تقترح رواية عالية ممدوح الجديدة، «خلوة النقص»، مداخل عدة ومقاربات لتلقّيها وقراءتها نقديًّا. فهي في المقام الأول رواية قصيرة. ذلك يقتضي قراءتها بما في ثيمتها الأساسية من تركيز ومركزية: تركيز في السرد توجّب فيه تشذيب الثرثرات وتجنب الإطالة والتفاصيل والحشو الكلامي المحايث للقص عادة، ومركزية المرض فيها كشيء أساسي يؤطر الأحداث والوصف والحوارات، ويكون له دور الخلية المولدة للدلالات، وتسيير وجهة السرد، ويفرض إيقاعه على الرواية التي تنتظم في فصول قصيرة أيضًا معنونة بعناوين مختلفة. فيكون العمل متناسقًا مع مدونات الساردة العليمة تهريبًا من معاناة المرض والرقود في المستشفى بباريس ووصفه وتسجيل مفرداته، مع انتقالات الفصول القصيرة من مكان المنفى والاستشفاء إلى بغداد، مدينة الساردة وموطن نشأتها وحبها.
وتُبَئِّر الساردة استحضارَها للمحبوب عبر السفر إليه ذات يوم من عام 1963م، الذي له في ذاكرة العراقيين وقْعٌ خاص؛ لما ارتبط به من عسف ودموية وعنف. ويكون مكان الاستذكار هو الحافلة التي تركبها مع العمّة هربًا إلى حيث لجأ المحبوب -كما تصرّ على تسميته- كلما حضر في السرد الاسترجاعي المتقاطع مع المرض.
لقد أصبح وجود ذلك المحبوب في العراق خطرًا على حياته، ففر إلى لبنان، وها هي ذي تقرر استذكاره مع الوقائع التي تعرضها وهي تدون الألم الذي تجلبه. لكن الحب لا ينقذ من الألم، إنه كالصداقة التي تقول: إنها «تئن وتمرض في عتمة الليالي»؛ لذا ضاع في النهاية، ولم تتبين له آصرة أو رابطة. بقيت للساردة أعماقها ونداءات وعيها ومراقبتها لألم المرض وعرضه أو (كتابته) كما تقول. وعلينا أن ننصاع لتوجيه التجنيس على الغلاف: رواية. لكننا لا نستطيع إغفال -أو التغافل عن- كثافة الذاتي في العمل وعائديته إلى الكاتبة/ المريضة/ الساردة الأولى، وهيمنة ضمير السرد الأول الدال على العائدية، وتهريب إشارات الحي الخامس عشر والمستشفى العسكري بباريس، والغرفة 202 التي ترقد فيها قبل العملية وبعدها، والتي أضحت مكانًا يشهد تدوين مذكراتها ومراقبة وعيها في نوبات البنج وما يليه.
إنها تجربة مرض عصف بالجسد، لكنه لم يسلب الروح عنفوانها وتسلّطِها عليه وهزيمته؛ كأن الذاكرة والأمل في وفاق تام لدحر المرض. تتعقب عالية ممدوح كل مظاهر المرض وتقرأ ما في عيون ممرضاتها وزوارها، وأفكار أطبائها، ومعاونيهم، وتصرّ على الإفاقة وتجاوز الألم الذي يصبح صديقًا تنسب له الكاتبة/ الساردة صلة بالعائلة كلها. تاريخ مرضيٌّ ووقائع يظهر في ثناياها النقص البشري في مواجهة الألم. «النقص يبدو عليّ بسبب مرض العائلة»، تقول الساردة التي احتفظت بأمراض العائلة كلها. وهنا يتسع وصف المرض إلى كتابته وشرح جذوره.
لربما تريد عالية ممدوح ترميز المرض بصفتها وراثة سُلالية؛ لتنقد الواقع الذي هربت منه هناك، أو تجرد حسابها مع المجتمع والأنظمة والعائلات والسلالة كما فعلت في جُلّ رواياتها. وتردف المرض بتأمل الموت كحالة إنسانية ممكنة دومًا، ومتلازمة الحضور في التداعيات والتذكرات، وعلى صفحات مفكرتها وأوراقها البيضاء التي ستدوّن عليها معاناتها. لم تكن مثلًا بحاجة لمراقبة موت جارها مسيو تيري رغم وجوده الشبحي الشحيح في العمارة التي تسكنها، وترقب الموت الذي يسير على استحياء، ويتردد بين حضور واختفاء بين أسطر العمل وفي طياته.
