المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

«الفصل الجذري بين السُّلطات تاريخ الدستورية الإسلامية» لوائل حلاق عدة منهجية كاسحة وجاهزية حجاجية بليغة

تؤكد النتيجة نفسها في «الدولة المستحيلة»

بواسطة | يوليو 1, 2026 | قراءات

صَدَر في بداية هذه السنة 2026م لأستاذ العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة كولومبيا، ومؤرخ الفقه الإسلامي المعروف وائل حلاق، كتاب جديد عنوانه «الفصل الجذري بين السُّلطات: تاريخ الدستورية الإسلامية» (Radical Separation of Powers A History of Islamic Constitutionalism, Oneworld Publications, 2026, (592 pages). يتناول فيه مسألة قانونية وسياسية مركزية في الفكر السياسي الحديث والمعاصر، ألَا وهي مسألة الفصل بين السُّلطات التي سبق له أنْ طرح بعض جوانبها في كتابه «الدولة المستحيلة، الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي» (ترجمة عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر، 2014م، الفصل الثالث: الفصل بين السُّلطات: حكم القانون أم حكم الدولة، ص85-146). وعليه، فإنَّ كتابه الجديد، يعدُّ من وجوه عديدة، تعميق وتطوير وتأكيد للأطروحة التي قدَّمها سابقًا. يقول:

«يأتي هذا الكتاب، من بين أمور أخرى، استجابة لهذا النقد [نقد الدولة المستحيلة]. فهو ثمرة بحث معمّق في الموضوع، تضمّن جهدًا لُغويًّا (فيلولوجيًّا) واسعًا(…). ومن ثمّ فإنَّ هذا الكتاب يمثل، في الوقت نفسه، بسطًا وتوسيعًا للأطروحة التي عرضتها في ذلك الكتاب الذي كان، يا لَلأسف، أقصر مما ينبغي» (كل الاقتباسات مترجمة من النص الأصلي).

في بنية الكتاب

يتألّف كتاب «الفصل الجذري بين السلطات…»، من ثلاثة أقسام تضمّ اثني عشر فصلًا، تتقدَّمها مقدِّمة وتختتمها خاتمة، ويقع في نحو 592 صفحة. ويضمّ القسم الأول ستة فصول تتناول الأسس الفلسفية والأخلاقية والدستورية للحكم في التجربة الإسلامية؛ إذ يبدأ ببحث المرتكزات الفلسفية للحكم وسياسات الأخلاق العملية، ثم ينتقل إلى تحليل بنية السُّلطة التنفيذية السُّلطانية، والسُّلطة التشريعية وعلاقتها بالدسترة (Constitutionalization) القرآنية وتشكّل المذاهب الفقهية، كما يدرس موقع السُّلطة القضائية داخل هذا البناء الدستوري، قبل أنْ يختتم بمناقشة إسهام إمام الحرمين الجويني لمسألة السُّلطة التنفيذية بوصفها استثناءً يؤكِّد القاعدة العامة للنظام الدستوري الإسلامي.

ويكتسي الفصل المتعلّق بالسُّلطة التشريعية أهمية خاصة؛ إذْ يتتبّع تشكُّلها منذ النص القرآني وصولًا إلى المذاهب الفقهية، مستثمرًا نتائج أبحاثه السابقة في تاريخ الفقه الإسلامي، ولا سيما ما عرضه في عدد من مؤلفاته، من بينها: نشأة الفقه الإسلامي وتطوّره، وتاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، والسُّلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي (صدرت هذه الكتب الثلاثة عن دار المدار الإسلامي في عام 2007م، وترجمها فهد بن عبدالرحمن الحمودي).

