جوزيف مسعد: ما أقوم بالتأريخ له هو أن الصهيونية حركة بروتستانتية ..وفي «اشتهاء العرب» تأثرت بنهج إدوارد سعيد
أثارت أطروحات وأفكار الأكاديمي والباحث جوزيف مسعد نقاشات مهمة في الأكاديمية الأميركية والدوائر الثقافية العربية؛ إنه من المفكرين الذين لا يستكينون عن نقد التاريخ الاستعماري والسياسات الاستعمارية الجديدة والعلاقة بين الأعراق والثقافات؛ وإذ يصفه بعضٌ بأنه راديكالي المنهج والمواقف في مقاربته المسائل التي يدرسها؛ يرى آخرون أنه شديد الواقعية، يُحلل الوقائع والتواريخ من دون وضع الأقنعة. وبين الراديكالية والواقعية، يقف صاحب «الإسلام في الليبرالية» (2015م) وسط السجالات، طارحًا في مؤلفاته مسائل مهمة، لا يكتب فيها وعنها إلا من يهوون مقارعة القضايا الشائكة بصوتٍ عالٍ.
يهتم أستاذ السياسة العربية الحديثة والتاريخ الفكري في جامعة كولومبيا الأميركية، بنظريات الهوية والثقافة، ويُدرِّس مقرراتٍ حول التحليل النفسي وعلاقته بالحضارة والهوية، والجندر والجنسانية في العالم العربي، والسياسة والمجتمع الفلسطيني والإسرائيلي. ربطته علاقة إنسانية وعلمية بالمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد (1935-2003م) دامت (12) عامًا؛ لقد كان صاحب «صور المثقف» «أبًا روحيًّا» له تركت أطروحته الشهيرة «الاستشراق» الصادرة عام (1978م) تأثيرًا فيه، ولا سيما في منهجه المعتمد في «اشتهاء العرب». يضاف إلى هذا الكتاب الصادر في الإنجليزية عام (2007م) نشر مسعد كتبًا أخرى بينها: «آثار استعمارية: تشكُّل الهوية الوطنية في الأردن» (2001م)، و«ديمومة المسألة الفلسطينية» (2006م).
يتحدث مسعد في حوار مع «الفيصل» عن السجالات الغربية حول الليبرالية في الإسلام وردّه عليها، واللغات القوية واللغات الضعيفة وخلاصات طلال أسد حولها، والخطاب النسوي العربي، ودراسات التبعية وموقع سمير أمين فيها، وتجليات الإمبريالية الثقافية، والتصورات الغربية عن العرب والمسلمين، والرؤى الاستشراقية عن الشهوات الجنسية في الحضارة العربية والإسلامية منذ العصور الوسطى، وتأثير كتاب سعيد «الاستشراق» في الجامعات الأميركية، وما طرحه من سجالات حادة تصاعدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، والأصول البروتستانتية للصهيونية، وغيرها من الموضوعات.
وفيما يأتي نص الحوار.
الإسلام في السجالات الليبرالية
• في كتابك «الإسلام في الليبرالية» تقارب كيفية طرح الإسلام في الفكر الليبرالي الأوربي منذ القرن الثامن عشر، وتحلّل المقاربات الليبرالية التي ترى أن الإسلام آخر المقاومين للفكر الليبرالي. ما أبرز معطى معرفي وسياسي دفعك للكتابة في هذا الموضوع؟ وكيف تلقفت الدوائر الثقافية والأكاديمية الأميركية أطروحتك هذه، ولا سيما تلك التي تجزم بأن الإسلام يمتلك ماهية جوهرانية؟
▪ ظهر كثير من الأدبيات الأكاديمية منذ نحو ثلاثة عقود عن الليبرالية في الإسلام، وعن قدرته على استيعاب الليبرالية، واحتوائه مبادئ تتواءم مع المبادئ الليبرالية الحديثة. وبرزت محاولات لمواءمة ما يُطرح على أنه إسلام متوافق مع الليبرالية وإن كان من غير الواضح ما تعنيه كلمة «إسلام» فيها. وقد كانت هناك جهود أخرى تختلف مع هذا النهج، فعدّت الإسلام متناقضًا مع الليبرالية وبأنه شمولي النهج. تزامن هذان النهجان إلى حدٍّ ما؛ فالنهج الأول، يرى أن ثمة تفاعلًا إيجابيًّا بين الإسلام والليبرالية، ومعظمه كان أكاديمي المصدر؛ أما الطروحات التي تقول: إن الإسلام والليبرالية متناقضان، فكانت أكثر انتشارًا في المجال الإعلامي، ولدى عدد من الطروحات اليمينية في العلوم الاجتماعية، المعادية للإسلام في الأكاديمية الغربية.
لقد رفضت هذه الطروحات بشدة على أنها طروحات ليبرالية أصلًا، أو طروحات ذات مركزية ليبرالية. يوظَّف الإسلام هنا في الأيديولوجيا الغربية والإستراتيجيات السياسية الغربية للهيمنة عليه، أو لاتهامه بعدم توافقه مع الأفكار الليبرالية السائدة في الغرب. فقررت أن أفهم دور الإسلام في هذه السجالات الليبرالية بين الليبراليين؛ بين من يريد أن يؤكد توافق الإسلام مع الليبرالية، ومن ينفي إمكان ذلك. اهتممتُ بالحيز الذي يشغله الإسلام في هذه السجالات داخل الطروحات الليبرالية، أي ماهية الإسلام في الليبرالية لا ماهية الليبرالية في الإسلام؛ إذ كنتُ قد سئِمت من الطروحات التي تريد أن تقنعنا بالحجة الأولى أو الثانية، وقررتُ دراسة كيف تطرح الليبرالية الإسلام، ودوره داخل هذه الأيديولوجيا، منذ نشوئها أواخر القرن الثامن عشر؛ وكيف ترعرعت في القرن التاسع عشر، في العصر الكولونيالي والإمبريالي، ثم في القرن العشرين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا سيما أن الطروحات الليبرالية، كانت قد ازدادت في الإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى، فقد ادعت بريطانيا والاستعمار إرساء الديمقراطية في البلدان غير البيضاء في آسيا وإفريقيا، واتّبعَت الإمبريالية الأميركية هذا النهج لاحقًا بعد الحرب العالمية الثانية. هكذا بدأ المشروع؛ كيف يمكن أن أفهم دور الإسلام في هذه الحجج أو السجالات الليبرالية.
طرح الكتاب محاور عدة مهمة، فالمحور الأول تطرق إلى تسويغ الليبرالية لنفسها، بأنها ديمقراطية الهوى والإسلام نقيضها. وطُرح محور في الكتاب عن المرأة في النقاشات الليبرالية الحديثة، التي أعادت كتابة نفسها منذ القرن الثامن عشر، على أنها تساند دائمًا حقوق المرأة. وهذا غير صحيح، ولم يظهر هذا الخطاب إلا في منتصف القرن العشرين. تناولت مفهوم الحضارة والثقافة، وما يتعلق بالأعراف والتقاليد، وكذلك السلوكيات الاجتماعية في المحور الثالث، بما يشمل التصورات الأوربية للسلوكيات الجنسية في الحضارات الأخرى، التي لا تصل وفقًا لأوربا إلى مستوى الحضارة التي رأت أوربا أنها هي من تمثلها والتي وضعتها في أعلى السلم الحضاري الذي اخترعته.
