«الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة» لأحمد الحقيل تحولات المجتمع وتغير تقنيات الكتابة

«الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة» لأحمد الحقيل

تحولات المجتمع وتغير تقنيات الكتابة

يدرك المتلقي الواعي من استهلال قصة أحمد الحقيل «الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة»، منشورات وزارة الثقافة (قصص من السعودية 2020م)، معالجة القصة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي استجدت في المجتمع السعودي مع اكتشاف النفط، وانعكاسات هذه التغيرات على الشخصية (لطيفة)، مع أن العنوان -مستقلًّا- يحتمل دلالات عدة تجعله صالحًا لقصة عجائبية أو غرائبية، أو حتى قصة موجهة للأطفال.

«الحياة التي لم تخطر على بال لطيفة» هي الحياة الجديدة التي عاشها المجتمع السعودي بعد الظهور التجاري للبترول في المنطقة الشرقية، واستثمار القيادة الحاكمة عوائده؛ لتحقيق نهضة اقتصادية غيرت بها حياة المواطن الذي عانى شدةَ العيشِ لسنوات؛ فالحياة قبل اكتشاف البترول تختلف تمامًا بعد اكتشافه. يقول السارد عن تطور حياة لطيفة المرتبط بخط سير النهضة مركزًا بؤرة عدسته السردية على طبيعة البيوت التي عاشت فيها لطيفة ومكوناتها:

«تزوجت لطيفة وهي في الرابعة عشرة من عمرها بابن عمها، وسكنا مع والدته في بيت طين على أطراف حي العقدة، حيث هنالك بقرتان في الحوش الخلفي، تتولى لطيفة حلبهما كل صباح، وهناك شبك دجاج هي المسؤولة عنه، ومزرعة صغيرة في الخلف تساعد في تحضيرها». هذه الحياة القروية لم تتغير قبل عام 1978م؛ فبعد وفاة أم زوجها انتقلت إلى بيت طيني جديد لرغبة زوجها في الاقتراب من مقر عمله… ما زال هنالك بقرة في الخلف، وشبك دجاج، ومزرعة صغيرة على قدر العائلة الصغيرة تحضر فيها الكوسة والفلفل البارد والنعناع». وفي عام 1978م.: «انتقلوا إلى بيت جديد في حي الفيصلية من دور واحد أيضًا، لكنه مبنيّ من الحجر وفي حوشه برندة مثلما ترى في المسلسلات المصرية آنذاك. لم تكن رائحة الطين وحدها التي اختفت، ولكن اختفت الأبقار أيضًا، وشبك الدجاج، في ظل انتشار منتجات الألبان والملاحم والمبردات، وبقيت المزرعة -التي كانت تحفر مع معظم بيوت ذلك الوقت- متسارعة الإهمال حتى صارت ترابًا يلعب فيه الأطفال».

البيت الجديد يمثل نقلة حضارية في حياة لطيفة التي نبتت في نفسها بذور التغير وتخلصت راضيةً من عبء حلب الأبقار، ورعاية الدجاج، وزراعة مستلزمات بيتها في المزرعة الصغيرة الملحقة به. هذه النقلة الحضارية كانت البداية لنقلة أخرى في حياة لطيفة، نقلة هي بطلتها الرئيسة؛ ففي «ذروة الطفرة الأولى منتصف الثمانينات إثر ارتفاع سعر النفط وزيادة مداخيل الدولة… أصرت على أن يكون لها بيت كبير، مثل بيوت أبناء العائلة، برغم رفض زوجها المتهيب من القرض العقاري، فظلت تواصل الحن، والنشبة والضغط، حتى رضخ وسكنت بيتًا حداثيًّا مكونًا من دورين. وهو إصرار يشير به السارد إلى ترعرع بذور التغير في نفس لطيفة القروية الراغبة في مسايرة إيقاع الحياة الجديد، السائد آنذاك في المملكة.

