موجات المهاجرين إدماجًا مواطنيًّا، فعليه أن يفهم منطق الآخرين. وهذا لا علاقة له بمسألة علمنة التعليم؛ لأن ما كان يناقشه أركون هو وضع المتعلّمين، لا وضع التعليم في حد ذاته.
• بنوع من النقاش، إن سمحت، هل يمكن القول: إن تقرير ستازي، الذي كان أركون مشاركًا فيه، يعكس تغيرًا في موقفه، أم إن الأمر يرتبط أيضًا بسياقات أخرى؟
▪ التقرير المنسوب إلى اللجنة التي ترأسها الوزير ستازي جاء في مرحلة لاحقة؛ لأن مسألة الحجاب كانت قد طُرحت قبل ذلك بسنوات عدة، في عهد وزير التعليم الاشتراكي ليونيل جوسبان، أثناء حكم الاشتراكيين. وكان هذا الوزير قد اتخذ قرارًا راديكاليًّا في المسألة، لكنه أخفق في تنفيذه. ثم وصل اليمين إلى الحكم برئاسة جاك شيراك، وكان الرئيس شيراك أكثر فهمًا لتعقيدات هذه القضايا؛ لأنه يميني، ولأنه كان أقل خضوعًا لنقابات التعليم ذات التوجه اليساري. وقد أراد تهدئة الوضع وإيجاد نوع من التوافق، فشكّل اللجنة التي عُرفت بلجنة ستازي، وشارك فيها محمد أركون. لكن، يا للأسف! لم تؤدِّ هذه اللجنة إلى أي نتيجة، وبقي تقريرها حبرًا على ورق؛ لأن مسألة الحجاب في فرنسا أصبحت مسألة سياسية بحتة، ولم يعد أحد مستعدًّا لمناقشتها من الجانب التاريخي أو الفكري. وهذا تحديدًا ما كان أركون يريد تفاديه منذ البداية، أي أن تتحوّل القضية من مسألة تخص المدرسة إلى قضية سياسية تحتكم إلى التجاذبات الحزبية.
• الواضح أن أركون لا يعتمد المداخل السياسية لطرح قضايا العقل الإسلامي ونقده، وربما كان يضع نفسه على النقيض من مشاريع أخرى، أو من أغلبها، التي تنقد العقل الإسلامي انطلاقًا من المسألة السياسية، أو على الأقل تجعل المدخل السياسي أهم من المدخل الفكري.
▪ نعم، هذا أكيد. بالنسبة إلى أركون، لم يكن المدخل السياسي هو المدخل المفضل لديه. ولا ننسى أنه كان ينتمي إلى أقليات متعددة طيلة حياته: أمازيغيًّا في وسط عربي، وريفيًّا في وسط مديني، وفقيرًا في وسط أكثر ثراءً، ومستعمَرًا في وسط فرنسي، إلخ. وبصفة عامة، فإن الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات تكون لديهم عادةً مسافة من الحلول السياسية؛ لأنها في الأغلب حلول سلطوية.
كان أركون ضد الحلول السلطوية، ويؤمن بالتنوير والأنسنة والحوار، ويرى أن المشكلات يمكن أن تجد حلولها من خلال هذه المسارات، دون اللجوء إلى القرارات الفوقية. وهذا ما يفسر، مثلًا، موقفه من مسألة الحجاب وحرصه على ألّا تتحول إلى قضية سياسية، وألا تُحل بطريقة سلطوية. فقد كان يرى أنه إذا فُرضت الحلول من غير حوار، فإن المشكلات لن تُحل، بل ستتفاقم. وهذا ينطبق أيضًا على قضايا نقد العقل الإسلامي.
وينبغي الانتباه إلى الشجاعة التي تحلى بها أركون في سبعينيات القرن الماضي، حين كان أستاذًا في جامعة السوربون، وجعل القرآن موضوعًا للتدريس والبحث. وربما تبدو هذه الأمور اليوم عادية، لكنها لم تكن كذلك في ذلك الوقت. وقد عشتُ تجربة شبيهة، وإن كانت في سياق مختلف، حين عدت إلى تونس في التسعينيات ودرّست موضوعات تتعلق بمحمد عبده أو بالفكر الإصلاحي؛ إذ كان بعضهم يرى أن هذه موضوعات قديمة، ولم يعد لائقًا طرحها في جامعات حديثة؛ لذلك أستطيع أن أتخيل حجم الجرأة التي احتاج إليها أستاذ في السوربون في سبعينيات القرن الماضي ليجعل القرآن موضوعًا للدرس الأكاديمي.