نحن إزاء مدونة للمرض وخطاياه، وخذلان الجسد، بموازاة حياة سابقة ظل منها وجوه الأسرة، وغياب المحبوب، وحافلة شركة نيرن التي يحملها برًّا من وسط بغداد، حيث محطة الحفلات في الصالحية، والاتجاه غربًا صوب الشام ولبنان.
كأن عالية ممدوح إذ تستدعي لحظات المرض تتأمل قسماته وعلاماته، كما لو أنه صديق ملازم لوجودها وذاكرتها وكتابتها. إنها تضع القارئ في خضم موجهات قراءة بالغة التأثير. العنوان الذي يجمع بين المكان المجسّد للعزلة (خلوة)، والنقص الذي تتأمله، وتستحضر ما يجسده من وقائع حياتية ومرجعيات فكرية وثقافية من خزينها المعرفي. نقص لا يسببه المرض الجسدي فحسب، بل ما نال الروح من خذلانات وتعثرات؛ لذا أرى أن المرض هنا مناسَبة لحسابات متعددة، تستحضرها عالية ممدوح في نوبات ألم وخوف من الغياب. تختزل وتكثف وتلمّح وتشير وتكرر للتأكيد، كما يفعل المريض عادة في حمّاه وهذياناته وتذكاراته، وتستثمر نشاط مخيلته الحرة الهاربة من أية رقابة ذاتية أو خارجية. المرض الصديق الذي تحاوره وتصفه غائبًا أحيانًا في نوبات الصحو، وتتمثله حاضرًا وهي تحت سطوة عذاباته ومعاناته، وما يجيء به من عطايا، كما يقول السياب في موقف مرضي مشابه، تستشهد به الساردة في مدونتها: يتمثل السياب أيوب الصابر على الوجع الذي يسميه (ندى) أي كرمًا وعطاء إلهيًّا، كما يذهب المتصوفة في تأويله:
شهور طوال وهذي الجراحْ
تمزق جنبيَّ مثل المُدى
ولا يهدأ الداء عند الصباحْ
ولا يمسح الليلُ أوجاعَه بالردى
ولكنّ أيوب إنْ صاحَ صاحْ
(لك الحمد إن الرزايا ندى).
كما نراها تشابه السياب في موقف آخر، حين كتب في إحدى قصائد احتضاره عن مريض جاوره فدعاه: أخي في البلاء الكبير. وها هي ترى في السياب أحد سكان الخلوة، ومن المعانين للنقص ومتمثليه كتابةً… وهو الذي رصد غرفته في المستشفى بعيدًا من العراق، واستبطن أوجاع زملاء المرض، ورصد الوقت والمكان وزيارات الأهل، وكذلك ما ينتظره من مصير مؤلم حين أعياه المرض واستعصى على الشفاء، ولم تفته لفتة البياض التي تبدأ من السرير الأبيض، وهو ما سترصده الساردة وهي تتملى ما حولها.
استعارات عالية ممدوح
إن موجّهات القراءة وعتباتها تلفت بكثرتها وما تضمنته من حديث عن الثياب البيضاء والقلوب الرحيمة. ولتقوية قناعاتها وتأكيد الموقف العلاجي والصبر عليه، استعارت عالية ممدوح مقتطفاتٍ تناسب الحالة، وتمهّد للقارئ الحشد الألمي الموجع والخانق، والمتلاحق كنبضات قلب موجوع ومهدد بالتوقف إن لم يكن تنفسه اعتياديًّا. وليس من متنفس سوى هذه الأوراق البيضاء أيضًا، والمنتظرة ما تصبه فوقها الكاتبة الساردة من حرقة وألم. لكنّ نداءً واحدًا كان كافيًا للتعرف إلى مركز المشروع الذي سيلتقيه القارئ مسفوحًا على الورق. هو اقتباس من نصيحة لجيمس جويس تقول: «اكتبوا عما يوجد في دمكم، لا عما يوجد في أدمغتكم».
لغة الدم وكلامه هما المتسيِّدان في سرد السيرة المرضية وما يحفّ بها من تداعيات، وينظم إيقاعها المصنوع من حضور للواقعة وغيابها، وزمن ماضٍ وآخر حاضر. وفي المقتبسات ثمة أمهات يحملن قلوبًا مكلومة، ويمامات يبحثن عن أمهات، ومريضة تنحني فوق أوراق قديمة، لعلها عالية ممدوح وهي تدوّن الحاضر، وتبحث أيضًا في أوراق الماضي التي غدتْ عتيقة لكنها لم تهترئ أو تمحى سطورها، وظل الحب الذي هو مركزها محل تساؤل وعتب وشيء من ندم أو خيبة وأمل.