إن تنقل لطيفة بين أربعة بيوت ليس مجرد حركة جغرافية، بل تمثيل لتحول المجتمع، وسرعة درجة هذا التحول، ووقوف على قبول الأفراد له. كما أن التنقل في القصة هو رمز سردي يعكس قدرة لطيفة (المعادل الموضوعي للمرأة السعودية) على الانتقال بين منظومات قيمية مختلفة، وتجاوزها -بسهولة- للصدمة الحضارية الكبرى الناتجة عن المقارنة بين فضاءين متضادين.

لم يقف السرد عند تأقلم لطيفة مع الحياة الجديدة: بيت مبنيّ بالحجر، ألبان معبأة، لحوم مجمدة؛ فالسارد ركز، أيضًا، على تقبلها للتطور التقني المتسارع، وعدم انعزالها عن محيطها الذي شهد متغيرات لم تخطر على بالها. فهي: «تسمع الأخبار كل يوم من جوالها بدل الراديو»، ثم تطالع «مقاطع اليوتيوب والواتس أب من جوالها». ولعل أهم ما لم يخطر على بال لطيفة هي التحولات التي طرأت على قعيدتها (مها). مها هي ابنة المشروع الحضاري السعودي، فهي تكتب بالإنجليزية وتتحدثها بطلاقة راقية، وتقود سيارتها، ولا تخرج من بيتها إلا بعد وضع المكياج، وفي ظل تمكين المرأة تطمح إلى أن تكون وزيرة.

هذا التغير الذي لم تكن تتوقعه لطيفة قابله تغير في البنية السردية للقصة، يمكن حصره في: التأريخ للشخصية بالحدث التاريخي، والتشظي الزمني، والتخلص من الحبكة التقليدية. فالسارد يؤرخ لحياة لطيفة بطريقة غير مألوفة في جُلّ القصص العربية القصيرة.

خيط السرد يوحي بأن القصة تاريخية، أو أن التاريخي فيها سيتخطى حاجز مجاورة الحدث الواقعي، لكن السارد يكسر أفق توقع المتلقي قائلًا: «في هذا العام ولدت لطيفة» مؤرخًا لميلادها بحدث مهم عند أهل المملكة؛ فمنذ هذا التاريخ بدأ الدولة السعودية مرحلة جديدة. وهو تحول يجعل لعنوان القصة حضورًا طبيعيًّا داخل المحكيّ، فتطور الدولة زمن الطفرة المبكرة، قد يكون هو سبب الحياة التي لم تخطر على بالها، وأن السرد الآتي سيرتبط بلطيفة ارتباطًا وثيقًا.

إن التأريخ بالحدث التاريخي لا يحدد الزمن فقط؛ فهو يضع أمام المتلقي فضاء زمكانيًّا، مفرداته: صحراء، وغبار، وخيام، يخاطب بها السارد عقلية المتلقي الاستشرافية، كما أنه يحمّل الشخصية (لطيفة) خلفيات احتمالية متنوعة، مثل: تغير أنماط الحياة، وتوسع المدن الآتي، وقرب الوفرة الاقتصادية، وصعود الطبقة الوسطى. والتصاق خلفية من هذه الخلفيات أو أكثر بالشخصية السردية يجعلها مرآة يرى فيها المتلقي الواقع المعيش بتفاصيله وتحولاته كلها.

من التاريخ إلى الحكاية

الأحداث التاريخية التي أرخ بها السارد لحياة لطيفة يميزها عدم الجمود، كما هي حال التأريخ الرقمي. هذا التأريخ يضع الشخصية داخل حركة المجتمع، لا داخل ورقة في تقويم، كما أنه يخلق مجموعة من الدلالات الرمزية التي تظل ملازمة لخط الحكي الرئيس طوال عملية القراءة، وتفرض نفسها على فهم القارئ، وتوجه تأويله للحكاية نحو التأويل المراد من ورائها. على سبيل المثال، الطفرة تحيل القارئ إلى الثراء المفاجئ والتحولات الحضارية، وحرب الخليج تحيله إلى القلق والتحولات السياسية.

