في مجموعته الشعرية الأحدث المعنونة بـ«خربشة الراديو الخشبي» (منشورات كلمات، بغداد) يطرح الشاعر السعودي عمر بوقاسم تجربة تعبيرية على قدر من الخصوصية والاختلاف، صحيح أن لها جذورًا تمثلت في المدرسة الواقعية الانعكاسية في الشعر العربي الحديث بحسب عدد من الأصوات الشعرية البارزة، التي جسدت هذه التجربة بداية من صلاح عبدالصبور في ديوانه «الناس في بلادي»، وأحمد عبدالمعطي حجازي في ديوانه «مدينة بلا قلب»، ولها جذورها الغربية كذلك على نحو ما يمكن أن نرى في تجربة الشاعر الأميركي ألن غينسبرغ مع فوارق في الموضوعات أو القضايا والأسئلة، لكن تبقى النزعة الواقعية التعبيرية والانعكاسية وتدفقات تيار الوعي أبرز ملامح هذا الاتجاه الذي وجد قبولًا لدى كثير من الأصوات الشعرية في العالم.
ترتبط هذه النزعة الشعرية التي تتقاطع فيها الواقعية مع السريالية والتعبيرية بسياقات إبداع خارج حدود اللغة والأدب، فتتصل بآفاق الفن التشكيلي وبخاصة الرسم والسينما التعبيرية أو سينما استنطاق الأشياء والسعي وراء ضبابية المعنى ومطاردة تشكيلاته مهما كانت هذه المطاردة تبدو صعبة أو محفوفة بغموض المصير. والحقيقة أن هذه التجربة تحتاج إلى حساسية خاصة وتفاعل مغاير من المتلقي، تحتاج إلى سياقات ثقافية مختلفة ونمط جديد من التلقي بخلاف السائد، فالتلقي العربي لا يزال محكومًا في عمومه بمحددات تشكل حدود الذوق الشعري والأدبي عمومًا، بعض هذه المحددات متجذرة فينا بما يعود بها إلى الوارء لقرون بعيدة. يقول في نوع من مقاومة المجاز الكلاسيكي وتفكيكه:
الشمس تسقط في البحر/ بمعنى أن الشمس تغرب/ وأن الظلام يخرج من تحت أوراق الأشجار الكبيرة ذات الأغصان الطويلة/ الأغصان التي تتسلقها الشمس صباح اليوم التالي/ وهي مبللة بنهارها الجديد/ خيالات طفل، نعم/ خيالات طفل،/ خيالات واضحة وليست مؤذية/ ترافق الطفل إلى مدرسته/ ترافق الطفل إلى مدرسته/ تنسيه ربطة حذائه الرياضي».
لنلمس هنا أكثر من بعد شعري؛ أبرزها هو أن هذا التحليق المجازي في وصف الغروب والشروق جاء جزاء من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة لهذا الطفل، الذي يمثل ذاتًا مشعورًا بها، أو مسرودًا عنها في هذا النص، فكأننا أمام حال من التلاحم والتجاور بين ما هو شديد الواقعية كما هو متمثل في نسيان ربط الحذاء الرياضي قبل الخروج إلى المدرسة، وبين ما هو شعري ومجازي وابن الحال العاطفية ونتاجها كما هو متمثل في هذه الصور الشعرية المتدفقة عن الشمس -في صورة مجازية كلاسيكية متكررة– وهي تغرق في البحر، تُفَكَّك بصورة مدهشة بنمط تفسيري يشكل نوعًا من السعي والحركة من المجازي إلى الحقيقي كما هو حاصل في جملة «بمعنى أن الشمس تغرب».
فكم هو مدهش هذا التجاور والتلاحم بين المجازي وتفسيره داخل المسار الشعري للنص! وكم هو أنيق هذا الشكل من الحركة العكسية التي لا تتوقف عند هذه الحدود، وتمتد إلى صور جديدة أخرى خاصة بالنص نفسه، على نحو ما نجد في تسلق الشمس للأشجار في الصباح!
هذه التجربة الشعرية تمزج تعبيرية الصورة، وتعبيرية الخط السردي والتصويري وأحيانًا المشهدي المكثف، مع تعبيرية الصورة الشعرية والتعبير اللغوي الذي يحاول الغوص وراء المعنى.
تطارد هذه التعبيرية لوحات الحياة بما تكتنز من دلالات أساسها هذا التفاعل الحاسم بين الذات ومحيطها البيئي. تفاعل الذات مع محيطها الكوني الذي وإن كان مرسومًا عبر التسميات واللغة فهو في جوهره أبعد من حدود هذه التسميات، فالنافذة في هذه الشعرية التعبيرية ليست هي النافذة المعروفة، بل فيها كثير من نافذة بيكاسو التي لا تزال الحياة أمامها. فكأن النافذة صارت اختزالًا وتكثيفًا للحياة. وكذلك أحواض الزرع، وستارة النافذة بطيورها الاصطناعية، والصباح والحديقة والسماء والمطر وغيرها من مظاهر الطبيعة وعناصرها، كلها تبدو في إطار هذه التجربة الشعرية أبعد بكثير من تلك الحدود التي ترسمها اللغة أو التسميات.
مغامرة غير محكومة
لا تحتفي هذه النزعة الشعرية كثيرًا بالشكل أو عناصره، وبخاصة اللغة وما يتجلى عبرها من مظاهر شعرية وجماليات ترتكز في المقام الأول إلى أنماط المغايرة اللغوية وعناصر لفت الانتباه، ومؤثرات الصوت أو التركيب والتشكيل البلاغي التقليدي، بل يبدو المحتوى/ المعنى والتشكيل الدلالي هو المركز والمحرك الأساسي والمحرض الأصلي لدى الذات الشاعرة، في مطاردة أحوالها وتجلياتها وتأمل نفسها، في شكل من المغامرة غير المحكومة بأكثر من قوانين اللعب التعبيري.