ستكون المدونات التي تشتغل عليها ألمًا مضاعفًا، فهي تكتب منحشرةً في السرير متكورةً على نفسها كجنين في السرير الذي غدا رحم الألم. تكتب في إفاقة عابرة أو بين صحو وآخر، وفي عتمة روحية متقشفة يتيح صفاؤها إمكان البوح والاستطراد؛ لذا جاء العنوان الجانبي: في الليل لمّا خِلي. استعارة من أغنية مصرية شهيرة. لكنه هنا ليل يناسب هرمسية المعاناة وانغلاق الأفق القريب، وفي سياق تشظي الذاكرة التي تعاينها الكاتبة عبر تلك الفصول القصيرة ذات العناوين المتعددة والسرد الحر المتقطع ذهابًا للماضي وعيشًا في الحاضر.
ولعل ذلك قد جعل الفقرات قصيرة تناسب إيقاع العمل السير روائي، والمجزَّأ متشظيًا كوقت المريضة وخوفها ونوبات سعالها التي ستظل مشكلتها حتى بعد العملية. وتستسلم الساردة لنوباته في البحث عنه، حيث تحصلت على ما تسميه (برامج السعال)؛ لغرض تقليب معناه وكينونته، وما سيرافقها من ذكرى العملية وقسوة المعاناة، وتحمّل الأوجاع التي لا أشك أن القارئ سيحس بعد قراءة مدونة الساردة بالإشفاق عليها؛ لأنها كرَّرَت تجربةَ الألمِ مرةً أخرى عبر الكتابة.
شكَّلَت الكاتبةُ بناءً موازيًا لسرد الألم، وهو التأمل في الكلمات والتراكيب واللغة وضمائر الخطاب. إنها تصرح مرارًا بأنها تستثمر الألمَ وتُشجِّرُه وتَصِفُه. ستكون اللغة عنصرًا مشاركًا في التجربة وتنالها أوجاع كثيرة. لا تكتفي اللغة بمهمة توصيل المعاني فحسب، ففي مثل هذا العمل الروائي السير ذاتي، وفي سياق سردية المرض تكون للغة مهمة جمالية أيضًا.
إنها تقترح مفردات وتراكيب متنوعة تلامس ما يراد وصفه والإحاطة به، ولكن عبر وسائط متعددة، من أبرزها عرض المقترح اللفظي والتركيبي والجُملي لتشييد ما يناسب الدلالة في وعي المريض ولا وعيه. وفي إنجاز مهمة مركبة تنوس فيها العبارات بين الحاضر والماضي، وعرض الحالة وتأمل مغزاها وجذورها وتفاصيلها.
اللغة وسيلة وحيدة لاستيعاب التحدي
الكاتبة/ الساردة، أولًا، تؤمن أن الكتابة حلٌّ؛ حين تضيق الحلول والنتائج والمآلات، وتشترط على نفسها ألا تكتب استغاثات؛ فالمرض صديق قديم ولا تجدي معه الاستغاثة ولا التوسلات. وهي، ثانيًا، تزهد بالشفقة والعطف واستجداء الخلاص. المهمة شخصية هنا، واللغة وسيلة وحيدة لاستيعاب التحدي الذي تنشده لدحر الألم. شعور يتشارك فيه المرضى، لكنهم لا يحيطون به لغويًّا بشكل واحد وكيفية شعورية متماثلة. ستكون درجة الوعي والتعمق وربط المفردات لغويًّا بأشياء واقعة المرض هي المهمة الأهم.
تفكر الساردة مليًّا فيما ستكتب. وتُشرك القارئ في اختيارها للكلمات وضمائر السرد؛ حتى لنحسبها قد همَّشت المرض وتداعياته. ولا تأنف من الهيمنة على السرد، بل تعدُّه مِلكية خاصة، تستضيف فيه من تشاء وتسترجع ما تشاء. فتصرح لقرائها في إحدى حمَّيات الكتابة ونوباتها التي تلي أو تتخلل المرض بالقول: أنا المؤلفة وهذا مرضي الذي لا شفاء منه! فلها إذن حق التفكير والتعبير، وأن تتخذ من الأساليب ما تراه مناسبًا للحظة الوجع والاستذكار، واستدعاء المحبوب من عمق الذاكرة.