أحمد الحقيل

بجوار التأريخ بالحدث التاريخي يحضر التشظي الذي يعني عدم تراتبية الحكي وتداخل أجزائه، وغياب الخط السردي الواحد الذي ينظم مسارات الحكاية بعقلانية من بدايتها حتى نهايتها. والاستغناء، كما يقول إدوارد الخراط، «عن السياق التقليدي في التعبير» الملتزم بمنطق السببية، واستبداله بسياق جديد يناسب عقلية القارئ المتدبر الباحث عما وراء المتخيل الحكائي.

يتجلى التشظي بداية من استهلال القصة. بدأت بحدث قديم عن زيارة الملك عبدالعزيز لمخيم شركة أرامكو بالدمام، يؤرخ به السارد لميلاد لطيفة. تلاه قفزة زمنية، تخطت السبعين عامًا، للحديث عن شخصية غير معلومة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تستعد للخروج من منزلها في صباح أحد الأيام لتقديم مشروعها -الذي تتجاوز ميزانيته 50 مليون ريال- أمام الوزير: «خرجت ومشت بسيارتها المركونة في الكراج، وضوء الشمس ما زال ذهبيًّا، وليس في الشوارع إلا سيارات المقاولين وعمال بناء المصانع… جلست في غرفة الاجتماعات وعرضت من جديد مشروعها المكون من 45 صفحة. كل شيء في مكانه بإنجليزية فصيحة، ورموز معبرة، وأرقام دقيقة». وبعد عرض مشروعها اكتشفت مصادَفة «أن الدورة فاتتها منذ أيام عدة، دون أن تنتبه إليها في لخبطة انشغالها، وعلا وجهها ببطء متشكك تعبير يشبه الهلع، وصرت بين أسنانها مشدوهة: ابن الكلب»!

ثم يعود السرد إلى لطيفة بجملة تقريرية: «إذن وافق اكتشاف النفط بكميات تجارية في المملكة ميلاد لطيفة»، وسؤال محير: «وماذا غير ذلك؟» وحيرته تكمن في الموجه إليه، هل هو موجه للمتلقي؟ أم من السارد العليم لذاته لتأكيد قوة حضورها داخل المحكي الذي يتنازعه زمانان متباعدان؟

وهما -الجملة والسؤال- يستدعيان عودة للحديث عن رحلة الملك عبدالعزيز إلى الدمام، أو الحديث عن لطيفة الحاضرة بقوة في النص والعنوان. لكن السارد يأخذ المتلقي إلى منطقة سردية أخرى: «في عام 1940م كانت جيوش ألمانيا النازية تواصل الزحف على حدود فرنسا، في تكتيك الحرب الخاطفة الشهير، الذي يعتمد على توظيف عنصر المفاجأة في تعطيل دفاعات الطرف المقابل». يؤرخ بهذا الحدث لوفاة والد لطيفة: «في ذلك الوقت توفي والد لطيفة في القرية الصغيرة التي تبعد عن المجمعة 15 كلم». وهو حدث تاريخي يدل على أن المملكة لم تكن في هذا الوقت معزولة عن الأحداث العالمية، وأن أهل البقعة -المحاطة بالصحراء من كل جانب- كانوا على دراية بما يحدث في العالم من حولهم ويتفاعلون معه.