وينتقل في القسم الثاني من المستوى التأسيسي النظري إلى دراسة التشكُّلات التاريخية للدستورية الإسلامية في مختلف التقاليد المذهبية، مُتتبِّعًا تطوُّرها منذ العصر العباسي وما شهدته من تحولات في العصور اللاحقة، ولا سيما خلال المرحلتين المملوكية والعثمانية. ويتكون هذا القسم من خمسة فصول تتناول إعادة تحديد العلاقة بين السُّلطتين التنفيذية والقضائية في إطار المذاهب الفقهية الكبرى، بدءًا من التقليد الشافعي وما شهده من إعادة تأكيد لحدود السُّلطة التنفيذية، مُرورًا بالموقف الحنبلي الذي وسَّع الامتداد الأخلاقي للرقابة القضائية والتنفيذية، ثم التصوُّر المالكي الذي انتهى إلى تكريس تفوق السُّلطة القضائية داخل البناء الدستوري.

كما يدرس الكتاب التحوُّلات التي عرفها التقليد الحنفي وتشكُّل الدستورية العثمانية السابقة على الاستعمار، لينتهي إلى تحليل إشكالية القانون السلالي (Dynastic Law) وعلاقته بالدستورية الشرعية، من خلال مساءلة مصدر هذا القانون وحدود مشروعيته. ومن البين أنَّ الهدف من هذا القسم الذي يستعيد فيه معظم أبحاثه التاريخية هو إبراز الكيفية التي أسهمت بها التقاليد الفقهية المختلفة في إعادة صياغة التوازن بين السُّلطات مع المحافظة على المرجعية الأخلاقية والشرعية للنظام الدستوري الإسلامي.

وفي هذا القسم يرسم تاريخًا يتكوَّن من أربعة مراحل: أولها، المرحلة التكوينية التي تمتد من بدايات الخلافة الإسلامية حتى النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وفيها بدأت تتشكَّل (السياسة) بوصفها مجالًا مستقلًّا نسبيًّا لإدارة شؤون المجتمع، محكومة بالشرع. وبعبارة أخرى، فإنَّه بعد اكتمال الشريعة، خضعت السياسة لسُلطانها التنظيمي، مع احتفاظها في الوقت نفسه بمجال واسع من السُّلطات التقديرية داخل نطاقها الذي أصبح محدَّدا بوضوح.

ثم تلتها مرحلة ثانية امتدت نحو ثلاثة قرون ونصف إلى أربعة قرون، وشهدت في مجملها استمرار هذا الترتيب واستقراره. ثم أعقبتها مرحلة ثالثة هي مرحلة ظهور (السياسة الشرعية) مع بداية أُفول الحكم المملوكي التي أدَّت إلى تحوُّلات ملحوظة في الترتيبات القانونية والسياسية والدستورية.

ميشيل فوكو

وإذا كانت هذه المرحلة، شأنها شأن المراحل الأخرى، قابلة لمزيد من التقسيم الداخلي، فإنَّ سمتها الأساسية التي تميزها تمثلت في ازدياد اندماج السياسة في إطار الشريعة وخضوعها لها أكثر من أي وقت مضى. ولحقت بهذه المراحل الثلاثة، مرحلة رابعة هي مرحلة انهيار نظام السياسة الشرعية تحت وطأة الاستعمار، وظهور نظام جديد للحكم منذ مطلع القرن التاسع عشر، اتخذ مسارًا متزايدًا نحو العلمنة، واستبدل تدريجيًّا البنية (الدستورية) السابقة.

ويتكون القسم الثالث والأخير من فصل واحد عنوانه: «السيادة والسُّلطة الحيوية: هل تكفي الدستورية؟»، يُسائل فيه مدى كفاية المقاربة الدستورية في فهم أنماط السُّلطة الحديثة ومعالجتها، ولا سيما ما يتصل بمفهومي السيادة (Sovereignty) والسُّلطة الحيوية (Biopower)، وهما مفهومان يستدعيان تحليلات ميشيل فوكو ونقده للسيادة الحديثة سواء داخل السُّلطة الانضباطية أو الحيوية، أو ما أصبح يعرف في دراساته الأخيرة باسم الحُكمانية (Gouvernementality)، فضلًا عن بعض الامتدادات التي طوّرها لاحقًا الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين. يقول:

«ولذلك يتناول الفصل الثاني عشر هذه القضايا بعمق، ويبحث، من بين أمور أخرى، النظام الإسلامي في ضوء نظرية السُّلطة الحيوية عند ميشيل فوكو، بهدف توسيع أُفق البحث الدستوري وتجاوز حدوده التقليدية. كما يحمل الفصل بعدًا منهجيًّا واستكشافيًّا واضحًا؛ إذْ يسعى إلى إظهار مدى خضوع الدراسات الحديثة لأشكال الحكم الإسلامية لتحيزات ثقافية وقلق سياسي ليبرالي يقيّدان إمكانات الفهم والتحليل. ومع ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية مضمونه الموضوعي، فهو يقارن بين النظامين الدستوريين الليبرالي والإسلامي بقصد تقييم نقاط القوة والضعف في كل منهما وفق معاييره الخاصة. ويتخلَّل هذا النقاش، وإنْ بصورة ضمنية، رفضٌ لإحدى المسلَّمات الأساسية في الدراسات الحديثة حول الحكم الإسلامي، وهي ما أسميه (لاهوت التقدم). ففكرة أنَّنا نعرف اليوم، بحكم حداثتنا، أكثر ممن سبقونا كيفية إدارة شؤوننا، بما في ذلك كيفية حُكم أنفسنا، ليست فكرة يُسلَّم بها أو تُقبل بوصفها بديهية».

وتشكّل هذه المواضيع والقضايا، وغيرها بلا شك، محورًا رئيسًا في أعمال المؤلف المتأخرة، وفي نقده للحداثة الغربية والحداثة السياسية تحديدًا. ويختتم الكتاب بخاتمة تحمل عنوانًا دالًّا: الماضي، الحاضر، المستقبل، يستعيد فيها المسار العام للبحث، ويضع نتائجه في أُفق يتجاوز التحليل التاريخي للدستورية الإسلامية إلى مساءلة رهاناتها النظرية والسياسية في الزمن الراهن.

في التحليل

يستهل وائل حلاق بحثه بسؤالين تمهيديين يسوِّغان موضوع الدراسة، قبل أنْ ينتقل إلى معالجة الأسئلة الكيفية التي تتيح له تشييد سردية الفصل الجذري بين السُّلطات في التاريخ الإسلامي. فيسأل أولًا، لماذا ينبغي أنْ يكون هذا الموضوع محلَّ دراسة؟ ثم يتساءل ثانيًا، عن ما الأسباب التي جعلت هذا الحقل المعرفي يعاني إهمالًا دام قرونًا من الزمن؟ ويكمن الهدف من طرح هذين السؤالين هو نقض الفكرة القائلة بـ(لا جدوى من إقامة تاريخ للدستورية في الإسلام)، وذلك، بطريقتين مختلفتين ولكنهما متكاملتين.

تتمثل الأولى في «الكمّ الهائل من النقاشات الحيوية حول الدساتير والقضايا الدستورية في العالم اليوم»، وضرورة المشاركة في كتابة الحاضر عبر المشاركة في الأسئلة والمناقشات الدائرة حول الدستور في الإسلام. يقول: «…إذا كانت كتابة التاريخ تعني، بالضرورة، كتابة تاريخ الحاضر، فإنَّنا نجد أنفسنا ملزمين بطبيعة الحال بأنْ نفكّر في الماضي انطلاقًا من هموم الحاضر، وضمن الحدود التي يرسمها لنا خيالنا اللغوي». وتظهر الثانية في وجود فريقين يعملان، كلٌّ بأسلوبه، على موضوع الدستورية الإسلامية: أوربا التي لم تعد تفكر في هويتها الخاصة إلَّا من خلال المقابلة مع الهوية الإسلامية، وبخاصة ما تعلق بالجهاد والمرأة، والحريات الشخصية، وقبل هذا وذاك مسألة الحكم الديمقراطي، وبخاصة بعد الحضور الإشكالي للجاليات المسلمة في المجتمعات الأوربية الغربية، وهو ما يعني أنَّ وائل حلاق يتبنى التحليل القائل بـ(انتقال الحرب الباردة التي كانت بين المعسكر الاشتراكي والرأسمالي إلى حرب باردة بين الإسلام والعالم الحر، مع ما يطرحه هذا التحليل من مشكلات، وبخاصة من جهة صحته وحقيقته وقوة تأثيره في العلاقات الدولية).