كنتُ أود أن أضيف فصلًا إضافيًّا على الكتاب يتعلق بكيفية طرح الليبرالية نفسها في تعاملها مع التعددية الاجتماعية، ولا سيما التعددية الدينية، وهذا مهم نتيجة الطروحات الليبرالية حول تعامل المجتمعات المسلمة مع ما يسمى «الأقليات الدينية»، ولكن لم يكن هناك مجال لإضافة هذا الفصل، واكتفيتُ بخمسة فصول ناقشت هذه الموضوعات، فتطرقتُ في المحور الرابع إلى التحليل النفسي الذي أصبح موضوعًا مهمًّا في تحليله لنفسية الغرب ونفسية المسلمين، وكذلك مفهوم السامية وعرقنة المسلمين في المحور الخامس؛ بمعنى إذا كان العرب، قد طُرِحوا عرقيًّا في أوربا في القرن التاسع عشر، ضمن مفهوم جديد، أنتجته أوربا القرن الثامن عشر عن أصول اللغات، وسُموا بالساميين؛ فمنذ أوائل القرن الحادي والعشرين ثمة اتجاه مهم لعرقنة المسلمين عامةً، على أنهم كلهم متحدرون من عرق جيني واحد؛ وهذا طبعًا يتنافى مع كل الحقائق التاريخية والمعاصرة. لقد كنتُ مهتمًّا بطرح مفهوم السامية منذ أن ظهر أواخر القرن الثامن عشر بوصفه مفهومًا لغويًّا وتحوله إلى مفهوم عرقي في القرن التاسع عشر ولا سيما مع بروز مفهوم اللاسامية، وكيف طُبق المفهومان على العرب والمسلمين عامةً، واليهود خاصةً، وعلاقة هؤلاء الشرقيين العرب كلهم واليهود بوصفهم شرقيين يعيشون داخل أوربا بعضهم مع بعض، وعلاقة الليبرالية الأوربية بهم.
اهتمت العديد من الدوائر الأكاديمية في الكتاب، وطُرحت ندوات في ثلاث دوريات أكاديمية مهمة متخصصة في موضوع الدين، كانت الدورية الأكاديمية «السياسة، الدين، الأيديولوجيا» إحداها، فقد دعا العديد من الأكاديميين للتعليق على الكتاب ومراجعته، وناقشتُ مداخلاتهم. ودعت المجلة الأكاديمية (syndicate theology) المتخصصة في دراسة الأديان أيضًا أكاديميين عدة لمناقشة الكتاب، وأعطتني حق الردّ، وكانت المداخلات إيجابية. ودعت مجلة (dialogues in Human Geography) «حوارات في الجغرافيا الإنسانية» المتخصصة في الدراسات الدينية عددًا من الأكاديميين، وطبعًا كتبت ردًّا على مداخلاتهم، وكنت سعيدًا في هذه النقاشات التي وسّعت جمهور الكتاب.
اللغات السلطوية والسيطرة على العالم
• أودّ التوقف عند مسألة مهمة وردت في كتابك «الإسلام في الليبرالية» وهي العلاقة بين اللغات والكولونيالية، فقد أشرت إلى أن عدم المساواة بين القوى السياسية يؤدي إلى عدم المساواة بين اللغات، فتكون هناك لغة أقوى من لغة أخرى ليس بسبب بنيتها وقواعدها وإنما لأنها لغة المُسيطِر أو المُستعمِر. إلى أيّ حد بإمكان اللغات المُسيطِّرة –كما عرفناها في تاريخ الاستعمار الأوربي- أن تشكل قوة قمع للهويات المحلية؟
▪ استشهدتُ بالأكاديمي طلال أسد في طرحه موضوع اللغات القوية أو السلطوية واللغات الضعيفة، وقد كتبَ عن ذلك، ولا سيما أن اللغة العربية، منذ القرن التاسع عشر خلال عملية تحديثها، أدخلت كثيرًا من البنى النحوية من الإنجليزية والفرنسية عليها، خصوصًا في كثرة استخدامنا اليوم للجمل الاسمية مثلًا في بنية الجملة بحد ذاتها. هذا عدا دخول ترجمات جديدة لمفاهيم جديدة إلى اللغة العربية، وهنا لا أقصد اختراع الكلمات الجديدة؛ مثل كلمة «الباخرة» التي نحتها أحمد فارس الشدياق في ترجمته لــ(steamer ship) الإنجليزية، بعد دخول البواخر أو السفن البخارية في القرن التاسع عشر، إنما أقصد المفاهيم الجديدة التي دخلت علينا.
تعد اللغة مدخلًا مهمًّا في تشكيل وجودنا، كما تظهره الفلسفة، ولا سيما الإبستمولوجيا والأنطولوجيا؛ فالإنسان يدرك نفسه من طريق اللغة، فلو لم تكن هناك لغة تشير بضمائرها إلى الشخص مثل: أنا أو أنت، فمن الصعب على الإنسان أن يفهم مكانته في الوجود. فاللغة هي المدخل لفهم الإنسان لوجوده وهي دائمًا عبارة عن كينونة متغيرة مع تغير المجتمعات والجغرافيا والأنظمة السياسية والاجتماعية. يؤثر كل ذلك في اللغة ويبدل في بنيتها. ولكن التغيير الذي طرأ على اللغات المُستعمَرة من اللغات المُستعمِرة منذ القرن التاسع عشر، كان أكبر من ذلك، فلم تقتصر المسألة على دخول مفردات ومصطلحات جديدة أو بنى جديدة، وإنما مفاهيم جديدة استُدخِلت في هذه اللغات، يمكن أن تسعى بوعي وبغير وعي إلى تغيير المجتمعات الأخرى. فإن دخولها إلى هذه المجتمعات يغير فيها حتى وإن لم تكن تقصد ذلك بالضرورة.
هنا تظهر اللغات السلطوية كاللغة الإنجليزية التي تسيطر على العالم منذ القرن التاسع عشر، ولا سيما مع سيطرة القوة الإمبريالية للإمبراطورية البريطانية على مناطق عدة في العالم، والسيطرة اللاحقة للإمبريالية الأميركية منذ الحرب العالمية الأولى على الإنتاجات الثقافية العالمية في وسائل الإعلام الجديدة، ولا سيما السينما، وكذلك الموسيقا والغناء والكتب من بعدها. كل ذلك كان له تأثير مهم في اللغة الإنجليزية فجعلها لغة سلطوية تؤثر في اللغات الأخرى. تظهر، هنا، مرونة اللغة العربية والمترجم العربي في استيعاب كثير من هذه المفاهيم الجديدة ونقلها من اللغة الإنجليزية إلى العربية، ونحت كلمات ومصطلحات جديدة من صلب اللغة العربية، ومحاولة ترجمتها بشكل مفهوم، بينما تقاوم اللغة الإنجليزية ترجمة المفاهيم من اللغات الأخرى، وتحاول دائمًا استيعابها من داخل مفاهيمها الليبرالية السائدة منذ أواخر القرن التاسع عشر.
لقد كان للاستشراق دور مهم في طرح هذه المفاهيم على الشرق، ظهرت في إساءة ترجمة عدد من المفاهيم عن اللغة العربية، وإسقاط معانٍ ومصطلحات أوربية عليها، وإعادة تدويرها على أنها تعني ما تعنيه بالإنجليزية أو للمستشرق. هناك مفردات كثيرة، على سبيل المثال كلمة «حريم» التي تُرجمت بالإنجليزية على أنها كلمة (Harem)، وطبعًا كلمة حريم، ليست كلمة قديمة في اللغة العربية، ولا تشير إلى مؤسسة كما يدعي الغرب، وإن كان هناك اعتقاد بأن ما أصبح يسمى (Harem) في السلطنة العثمانية، يمكن تطبيقه على العالمين العربي والإسلامي بهذه الطريقة، وعلى كل مسلم في كل زمان ومكان.