كان أركون يقول: إننا إذا أردنا إخراج هذه القضايا من دائرة اللامفكر فيه، فعلينا أن نجعلها موضوعًا للتفكير والبحث والنقاش. وأحيانًا كانت العلمانية نفسها تتحول إلى حاجز يمنع طرح هذه المشكلات. وفي العالم العربي والإسلامي، لا يعني هذا الحاجز أن المشكلات قد حُلَّت، وإنما يعني أن هناك حرجًا في إثارتها، فتظل معلقة، وتبقى ضمن مجال اللامفكر فيه. وفرنسا نفسها كانت تعيش هذا الإشكال؛ لأن العلمانية الفرنسية، كما هو معلوم، تختلف عن العلمانية الألمانية مثلًا. فقد أخرجت دراسة القضايا الدينية من المدرسة ومن التعليم العمومي، وهو ما جعل هذه القضايا، في بعض الأحيان، تنتقل إلى مجال اللامفكر فيه. وكان التصور السائد أن هذه المشكلات أصبحت من الماضي، وأنه لا جدوى من إعادة فتحها، وأن الحلول التي تُوُصِّلَ إليها سابقًا مع اليهودية والمسيحية يمكن تطبيقها على الإسلام من دون أي جهد إضافي.
غير أن هذا التصور كان خطأً؛ لأن الواقع الجديد، الناتج عن وجود ملايين المسلمين الذين أصبحوا مواطنين أو مقيمين في أورُبا، يفرض أسئلة جديدة. فالمسألة لا تتعلق بالحجاب فقط، وإنما بحضور الدين في المجال العام بصفة عامة، بما في ذلك تدريس الدين؛ لذلك دعا أركون إلى إعادة النظر في هذه المسألة، وكان يؤمن بأن الجامعة والفضاء الأكاديمي هما المكان الأمثل للنقاش حولها، لا الوسط السياسي الذي لم يكن يعدّه فضاءً للحوار العميق.
الجامعة ودورها في المجتمع
• في مسألة نقد العقل الإسلامي بصفة عامة، وهذا الاختيار الذي قام به أركون للفضاء الجامعي والأكاديمي بوصفه المجال الأنسب للنقاش العميق والفاعل في المجتمع، ألا يمكن أن يكون مرتبطًا بالسياق الأورُبي والغربي، حيث تتمتع الجامعة بتأثير اجتماعي كبير، بخلاف السياقات العربية والإسلامية التي توجد فيها فجوة بين الجامعة والمجتمع؟ وهل يمكن أن يكون ذلك سببًا في الاختلاف بين المشاريع النقدية للعقل الإسلامي؟
▪ لست مقتنعًا بذلك تمام الاقتناع. أعتقد أن الجامعات العربية كان لها، بعد الاستقلال، دور مهم وكبير يضاهي دور الجامعات في المجتمعات الغربية. فالدول الوطنية كانت مضطرة إلى تعويض الأجانب، وإلى إرساء تعليم وطني، ولذلك احتاجت إلى الجامعة لتكوين الإطارات، ولم يكن أمامها مسلك آخر. وقد بينتُ في كتاب لي، هو في الأصل محاضرة افتتاحية بعنوان: ما الجامعة؟ من خلال بعض الإحصائيات، أنه في تونس مثلًا كان أغلبية الجامعيين من الأجانب، ثم غادروا البلاد بعد الاستقلال، فجرى تعويضهم بكفاءات تونسية. ولذلك كان يمكن للجامعة أن تؤدي دورًا اجتماعيًّا كبيرًا، لو أن الجامعيين شكلوا قوة اجتماعية ضاغطة. لكن الذي حدث أن الجامعيين انخرطوا، في كثير من الأحيان، في العمل الحزبي، ولم يشكلوا كتلة أكاديمية مستقلة، بل ظلوا أفرادًا موزعين بين تيارات أيديولوجية مختلفة. وكان من الممكن أن تسير الأمور بطريقة أخرى لو اختاروا أن يكونوا جزءًا من المجتمع المدني لا جزءًا من المجتمع السياسي.