وأمَّا الفريق الثاني الذي يصفه بالضخامة، فهو فريق المسلمين في البلدان الإسلامية، من دون أن يعيِّنه أو يحدِّده، ولكن، وعلى ما يبدو، فإنَّ كلامه يتوجه إلى الفاعلين اجتماعيًّا وسياسيًّا وفكريًّا والمعنيين بالقضايا السياسية والتغيير الاجتماعي أو الإصلاح عمومًا، وبخاصة بعد انتشار المفاهيم الليبرالية في البلدان الإسلامية، ولجوئهم إلى قراءة التراث وإعادة قراءته وتكييفه وفقًا لمقتضيات العصر. ولكن السؤال المركزي الذي يهتم به المؤرخ الفقهي وائل حلاق، بعد تجليته لسؤال المسوغات هو:

«كيف نشرع في دراسة هذه القضايا [الدستورية] داخل ثقافة منقضية لم تعرف لغة الدساتير، ولا الديمقراطية، ولا سيادة القانون، ولا فصل السُّلطات، ولا غيرها من المفاهيم المشابهة؟ كيف يمكننا أن نفهم تجاربها السياسية وأنماط حكمها من دون أنْ نفرض عليها مفاهيم لم تكن جزءًا من عالمها الفكري أو اللغوي؟».

الموقف من الاستشراق

ولكن قبل دراسة وتحليل هذا السؤال المركب، نقد الحلاق الاستشراق (لا تكاد دراسة من دراسات المؤلف تخلو من ذكر الاستشراق ونقده، ومعلوم أنه قد خصص كتابًا كاملًا لهذا الموضوع. يُنظر: قصور الاستشراق، منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة عمرو عثمان، الشبكة العربية للأبحاث، 2019م). وموقفه من مسألة الدستورية الإسلامية الذي يصفه بـ(الصمت)، أي صمت المستشرقين عن تناول موضوع الدستور الإسلامي، منذ ظهوره حتى أواخر القرن العشرين، أي بعد تفكُّك مؤسَّسة الاستشراق الرسمية.

ولكن وائل حلاق، وعلى ما يبدو، لا يزال يعتقد باستمرار هذه المؤسَّسة، رغم ما عرفته من تحوُّلات، وبخاصة تلك التحوُّلات التي رافقت نهاية الحقبة الاستعمارية، وقيام عمليَّات نزع الاستعمار، سواء في البلدان المتحرِّرة، أو في المؤسَّسات الغربية المعنية بالاستشراق، بحيث أضحينا نتحدَّث عما بعد الاستشراق، نسجًا على نسق المابعديَّات التي افتتحتها ما بعد الحداثة التي يستقي وائل حلاق من مصادرها وتحليلاتها ورؤاها وأطروحاتها، وبخاصة نقدها الجذري للحداثة والتنوير، ومنها تلك المتعلقة بتحليلات ميشيل فوكو التي تحضر بكثافة في نصوصه القديمة والجديدة، وأهمها الدولة المستحيلة وقصور الاستشراق، التي تحتاج إلى دراسة خاصة، آمل إنجازها في المستقبل القريب.