إنها تتعقب المرض وتتأمله في المدوّنات والتاريخ. وتلحظ «أن الأمراض قد اجتاحت السرديات والمخطوطات». وأن «المشافي التي مرت بها… تصلح أن تكون المادة الخام للتدوين». وهذا ليس تسويغًا للانكفاء على المرض أو احتكاره للعمل، بقدر ما هو بحث عن تاريخية الظاهرة السردية للمرض وبرواية المريض نفسه.
لا تستدعي الكاتبة القواميس الطبية ولا تعنيها الحالة المرضية سريريًّا. بدلًا من ذلك تلجأ إلى الكتابة التي ترى فيها الحل والدواء. الكتابة علاج تصفه لنفسها. علاج ساعدَها في توقيف التفكير المفرط في الألم. واغتنام وجود عذاباته لتدوين اللحظة. فقامت بمبادلة التخدير الذي يجمّد الشعور بالألم، بتجميد عذاباته لتدوين تفاصيله مهما صغرت. ولا تنقصها المراجع التي اقتبست منها. فكثير من المفكرين والكتاب واجهوا المرض، أو قاموا بالتنظير لتفاصيله
ووقْعِه وتجاوزِه.
المرض والألم حتى شبح الموت لا يجعلها تخشى النهاية؛ «فالمرض صديق قديم حزين وما عليَّ إلا مراعاة ذلك وإلقاء الطرائف أمامه ليبتهج قليلًا». وهو «مجرد دعابة لطيفة؛ فما كان عليكِ إلا إدخاله إلى المخطوطة، وبهذا تقدرين أنتِ ومن يهمه الأمر الضحك ملء الفم». لكن ذلك في الواقع ضحك كالبكاء؛ فلا بهجة ولا طرائف ولا صداقة. لكن مداورةَ علل الجسد وخذلاناته جزء مهم من جوهر النقص. علل لا توقفها لعبة الضحك مع المرض، ولا الاحتماء بالتدوين والكتابة؛ لأن شبح الموت ماثل، وهو حق إنساني تشرك الكاتبةُ القارئَ في تأمل معانيه. إنه «آخر اللذائذ» وواحد من نهايات تتكاثر بكيفيات مختلفة في هذا العالم.
مشهدية الموت وعبثيته
وكتعزية للنفس وتطمين للجسد تذهب الساردة إلى الجار الذي يأخذه الموت. إنه مسيو تيري الذي كان لا يميل بصفته فرنسيًّا للاختلاط بجيرانه. يمر سريعًا ولا يترك أثرًا، لكن غيابه لافت، حيث يتجمع ساكنو العمارة، ومنهم الساردة لرؤيته ووداعه. طقس يأخذ الكاتبة إلى مشهدية الموت وعبثيته، وإلى لا مبالاة الآخرين بالغائب. تنقص في لحظة الوداع تلك الحميمية التي تتذكرها الساردة في فقدانات سابقة في الوطن، وما يخيم على الوجوه وما يحل بالقلوب من حزن وألم ومشاركة صادقة.
في فصل لاحق، تستدعي، بموت مسيو تيري، مشهدَ غياب صديقتها المصرية الشابة وفاء قاسم: تفاصيل رؤيتها في صمت الموت، وسياق غيابها الحزين، والتفكير فيما يحصل من نقص تام في الجسد والروح. وحين تخرج من وقائع الوداع الأخير ترى الموت في كل مكان، حتى في الشتلات الميتة والأشجار المتيبسة والنباتات المتسلقة الذاوية. وترى الساردة أن ثمة قرابة بين فناء السلالات البشرية وسلالات النباتات في صور الغياب وكيفيات الموت. ولا يخفى هنا الإسقاط الذي يتسلل إلى وعيها تعبيرًا عن بشاعة النهايات وقسوتها، والإشارة إلى خوفها المضمر من حضورها.