بين التشظي والتسلسل الزمني

اتخاذ جزء كبير من أحداث القصة طابعًا تسلسليًّا يقلل من حدة التشظي ولا يلغيه. وظلت أحداث العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مجهولة للمتلقي في البداية، كما هو حال هوية المرأة التي انطلقت بسيارتها لعرض مشروعها أمام الوزير. لكن القارئ يعرف لاحقًا أنها (مها) ابنة لطيفة الصغرى، التي أجرت اختبار حمل وظهرت نتيجته إيجابية. وتظل الأحداث متتابعة في العقد الثاني من الألفية الثالثة، لكنها لا تنتهي بوفاة (لطيفة) بعد معاناة مع المرض؛ فقبيل النهاية يأخذ السارد المتلقي إلى ما قبل زمن الأحداث: «كانت لطيفة، وهي لم تتجاوز السادسة بعد، تظن أن معظم قصص والدتها تلفيق وأساطير. هل يعقل أن جدتها كانت تقف على سطح القصر الطيني لتطلق النار من بندقية زوجها على الحونشلية؟ ثم يعود إلى مها التي أدركت أنها في سن أمها عندما حملت بها.

لقد نجح الحقيل في الربط بين شكل القصة ومضمونها؛ ففكرة التحول والمتغيرات الاجتماعية المتلاحقة الثائرة على القديم والتقليدي والفارضة على الواقع مفهومًا جديدًا للحياة، قابلها تحول في شكل القصة وبنائها الذي جاء جديدًا ومتشظيًا ومخالفًا للشكل التقليدي.

«حمام الدار… أحجية ابن أزرق» لسعود السنعوسي تمظهرات التشظي

«حمام الدار… أحجية ابن أزرق» لسعود السنعوسي

تمظهرات التشظي

رواية ما بعد الحداثة رواية ثائرة على النظام والتراتبية المعهودة في الرواية التقليدية والرواية الحداثية، فهي تستمد شكلها من اللاشكل، ونظامها من الفوضى، وتعمد إلى أشكال كسر الإيهام لبلوغ التغريب في تجديد السرد»(1). أحداثها بلا تسلسل منطقي، وزمنها بلا نظام تتابعي محكم، وحبكتها لا تقوم على المقدمات المؤدية إلى نتائج. هي رواية التشظي والفوضى الخلاقة.

التشظي في النص السردي يعني عدم تراتبية الحكي وتداخل أجزائه، وغياب الخط السردي الواحد المنظم مسارات الحكاية بعقلانية من بدايتها حتى نهايتها،» والاستغناء عن السياق التقليدي في التعبير»(2)، الملتزم بمنطق السببية، والمخاطب عقلية القارئ الاستهلاكي، واستبدال سياق جديد به يناسب عقلية القارئ المتدبر الباحث عما وراء المتخيل الحكائي، وعن دلالات تفاصيله الشكلية والمضمونية، المهموم بالتأويل في أثناء عملية التلقي. وهو -مع ذلك كله- «كتابة واعية توجهها خلفية فلسفية ورؤية جمالية يبغي من ورائها الكاتب تحقيق آثار فنية وغايات فكرية وأيديولوجية»(3).

ويضرب ويليام برويغس مثالًا توضيحيًّا للنص المتشظي قائلًا: «خذوا صفحة (…) جزّئوها من حيث الطول ومن حيث العرض، ستحصلون على أربعة أجزاء 1234… أعيدوا الآن ترتيب الأجزاء بوضع الجزء أربعة مع الجزء واحد، والجزء اثنان مع الجزء ثلاثة، وستحصلون على صفحة جديدة»(4). لا شك أن الصفحة الجديدة لن تكون متجانسة، وسوف ينعكس ذلك على دلالاتها الأولى التي سيكون الإمساك بها من الصعوبة بمكان، لكنها ستحمل دلالات جديدة أكثر اتساعًا وأكثر عمقًا، وهذا هو الفرق بين النص السردي الملتزم بقواعد عمود السرد التقليدي، والنص المتشظي.