وإنَّ قراءة ما جاء في الفصل الأخير من هذا الكتاب الجديد: «الفصل الجذري…»، يكشف بيُسر مدى توظيفه لمفاهيم فوكو واستعارته لمنهجه. يقول:

«إنَّ كتابة التاريخ الدستوري للإسلام من منظور ما بعد حداثي حقيقي -بالمعنى الذي ألمحتُ إليه في المقاربة اللغوية والفيلولوجية-الفلسفية لما أسميته سابقًا (البُعد العمودي) – تقتضي الانخراط في مشروع تنقيب أثري واسع النطاق. فكما أنَّ عالم الآثار لا يستطيع الوصول إلى الأرضية التاريخية إلَّا بعد إزالة طبقات التراب والأنقاض والرواسب المتراكمة، وهي الأرضية التي تُمثِّل بدورها علامات دلالية تكشف عن أنماط عيش الجماعات البشرية الماضية، كذلك الحال في موضوعنا. فالرواية الاستشراقية، بكل ما تراكم عليها من شوائب، تُمثل هذه الطبقات التي تغطي الآثار وتحجب دلالاتها الحقيقية.

غير أنَّ هذه ليست سوى نصف المشكلة. فبعد إزالة الرواسب وكشف الآثار، ينبغي استخراجها وإعادة تصنيفها وفهرستها، ثم إعادتها إلى المواضع التي كانت تشغلها في الأصل، حتى يتسنى إعادة تقييم دلالاتها، وإعادة بناء الروابط والعلاقات التي تجمع بينها؛ ذلك أنَّ الطريقة التي تُرتَّب بها الدوال وتُصنَّف تؤثر تأثيرًا بالغًا في دلالاتها، ومن ثم في الكيفية التي يُروى بها تاريخها.

وإنَّ جزءًا أساسيًّا من التشويه الاستشراقي يتمثل في قدرته البارعة على إبقاء كثير من (الآثار) أو (الوقائع) ظاهرة للعيان، بحيث تبدو النتائج المستخلصة منها علمية ومنطقية ومقنعة، في حين أنَّ الدلالة الناتجة عن ترتيب هذه الوقائع وتنظيمها وعلاقاتها المتبادلة تُبيّن أنَّها ليست منحرفة فحسب، بل مؤذية أيضًا. فالاستشراق بارعٌ في فن إعادة تنظيم الوقائع والبيانات وإعادة ترتيبها».

واذا كان موقف الاستشراق قبل نهاية القرن العشرين يتسم بالصمت حيال التاريخ الدستوري الإسلامي، فإنَّه قد أولى التاريخ الإسلامي ومؤسَّساته السياسية والقانونية اهتمامًا واسعًا، ولكن مع ذلك ظل موضوع الدستورية الإسلامية إلى حدّ بعيد خارج دائرة البحث الجاد، وهو الأمر الذي يقتضي تفسير أسباب هذا الغياب الطويل وفهم دلالاته المعرفية والتاريخية، والأهم من هذا كله هو أنَّ هذه الدراسات الاستشراقية لم تفرز على حد تعبيره: «سردية معرفية متماسكة أو بنية تفسيرية متكاملة (بغضّ النظر عن الرواية الاستشراقية السائدة بشأنها). فما زال هذا المجال البحثي، في أفضل الأحوال، متقطعًا ومجزأً، تتوزّع دراساته على موضوعات متفرقة دون أن تنتظم ضمن إطار نظري أو تاريخي شامل يتيح فهم تطور البنية الدستورية في التجربة الإسلامية بوصفها موضوعًا قائمًا بذاته (التشديد من عندي). وهذه هي المهمة الفكرية التي نذر وائل حلاق نفسه لإنجازها: تشييد سردية متماسكة للدستورية الإسلامية وبسطها بالتفصيل في كتابه الضخم.