في نقد نوال السعداوي وقاسم أمين
• بما أنك أشرتَ إلى مؤسسة الحريم، ما رأيك في خلاصات عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي حول هذا الموضوع؟
▪ أنا من نقاد مشروع فاطمة المرنيسي، وأعتقد أن مشروعها كان يشوبه كثير من الأفكار الاستشراقية، والتعميم على المجتمعات الإسلامية ضمن مفاهيم خاطئة لا تنطبق حتى على المجتمع المغربي. وأظن أن مشروع نوال السعداوي بالمقابل في بدايته خلال سبعينيات، كان مهمًّا، وإن كان قد تغير في الثمانينيات والتسعينيات، ولا أحبذ هذا التغير أو التحول، وأقصد تحولها من مشروع تحرري اشتراكي الهوى يعيد كتابة التاريخ العربي الإسلامي من منظور نقدي نسوي ينقد الغرب والمنظور الغربي للمجتمعات العربية والإسلامية، إلى منظور ليبرالي؛ بخلاف المرنيسي التي لم تنقد المشروع الاستشراقي، بل أدخلت كثيرًا من أدواته في طروحاتها التي نشرتها بالفرنسية بخلاف السعداوي التي كتبت ونشرت أعمالها بالعربية. كان لدى السعداوي، بسبب نهجها الاشتراكي، ذكاء لامع في طرحها موضوعات مهمة عن المرأة في كتابيها «المرأة والجنس» و«الوجه العاري للمرأة العربية» وغيرهما، لكن بعدها تبدلت أدوات عملها باتجاه النهج الليبرالي، فأصبح مشروعها أقل أهمية وتأثيرًا.
ولكن السعداوي كانت كاتبة جريئة في مقارعة المنظومة الأبوية العربية، وأنا بصفتي مراقبة للحركة النسوية العربية وخطابها، قراءة ومتابعة، لحظت أنه بعد وفاتها لم نعد نجد نسويات ينقدن نقدًا جريئًا هذه المنظومة ومؤسساتها، كما أن خطابها بوصفها كاتبة نسوية جريئة لم يستوعبه العقل العربي.
أعتقد أن هناك مراحل عدة في فكر نوال السعداوي، ففي حقبة السبعينيات حظيت كتاباتها بمكانتها التاريخية المهمة في الفكر العربي والفكر النسوي العربي الحديث؛ وهي مكانة لا يمكن المساس بها، ولكن دخلت تحولات على نهجها بعد تبنيها عددًا من الأفكار الليبرالية، ومهاجمتها للإسلاميين لأنهم إسلاميون، فهي لم تفرق بين الحركات الإسلامية المختلفة، فالفكر الإسلامي الحديث متعدد ومتنوع شأنه شأن الفكر العلماني، وحصره في بعض القوى والتيارات اليمينية الإسلامية، على أنها تمثل كل التيار الإسلاموي في اعتقادي كان خطأ ارتكبته السعداوي، وأخالفها في ذلك. وأعتقد أنها لم تعد تتنبه للاستشراق الغربي والكراهية للإسلام التي تفاقمت بعد الثورة الإسلامية في إيران (1979م) وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001م، فالسياق الغربي لنقد الإسلام لم يعد يهمها، كما يهمها مواجهة الداخل بطريقة ليست بمستوى التعقيد والذكاء اللذين وردا في كتاباتها الأولى في السبعينيات. ولستُ من متذوقي أدبها الروائي الذي صدر بعد ذلك. أذكر أني أعطيت أمي كتب السعداوي النظرية الأولى لكي تقرأها وعبّرت لي عن سعادتها، وقالت لي: إن هذه المرأة عبّرت عن أفكار كانت لدي، ولم يكن عندي المقدرة على التعبير عنها. وقد تركت تأثيرًا في أخواتي أيضًا وفي فكري النسوي، وإن كنتُ قد اختلفت معها، بعد الثمانينيات.
• نجد قلة من الباحثين أو المفكرين العرب يهتمون بالخطاب النسوي العربي، فالغالبية منهم تهتم بالفكر السياسي والفلسفي أو الاجتماعي. لماذا انجذبت إلى هذا الخطاب؟
▪ انجذب كثير من المفكرين العرب الذكور إلى الخطاب النسوي العربي، مثل جورج طرابيشي وغالب هلسا وغالي شكري وسلامة موسى وياسين الحافظ، فهؤلاء وغيرهم كتبوا في الفكر النسوي العربي، ونذكر قاسم أمين أول من كتب عن تحرير المرأة ورفاعة الطهطاوي اهتم بتعليم المرأة قبله.
• ولكن الباحثة والأكاديمية المصرية ليلى أحمد نقدت قاسم أمين في كتابها «المرأة والجنوسة في الإسلام»؟
▪ نعم نقدته كما يجب؛ لأنه كان فعليًّا أداة للإمبريالية؛ ولكن هذا لا يلغي أهمية اهتمامه بتحرير المرأة. حتى الطهطاوي كان مهتمًّا جدًّا بتعليم الفتيات في القرن التاسع عشر. أعتقد أن الرجال العرب والمسلمين بخلاف الرجال الغربيين كانوا من رواد الدفاع عن حقوق المرأة، في نهج يمكن أن نختلف معه اليوم. إن موضوع المرأة في الإسلام، هو موضوع المرأة في الغرب، وقد كان هنالك توجس من طرح قضية حقوقها غربيًّا، ولا سيما أن الثورة الفرنسية لم تعدّها مواطنة، واستثنتها من «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» الصادر عنها، وقد أبقت على النساء والعبيد والخدم والأطفال والأجانب خارج المواطنة. في تلك المرحلة من التاريخ الأوربي، استخدمت المفكرة البريطانية ماري وولستونكرافت في طرحها موضوع تحرير المرأة الأوربية خلاصات الفكر الاستشراقي عن موقع المرأة في الشرق ذريعة لإشعار الرجل الغربي بالعار بأنه يعامل زوجته -كما ادعت وزعمت- كما يعامل الرجل الشرقي والمسلم زوجته.
طبعًا، كانت تريد أن تدين الرجل الغربي، فأوربا بالنسبة لها كانت شرقية التقاليد في علاقة الرجال بالنساء، وبُني مفهومها عن موقع النساء في الحضارة العربية والإسلامية على فكرة غير حقيقية، تدين بها الرجال الأوربيين، وتعيب عليهم معاملتهم لزوجاتهم.
دخل مفهوم المرأة في الشرق في صلب الخطاب الليبرالي، منذ لحظة نشوء الفكر النسوي الغربي، ومن ثم نجد أن الفكر البروتستانتي الأميركي والبريطاني التبشيري، ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، اهتم جدًّا بإرسال نساء لكي يبشرن بالبروتستانتية في بلاد لا تؤمن بها، سواء في مصر بين المسلمين والمسيحيين الأقباط أو في بلاد الشام أو في إفريقيا، حتى داخل الولايات المتحدة من خلال تبشير السكان الأصليين الهنود، لاعتقادهم أن العلاقة بين المرأة والرجل في المذهب البروتستانتي هي أعلى وأرفع من علاقة المرأة بالرجل في المجتمعات والأديان الأخرى.