في رواية «حمام الدار.. أحجية ابن أزرق» للروائي الكويتي سعود السنعوسي، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، يتجلى تشظي النص في طريقة تشكيله؛ فمن القسم الأول «العهد القديم.. صباحات عرزال بن أزرق»، يجد القارئ نفسه أمام ثلاثة نصوص: الأول نص المؤلف المعاني من صعوبة الإمساك بتفاصيل شخصية (عرزال بن أزرق)، حتى يستطيع الانتهاء من رواية ألحت عليه فكرتها، وأجبرته على الخوض في تفاصيلها، والنص اللقيط الذي كتبه المؤلف عن عرزال الخمسيني الكهل، ونص مذكرات عرزال الذي ترتسم فيه صورة عرزال طفلًا ومراهقًا. وفي القسم الثاني «العهد الجديد.. صباحات منوال بن أزرق» يجد القارئ نفسه أمام نصين: نص عرزال بن أزرق عن منوال بن أزرق، ونص مذكرات منوال. والنصوص كلها متداخلة على مستوى المضمون والشخصيات، تداخلًا يصعّب على القارئ الإمساك بجوهرها من القراءة الأولى، فشخصية المؤلف الضمني تختلط بشخصية عرزال، وشخصية عرزال الورقية تختلط بشخصية منوال، التي تختلط بشخصية المؤلف الضمني وتحيل عليه.

لم يكتف السارد بهذا التقسيم المتداخل لنص روايته، بل قسّم أجزاءها (مذكرات عرزال ومنوال) إلى مقاطع معنونة بعناوين تحمل الكثير من الغرابة اللغوية، مثل: (انتظار أوبة الشك، مناوشة شك ليقين، صمت على صمت، صوت ما ليس له صوت، تحالف الأضداد ضد قليل الحيلة، اتكاء رجاء على صدفة، زرقة تفتح أبوابها على موعد مستحيل، امتداد الوهم وحيرة اليأس، فتق في ثوب حقيقة ورقعة كذب/ضجيج الصمت). وهي عناوين يتخطى دورها في النص حاجز تلخيص مضمون المقطع إلى الفصل بين المقاطع. فالقارئ يجد نفسه في مذكرات النص اللقيط أمام عشرين مقطعًا منفصلة، الرابط بينها شخصية عرزال والمكان (البيت القديم)، وفي مذكرات النص النسيب أمام اثنين وعشرين مقطعًا، منفصلة عن بعضها أيضًا، الرابط بينها شخصية منوال. تبدو المقاطع وكأنها تَداعٍ حُرٌّ، يميزه خروجه من منطقة واحدة داخل النفس.

التشظي الزمني

يرتبط بتشظي النص التشظي الزمني. فالمدقق في الخريطة الزمنية لـ «حمام الدار» يدرك بسهولة أنها خريطة زمنية متشظية ومعقدة، يتجاور فيها الحاضر مع الماضي، وأن الحاضر والماضي زمنان مبهمان؛ فالرواية خالية من أية إشارات زمنية تحدد زمن أحداث الحاضر أو زمن أحداث الماضي، ويدرك -أيضًا- أن التشظي تخطى حدود الشكل إلى الموضوع؛ فهو مرآة تنعكس فيها صورة الواقع المتفكك، واقع شخصيات المحكي (عرزال بن أزرق، ومنوال بن أزرق)، وواقع الشخصيات المتلقية التي لا تختلف عوالمهما الحقيقية عن عوالم شخصيات الرواية.

في «حمام الدار» يفرض الزمن نفسه على المتلقي بداية من عنوان الجزء الأول «العهد القديم .. صباحات عرزال بن أزرق»؛ فهو عنوان (زماني) صرف، تفرض مفرداته (العهد، القديم، صباحات) على المتلقي الولوج إلى عالم الرواية من بوابة الزمن، حتى وإن كان عامًّا وغير محدد، ويفرض نفسه -أيضًا- من خلال عتبة التقديم: «تعدى الخمسين من عمره، عاش منها عشرين عامًا خالية من أي أحداث، حتى فاجأته ذات يوم حمامة»(5)، فهي تحتوي على مفردتين زمانيتين محددتين (الخمسين، عشرين عامًا)، لا مفر من وضعهما في الحسبان قبل الولوج إلى محتوى المتخيل الحكائي، ويفرض نفسه -كذلك- من خلال العنوان الفرعي الأول «قبل ساعة تأمّل». الملحوظ على الأزمنة التي فرضها السارد على المتلقي أنها أزمنة مبهمة، والإبهام يضع احتمالًا أوليًّا أن الرواية ستتخذ «من الزمن موضوعًا لها، لا مجرد دليل على نمو الحدث وتطور الشخصيات»(6)، شأنها شأن روايات ما بعد الحداثة كلها، أو أن الزمن سيؤدي دورًا مهمًّا في حركة الشخصيات داخل المتخيل.