الموقف من اللُّغة والترجمَة

يبدي مؤرخ الأفكار الفقهية وائل حلاق وعيًا حادًّا بالمسألة اللغوية والاصطلاحية المستعملة في موضوع الدستورية الإسلامية وكيفية ترجماتها. يقول:

«حتى لو افترضنا أنَّ المؤرخ واعٍ تمام الوعي بهذه الانحيازات الأيديولوجية وبهذه الكتابات التاريخية ذات الخلفية الاستعمارية، فإنَّ سرديات الدساتير والتواريخ الدستورية -ولا سيما تلك المتعلقة بالكيانات السياسية غير الغربية- تظلّ تطرح تحدِّيًا مفهوميًّا بالغ الصعوبة، كما تفرض نوعًا من الإكراه اللغوي والفكري من الدرجة الأولى. فالنظر إلى التاريخ الإسلامي من خلال مفاهيم مثل (الدستورية) لم يكن أمرًا حتميًا في ذاته، بل أصبح كذلك بسبب التجربة التاريخية الخاصة بأورُبا مع الأشكال الدستورية المختلفة».

والحقُّ أنَّه لا يسع القارئ إلَّا أنْ يقرَّ بالجهد اللغوي والاصطلاحي الكبير الذي بذله المؤلف في هذا الكتاب. وفي تقديري، فإنَّ الوقوف عند هذا الجهد واستيعابه وتمحيصه يُعد ضرورة لكل باحث مهتم بالتراث الإسلامي، ولا سيما ما يتصل بتوظيف المؤلف لمقاربات لغوية متشابكة ومتعدِّدة المستويات، تمتد من فقه اللغة عند نيتشه ومفهوم (اللغة المشرِّعة)، مرورًا بالفلسفة اللغوية عند فتغنشتاين، وصولًا إلى التأويلية. ويأتي هذا التوظيف في إطار سعي المؤلف الحثيث إلى زحزحة الخطاب المهيمن على دراسة الدستورية عمومًا، والدستورية الإسلامية على وجه الخصوص.

إنَّ هذه المشكلة اللغوية، ستتضاعف عندما تطرح مسألة الترجمة أو ما يسميه بالقابلية للترجمة سواء من العربية إلى الإنجليزية أو من الإنجليزية إلى العربية، أو غيرها من اللغات الأجنبية العالمية، بحيث أصبحنا في (غربة معرفية) على حد قوله. وتتجلَّى إحدى مظاهرها في أنَّ:

«الطريق إلى الماضي الإسلامي لا تعوقه اللغة الحديثة في حدّ ذاتها فحسب، بل تعوقه أيضًا التفاعلات القائمة بين اللغات الحديثة نفسها، بل وهيمنة بعضها على بعض. وعلى وجه الخصوص، وبالنظر إلى هذا الكتاب الذي كُتب باللغة الإنجليزية، فإنَّ علينا أنْ نأخذ في الحسبان العلاقة بين الإنجليزية بوصفها لغة استعمارية -ومن ثمّ بوصفها نظامًا في التفكير- وبين العربية التي خضعت للاستعمار(…). فالتدخل الذي تمارسه العربية الحديثة، مثلًا، تحت تأثير الإنجليزية الاستعمارية، ينبغي النظر إليه بوصفه حاجزًا إضافيًّا يزيد من تعقيد الإشكالات التي تنشأ حتمًا عن نظام التفكير الإنجليزي عند محاولة الولوج إلى المجالات الدستورية للإسلام ما قبل الحديث».

والسؤال الذي يفرض نفسه، سواءٌ على وائل حلاق أم على غيره من المفكرين العرب الذين آثروا الكتابة بلغة أجنبية، أمثال محمد أركون وإدوارد سعيد، هو: ما مسؤوليتهم تجاه هذه الغربة اللغوية التي تفصل، جزئيًّا على الأقل، بين إنتاجهم الفكري وجمهورهم الثقافي الأصلي؟ أكانت الكتابة بلغة أجنبية ضرورة فرضتها شروط المعرفة الحديثة ومؤسَّساتها، أم كانت خيارًا فكريًّا مقصودًا؟ ويغدو هذا السؤال أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بمفكرين ملتزمين، على اختلاف تصوراتهم لمعنى الالتزام ومقتضياته.

