يدرك المتلقي الواعي من استهلال قصة أحمد الحقيل «الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة»، منشورات وزارة الثقافة (قصص من السعودية 2020م)، معالجة القصة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي استجدت في المجتمع السعودي مع اكتشاف النفط، وانعكاسات هذه التغيرات على الشخصية (لطيفة)، مع أن العنوان -مستقلًّا- يحتمل دلالات عدة تجعله صالحًا لقصة عجائبية أو غرائبية، أو حتى قصة موجهة للأطفال.
«الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة» هي الحياة الجديدة التي عاشها المجتمع السعودي بعد الظهور التجاري للبترول في المنطقة الشرقية، واستثمار القيادة الحاكمة عوائده؛ لتحقيق نهضة اقتصادية غيرت بها حياة المواطن الذي عانى شدةَ العيشِ لسنوات؛ فالحياة قبل اكتشاف البترول تختلف تمامًا بعد اكتشافه. يقول السارد عن تطور حياة لطيفة المرتبط بخط سير النهضة مركزًا بؤرة عدسته السردية على طبيعة البيوت التي عاشت فيها لطيفة ومكوناتها:
«تزوجت لطيفة وهي في الرابعة عشرة من عمرها بابن عمها، وسكنا مع والدته في بيت طين على أطراف حي العقدة، حيث هنالك بقرتان في الحوش الخلفي، تتولى لطيفة حلبهما كل صباح، وهناك شبك دجاج هي المسؤولة عنه، ومزرعة صغيرة في الخلف تساعد في تحضيرها». هذه الحياة القروية لم تتغير قبل عام 1978م؛ فبعد وفاة أم زوجها انتقلت إلى بيت طيني جديد لرغبة زوجها في الاقتراب من مقر عمله… ما زال هنالك بقرة في الخلف، وشبك دجاج، ومزرعة صغيرة على قدر العائلة الصغيرة تحضر فيها الكوسة والفلفل البارد والنعناع». وفي عام 1978م.: «انتقلوا إلى بيت جديد في حي الفيصلية من دور واحد أيضًا، لكنه مبنيّ من الحجر وفي حوشه برندة مثلما ترى في المسلسلات المصرية آنذاك. لم تكن رائحة الطين وحدها التي اختفت، ولكن اختفت الأبقار أيضًا، وشبك الدجاج، في ظل انتشار منتجات الألبان والملاحم والمبردات، وبقيت المزرعة -التي كانت تحفر مع معظم بيوت ذلك الوقت- متسارعة الإهمال حتى صارت ترابًا يلعب فيه الأطفال».
البيت الجديد يمثل نقلة حضارية في حياة لطيفة التي نبتت في نفسها بذور التغير وتخلصت راضيةً من عبء حلب الأبقار، ورعاية الدجاج، وزراعة مستلزمات بيتها في المزرعة الصغيرة الملحقة به. هذه النقلة الحضارية كانت البداية لنقلة أخرى في حياة لطيفة، نقلة هي بطلتها الرئيسة؛ ففي «ذروة الطفرة الأولى منتصف الثمانينات إثر ارتفاع سعر النفط وزيادة مداخيل الدولة… أصرت على أن يكون لها بيت كبير، مثل بيوت أبناء العائلة، برغم رفض زوجها المتهيب من القرض العقاري، فظلت تواصل الحن، والنشبة والضغط، حتى رضخ وسكنت بيتًا حداثيًّا مكونًا من دورين. وهو إصرار يشير به السارد إلى ترعرع بذور التغير في نفس لطيفة القروية الراغبة في مسايرة إيقاع الحياة الجديد، السائد آنذاك في المملكة.
إن تنقل لطيفة بين أربعة بيوت ليس مجرد حركة جغرافية، بل تمثيل لتحول المجتمع، وسرعة درجة هذا التحول، ووقوف على قبول الأفراد له. كما أن التنقل في القصة هو رمز سردي يعكس قدرة لطيفة (المعادل الموضوعي للمرأة السعودية) على الانتقال بين منظومات قيمية مختلفة، وتجاوزها -بسهولة- للصدمة الحضارية الكبرى الناتجة عن المقارنة بين فضاءين متضادين.