القسم الأول من الجزء الأول المعنون بـ «ما قبل ساعة تأمل» يخلو من أية إشارة زمانية يضع بها المتلقي يده على الزمن الخارجي، لكنه يفك شفرة عتبة التقديم التي تحيل إلى شخصية مؤلف في الليلة التي بلغ فيها الخمسين من عمره، يعيش صراعًا مع ذاته؛ بسبب شخصية روائية فرضت نفسها عليه دون أية مقدمات، ودفعته لكتابة رواية ناقصة، ويفهم منه المتلقي المقصود بالعنوان «ما قبل ساعة تأمل».

في القسم الثاني المعنون بـ «نص لقيط» يتوازى زمنان سرديان غير متسلسلين، زمن الحاضر، زمن عرزال الكهل، وزمن الماضي، زمن عرزال الطفل، يسير الزمنان متوازيين ومتساويين، حتى نهاية النص اللقيط، لكنهما بلا إشارات تساعد المتلقي على العيش في دوائر زمانية مفهومة، باستثناء تحديد سن عرزال الكهل «في الخمسين من عمره»، وتحديد سن عرزال الطفل «في السادسة من عمره». وأرى ذلك مقصودًا من السارد الراغب في تعرية دواخل الشخصية (عرزال بن أزرق).

في الصباحات الخمسة يعرفنا السارد المؤلف بعرزال الكهل في سبعة وعشرين مقطعًا بلا عناوين، يسير الزمن فيها متسلسلًا، لا يقطعه إلا استرجاعات محدودة، ويعرّف عرزال بنفسه مستعينًا بضمير الأنا في اثنين وعشرين مقطعًا لكل مقطع عنوان يلخص محتواه، الزمن فيه شبه متسلسل، لكن الزمانين مبهمان إبهامًا ينعكس على عملية التلقي بالسلب والإيجاب؛ بالسلب لأنه يجعل المتلقي خارج إطار الزمن، وبالإيجاب لأنه يلخص حال الواقع المعاصر.

حركية الزمن وإبهامه في الجزء الأول هي نفسها في الجزء الثاني «العهد الجديد.. صباحات منوال بن أزرق»، أزمنة متداخلة خالية من المنطق، ودوائر زمنية تتحرك بلا ترتيب، فيأتي منوال كهلًا، ثم طفلًا، ثم شابًّا، ثم طفلًا… إلخ، في مقاطع قصيرة معنونة بعناوين ذات أبعاد رمزية، دافعة إلى التفكر في تشكلاتها اللغوية والأسلوبية للوصول إلى مغزاها.

الحبكة المفككة

إن السنعوسي يسعى في روايته إلى تقويض فكرة الترابط بأشكالها كافة؛ فعلى مستوى تقسيم الرواية يقسمها إلى مقاطع ذات عناوين مختلفة، وهو ما يجعل الإمساك بأوجه الترابط الفني بينها أمرًا ليس سهلًا على القارئ المتخصص، بله على القارئ العادي الذي تقول عنه فرجينيا وولف: «القراءة عنده متعة قبل أن تكون سبيلًا إلى المعرفة، أو مجالًا لتصحيح آراء الآخرين»(7). ويجبر هذا التقسيم المتلقي على قراءة الرواية قراءة هادئة مدققة في تفاصيلها كافة، الصغيرة منها والكبيرة، الأساسية والفرعية، ثم إعادة ترتيب المقاطع في ذهنه بعد الانتهاء من عملية القراءة؛ حتى يستطيع فهم النص، والوصول إلى كنهه.