في البديل المعرفي

للخروج من مختلف هذه الصعوبات المعرفية والإشكاليات النظرية واللغوية، يقترح وائل حلاق ما يسميه بالمقاربة البنائية القائمة على التواضع الإبستيمي-المعرفي (Epistemic humility). يقول:

«إنَّ التواضع المعرفي يقتضي، بل يفترض سلفًا، اعتراف الباحث الفيلولوجي والمؤرخ اعترافًا كاملًا وصادقًا بأنَّ البشر الذين عاشوا في الأزمنة الماضية، والتشكّلات الاجتماعية التي انتموا إليها، يستحقون الاحترام التام بوصفهم نظراء لنا، أيْ بوصفهم كائنات بشرية عاشت واقعها وتعاملت معه باعتبارها فواعل عاقلة لا تقل كفاءة عن غيرها، مهما اختلفت تعريفات العقل أو العقلانية».

وهذا ما يَستوْجب الانتقال من السيادة المعرفية إلى التواضع المعرفي، عبر تنمية جملة من (تقنيات الذات) التي نقرؤها عند فوكو، وبخاصة تلك التي يسميها (المنطق الداخلي) للأفكار والظواهر المدروسة. وهو ما يعني أنَّ وائل حلاق يقترح قاعدة أخلاقية معرفية، وهي قاعدة سبق له طرحها في كتابه: «الدولة المستحيلة».

وفي تقديره أن هذه المقاربة تسمح ببناء سردية الدستورية الإسلامية التي تواجه عقبة (الدساتير غير المكتوبة)، وتمكّنه من تجاوز (مفارقة السيادة المعرفية). وعليه، فإنَّه وبدلًا من أنْ يشكل غياب الدساتير المكتوبة معضلة، فإنَّ وائل حلاق يحوِّلها إلى إمكانية. يقول:

«فالدساتير غير المكتوبة تبدو، في كثير من الأحيان، أكثر عضوية وتجذرًا في الواقع التاريخي من نظيراتها المكتوبة؛ إذْ إنَّها، بخلاف الدساتير الحديثة التي تكون بالضرورة مدوّنة، لا تنشأ بوصفها أفعالًا تأسيسية أصلية تُنشئ الكيانات السياسية الوطنية عن وعي وقصد، (…)، وإنَّما تتكوَّن تدريجيًّا من خلال استقرار أنماط الحكم والممارسة السياسية عبر الزمن».

ويوظف في هذا السياق مفهومًا في التحليل السوسيولوحي نقرؤه عند بيير بورديو ألَا وهو مفهوم الهابيتيس (Habitus) الذي يعني منظومة من الاستعدادات والميول والتصورات الراسخة التي يكتسبها الأفراد والجماعات من خلال التنشئة الاجتماعية والخبرة التاريخية، فتوجّه إدراكاتهم وأحكامهم وممارساتهم من غير حاجة إلى قواعد صريحة أو وعي كامل بها، وهو ما يتجلَّى في الأخلاق الإسلامية ومعاييرها ومرجعيتها. وبذلك يؤكِّد حلاق، ومن جديد، على أطروحته الأخلاقية التي توجه مختلف أعماله النظرية والسياسية الناقدة للحداثة الغربية.

ولقد اتخذ هذا النقد، في كتابه «الفصل الجذري بين السلطات…» شكلًا كانطيًّا لا يخلو من مسحة عرفانية (غنوصية). يقول:

«إنَّ البنية هي انعكاس، وربما حتى فيضٌ أو انبثاق، من معرفة سيادية تُترجم نفسها، في حدود المصادر المتاحة، إلى مبادئ من القوة والسُّلطان، بحيث تتحكم في إعادة الإنتاج المستمرة للأنظمة الاجتماعية. وإذا صُغنا الأمر بلغة كانطية مجرَّدة، فإنَّها تُمثل التحوُّل الكامل من النومينا (noumena) إلى الفينومينا (phenomena)، أي من الأشياء في ذاتها إلى الظواهر كما تتجلَّى في العالم. وإنَّ ما يُفسر بقاء البنية واستمرارها عبر فترات زمنية طويلة هو سُمو هذه المبادئ وقوَّتها الملزمة. وهذا الكتاب، في جوهره، ليس سوى تعليق مطوَّل على القضايا المتقدمة وشرح تفصيلي لها».