من نقطة النقص والخلوة المطلوبة لتدوينه، التي نلتقطها عبر قراءة ما لا يقوله النص السردي، يمكننا أن نتعرف إلى إستراتيجية النقص الإنساني الذي كان المرض مناسَبة لتعيينه وتشخيصه. نقص يبدأ بأرقام طوابق العمارة كما يرشد لها المصعد: ناقص 1 وناقص 2، حتى النقص بالتعبير عن الحاجة للشفاء والمناداة على المحبوب الغائب الذي يتقطع حضوره استرجاعيًّا، كما تخلل حضورَه الناقص في الواقع. كأنه موضوع حب له طرف واحد؛ الفتاة التي فقدت وجوده معها بسبب التحزب البعثي وهيجانات السياسة والعنف، فسافر هربًا ولحقته بمغامرة فذّة، ولا نتعرف إليه إلا بشكل ظلّيّ وطيفيّ. إنه في تلافيف الذاكرة منذ سفره، والعثور عليه مُجهِد ومتعِب؛ الذاكرة وحدها تستحضره وتجعله موجودًا. تستغرق التذكرات حادثة السفر للقائه بوساطة باص الصالحية ببغداد: النيرن- الذي صار أحد شخصيات العمل- له وهج خاص في استرجاعات المريضة المتلهفة لوجود المحبوب معها. إنها تحتفظ بأدق المشاهد التي ترصدها عينها من خلف زجاج الباص.
شخص واحد يصحبها صورته في سفرها حتى بعد المغادرة. إنه بائع الشاي المتجول العجوز بعطر الأقداح ويده المعروقة التي تظل إشارة لوجوده ونظراته الحانية وتلويحة وداعه. ولكن ذلك كله سيناله النقص. كل شيء يسبح في حوض النقص حتى الشخصيات والأمراض، وعرضة للتلاشي والأفول، والكتابة محاولةٌ للقبض على ما يمكن من شظاياه. النقص علة البشر والإنسانية كلها، والنقص موقف، إنه يشمل كل شيء حتى الأمكنة والأزمنة. بل ثمة نظرية للنقص ستهتدي الكاتبة إلى أسسها، وهي تهيئ ما تقوله في ندوة دُعيَت لها ذات يوم في برشلونة.
تكتشف أن التأليف هو موطن جيد للنقص وأحد شروطه. كل شيء في التأليف أيضًا يقود إلى النقص: «الكلمات الناقصة، والشخصيات والملفات الناقصة، الحدائق والبيوت والمدن الناقصة، الصداقات والحب والأوطان الناقصة». ويمكن أن نضيف الأمراض أيضًا؛ فهي عند الكاتبة كالشخصيات الروائية. وهذا يرشحها للنقص أيضًا، نقص نستذكر الاكتمال بمناسبته. لكن ذلك وعد تنخذل المريضة والبشرية في عملية إنجازه. الاكتمال وعد والنقص هو الحقيقة الوحيدة هنا. ولا يجدي القتال السردي كما تسميه الكاتبة، وبشتى الأسلحة البيضاء والرمادية لردم حُفَرِهِ وفجواته وندوبه وثقوبه في الجسد والروح. ليس لنا إلا الكلمات في النهاية.

وليمة من الرغبة تتحدى الوجع
كلمات تبحث عن بيتها في الأوراق البيضاء. لونها كما سنرى، يطابق لون الأَسِرّة وشراشفها وجدرانها. أوراق على الطاولة قرب السرير تشم رائحة البنج وتسمع صراخ الألم. فتمتد يدُ الساردة كما لو أنها يد غريق، والأوراق قشة يلتقطها شراع القلم للنجاة، وتتهيأ لِمَلْئِها بالكلمات. تتأمل الساردة كل ذلك. وتفكر بإيقاعها وصداها. وتقرّ بأنها تخشى بياض الأوراق حتى في مذكراتها المبكرة. وليمة من الرغبة تتحدى بها الوجع -ومن المفارقات أنها ترى أن علينا واجب صيانة كل جزء من البدن ليبقى صالحًا للوجع- ثم تقرّ بحقيقة أن كل شيء يموت أو يمرض كما أن كل الأشياء عرضة للنقص.
ثم ترتب الأفكار في اضطراب يناسب تمامًا حالة الرقود في المستشفى العسكري الباريسي، وتناوب دورات التخدير والإفاقة، وزوال مفعول البنج لتبدأ المعاناة، بين جمع مشتت من الأفكار تختار ما تريد تدوينه، ثم تبحث عن مفردات تصفها في جمل، لكن إيقاعها هو الآخر يتوافق مع إيقاع غرفتها وروائح الأدوية ووجوه الأطباء والممرضات والفنيين الذي يمرون بوجوههم المتنوعة، وتقرأ فيها حالتها وما استجد فيها.