ويرتبط بتشظي النص التخلي عن الحبكة بمفهومها الأرسطي، القائمة على مبدأ السببية، والاعتماد على الحبكة المفككة الخالية من البداية والوسط المؤديين إلى النهاية المنطقية، التي تتوالى فيها الأحداث دون الخضوع لمبدأ السببية، وكأنها تسبح في فلك خالٍ من الجاذبية.

تبدو رواية «حمام الدار.. أحجية ابن أزرق» من بدايتها رواية ذات سرد أفقي بضمير المتكلم، «أنا في المكتب منذ الصباح، أشكو لزوجتي التي أشتاق ضيق صدري وحيرتي في أمري، أسند جبيني إلى كفي اليسرى والوخز في كفي اليمنى لا يزال. عيناي على أوراق بين مرفقي، فوق سطح مكتبي، تحمل مخطوط نص احترت في أمره»(8). لكن هذا السرد الأفقي سرعان ما يتحول إلى سرد عمودي متحرر من الحبكة المهمومة بالحدث المركزي المتطور، يتبادل فيه الأنا والهو الأماكن، وتتبادل فيه الشخصيات رواية الأحداث، دون زاوية سرد واحدة، ودون تسلسل منطقي يؤدي إلى نهاية مبنية على مقدمات.

كل مقاطع الرواية تتكون من مفتتح كابوسي، يليه جزء من قصة عرزال، ثم جزء من مذكرات عرزال في «العهد القديم»، والأمر ذاته في «العهد الجديد» مع تبديل عرزال بمنوال، ولا يمكن الولوج إلى عالم المقطع دون الوقوف على عتبة المفتتح الكابوسي وتأملها جيدًا. وهذا ليس غريبًا في روايات ما بعد الحداثة؛ فكتّابها لا يؤمنون بالنهاية المحددة التي تريح القارئ، ويسعون دائمًا خلف النهايات المفتوحة الخالقة حالة من القلق داخل نفس المتلقي. وأساس صناعة النهاية المفتوحة، كما يقول باري لويس، هو: «تقطيع النص إلى شظايا وأقسام صغيرة تفصل بينها فراغات أو عناوين أو أرقام ورموز»(9).


هوامش:

(1) إشراق كامل: «الاشتغال ما بعد الحداثي في عالم الروائي»، فاضل العزاوي، ص 6. (uomustansiriyah.edu.iq).

(2) إدوارد الخراط: شعر الحداثة في مصر: دراسات وتأويلات، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1999م، ص9، 10.

(3) رضا الأبيض: «البحر يهجر الشرق: سمات ما بعد حداثية لبوح الكائن المنسي»، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، مجلد (43)، العدد (521)، ص197.

(4) انظر عزيز نعمان: «جدل الحداثة وما بعد الحداثة في نص سيمرغ» لمحمد ديب، رسالة ماجستير، جامعة مولود معمري، ص15، 16.

(5) سعود السنعوسي: «حمام الدار.. أحجية ابن أزرق»، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط (2)، 2017م، ص 8.

(6) أمينة رشيد: «تشظي الزمن في الرواية الحديثة»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1989م، ص 7، 8.

(7) فرجينيا وولف: «القارئ العادي: مقالات في النقد الأدبي»، ترجمة عقيلة رمضان، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1971م، ص7.

(8) حمام الدار: ص 11.

(9) باري لويس: «ما بعد الحداثة والأدب» (ضمن كتاب دليل ما بعد الحداثة تاريخها وسياقها الثقافي) ستيوارت سيم وآخرون، ترجمة وجيه سمعان، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط(1)، 2001م، ص 192.