لم يقف السرد عند تأقلم لطيفة مع الحياة الجديدة: بيت مبنيّ بالحجر، ألبان معبأة، لحوم مجمدة؛ فالسارد ركز، أيضًا، على تقبلها للتطور التقني المتسارع، وعدم انعزالها عن محيطها الذي شهد متغيرات لم تخطر على بالها. فهي: «تسمع الأخبار كل يوم من جوالها بدل الراديو»، ثم تطالع «مقاطع اليوتيوب والواتس أب من جوالها». ولعل أهم ما لم يخطر على بال لطيفة هي التحولات التي طرأت على قعيدتها (مها). مها هي ابنة المشروع الحضاري السعودي، فهي تكتب بالإنجليزية وتتحدثها بطلاقة راقية، وتقود سيارتها، ولا تخرج من بيتها إلا بعد وضع المكياج، وفي ظل تمكين المرأة تطمح إلى أن تكون وزيرة.
هذا التغير الذي لم تكن تتوقعه لطيفة قابله تغير في البنية السردية للقصة، يمكن حصره في: التأريخ للشخصية بالحدث التاريخي، والتشظي الزمني، والتخلص من الحبكة التقليدية. فالسارد يؤرخ لحياة لطيفة بطريقة غير مألوفة في جُلّ القصص العربية القصيرة.
خيط السرد يوحي بأن القصة تاريخية، أو أن التاريخي فيها سيتخطى حاجز مجاورة الحدث الواقعي، لكن السارد يكسر أفق توقع المتلقي قائلًا: «في هذا العام ولدت لطيفة» مؤرخًا لميلادها بحدث مهم عند أهل المملكة؛ فمنذ هذا التاريخ بدأ الدولة السعودية مرحلة جديدة. وهو تحول يجعل لعنوان القصة حضورًا طبيعيًّا داخل المحكيّ، فتطور الدولة زمن الطفرة المبكرة، قد يكون هو سبب الحياة التي لم تخطر على بالها، وأن السرد الآتي سيرتبط بلطيفة ارتباطًا وثيقًا.
إن التأريخ بالحدث التاريخي لا يحدد الزمن فقط؛ فهو يضع أمام المتلقي فضاء زمكانيًّا، مفرداته: صحراء، وغبار، وخيام، يخاطب بها السارد عقلية المتلقي الاستشرافية، كما أنه يحمّل الشخصية (لطيفة) خلفيات احتمالية متنوعة، مثل: تغير أنماط الحياة، وتوسع المدن الآتي، وقرب الوفرة الاقتصادية، وصعود الطبقة الوسطى. والتصاق خلفية من هذه الخلفيات أو أكثر بالشخصية السردية يجعلها مرآة يرى فيها المتلقي الواقع المعيش بتفاصيله وتحولاته كلها.
من التاريخ إلى الحكاية
الأحداث التاريخية التي أرخ بها السارد لحياة لطيفة يميزها عدم الجمود، كما هي حال التأريخ الرقمي. هذا التأريخ يضع الشخصية داخل حركة المجتمع، لا داخل ورقة في تقويم، كما أنه يخلق مجموعة من الدلالات الرمزية التي تظل ملازمة لخط الحكي الرئيس طوال عملية القراءة، وتفرض نفسها على فهم القارئ، وتوجه تأويله للحكاية نحو التأويل المراد من ورائها. على سبيل المثال، الطفرة تحيل القارئ إلى الثراء المفاجئ والتحولات الحضارية، وحرب الخليج تحيله إلى القلق والتحولات السياسية.

أحمد الحقيل
بجوار التأريخ بالحدث التاريخي يحضر التشظي الذي يعني عدم تراتبية الحكي وتداخل أجزائه، وغياب الخط السردي الواحد الذي ينظم مسارات الحكاية بعقلانية من بدايتها حتى نهايتها. والاستغناء، كما يقول إدوارد الخراط، «عن السياق التقليدي في التعبير» الملتزم بمنطق السببية، واستبداله بسياق جديد يناسب عقلية القارئ المتدبر الباحث عما وراء المتخيل الحكائي.