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الجامعيين مارسوا تأثيرًا كبيرًا في مرحلة بناء الدولة الوطنية. ولذلك أعتقد أن الجامعة أدت في البداية دورًا إيجابيًّا وعميقًا، لكنها فقدت، شيئًا فشيئًا، جانبًا مهمًّا من هذا الدور. وينبغي أيضًا أن نأخذ في الحُسبان التحولات العالمية، فالجامعة اليوم لم تعد المؤسسة الوحيدة التي توجه المجتمع، بل ظهرت مؤسسات أخرى تقوم بهذا الدور، مثل مراكز التفكير، وهذا توجه عالمي. ويمكن أن نضيف إلى ذلك ضعف الحوار داخل الجامعة بسبب التخصص المفرط، ثم هيمنة قضية التشغيل والقابلية للتشغيل، التي أصبحت الهاجس الأول للطالب، فلم تعد القضايا الفكرية تمثل الأولوية كما كانت في السابق. ويضاف إلى ذلك ظهور وسائل التواصل الاجتماعي التي لو افترضنا أنها فضاءات حرة، فهي في الأغلب لا تسمح بحوارات عميقة وممتدة.
إذن، هناك مشكلات عديدة جعلت دور الجامعة اليوم أكثر هامشية مما كان عليه في مرحلة بناء الدولة الوطنية. ولذلك، فهناك متغيرات كثيرة ينبغي أخذها في الحُسبان عند تقييم موقع الجامعة ودورها في المجتمع اليوم.
أركون والغزالي
• في السياقات نفسها، حاولت في كل فصل من فصول كتابك أن تزيل بعض ما علق بفكر أركون من لبس، سواء من الناحية الفكرية أو من ناحية مقاربته المنهجية. ومن أهم ما لفت انتباهي توضيحك لعدد من المفاهيم المرتبطة بأركون حتى لا تختلط بتطورات فكرية مغايرة. أتحدث هنا، مثلًا، عن مقولة «نزع الأسطرة» التي أسيء فهمها كثيرًا.
▪ هذا موضوع مهم، وهو يرتبط بالثورات المعرفية التي شهدتها العلوم الإنسانية والاجتماعية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين. فقبل ذلك كان المنهج الوضعاني هو المنهج المهيمن على العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل على العلوم عامةً. ولذلك لم تكن الأسطورة، ولا حتى الدين، من الموضوعات التي كان يُنظر إليها بوصفها قابلة للبحث العلمي. لكن الأمور تغيرت لاحقًا؛ إذ دخلت الأسطورة مجال البحث العلمي، ولا سيما عبر الأنثروبولوجيا، وهذا هو السياق الذي تفاعل معه أركون، شأنه في ذلك شأن عدد من المفكرين الآخرين. ومن ثم فإن الحديث عن الأسطورة ليس دعوة إلى التفكير الأسطوري، وإنما هو دعوة إلى أخذ هذا البعد من أبعاد الحياة الإنسانية بعين الاعتبار، فالإنسان لم يكن يفكر بالعلم وحده في الماضي، ولا يفكر بالعلم وحده اليوم أيضًا.
لقد أسهمت دراسات كلود ليفي ستروس، في فرنسا، في تعميم هذه الفكرة وجعلها مقبولة ومتداولة في الأوساط العلمية. وعندما ذهب أركون للمشاركة في ندوة بالجزائر كان من بين الحاضرين الشيخ محمد الغزالي. وقد تحدث أركون عن المخيال في القرآن، وعن البنية الميثية، بهذا المعنى الإيجابي الذي أصبحت الكلمة تحمله في سياق الدراسات الأنثروبولوجية الحديثة. وأتصور أن الموقف الذي جمع بين مفكر آتٍ من فرنسا، حيث كان الفكر الأنثروبولوجي قد أصبح إطارًا مرجعيًّا راسخًا، وبين الشيخ محمد الغزالي، الذي لم يكن قد سمع بليفي ستروس أو اطّلع على أدبيات الأنثروبولوجيا، كان لا بد أن يفضي إلى سوء تفاهم عميق. فنحن أمام شخصين ينتميان إلى عالمين معرفيين مختلفين تمامًا، ولذلك كان الاصطدام بينهما أمرًا طبيعيًّا.