النظام الأبوي المسيحي
• نقدت في أبحاثك السرديات الغربية التي ترفع خطابًا إنقاذيًّا ودفاعيًّا عن النساء المسلمات بدعوى أنهن مقموعات داخل ثقافتهن المحلية، فحللت هذه السرديات وفككتها منذ القرن التاسع عشر حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م؛ وكما نعرف اتُّخِذَت قضية تحرير المرأة الأفغانية أو إنقاذها من براثن حركة طالبان دافعًا للاحتلال الأميركي لأفغانستان. في رأيكم لماذا أُقحمت النساء الأفغانيات، وتاليًا العامل الأنثوي، في خطاب التعبئة الأميركي في الحرب الأميركية على الإرهاب بصفة غير مسبوقة؟
▪ كما ذكرتُ سابقًا، بدأ دخول موضوع المرأة الشرقية في صلب الأيديولوجيا الليبرالية، في مطلع الفكر النسوي الغربي مع ماري وولستونكرافت، واستمر في طروحاته في القرن التاسع عشر، وكان جزءًا من العملية الاستشراقية لتصوير مكانة المرأة في الشرق على أنها أدنى من المرأة الغربية. لا ينطبق هذا على النساء العربيات والمسلمات فحسب، بل أيضًا على النساء في الهند والصين، فجرى التركيز من هذا الخطاب على طقوس وعادات كانت سائدة مثل: حرق الأرملة لنفسها بعد وفاة زوجها في الهند، أو ربط أقدام النساء في الصين، أو تعدد الزوجات عند المسلمين.
وفي القرن العشرين ظهر الهوس حول حجاب المرأة في العالم الإسلامي؛ كل ذلك وظِّف من الحضارة الغربية للقول: إن المرأة الغربية على الرغم من دونية مكانتها كانت تعيش في أفضل المجتمعات التي تعطيها حقوقها، وإن كان ذلك بالطبع غير صحيح. لقد قُدمت هذه الطروحات لكي تقمع الحراك والفكر النسوي الغربي، الذي يطالب بالمساواة، وبالتالي استخدم الشرق والإسلام والهند والصين، وما اعتبر أنه أساس التعامل بين الجنسين في هذه المجتمعات لقمع المرأة في الغرب؛ لكيلا تطالب بحقوقها من النظام الأبوي المسيحي الغربي الذي عدَّ نفسه أفضل المجتمعات الإنسانية.
دراسات ما بعد الاستعمار وسؤال المنهج
• تزامنت دراسات ما بعد الكولونيالية -وقد سبَقتها بعقدين دراسات التبعية – مع دراسات التابع؛ وهو ميدان معرفي، يناقش مؤثرات الاستعمار في الثقافات والشعوب التي عانت الحكم الكولونيالي. ما تأثير المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد (1935- 2003م) في هذا النوع من الدراسات، ولا سيما في شقيها النسوي والسياسي؟
▪ بدأت دراسات التبعية من الخمسينيات والستينيات، وكان من أهم مؤسسيها في العالم العربي الاقتصادي المصري سمير أمين الذي كان قد كتب في تحليله الاقتصادي عن المستعمرات السابقة والدول المستقلة، واستمرار استغلالها من الدول الرأسمالية الكولونيالية حتى بعد الاستقلال، وعدم السماح للدول المستقلة حديثًا عن الاستعمار بتطوير نفسها.
فتطور نوع من الرأسمالية التابعة وليس الرأسمالية الحرة. فقُمع الرأسماليون الوطنيون الذين أرادوا إنشاء صناعات محلية ليطوروا الاقتصاد، وكان يجب قمعهم لأنهم كانوا ينافسون البضائع الرأسمالية الغربية التي كان على هذه البلاد المستقلة حديثًا استيرادها. وبالتالي ما شُجع عليه هو الرأسمالية الكومبردارية، أي: الرأسماليون الذين يتعاملون مع التصدير والاستيراد، وهؤلاء مهمون لأنهم يتعاقدون مع الإمبريالية الغربية، ومصدر أرباحهم منها، وهذه هي الرأسمالية التابعة التي سُمح بتطورها في البلاد التابعة رأسماليًّا، ولذلك حوربت مصر في مرحلة جمال عبدالناصر، وإندونيسيا في مرحلة حكم سوكارنو وكذلك غانا، فقد حاولت هذه الدول الخروج على هذا النهج الاقتصادي والتأسيس لصناعات محلية تؤدي إلى تطوير الاقتصاد المحلي بمساعدة رأسماليين وطنيين، وتحويل الدولة إلى دولة رأسمالية تستثمر في نمو الاقتصاد المحلي، دون أن تنصاع تمامًا للاقتصاد الرأسمالي العالمي.
وقد استطاعت الولايات المتحدة الأميركية أن تهزم هذه المشروعات بدءًا من مشروع محمد مصدّق في إيران عام 1953م، ثم المشروعات في أميركا اللاتينية، فدبرت في غواتيمالا انقلابًا على الرئيس جاكوبو أربينز عام 1954م؛ وبعدها أطاحت بالتجربة الإندونيسية عام 1965م وهذا ما فعلته في غانا عام 1966م، وفي مصر بين عامي (1967-1970م) وما تلاها.
ناقشت دراسات التبعية هذه التجارب بطرح يخالف الدراسات الغربية، التي عزت فشلها لأنها كانت دولًا مُستعمَرة، أو لأن ثقافتها غير بروتستانتية. هنا في سياق دراسات التبعية الاقتصادية، جاء كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق (1978م) في أوج شهرة أطروحات سمير أمين وعدد من الاقتصاديين من أميركا اللاتينية مثل الاقتصادي الأرجنتيني راؤول پريبيش وغيره، فدخل سعيد على الخط من منطلق آخر مكمِّل هو منطلق الأيديولوجيا وليس الاقتصاد، وكان الاستشراق بالنسبة له مهمًّا لأنه أداة للاستعمار. وكانت الدراسات الاستشراقية في الجامعات الأوربية أداة للاستعمار الاقتصادي والسياسي، وحاولت أدلجته وشرعنته، عن طريق تسويق فكرة أن الثقافات المُستعمَرة تستحق أن تُستعمر بزعم أن الثقافة الأوربية هي ثقافة أرفع.
ما حاول إدوارد سعيد تسجيله في هذه الدراسة القيمة هو طبيعة أوربا، يعني أن الاستشراق كان استغرابًا؛ بمعنى آخر أنه لكي تطرح أوربا نفسها على أنها غربية، اضطرت إلى أن تخترع شرقًا يخالف كل ما تصبو إليه وكل ما تروج له عن نفسها، أي شرقًا نقيضًا لها. وبالتالي الاستشراق كان عبارة عن صناعة فكرة الغرب؛ لذلك نجد أن كثيرًا من المفكرين العرب وغير العرب في العالم المستعمَر في القرن العشرين استلهموا هذه الفكرة عن الغرب كأنها حقيقة؛ فنجد قاسم أمين يتكلم في كتابيه «المرأة الجديدة» و«تحرير المرأة» عن حقوق المرأة في الغرب، التي لم تكن موجودة أساسًا، فكان يدعي أن للمرأة في الغرب الحق في الاقتراع والتصويت والطلاق في الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر، وهذا غير صحيح.
• انطلاقًا من حديثك عن قاسم أمين نعرف أن مواقفه من الحجاب مبنية أصلًا على التأثر بالمواقف الاستعمارية. لماذا يحتل موضوع الحجاب حيزًا كبيرًا في الخطاب الغربي فيأخذه حجة أو ذريعة للقول: إن المرأة المحجبة مستعبدة وفاقدة لحريتها، ويجعله بالتالي سلطة للقمع؟
▪ لنكن واضحين، قاسم أمين كان يتحدث عما نسميه اليوم بالنقاب وليس الحجاب، والنقاب لم ترتده إلا النساء في الطبقات العليا والأرستقراطية لتمييزهن عن النساء في الطبقات الفقيرة، ومع صعود الطبقات الوسطى التي أرادت أن تتشبه بالطبقات الأرستقراطية زاد انتشاره. أما النساء العربيات والمسلمات في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي، من الفئات الفقيرة العاملة في الزراعة والأرض، فإنهن لا يغطين وجوههن أبدًا، وإن كن يغطين شعرهن، وهذا لا يختلف عن الرجال الذين غطوا شعرهم للحماية من الشمس.

• ولكن الحجاب لا يمثل فقط ظاهرة طبقية في التاريخ العربي والإسلامي، فنحن لو ذهبنا إلى التجارب المعاصرة مثل التجربة الأفغانية، ولو تعمقنا في فهم أعمق للمجتمع الأفغاني وقرأنا التاريخ قراءة نسبية وليس من منظور مع أو ضد، بهدف فهم الظواهر وليس الحكم عليها، سوف تختلف رؤيتنا، فحجاب المرأة في أزمنة مختلفة كان يعد جزءًا من التقاليد والعادات، ولكنه اليوم يوظف من السلطات السياسية التي تنظر إليه بوصفه إما علامة خضوع أو تعبير عن الهوية الجمعية الإسلامية. ما رأيكم في ذلك؟
▪ هو امتداد لفكرة النقاب، فمعظم النساء اللواتي كن يعملن في الحقول كن يغطين شعرهن، وبالتالي تغطية الرأس شيء متعارف عليه في معظم دول العالم، ولا سيما أن غالبية الشعوب كانت تشتغل في الفلاحة والزراعة. استمر طرح موضوع الحجاب غربيًّا بعد انحسار موضوع النقاب، ولكن الأهم من موضوع الحجاب الذي طُرح مع تجديد الحركات الإسلامية لنفسها منذ أواخر الستينيات، التنديد بمطالبة بعض هذه الحركات بالفصل بين الجنسين، من حيث إن المجتمع الإسلامي يفصل بينهما، وكأن هذا الفصل غير موجود في المجتمعات المسيحية. لقد كانت هذه السجالات حول الحجاب قائمة في العشرينيات من قبل التحديثيين العرب أيضًا الذين دعوا إلى عدم الفصل بين النساء والرجال.
• في إيران منذ 1979م تجبر النساء على ارتداء الحجاب وهناك إصرار من السلطتين السياسية والدينية على ذلك، وقد احتجت فئات واسعة من الإيرانيات على اجبارهن على ارتداء الحجاب، وكلنا يعرف الحيثيات المرافقة لوفاة مهسا أميني عام 2022م التي اعتقلتها «شرطة الأخلاق» بزعم عدم ارتدائها الحجاب وفقًا لمعاييرها. لماذا في رأيكم هذا الإصرار من السلطة الإيرانية على مسألة الحجاب؟
▪ ما حصل في إيران مختلف، فالمرأة في إيران مُكِّنَتْ بعد الثورة، وإن كان هنالك محاولات في بدء الثورة للانتقاص من حقوقها، مثلًا في أوائل الثمانينيات صدر قرار يمنع التحاق المرأة بقسم دراسات الهندسة الزراعية في الجامعات، فقامت النساء ضد هذا القرار ولا سيما أن معظم نساء إيران كن فلاحات، فتراجعت السلطات الإيرانية عن هذا القرار. استخدمت السلطات الدينية الإيرانية منبر المساجد لتؤكد حق المرأة في العمل، تنديدًا بمطالبة عدد من الرجال بمنع زوجاتهن من العمل، وفي المساجد أصرت الدولة ورجال الدين على حق المرأة في استخدام موانع الحمل.
من جهة أخرى ازداد دخول المرأة إلى الجامعات الإيرانية بكثرة، ومُثِّلَتْ في البرلمان الإيراني منذ الثمانينيات عدديًّا ونسبيًّا بنسبة أكبر بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة. في المقابل هناك الإصرار على موضوع تغطية الرأس، وإن كان هذا الإصرار –كما أعتقد- لا يراقب بشدة، فنجد أن كثيرًا من النساء لا يغطين شعرهن بشكل كامل، وليس هنالك محاولات قمع لهن، ولكن في سياقات أخرى وقعت محاولات للقمع. هذا النهج في الدول الإيرانية وسلطاتها الدينية لا يختلف عن السلطات الدينية السنية في عدد من البلدان.
وقبل الثورة الإيرانية كانت النساء الريفيات يغطين شعرهن، أما النساء في المدن فلم يفعلن ذلك ولا سيما نساء الطبقات الوسطى والعليا من المتغربات. صحيح أن الدولة الإيرانية أجبرت هؤلاء النساء على ارتداء الحجاب بعد الثورة، لكن معظم النساء لم يجبرن؛ لأنهن اخترن ارتداءه وكنّ يرتدينه قبل الثورة.
أصبح موضوع الحجاب أكثر أهمية في المجتمعات الإسلامية والعربية، عمّا كان عليه قبل التدخل الغربي، وقبل المطالبة الغربية بمنعه، فمعظم القوانين الإسلامية المستمدة من الشريعة كانت قد ألغيت في أيام الاستعمار، ولم يبق إلا الجزء المرتبط بقوانين العائلة، والمعروف فرنسيًّا بقوانين «الأحوال الشخصية» كما تُرجِمَ إلى العربية. وكان من المتوقع أن يشترك المنطق الأبوي المحلي والمنطق الديني المحلي في محاولة دفاعية عن هذه القوانين؛ لأنها هي وحدها ما تبقى من الشريعة بعد الاستعمار، وزاد الهجوم الأوربي المسيحيّ الهوى على الإسلام عبر إعادة كتابة تاريخ المسيحية على أنها دين يحرر المرأة، وإن لم يكن كذلك تاريخيًّا بتاتًا، وبالتالي أصبح جسد المرأة وتغطية أو تعرية أجزاء منه لعبة في أيدي هذا النوع من السياسة الكولونيالية والرد عليها.
• برأيك هل تضخم أنماط التدين الإسلامي في العالم العربي منذ 1967م إلى الآن أدى إلى نشوء نوع من الأصولية الاجتماعية التي ضخمت أدوات المراقبة، وشكلت نوعًا من الإيمان الصلب لا أقول المعادي للآخر، وإنما الذي ينظر إليه بحذر، على نقيض التجارب التاريخية التي عرفتها المجتمعات العربية والإسلامية قبل هذه الحقبة؟
▪ أدوات المراقبة موجودة في كل العالم الحديث، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تقدم تقنيات المراقبة من الدولة والقطاع الخاص. ما جدّ اليوم ليس فقط مراقبة مكالماتنا الهاتفية، ولكن فواتيرنا الهاتفية أيضًا تخضع للمراقبة من الشركات لأجل الأرباح. ما استحدث في العالم العربي والإسلامي من موضوع مراقبة الناس وسلوكهم داخل بيتوهم وخارجها هو جزء لا يتجزأ من الحداثة حول العالم. هنالك بعض الجهات وظفت الدين للعداء الطائفي وهذه هي المشكلة. الاختلافات الفقهية مثلًا في المذاهب الإسلامية لا تعني العداء الطائفي، ولكنها وظفت من بعضٍ لتبرير العداء مع الآخر. لم يطرأ هذا التوظيف نتيجة ما وصفتيه بتضخم أنماط التدين، وإنما بسبب دخول التبشير البروتستانتي إلى بلادنا.