يتجلى التشظي بداية من استهلال القصة. بدأت بحدث قديم عن زيارة الملك عبدالعزيز لمخيم شركة أرامكو بالدمام، يؤرخ به السارد لميلاد لطيفة. تلاه قفزة زمنية، تخطت السبعين عامًا، للحديث عن شخصية غير معلومة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تستعد للخروج من منزلها في صباح أحد الأيام لتقديم مشروعها -الذي تتجاوز ميزانيته 50 مليون ريال- أمام الوزير: «خرجت ومشت بسيارتها المركونة في الكراج، وضوء الشمس ما زال ذهبيًّا، وليس في الشوارع إلا سيارات المقاولين وعمال بناء المصانع… جلست في غرفة الاجتماعات وعرضت من جديد مشروعها المكون من 45 صفحة. كل شيء في مكانه بإنجليزية فصيحة، ورموز معبرة، وأرقام دقيقة». وبعد عرض مشروعها اكتشفت مصادَفة «أن الدورة فاتتها منذ أيام عدة، دون أن تنتبه إليها في لخبطة انشغالها، وعلا وجهها ببطء متشكك تعبير يشبه الهلع، وصرت بين أسنانها مشدوهة: ابن الكلب»!
ثم يعود السرد إلى لطيفة بجملة تقريرية: «إذن وافق اكتشاف النفط بكميات تجارية في المملكة ميلاد لطيفة»، وسؤال محير: «وماذا غير ذلك؟» وحيرته تكمن في الموجه إليه، هل هو موجه للمتلقي؟ أم من السارد العليم لذاته لتأكيد قوة حضورها داخل المحكي الذي يتنازعه زمانان متباعدان؟
وهما -الجملة والسؤال- يستدعيان عودة للحديث عن رحلة الملك عبدالعزيز إلى الدمام، أو الحديث عن لطيفة الحاضرة بقوة في النص والعنوان. لكن السارد يأخذ المتلقي إلى منطقة سردية أخرى: «في عام 1940م كانت جيوش ألمانيا النازية تواصل الزحف على حدود فرنسا، في تكتيك الحرب الخاطفة الشهير، الذي يعتمد على توظيف عنصر المفاجأة في تعطيل دفاعات الطرف المقابل». يؤرخ بهذا الحدث لوفاة والد لطيفة: «في ذلك الوقت توفي والد لطيفة في القرية الصغيرة التي تبعد عن المجمعة 15 كلم». وهو حدث تاريخي يدل على أن المملكة لم تكن في هذا الوقت معزولة عن الأحداث العالمية، وأن أهل البقعة -المحاطة بالصحراء من كل جانب- كانوا على دراية بما يحدث في العالم من حولهم ويتفاعلون معه.
بين التشظي والتسلسل الزمني
اتخاذ جزء كبير من أحداث القصة طابعًا تسلسليًّا يقلل من حدة التشظي ولا يلغيه. وظلت أحداث العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مجهولة للمتلقي في البداية، كما هو حال هوية المرأة التي انطلقت بسيارتها لعرض مشروعها أمام الوزير. لكن القارئ يعرف لاحقًا أنها (مها) ابنة لطيفة الصغرى، التي أجرت اختبار حمل وظهرت نتيجته إيجابية. وتظل الأحداث متتابعة في العقد الثاني من الألفية الثالثة، لكنها لا تنتهي بوفاة (لطيفة) بعد معاناة مع المرض؛ فقبيل النهاية يأخذ السارد المتلقي إلى ما قبل زمن الأحداث: «كانت لطيفة، وهي لم تتجاوز السادسة بعد، تظن أن معظم قصص والدتها تلفيق وأساطير. هل يعقل أن جدتها كانت تقف على سطح القصر الطيني لتطلق النار من بندقية زوجها على الحونشلية؟ ثم يعود إلى مها التي أدركت أنها في سن أمها عندما حملت بها.
لقد نجح الحقيل في الربط بين شكل القصة ومضمونها؛ ففكرة التحول والمتغيرات الاجتماعية المتلاحقة الثائرة على القديم والتقليدي والفارضة على الواقع مفهومًا جديدًا للحياة، قابلها تحول في شكل القصة وبنائها الذي جاء جديدًا ومتشظيًا ومخالفًا للشكل التقليدي.
0 تعليق