قراءة أركون للقرآن
• بهذا السؤال أنت تفتح أمامنا مجالًا آخر خصصت له فصلًا في كتابك حول أركون، يتعلق بالظاهرة القرآنية. فأركون اهتم كثيرًا بالنص القرآني، وأود أن أسألك عن الخصائص الكبرى التي ميّزت قراءته للقرآن، وبخاصة أنها تزامنت مع تحولات كبرى فيما أصبح يُطلق عليه اسم الدراسات القرآنية.
▪ ما سُمّي بالدراسات القرآنية كان في الأساس دراسات تاريخية أو تاريخانية، تهتم بالجانب التاريخي للنص القرآني فقط، من قبيل ما قدّمه نولدكه في ألمانيا، ورجيس بلاشير في فرنسا، وكان هذا الأخير أحد أساتذة أركون. لكن توجّه أركون لم يكن تاريخانيًّا، أي أنه رفض الوقوف عند حدود تاريخ النص. فبالنسبة إليه لا ينبغي أن نتوقف عند تلك الحدود. لقد جاء منهجه مختلفًا عن منهج ريجيس بلاشير، حتى إن بعضهم اتهمه بأنه كان سببًا في إضعاف الدراسات القرآنية في فرنسا؛ لأنه لم يواصل تقليد بلاشير القائم على المقاربة التاريخية الصرفة.
من وجهة نظره، القرآن ينبغي أن يُفهم في ضوء التاريخ، ولكن دون الاكتفاء بذلك، بل يجب أيضًا فهم جوانبه الأخرى، ومن بينها جانبه الميثي، ومعالجاته للقضايا الوجودية الكبرى، مثل الحياة والموت والوجود. وهذه قضايا لا يمكن معالجتها معالجة تاريخية خالصة. فالقرآن، والنصوص الدينية عامة، تستمد قيمتها من كونها تقدم أجوبة عن تلك القضايا الوجودية بالنسبة إلى المؤمنين بها. ولذلك ينبغي اعتماد مقاربة وجودية تتجاوز التاريخانية، أي مقاربة تأخذ في الحسبان ذلك السعي الإنساني القديم والمتواصل للبحث عن معنى الحياة والموت والوجود. ولو طرحنا هذه القضايا على نولدكه أو بلاشير، لما قدّما إجابات عنها؛ لأنهما كانا يتعاملان مع القرآن بوصفه نصًّا تاريخيًّا فحسب، في حين كان أركون يرى أن الاقتصار على هذا المنظور يحرم الباحث من إدراك أحد أهم أبعاد النص القرآني ووظائفه في حياة الإنسان.
• هذا مهم جدًّا؛ لأنه قد يجعلنا نفهم أن أركون، على الرغم من بقائه خمسين سنة في فرنسا واشتغاله على نقد العقل الإسلامي بكل مكوناته، فإن هذا المشغل لم يكن بالنسبة إليه مجرد موضوع أكاديمي أو تاريخي، بل كان يفكر في فاعلية القضايا الدينية داخل المجتمعات الإسلامية.
▪ نعم، هذا جانب أساسي، ولكنه ليس الجانب الوحيد؛ إذ ينبغي أن ننتبه إلى أن الدراسات نفسها في الغرب تطورت باستمرار، وخرجت عن حدود المقاربات التاريخانية البحتة، حتى فيما يتعلق بالدراسات التوراتية والإنجيلية. ويرجع ذلك أساسًا إلى انتشار الفلسفة البنيوية، وإلى الأهمية التي اكتسبها المنهج البنيوي، وقد هيمن على الفكر في مرحلة معينة. وأركون تفاعل مع هذا التطور في الفكر العالمي. فمن المعروف أن التاريخ، منذ القرن التاسع عشر إلى حدود منتصف القرن العشرين، كان يعد أمَّ العلوم الإنسانية والاجتماعية، ولكن مع ظهور الأنثروبولوجيا تغيرت الأوضاع، فقد كانت الأنثروبولوجيا، في كثير من وجوهها، تقف في مواجهة التاريخ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللسانيات البنيوية التي كان لها أثر عميق في الدراسات البنيوية وفي البحث الأنثروبولوجي.