في نمط يبدو قريبًا من الرسم أو التلوين السريالي أو استخدام فرشاة الألوان، من دون خطة أو إستراتيجية محسوسة أكثر من مجرد الرغبة في التعبير وترك المجال أمام اليد والألوان، في أن تكون انعكاسًا لما هو قارّ في الدماغ والوجدان، وما يتم في الداخل من تفاعل عميق بين الذات الإنسانية ومحيطها أو عالمها.
يقول:
كان للمطر رائحة، نعم، لم يعد للمطر تلك الرائحة/ الرائحة التي تجعلني منتشيًا..!».
لينتقل بعدها في النص نفسه إلى: أخمّن ما جديد العالم في هذه اللحظات…؟/
ربما حلّ السلام في العالم العربي في هذه اللحظات».
تطارد هذه التجربة الشعرية لعمر بوقاسم، عبر لوحات قصائدها ملامح الذات الشاعرة، عبر ما ينعكس عليها في تفاعلها مع الأشياء الهيّنة الصغيرة، مثل كيس الأدوية في الثلاجة أو شظايا الطبق الزجاجي الذي تكسّر في المطبخ، أو علاقتها بالألوان حتى إن كانت علاقة سلبية لغياب موقفها من لون معين أو عدم وجود لون مفضل لها، تنسب لها أفراحها إن طغى وأحزانها وسوء طالعها إن غاب هذا اللون.
فتعكس هذه النصوص تفاعل الذات الشاعرة العميق مع مفردات الحياة اليومية البسيطة والمألوفة المتكررة، مثل الجلوس في المقهى وتحايا الندل في الفنادق ونوازع السفر والسياحة التي تجتاح الذات الشاعرة بصورة مفاجئة. تعكس بصورة عميقة -ووفق نمط تعبيري يربط القصائد ببعضها عفويًّا- تفاعل الذات الشاعرة مع دلالة عمرها أو آثار مرحلة عمرية وهي الصورة التي تتكرر في جملته العابرة للنصوص «رجل على مشارف الستين» التي تمثل خيطًا رابطًا لهذه اللوحات ببعضها، في انعكاس عميق لإحساس الذات بالزمن أو بالأحرى إحساسها بآثاره حتى إن كانت آثارًا لغوية أو مجرد مجموعة من التعليمات والإرشادات والأوامر الطبية.
سخرية عميقة
فيبدو الزمن هنا بالضبط مثل شريط خط نهاية سباق العدو الذي يقصه الإنسان بجسده ويحتفي، وهي صورة تتداخل فيها الدلائل بصورة فيها سخرية عميقة، حيث لا تكون الذات حاسمة في مقاصدها الدلالية، وهل الجسد هنا هو الذي يقص شريط خطّ النهاية أم إن الشريط هو الذي يقص الجسد؟ وهل فرحة الذات ببلوغ هذا الخط وإعلان الفوز هو شعور حقيقي أم مجرد حالة من الوهم؟ يقول: «ما أسرع أنفاسي، كأني عدّاء أولمبي أنهى سباق المئة متر، يقص شريط النهاية بجسده، ويرفع ذراعيه فرحًا وانتصارًا».
وهكذا تتفاعل الذات الشاعرة/ المتلقية بالتبعية مع محيطها في نوع من التداعي الحر غير المشروط، إلا في حدود الخيال وحدود الحس وحدود هذه الواقعية الانعكاسية التي تصبح فيها الحدود بين الإنسان ومحيطه شبه معدومة تقريبًا. فالإنسان ما هو إلا مجرد ظل غارق في أحواض الزرع في الحديقة التي يعتني بها الجنوبي، ويفرح بها فرحًا عظيمًا من دون أسباب تقريبًا، غير أنه وكل الجنوبيين يفرحون بالزرع وكأن الأمر مرتبط بالتكوين الجيني والفطرة البيولوجية، في ظواهر تنداح فيها الحدود بين بيولوجيا الفرد وكيمياء الطبيعة من الشمس والقمر والظل والضوء، الذي يدخل من النافذة أو حتى تقرر الذات منعه في لحظة معينة، عبر كسوة النافذة بستارة هي الأخرى تتجلى فيها الطبيعة عبر حضور اصطناعي.
وإذا كان القرب من النافذة يمثل لدى هذه الذات قربًا من الحياة، التي قد ترغب فيها في أوقات وترفضها في أوقات وتفضل الابتعاد منها وتجنبها، فإن الستارة التي هي نقيض للنافذة هي صورة أخرى من الحياة، صورة اصطناعية عبر ما عليها من رسومات لطيور وسماء وبحر وأمواج وتداخل لألوان هي في الأصل استعارة لصورة الحياة خارج النافذة.
في تجربة عمر بوقاسم الشعرية التعبيرية، بطابعها الواقعي الانعكاسي، ملامح جمالية عميقة عبر ما يتشكل في الأعماق من أنماط تركيبية يقودها المعنى بخطوطه السريالية، مثل علاقة الحاضر بالغائب أو المثبت بالمنفي، كما هو الحال مع البحر الذي يبدو غريبًا وغامضًا، بخلاف أشياء أخرى كثيرة من موجودات الكون الأخرى، فيكون الشيء المثبت مجالًا لتعريف المنفي أو العكس، وتكون الألفة مجالًا لاستكشاف الغامض والغريب في أعماقها، وتكون للذات صور عديدة تجسدها هذه اللوحات بنوع من التشويق والمغامرة.
0 تعليق