دعيني أُذَكِّر بأن أول ممارسة تمييزية ما بين مسلمي ومسيحي مصر، دخلت في عهد الحكم البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، نتيجة عملية التبشير البروتستانتي التي أصرت على محاولة تبشير المسلمين والمسلمات اليتامى بإجبارهم وإجبارهن على اعتناق الدين البروتستانتي في دور الأيتام الأجنبية التبشيرية التي أقيمت في مصر. وعندما هربت إحدى اليتيمات من دار يتامى تابع لإحدى المنظمات البروتستانتية السويسرية، فضحت سياسة إجبار اليتامى المسلمين على تغيير دينهم، وإن كان المبشرون استهدفوا أيضًا المسيحيين الأقباط ليغيروا دينهم ويعتنقوا البروتستانتية. نتيجة هذه الفضيحة قررت الدولة المصرية تحت كنف الحكم البريطاني إنشاء دور أيتام لمسلمي مصر، ولكنها تركت مسيحيي مصر لقمة سائغة لدور الأيتام التبشيرية، وكأنها اعتبرت أن الدين المسيحي هو نفسه على الرغم من تعدد طوائفه، وكأنه لا يوجد اختلافات دينية بينها، علمًا أن الطوائف الشرقية تعتبر الطوائف الغربية ضروبًا من الهرطقة، فالبروتستانتية أبعد بكثير في معتقداتها عن الأرثوذكسية. والحقيقة أن الكنيسة المصرية وقفت في وجه هذه الحملة التبشيرية بشكل أكثر قوة من الكنائس الشرقية في بلاد الشام، التي لم تستطع الوقوف بوجه وفود المبشرين البروتستانت والكاثوليك بالقوة نفسها.
أريد العودة بعد هذه التعقيبات إلى استكمال جوابي عن السؤال المطروح سابقًا حول دراسات ما بعد الكولونيالية؛ لأضيف أن دراسات التابع التي ظهرت في الهند أوائل الثمانينيات تأثرت بإدوارد سعيد وبالمفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي. كان لسعيد دور مهم في إدخال الفكر الفلسفي الفرنسي الجديد على الأكاديمية الأميركية، في الستينيات، عندما ترجم وقدم في عام 1968م فلسفة ميشال فوكو وجاك دريدا، وقد استخدم المنهجية الفوكوية مع المنهجية الغرامشية في كتابه الاستشراق وهذا أثّر في دراسات التابع، وما أصبح يعرف بمدرسة ما بعد الكولونيالية التي اختلف معها سعيد، وإن كان العديد من المروجين لها من الذين يعتبرون نفسهم «ما بعد كولونياليين»، عدّوا سعيد الأب الروحي لهذه المدرسة، وإن لم يوافق عليها إلى حد بعيد.
ليس واضحًا بالنسبة لي ما تريد مناقشته دراسات ما بعد الاستعمار، فهل تريد أن تدرس الوضع العالمي بعد انتهاء الاستعمار أم بعد بدايته؟ فهل يُقصد من اسمها أنها مهتمة بحقبة ما بعد بداية الاستعمار؟ إن كانت تعني ذلك فمرحبًا بها؛ لأن الاستعمار لم ينته، أما إذا كانت تعتقد أنها تدرس العالم ما بعد انتهاء الاستعمار، فهذا يطرح أسئلة كثيرة، فالاستعمار لم ينته خصوصًا في الحالة الفلسطينية، ولا يمكن بالتالي لأي مفكر فلسطيني أن يتكلم عن دراسات ما بعد استعمارية للوضع الفلسطيني؛ لكون فلسطين ما زالت ترزح تحت الاستعمار المباشر، وليست تحت حكم الاستعمار الجديد أو النيوكولونيالية.
• أعلم بعد قراءتك هذه أنك تتحفظ على تسمية دراسات ما بعد الكولونيالية وتطرح علامات استفهام حولها وحول منهجها، فلو تجاوزنا هذا التحفظ وهذه التساؤلات، في رأيك لماذا الدوائر الثقافية والأكاديمية العربية تتفادى مثل هذه الدراسات أو أنها حذرة منها؟
▪ لا أعتقد أن هناك حذرًا، فالعديد من الكتب في هذا الحقل نُقلت إلى اللغة العربية، واستدخلت كثير من المصطلحات من دراسات ما بعد الكولونيالية من مفكرين وأكاديميين عرب يكتبون في هذا الموضوع. أما بخصوص الجامعات، فأظن لأن هذا المجال حديث النشأة وهو مهم للدراسات في الغرب الذي استمر في دراسته المستلهمة استشراقيًّا أو حتى ماركسيًّا في بعض زواياه. ولكن هنا يجب أن أذكرك أنه ليس هنالك جامعات عربية بحثية، وهذا ينطبق على معظم العالم الثالث، ربما باستثناء عدد من الجامعات الهندية والجامعات في أميركا اللاتينية. أما معظم العالم الثالث فليس لديه الميزانيات الكافية لإنشاء مراكز بحثية، ولا سيما في العلوم الاجتماعية والإنسانيات، خصوصًا أن معظم هذه البلدان تحكمها أنظمة غير ديمقراطية، وهي تتجه أكثر إلى تشجيع الأبحاث في الدراسات العليا في الطب والعلوم، ولا تشجع تطوير الأبحاث في العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ لأنها تخشى أن تهدد هذه الموضوعات الوضع القائم.
الشهوات الجنسية والثقافات
• في «اشتهاء العرب» الصادر باللغة الإنجليزية عام 2007م وبالعربية عام 2013م، حللت -على حد تعبير طلال أسد- على نحو بارع تجليات الإمبريالية الثقافية والتصورات الغربية عن العرب والمسلمين. شكلت الرؤى الاستشراقية حول الشهوات الجنسية في الحضارة العربية والإسلامية موضوعًا أساسًا في هذا الكتاب، فقد درستَ تمثلاتها منذ العصور الوسطى. من أين استقى بعض الاستشراق هذه الصور الشهوانية عن العرب والشرق؟
▪ يعتقد الفكر الأوربي المسيحي المحافظ جنسيًّا، أن الثقافات الأخرى متهتكة جنسيًّا، فنجد تمثلاته لدى كتّاب أوربيين في أوائل عصر النهضة مثل أعمال دانتي وغيره. تُظهر الترجمات التي قامت مع بدء الدراسات الاستشراقية، بناءً على ما تُرجم من النصوص في العصر العباسي، أن هناك نوعًا من التهتك الجنسي في المجتمعات العربية والإسلامية؛ وترافق ذلك مع زيارة كثير من الأوربيين للبلدان العربية في القرن التاسع عشر وبعد ذلك، وصفوا فيها ما زعموا أنه الشهوات التي لا تشبع عن المرأة المسلمة والمصرية، وعند الرجال العرب والمسلمين، وإن كان المسيحيون الشرقيون قد صُوروا على أنهم كفرة من المنظور الغربي البروتستانتي ويمارسون السلوكيات الجنسية نفسها عند المسلمين.
وكان لترجمة ألف ليلة وليلة أثر كبير، في شيوع هذه الفكرة، ولا سيما أنها حُرّفت وأضيف إليها كثير من الروايات التي لم تكن موجودة في أصلها، خصوصًا في الطبعة الفرنسية المعتمدة. كما أن التعامل مع ألف ليلة وليلة كما لو أنها كتاب أنثروبولوجي يصف مجتمعًا ما، وليست كتابًا خياليًّا لا يصف بالضرورة المجتمع، وإنما يُعبر عن خيال ما، ساهم في تأطير صور نمطية عن الشهوات الجنسية في الحضارة العربية والإسلامية.
سعيد وهامش الحريات الأكاديمية الأميركية
• تركت أطروحات إدوارد سعيد ولا سيما كتابه «الاستشراق» (1978م) تأثيرات في الجامعات الأميركية، وعدّه مارتن كريمر في كتابه «الأبراج العاجية على الرمال» الصادر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م أنه هو وطلال أسد كانا من بين أسباب فشل السياسات الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وصعود الأصوليات الإسلامية. ما رأيكم في ذلك؟ وما تأثير هذا الاتجاه الذي يضم كريمر ومن يتفق معه في دراسات الشرق الأوسط داخل الجامعات ومراكز البحوث الأميركية؟
▪ مارتن كريمر ليس أكاديميًّا، وهو يروج للفكر الإسرائيلي، وعلى الرغم من حصوله على الدكتوراه، فإنه فاشل أكاديميًّا لعدم شغله لأي منصب أكاديمي مهم، وهو أميركي يهودي هاجر إلى إسرائيل وأصبح إسرائيليًّا. نهجه ليس نهجًا أكاديميًّا، إنما نهج أيديولوجي يميني، ويكتب في تحليلاته أنه مستشار للساسة. فلا أعتقد أن تحليله لما قاله إدوارد سعيد أو طلال أسد صحيح، ولكن هنالك غضب سياسي شديد، روّج له اللوبي الصهيوني منذ الثمانينيات، منذ أن اشتهر كتاب سعيد –أي كتاب الاستشراق- في مجالات أكاديمية مختلفة، على أنه هو السبب في فشل السياسات الأميركية. وهو ما يعني أن السياسات الأميركية الإمبريالية والعنصرية حول العالم، ليست السبب في فشل نهجها، بل السبب نقد الأيديولوجيا التي تعبر عنها. وأعتقد أن ما يقوله كريمر من منطلق أكاديمي غير مهم، وإن اعتقدت النخب السياسية أن المشكلة هي في الجامعات كمراكز لإنتاج المعرفة.
سمحت الأنظمة الإمبريالية تاريخيًّا بهامش من الحريات الأكاديمية، على الرغم من سيطرة المناهج الإمبريالية والعنصرية على معظم الدراسات الأكاديمية في الولايات المتحدة وأوربا حتى اليوم. كان من المهم أن يكون هنالك هامش معين للنقد؛ لكي يفهم الساسةُ الإمبرياليون ماهيةَ النقد لسياستهم ويردوا عليها. هذا الهامش موجود باسم الحرية الأكاديمية، ولكن أيضًا لمساعدة الإمبريالية في فهم النقد الذي يوجه إليها. ما حاول أن يقوم به كريمر وداعموه من اليمين الصهيوني والإمبريالي الأميركي، هو ترويج لفكرة أن هذا الهامش، لم يعد له ضرورة، وعلينا أن نقوم بمحوه تمامًا، ولا سيما مع اعتبار أن نهج سعيد هو المسيطر على الهامش الأكاديمي الناقد للسياسات الأكاديمية والنهج العنصري الرأسمالي والنيوليبرالي.
وبالتالي بدأت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول المحاولات المستمرة من حكومة الولايات المتحدة والقطاع الخاص، لفرض السيطرة على الجامعات، التي توجت أخيرًا، بسيطرة شبه كاملة من إدارة ترمب على الجامعات بهدف حرمانها من المساهمات المالية التي تقدمها الدولة، والتي تساهم إسهامًا كبيرًا في تمويل الأبحاث الأكاديمية، ولا سيما أن هذه الأبحاث تساعد المشروع الإمبريالي الأميركي، إلى أن تقوم هذه الجامعات بإغلاق هذا الهامش للتفكير الأكاديمي المعارض، وهي بصدد إغلاقه في الوقت الحالي.
• قدم وائل حلاق قراءة نقدية لأطروحة سعيد في كتابه «الاستشراق». ما رأيكم بها؟
▪ لا أعتقد أنه قدم قراءة نقدية جديدة، بل على العكس حاول القول: إن أطروحة سعيد يجب أن تُوسّع كي تشرف على كل ما أنتجه الغرب من معرفة، دون أن تقتصر على دراسات الاستشراق؛ وهذا شيء مهم وأوافق عليه ولا يناقض أطروحة سعيد.
• مسعد الراديكالي؟! وسعيد الليبرالي؟! جمعتك بإدوارد سعيد علاقة عميقة، فقد كان أستاذًا لك في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة وزميلًا لك في الجامعة. ما مدى تأثيره في منهجك كأستاذ جامعي وباحث أكاديمي؟
▪ هو أحد المفكرين الذين تعلمت منهم منهجيًّا وأكاديميًّا، وأخذت عنه كيفية استخدام مقاربات معينة لتحليل المفاهيم والتواريخ. وعلى المستوى الشخصي كان له تأثير كبير، بصفته أستاذًا وزميلًا، وإلى حد كبير، كان أبًا روحيًّا وربطتني به معزة وصداقة مهمة خلال اثني عشر عامًا عرفته فيها. ولكن منهجي يختلف عن سعيد، وربما قد يرى بعضٌ منهجي راديكاليًّا، فنهج سعيد أحيانًا كان ليبراليًّا ومقاربتي لعدد من الموضوعات تختلف عنه، وإن كنا نجتمع في مقاربات كثيرة، فكتاب «اشتهاء العرب» كان متأثرًا جدًّا بالنهج الذي اعتمده في كتابه الاستشراق، وكان سعيد قد قرأ فصلين أو ثلاثة منه، قبل أن يتوفى، وأعجب به جدًّا ودعاني إلى نشره في سلسلة كان يحررها في دار نشر جامعة هارفارد. ولكن بعد وفاته اختلفت مع المحرر في الدار، فقد أراد أن يغير من الكتاب، وبما أن إدوارد كان قد توفي فلم تعد سلطته موجودة للوقوف في وجه التغييرات التي طالب بها المحرر، فقررت أن أسحب الكتاب من السلسلة، وألغيت العقد، ونشرته في دار نشر جامعة شيكاغو المرموقة؛ وإن كنت قد حزنت جدًّا؛ لأنه لم يخرج في السلسلة التي أشرف عليها سعيد.
حركة بروتستانتية والصهيونية
• في كتابك «ديمومة المسألة الفلسطينية» أشرت إلى أن الصهيونية بنسختها اليهودية وغير اليهودية كانت في صلب تاريخ الفكر الكولونيالي، وقد أشيعت لأول مرة في إطار المشروعات الكولونيالية الأوربية على يد نابليون بونابرت خلال حملته الشهيرة على مصر. هل يمكن أن توسع لنا هذه الفكرة؟
▪ ما أقوم بالتأريخ له هو أن الصهيونية هي حركة بروتستانتية، انتهجت طريق تحول اليهود إلى اعتناق الدين البروتستانتي، ومن ثم إرسالهم إلى فلسطين؛ لكي يعجلوا بالقدوم الثاني للمسيح المنتظر. الحملة الصهيونية المسيحية الأولى كانت طبعًا حملة الفرنجة الصليبيين الذين أتوا إلى فلسطين، وأسسوا أول مستعمرة استيطانية كاثوليكية مسيحية، سميِّت في ذلك الوقت بمملكة القدس اللاتينية، وجلبوا مستوطنين كاثوليك مسيحيين من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا سكنوا في بلادنا لمدة قرنين. كان غالبية سكان القدس أيام الفرنجة من المسيحيين الفلسطينيين العرب، وطردوا طبعًا وارتكبت مذابح في حق المسلمين واليهود، والجميع طُرد من القدس عندما استوطنها الأوربيون.
فيما بعد استحدثت هذه الفكرة حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر، ومن ثم كان هناك حركة تجديدية إنجيلية في أواخر القرن الثامن عشر، وكان أحد أهدافها تحويل اليهود لاعتناق البروتستانتية، وهو مشروع دعمته بريطانيا التي أخرجت معظم اليهود من ديارها في القرن الثاني عشر. وفي القرن الخامس عشر وبعد طرد العرب المسلمين واليهود من إسبانيا بعد سقوط الأندلس، باستثناء اليهود السفارديم الإسبان، لجأ بعض اليهود إلى بريطانيا، وشكلوا أول مجتمع يهودي جديد فيها. وبعد القرن الثامن عشر بدأنا نرى كثيرًا من اليهود الألمان، ولا سيما من مناطق بولندا التي احتلتها ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر يهاجرون إلى بريطانيا. وهنا في حقبة إعادة النهج البريطاني والصحوة الإنجيلية البروتستانتية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر -إن كان ذلك في الولايات المتحدة أو في ألمانيا وبريطانيا- نشأت مؤسسات دينية عدة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر منها (the Church Missionary Society) (CMS) التي أنشأت مدارس تبشيرية موجودة إلى اليوم في الأردن وبلاد أخرى، وكانت مؤسسة عنصرية للتبشير البروتستانتي، والمؤسسة الأخرى والأهم التي أسست في عام 1809م هي جمعية لندن للترويج للمسيحية بين اليهود، وقد قام على تأسيسها يهود تحولوا إلى البروتستانتية، وكان هدفها جلب اليهود المتحولين إلى البروتستانتية إلى فلسطين.
يمكن القول: إن فكرة الصهيونية كان أصلها بروتستانتيًّا لمدة 300 عام عارضها خلالها معظم اليهود؛ لأنها كانت حركة إنجيلية تبشيرية تهدف إلى طردهم من بلادهم. في ذلك الوقت كان يهود فلسطين قلة وشكلوا نحو 4000 يهودي أتوا بعد سقوط الأندلس وكانوا من الفقراء والمتدينين يعيشون في المدن القديمة المقدسة عند اليهود ولا سيما في الخليل والقدس وصفد وطبريا، أضيف إليهم بعض اليهود المسيحائيين الأوربيين الذين بشرهم حاخامهم في لتوانيا بأن المسيح المنتظر، يهوديًّا، على وشك الوصول إلى فلسطين والقدس، فجاء 4000 يهودي لتواني في أوائل القرن التاسع عشر إلى فلسطين، وكانوا يتكلمون اللغة اليديشية، أي اللغة اليهودية المستمدة من الألمانية المكتوبة بأحرف عبرية. وهكذا أصبح عدد اليهود 8000 نسمة يعيشون بين نحو أربع مئة ألف عربي فلسطيني من المسلمين والمسيحيين.
في تلك المدة ازداد الاستيطان البروتستانتي في فلسطين، وقررت مؤسسة لندن للترويج للبروتستانتية بين اليهود، إنشاء أول كنيسة بروتستانتية في السلطنة العثمانية، التي كانت قد منعت بناء أي كنائس بروتستانتية؛ فالكنائس الموجودة كانت مسيحية شرقية، فسمحت بذلك لأن بريطانيا ساعدت السلطنة على إخراج محمد علي من فلسطين وبلاد الشام وعودته إلى مصر، بعدما احتلها لمدة عشر سنوات بين (1830-1840م) فكان التنازل العثماني هو الموافقة على بناء أول كنيسة بروتستانتية في القدس في أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر، حولت إلى مطرانية وجُلب إليها أول مطران بريطاني بروتستانتي، وكان حاخامًا يهوديًّا ألمانيًّا اعتنق البروتستانتية.
لكن يهود فلسطين قاوموا هذه الحملة لتحويلهم إلى البروتستانتية، كما قاومها المسيحيون في تلك الحقبة، وقد بدأ البروتستانت الإنجيليون ببناء مستوطنات في يافا والقدس والناصرة وبيت لحم. كانت هنالك مستوطنات عدة أُقيمت من إنجيليين متعصبين أميركيين؛ ومن ثم انضم إليهم سويديون وأيضًا ألمان من جماعة الهيكليين، والأخيرون أقاموا بين ثماني مستوطنات إلى عشر في فلسطين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وعليه فالاستيطان في فلسطين كان بروتستانتيًّا تمامًا منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما بدأ الاستيطان الزراعي اليهودي، وكانت وظيفته فقط أن يكون استيطانًا زراعيًّا إلى غاية فشل المشروع البروتستانتي بتحويل اليهود إلى بروتستانت، والبدء في استدخال المشروع اليهودي البروتستانتي من بعض اليهود الغربيين غير المتدينين، على أن يتحول المشروع إلى إقامة دولة يهودية.
فحتى نابوليون بونابرت عندما غزا فلسطين في أثناء الحملة الفرنسية على مصر، وعندما دعا اليهود للمجيء إلى فلسطين والعودة إلى ديارهم، كما قال آنذاك، كان متأثرًا بأفكار مفكرين فرنسيين بروتستانت من جماعة الهوغونوت (Huguenots) وهؤلاء حثوا على ضرورة عودة اليهود الأوربيين إلى فلسطين، وقد استقى بونابرت هذه الفكرة منهم.
إذن، الصهيونية ككل كانت دائمًا ولا تزال فكرة بروتستانتية بُنيت على إزالة كل ما هو يهودي عند اليهود من تقاليد ودين وتحويلهم إلى غربيين بروتستانت، وهذا ما حصل في المنظمة الصهيونية بعد 1897م فتحول الموضوع إلى إقامة مستوطنات يهودية، واختفت المستوطنات البروتستانتية مع الوقت، فعاد المستوطنون من ألمانيا والسويد وفنلندا وأميركا ما عدا بعض الألمان البروتستانت الذين بقوا حتى الحرب العالمية الثانية، عندما هُدِّمت مستوطناتهم وهاجروا، ولم تبق سوى المستوطنات اليهودية.
• شهد عدد من الجامعات الأميركية احتجاجات طلابية مؤيدة للقضية الفلسطينية طالبت بوقف الحرب الإسرائيلية على غزة التي بدأت منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م. كيف يمكن أن نفهم هذه الاحتجاجات على أنها ساحات متضامنة مع فلسطين؟ وهل لها تأثير في القرار السياسي؟
▪ أعتقد أن هذه الاحتجاجات هي جزء من سلسلة الاحتجاجات في الجامعات الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في أثناء حرب فيتنام في الستينيات والمطالبة بحقوق السود والهنود والحقوق الجنسية وحقوق المرأة. ولكن هذا الزخم الذي أخذته الحركة الطلابية منذ 7 أكتوبر 2023م كان حدثًا مهيبًا، ليس فقط في الجامعات الأميركية، بل في الجامعات حول العالم. طبعًا قُمع هذا الحراك وما زال القمع قائمًا حتى هذه الساعة، فقد كان هناك ثورة مضادة من الحكومة والقطاع الخاص وإدارات الجامعات التي أقامت منظومة قمعية مُمأسسة، وما زالت تبحث عن إستراتيجيات أكثر قمعية لمنع هذا النوع من المعارضة والحملات التضامنية في المستقبل.
لا أعتقد أن لهذه الظاهرة تأثيرًا في السياسة الخارجية الأميركية غير الديمقراطية، والناخبون الأميركيون عادة ما يصوتون بناء على السياسات الاقتصادية. ولكن هنالك مؤشرات على أن موضوع فلسطين كان مهمًّا مثلًا في انتخاب ترمب وسقوط بايدن، أو انتخاب رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني. ومع كل هذا تشير آخر الاستطلاعات، أن ما يقارب الثلث من الأميركيين يقف مع الفلسطينيين والنصف يقف مع إسرائيل.
ولكن هذه الاستطلاعات مبنية على من هم في سن العشرينيات والثلاثينيات، وهؤلاء لن يبقوا على آرائهم. وأذكر في أيام الانتفاضة الأولى في فلسطين الكلام عن عنصر الشباب وقيامهم بهذه الانتفاضة وفكرهم الثوري، إلا أن هؤلاء الشباب أنفسهم أصبحوا اليوم جزءًا لا يتجزأ من الجهاز القمعي للسلطة الفلسطينية. فلا يمكن أن نضمن أن الآراء السائدة بين فئة الشباب الأميركي اليوم ستبقى كما هي عندما يدخلون سوق العمل والتجارة. فلا شيء يضمن حفاظ هذه الفئة على الأفكار نفسها التي تبنتها أيام الدراسة. على أي حال، علينا الانتظار ومراقبة الوضع مع بعض التفاؤل الحذر لا أكثر.