إذن، فالمسألة لا ترتبط بالمجتمعات الإسلامية وحدها، بل إن الفكر الذي وجَّه العلوم الإنسانية والاجتماعية هو نفسه قد تطور. وإن لم ينكر التاريخية، فإنه خفف من مركزيتها المطلقة. وهذه التحولات تابعها أركون من كثب، كما تابع مختلف التحولات التي عرفها الفكر الإنساني.
الفكر يبدأ من التراكم
• صحيح أننا انطلقنا من سؤال حول دواعي اهتمامك بتأليف كتاب حول فكر أركون، ولكن هل يمثل هذا الاهتمام اليوم، بالنسبة إليك، استكمالًا لمشروعه؟ وبخاصة أنك دعوت إلى إنشاء مجلس عالمي للإسلاميات.
▪ كما ذكرت في البداية، كانت هناك محاولات لإبراز شخصيات فكرية على أنها الشخصيات المرجعية للثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، وأنها قدمت الحلول الكفيلة بالخروج من الأزمات، بينما كان ما قدمته هذه الشخصيات، في تقديري، ضعيفًا مقارنة بما قدمه المفكرون الكبار، سواء تعلق الأمر بأركون أو بغيره من المفكرين الذين قضوا عقودًا طويلة من حياتهم في التفكير في القضايا الحضارية.
المهم بالنسبة إليّ هو التخلص من وهم البداية من الصفر، بل علينا أن نستوعب جهود هؤلاء استيعابًا نقديًّا؛ لأن الفكر لا يتقدّم إلا بالتراكم. ومشكلتنا أننا نريد دائمًا أن ننطلق من الصفر. وما قمت به فيما يتعلق بأركون يمكن أن أقوم به أيضًا مع فكر عبدالله العروي، وهشام جعيط، ومحمد عابد الجابري. وقد بدأت بأركون ربما لوجود علاقة شخصية بيننا، جعلت مسؤوليتي في هذا المجال أكبر. وهذا أيضًا دعوة إلى شباب اليوم حتى لا يظنوا أننا تجاوزنا هؤلاء المفكرين، وأننا نستطيع التفكير من دون التراكم الذي ساهموا في بنائه. ولا يعني هذا، طبعًا، أننا ينبغي أن نفكر مثلهم، وإنما أن نبني على بحوثهم؛ لنصل إلى حلول جديدة، ونتجاوز العديد من المآزق التي وقعوا فيها. وهذا لا يتحقق إلا بالاطلاع على ما قدموه اطلاعًا واعيًا ونقديًّا.
وهناك مسألة أخرى، وهي أن كتابات هؤلاء المفكرين ينبغي أن تكون متوافرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العديد من كتابات أركون لا تزال غير منشورة أو غير مترجمة، كما ينبغي مراجعة الترجمات الأولى لكتبه وإعادة ترجمتها.
إن التحدي الأكبر، في تقديري، هو تجاوز التعامل الاستهلاكي مع الفكر، وهو التعامل المهيمن اليوم؛ لأننا نريد من الفكر أن يقدم حلولًا جاهزة وفورية، في حين أن الفكر لا يعمل بهذه الطريقة. يضاف إلى ذلك أثر التمويلات التي أصبحت توجه الإنتاج الفكري، وهي مسألة أخرى لا تقل أهمية، فضلًا عن وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت سلاحًا ذا حدين. فهي تتيح لكل شخص أن يعبر عن رأيه، لكنها، بطبيعتها، لا تحتمل التفكير الطويل والعميق.
إننا نعيش اليوم مرحلة مخاض، وفي الحقيقة لا أحد يعرف على وجه التحديد إلى أين ستقودنا. أما أنا فأبقى متفائلًا، وأرى أن على المثقفين، والجامعات، ومراكز البحوث أن تقوم بدورها الكامل في هذه المرحلة.
0 تعليق