تصبح الكلمات محل تأمل. اللغة تفكر بنفسها، لغة فوق اللغة تتفحص جدوى المفردة واصطفاف المفردات في الجمل. وتصبح الكلمات عزاء، حتى تقول عن الموت في نشوة التدوين: «إنه سلوى بطريقة ما». تَصالح غريب بينها والمرض الصديق القديم الحزين، والموت الذي هو سلوى وتعلة. فما الذي يجعلها تُروِّض أو تُدجِّن هذين الشرين الحاضرين وخسائر الماضي أيضًا؟
لا شك أن عالية ممدوح تلوذ باللغة. تسأل الساردة في استرجاع ذاتي طويل: «ترى إلى أين تذهب اللغة؟ من يقطعها بسكين حادة فيقطع المفردة عن جذرها، فنراها تجلس وحيدة على مقعد في شقّة شبه فارغة ترتدي ثيابًا غير التي تلاقينا فيها أول مرة». ينال النقص اللغة ذاتها وتتغير وظيفتها في سياق السرد «فتتساقط كالحجارة المسننة بعد أن كانت ملاذًا». وهنا تنفلت اللغة عن السيطرة أو تمرض. تتأمل الساردة ما تستخدم من ضمائر السرد، فإذا عددنا العمل سيرة روائية فسوف تواجهنا في قراءته مشكلة جمالية حول تقبلنا لحضور ضمائر أبعد من ضمير العائدية الذاتية الذي تستخدمه الساردة العليمة.
وتستشهد الساردة بالخلط المكرر الحاصل بين جميع الضمائر كما تقول، وهي الضمائر التي تعني المخاطَب والغائب والذات والمحبوب بالضرورة. وسوف تأخذنا في تأمل ميتا سردي عن متطلبات السيرة الذاتية متسائلة: «هل يمكن أن نبتكر ونتخيل في السيرة الذاتية؟». وتفترض للإجابة أن تكون في السيرة الذاتية، كما في الرواية الكلاسيكية، مراحل تبدأ من الولادة والحياة العاطفية والجنسية والتجارب المتنوعة، وذلك يحقق الإمتاع الذي يحصل في قراءة الروايات. وبالنسبة لها يتحدث بحثها، في الندوة، عن تلك الفرضيات التي تتقاسم قناعَتها بها مع القارئ المعنيّ بكونه متلقيًا للمدونة أن يتعرف إلى هوية النوع السردي الموجَّه له.
عمل عالية ممدوح يظل ضمن التجنيس الغلافي للنص كرواية، ولكن لا أحد بمستطيع إغفال الهوية الإجناسية للعمل؛ فهو يعرض إصابة الكاتبة بالالتهاب الرئوي وما سبَّبه من آثار في التنفس. ثم تأتي الشواهد التثبيتية لتعضد سيرية الرواية؛ فالموجهات الأولى التي تتصدر العمل تشير إلى ذلك في الإهداء لولدها- صديقها عبداللطيف. والأناشيد التي كتبتها كعتبة قراءة تتصدر النص، مهداة إلى «أصحاب الثياب البيضاء» الذين واللواتي ترى فيهم وفيهن الشجاعة، والصبر، والتفاني في قهر العذاب الذي ينتظر المرضى. وهذا يحيل إلى واقعة المرض الذي يهيمن على العمل منذ الأسطر الأولى في الفصل الأول. فتذهب القراءة إلى فعل (المطابقة) بين الكاتبة ومجريات السرد وعناصره؛ شخصياتٍ، وأحداثًا وأفعالًا وأزمنة وأمكنة، ووصفًا، وحوارات، ودلالات.
ولا يذهب القارئ إلى (المماثلة) والتقارب أو التشابه الخيالي مثلًا كما في السرد القصصي والروائي؛ فعناصر السيرة التطابقية تحفز من حيث وجود الساردة العليمة وتفوهاتها وما يجري لها، عائدية تامة للكاتبة. وربما يظل ثمة تقارب أكيد بين السيرة والرواية هنا في الصياغة، وخلق المبنى السردي المطعَّم بالتنقلات الحرة، مع تفاوت زمني له موقع في السرد، وفي طيات التداعيات والمحاورات.
«خلوة النقص» رواية سيرة للمرض والمريض، والانتصار بالكلمات والتدوين، كأن المرض حالة شفاهية لا يعبأ بها الجسد، بل يذهب بالأعضاء المصابة ليدون ويحيط بالمرض بالكتابة عنه ولا يكتفي بوصفه. كتابة غير آبهة بالفشل الذي لا يخلو حتى في حال حصوله من تسويغ ما: حيث تقول الساردة: «أثق بالفشل؛ فهو أكثر تماسكًا من الرخاوة التي تحيط بالفائزين من حولنا».
0 تعليق