جورجيو أغامبيون

وبناءً على هذا التصوَّر، يفترض وائل حلاق وجود بنية عميقة ومستمرة، إنْ لم أقل بنية جوهرية، تقف وراء عدد من الظواهر التاريخية والاجتماعية، ومن بينها ما يسميه الفصل الجذري بين السلطات في سردية الدستورية الإسلامية.

وإذا كان الفرق بين كتابي: «الدولة المستحيلة» السابق وهذا الكتاب اللاحق: «الفصل الجذري»، كمِّي وكيفِي، وبخاصة من جهة الجهاز المفاهيمي-الاصطلاحي والمدة الزمنية واستحضار المنجز التاريخي الفقهي السابق، فإنَّ النتيجة الأساسية التي خلُص إليها المؤلف تكاد تكون متماثلة، وذلك لأنَّه إذا كان في الكتاب الأول قد بيَّن استحالة ( إقامة دولة إسلامية)؛ لكونها تتعارض مع الأسس التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فإنَّه في هذا الكتاب المفصل والمجهز بعدة منهجية كاسحة، وجاهزية حجاجية بليغة، يؤكِّد النتيجة نفسها. يقول:

«إنَّني أذهب، في مواضع متعدِّدة من هذا الكتاب، وأخلص إلى ذلك في الفصل الختامي، إلى أنَّ مفهوم العقل والعقلانية في الإسلام نفسه يتعارض مع نظيره العلماني. ودراسة العقل والعقلانية ليست مجرد انشغال فلسفي أو استغراق في تأملات نظرية مجرِّدة، وإنَّما لها آثار مباشرة في الأفكار السياسية والممارسات السياسية وتشكيل البنى الدستورية، فضلًا عن مجالات عديدة أخرى من النشاط الإنساني».

والسؤال الذي يفرض نفسه على قارئ هذه الأطروحة، التي تؤكِّد مبدأَ الاختلافِ الأساسي، إنْ لم أقل الجوهري، بين المنظومتين المعرفيتين: الغربية العلمانية والإسلامية الأخلاقية، هو: أتُعَدُّ هذه النتيجة فعلًا إضافة جديدة، أم إنَّها لا تعدو أن تعيد، بصياغة أكثر تعقيدًا، ما هو معروف سلفًا لدى قطاع واسع من الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، الذي اتخذ تسميات متعدِّدة يمكن إجمالها في أطروحة الهوية الإسلامية الخاصة، القائمة على تمايز جوهري بين الحضارة الإسلامية وغيرها من النظم الحضارية والمعرفية؟

إنَّ هذا السؤال يفرض نفسه بصورة خاصة على قارئ الفلسفة لهذا الكتاب، وذلك لأسباب كثيرة، ليس أقلها الاستبعاد المقصود الذي أجراه المؤلف للموروث الفلسفي اليوناني في الحضارة الإسلامية.

صحيح أنَّ المؤرخ وائل حلاق يقدِّم في مقدمة كتابه مسوِّغًا منهجيًّا لهذا الاستبعاد، غير أنَّ الخلاصات التي انتهى إليها تدفع هذا القارئ إلى إعادة طرح السؤال بصيغة أخرى، وهي: ألَا يعني استبعاد مكوَّن ثقافي أساسي من مكوّنات التراث الإسلامي محاولة لتقديم سردية لدستورية إسلامية أصيلة ومؤصَّلة، لا تشوبها شائبة الدخيل أو الغريب، ولا يعتري عناصر بنيتها المتماثلة اضطراب؟ وبخاصة إذا علمنا أنَّ مادة هذه السردية الدستورية، ولُحْمتها وسِدَاها، هي التراث الفقهي السني الذي لم يتورع، في كثير من تجلياته المعلنة، عن تسفيه الفلسفة ووصمها بالبدعة، والتشكيك في مقاصدها.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *