المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

خديجة زتيلي:

كيف نحمي الإنسان في زمن العقل القاتل؟

بواسطة | يوليو 1, 2026 | حوار

أما زالت الفلسفة قادرة على قول شيء جوهري في عالم تحكمه الأسواق والخوارزميات والحروب الذكية؟ وهل يمكن للتربية والأخلاق أن يستعيدا مكانتهما في زمن يتسع فيه نفوذ العقل الأداتي وتتراجع فيه اليقينيات الكبرى؟ هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها على مشهد عالمي مضطرب، يجد الإنسان نفسه فيه أمام تحديات غير مسبوقة تمس حريته وكرامته ومعنى وجوده.

في هذا السياق، تحاور «مجلة الفيصل» الدكتورة خديجة زتيلي، الباحثة الجزائريّة المتخصصة في الفلسفة وتاريخ الأفكار، حول جملة من القضايا التي شغلت أعمالها الفكرية في الآونة الأخيرة، من أفلاطون والحقيقة إلى إدغار موران وأخلاق الجنس البشري، ومن نقد الحداثة إلى رهانات القراءة والتربية والنسوية، في محاولة لاستشراف موقع الإنسان ومستقبل الفكر في القرن الحادي والعشرين.

الدرس الأفلاطوني

●  يدفعنا كتابكِ «الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون» للتساؤل: في ظل التمايز الحديث بين العلم كمنتج للمعلومة، والأدب كمنتج للمعنى، أما زالت الفلسفة مسارًا مستقلًّا لإنتاج الحقيقة، أم غدت فضاءً تأويليًّا يفسّر منجزات الحقول الأخرى من دون امتلاك نموذج خاص؟ وهل يعني هذا التمايز أنّ «الحقيقة» فقدت وحدتها الدلالية وأصبحت تتشكل داخل كل حقل بحسب لغته وعلاقته بالعالم؟

 تُدافع «الرسالة السابعة»، التي كانت موضوع كتابي الأخير، عن أهميّة الفلسفة في حياتنا، كما تُلفت الانتباه إلى عَجْز اللغة وقُصورها عن إدراك الحقيقة في ذاتها، واسْتِحالة تَماهي التعبير اللَّفظي مع الفِكر الخالص. إنّ «الحقيقة» الفلسفيّة ليست بالضرورة في مضمون النصّ، ألمْ يَكتب أفلاطون ذات زمن «حقائقه الفلسفيّة» في المحاورات، لكنّ أسفاره الثلاثة إلى صقليّة فَنَّدَتْها وزَعْزَعتْ يَقينياته؟! إنّ رحلةَ الفلسفة تُشبه تلك الأسفار، الذهاب إليها لا يُشبه العودة منها. تُعلّمنا الرسالة السابعةُ أنّ الفلسفة ثورة ضدّ قناعات «ما قبل السفر» الجاهزة؛ لأنّ الفلسفة الحقّة تظلّ خارج منطوق الكلام وخارج النظريّات، وقد تأكدنا مع تجربة أفلاطون السياسيّة أنّ الصورة الواقعيّة لنظرية الدولة والحاكم الفيلسوف هي تلك التي كتبتها الأسفار، وليستْ تلك الموجودة في «الجمهوريّة».

أما سعي الفلسفة لتأويل مُنجزات المعارف والعلوم، الذي أشرتَ إليه في سؤالك، فهو من مهامها الجليلة للإحاطة بالمفاهيم ومناقشة مخرجات الفكر والعلم على الصعيد الأخلاقي والإنساني. ولعلّ هذا ما يُفسّر لنا تنامي مبحث «الأخلاقيات التطبيقية» في الخمسين سنة الأخيرة، الذي يسعى لتخليق الحياة ووضع حدّ لتغوّل العلوم والتقنية. إنّ عظمة الفلسفة تكمن في ابتكار مفاهيمها، وهذا الذي يمنح لها المعنى والديمومة.

●  يستحضر كتابكِ الآنف الذكر تحطّم آمال أفلاطون السياسية في إقامة نظام عادل بصقلية على صخرة الطغيان، فإن أسقطنا هذه التجربة على واقعنا المعاصر؛ ألا ترين أن المثقف اليوم يواجه «صقلية» جديدة تلتقي فيها دكتاتورية السوق والأيديولوجيات المتطرفة مع الدكتاتورية الرقمية المحكومة بعقل أداتي وقاتل؟ وإلى أي مدى يسعنا كمثقفين عرب توظيف النقد الأفلاطوني للديمقراطية والطغيان لتفكيك أزمات المواطنة والإنسان في عالمنا الراهن؟

■  لقد أدرك أفلاطون في مرحلة النضوج ضرورة الانتقال بمشروعه السياسي من مرحلة «المدينة العقليّة» التي وردتْ تَفاصيل بُنْيانها في محاورة الجمهوريّة، إلى مرحلة «المدينة الواقعيّة» أو «دولة الفلاسفة العادلة»، التي ألزم نفسه بتجسيدها خارج أسوار أثينا عندما راهن على صديقه «ديون السيراقوسي». لكنّ حلمه في العُثور على «الملك– الفيلسوف» وتأسيس مدينة مثالية عادلة ذهب أدراج الرياح بعد مصرع ديون غَدْرًا في صقليّة؛ ليتأكّد أخيرًا أنّ ما عَدّه مُمكنًا سابقًا، صار مُستحيلًا لاحقًا، وأنّ الفيلسوف يجب ألّا يحكم بالضرورة، لكن بإمكانه تقديم المشورة للحُكّام.

لذلك يلجأ في مُحاورته الأخيرة «القوانين» إلى آراء أكثرَ واقعيّة تُعطي الأولويّة في تسيير شؤون الدولة للدساتير. صحيح أنّ عصرنا لا يشبه عصر أفلاطون في تفصيلاته السياسية والثقافيّة والاجتماعيّة، لكنّ نقده لوضع أثينا ومحاولته البحث عن بدائل سياسية لها قابل للتحيين في مجتمعاتنا عند التطرّق للطغيان والفساد السياسي وطبيعة الحاكم والمواطنة الفعليّة وللعلاقة المتوترة بين المفكّر والسياسي. ثمة نصوص إذن، كنصوص أفلاطون، يمكن توظيفها لفهم وضع تاريخي ما، ولماذا يحمل المرء في كلّ العصور صخرة سيزيف.

التنوير ونقد الذات

●  في محاضرتك «من العقل التنويري إلى العقل القاتل»، تتحدثين عن تحول العقل التنويري إلى أداة للهيمنة وإدارة الإبادة بدم بارد عبر «أنظمة خوارزمية وحروب ذكية»، ولكن هذا يتم في مقابل طفرة غير مسبوقة في متوسط الأعمار والمكاسب الطبية والاتصالية، وسواها من المنجزات الإيجابية الكبيرة؛ فكيف نُوفّق بين هاتين الصورتين المتناقضتين؟ وفي عالم فقد مرجعياته الكبرى وتعددت فيه الهويات، من أين يستمد البعد الأخلاقي شرعيته اليوم ليشكل أساسًا كونيًّا يلجم هذا «العقل القاتل» المتوغل تقنيًّا، من دون السقوط في فخ الطوباوية أو الرومانسية الفلسفية؟

■  ما من شكّ أنَّ التقنية الفائقة نقلَت الإنسان نقلة نوعية، وساعدته على تجويد حياته وتسهيلها، من خلال نَجَاعة التطبيب وإيجاد العلاج للكثير من الأمراض المستعصية وتحسين التعليم وتطوير المواصلات والاقتصاد والتجارة، وهيكلة المرافق والمنشآت والمباني، غير أنّها طوّرت، أيضًا، التكنولوجيات الحربيّة الفائقة والأسلحة الذكيّة للقمع والنهب والتدمير والقتل والإبادة وتغيير الهويات والجغرافيات، وجعلت قرارات الحياة بيد التكنولوجيا والخوارزميات.

ولعلّ تحوّل الإنسان إلى مجرّد رقم لا إلى قيمة، بفعل الاستبداد الرقمي، طرح إشكالية سوء تسخير التقنيّة، وهذا ما عبّرتُ عنه في محاضرتي، «من العقل التنويري إلى العقل القاتل: المَآزق الأخلاقيّة للحَضَارَة الفائِقَة»، بتأرجح الوضع بين «التطوُّر الفائق والبؤس الإنساني». لا يمكن لجم «العقل القاتل» بجرّة قلم ولا توجد حلول سحرية تحدّ من غلوائه، بل يحتاج الأمر إلى تكاتُف الجهود القانونية الدولية والمؤسّساتية والتعليمية والتربوية والمجتمعيّة لتحليل ومناقشة المخاطر المحدقة بالبشر والكوكب جرّاء أنانية الإنسان، وسعيه المحموم وراء الربح والمصلحة والشهرة، واستكمال تلك المساعي بتعميق المباحث في «الأخلاقيات». واتّساقًا مع ما قيل، فإنّ البعد الأخلاقي للتقنية يستمدّ شرعيته، أوّلًا وأخيرًا، من «الإنسانيّة» بوصفها مصيرًا أرضيًّا مشتركًا رغم الاختلاف.

●  يلاحظ المتابع أن جلّ النقد المعاصر للحداثة والتنوير (بما فيه فلسفات ما بعد الحداثة وحقوق الإنسان والنقد الذاتي) يصدر من داخل الفضاء الفكري الذي صنعته الحداثة نفسها؛ فهل ترين أن نقد التنوير اليوم هو في جوهره استمرار للمشروع التنويري وأداة لتصحيح مساره، أم إنه إعلان صريح عن نهاية مرحلة تاريخية كاملة وإفلاس أخلاقي للمنظومة الغربية؟

■  التنوير «حركة تاريخيّة وفكريّة» ظهرت في أورُبا في القرنين 17/18 انتصرتْ للعقل والتقدّم العلمي وحقوق الإنسان والحريّة الفكريّة والعقائديّة، وقد أصبحتْ كلمة «التنوير»، مع مرور الزمن، «مفهومًا» عالميًّا يدلّ على الوعي العميق والعقلانية. لكن التنوير عرفَ انتكاسات خطيرة مع ظاهرة الاستعمار والحروب والدكتاتوريات، وأدين لاحقًا لأنّه انحرف عن مساره وتحوّل مشروعه إلى أشكال جديدة من السيطرة.

غير أنّ الفضاء الفكري الذي صنعته الحداثة نفسها لم يتوانَ عن تجديد نفسه، من خلال الرغبة في بلوغ فلسفة جديدة تواكب مُخرجات العصر وتناقش مُعضلاته الكبرى، كمسألة المركزيات وقضايا الهامش، والمركز والآخر وغيرها. من هذا المنطلق لا يمكن إلغاء مكتسبات الحداثة والتنوير، حتى من طرف ما بعد الحداثيين أنفسهم. إنّ عظمة الحضارات تكمن في قدرتها وشجاعتها على رصد أخطائها سعيًا نحو تموقعات جديدة تستمرّ فيها وبها فاعلة في التاريخ. وفي تصوّري، إنّ الفكر الغربي يُجيد هذا الدور من خلال ارتفاع منسوب النقد عند كثير من مفكّريه وشجاعتهم في طرق موضوعات حسّاسة، حتى لو تعلّق الأمر بالإفلاس الأخلاقي.

نحو حداثة عربية مستقلة

●  كثيرًا ما يُطرح سؤال إشكالي حول ما إذا كنا في عالمنا العربي نعيش مرحلة «ما بعد الحداثة» في مظاهرها الاستهلاكية والتقنية، بينما لم نستكمل بعد شروط الحداثة والعقلانية ذاتها؛ فمن موقعك كباحثة في الفلسفة السياسية وتاريخ الأفكار، كيف تصفين موقعنا الحقيقي في هذه الخريطة؟ وهل مشكلتنا هي مجرد «تأخّر تاريخي» عن ركب الحداثة، أم إننا نواجه أزمات (ما قبل الحداثة، والحداثة، وما بعدها) مجتمعة في آنٍ واحد؟

■  لا يُمكن تقديم إجابات حاسمة لمثل هذه الأسئلة الجوهريّة؛ لأنّ منطق الأشياء يستدعي التطرّق إلى السياقات الزمنيّة التي أنتجَت المفاهيم، ولفت الانتباه إلى الإشكاليات التي يطرحها المصطلح من حيث دلالاته الثقافية والسياسية والفلسفيّة، وإنّ الإحاطة بهذه المسائل تتطلّب الاستفاضة في الشرح الذي لا يتّسع له المقام؛ لذلك أعقّب على الأمر، باقتضاب، في نقطتين:

إذا كانت الحداثة تقوم على العقل والعلم والنقد والحريّة والمساواة وسيادة القانون والفصل بين السلطات، فإنّنا متأخّرون، بدرجات متفاوتة، عن ركبها مفاهيميًّا لا زمنيًّا، رغم المحاولات الحثيثة للِّحقاقِ بها. كما أنّ أمر تأرجحنا بين القدامة والحداثة ليس خافيًا! ولربّما كان علينا ابتكار حداثتنا الخاصّة بنا وفق شروطها التاريخيّة والثقافيّة.

في الوقت نفسه يُمكننا أن نجد، في مجتمعاتنا، مظاهر «ما قبل الحداثة» و«الحداثة» و«ما بعد الحداثة» يصطفّ بعضها إلى جانب بعض في خليط غير متجانس. لهذا يجب التأكيد أنّ الحداثة ليست هي التحديث المادّي وحسب، بل هي ثورة فكريّة ورؤية حضارية تنصاع لشروط العقل ومقتضيات التاريخ. أما ما بعد الحداثة في بلادنا العربيّة فلا نملك المشروعيّة للحديث عنها طالما لم نحسم بعدُ طبيعة علاقتنا بالماضي والحاضر.

●  رغم عقود من التعليم الحديث في العالم العربي، ما زالت العقلانية النقدية محدودة الأثر، ويجد الفرد نفسه محاصرًا بين «استلاب تراثي» يشدّه للماضي و«استلاب تقني» يذيبه في المنظومة الفائقة المعاصرة؛ فهل أخفق التعليم العربي لأنه ركز على شحن المعارف ونيل الشهادات عوضًا عن تكوين الوعي النقدي؟ وما العوامل الكفيلة ببناء حداثة عربية مستقلة تتفاعل مع المنجز العلمي الكوني دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية؟

 إنّ إصلاح التعليم هو المدخل لتنوير العقول ورسم خارطة الإنسان المستقبلية، ولا يتأتى إيجاد الحلول للعديد من المشكلات، كالتطرف والطائفيّة والفساد والاستبداد والتخلّف وهيمنة الاستقطاب الأيديولوجي، إلا بإعادة النظر في فحوى البرامج التعليميّة ومواكبة ما يجري في العالم من تطوّرات متسارعة. إنّ منظوماتنا التعليمية ما فتئت تحشو أذهان الناشئة بسيل من المعلومات تُستردّ في الاختبارات الموسميّة، وهو ما جعل المدرسة منفصلة عن المجتمع والحياة. وفي تصوّري فإنّ بناء حداثة عربية مستقلة تبدأ من الاهتمام بالتعليم واعتماد مقرّرات دراسيّة تتيح مساحة أوسع للتحليل والنقد والحجاج والحوار، فتوطين العقل والنقد كفيل ببناء إنسان حرّ ومسؤول لا يتنازل عن حلمه وطموحه، ولا عن هويّته التي يتّسع مداها من المحلّي إلى الكوني.

●  بصفتكِ باحثة تعملين داخل المؤسسة الجامعية الرسمية، هل تشعرين بأن الكتابة الفلسفية الجادة قادرة على إحداث الأثر المطلوب اليوم؟ أم إن ثمة مفارقة تضعف من فاعلية الكلمة الفلسفية، وتجعلها محاصرة بين محدودية الفضاء النقدي والبيئة المؤسساتية والبيروقراطية في الداخل العربي من جهة، وبين وتيرة العولمة المتسارعة وتغول المنظومات التقنية والاقتصادية الكبرى في الخارج من جهة أخرى؟ وكيف ترسمين حدود الممكن والواقعي للمثقف الأكاديمي في ظل هذه الشروط المزدوجة؟

■  لقد كانت الكتابة الفلسفيّة الجادّة ولا تزال إلى اليوم قادرة على لفت الانتباه إليها، وعلى تنمية الوعي والتأثير في الناس بدرجات متفاوتة، وهي على الرغم من حصارها من الاستبداد السياسي والأصوليات لا تتراجع عن أهدافها، بل تُرسّخ قَدَمَها بالتطرّق لمعوّقات ممارستها محليًّا وللتحديات التي تواجهها عالميًّا، في خطوة نحو التموقع والتوازن الوجودي، لتؤكّد، في نهاية المطاف، أنّها فعل مقاومة من أجل البقاء.

قد لا تكون نتائجها المأمولة فوريّة، لكنّها تُحدث الفارق والتغيير مع مرور الوقت ومراكمة الخبرات، وأنا أكتب انطلاقًا من هذا المنطق ولا أنظر لنصف الكأس الفارغة فقط. كما تحتاج الكتابة الفلسفية الجادّة، لكي تُحدث الأثر، إلى الصدق والوعي والصبر، وإلى الإيمان بأنّها التزام أخلاقي قبل كلّ شيء.

قضايا النسوية ورهانات المستقبل التقني

●  بناء على تجربتك الغنية في العمل في ميدان الفكر النسوي، هل ترين أنه يمكن التمييز بين نوعين من الفلسفة التي تنتجهما المرأة، وهما «الفلسفة النسوية» و«الفلسفة النسائية»، أم ترين أن الفلسفة محايدة من ناحية الجنس، وأن النسوية نفسها لا تنتمي إلى ميدان الفلسفة، بل إلى ميدان الأيديولوجيا والسياسة؟

■  الفلسفة النسويّة تيّار فلسفي حديث يُعيد النظر في التاريخ الإنساني الذي كُتب من وجهة نظر بطريركية وجندريّة، وينتقد البناء الاجتماعي والثقافي للأجساد، في مسعى لتحقيق المساواة الاجتماعية والسياسية بين الجنسين، وقد تأسّس هذا التيّار بالاستناد إلى نصوص فيلسوفات ومفكّرات ككتاب «الجنس الثاني» لسيمون دو بوفوار . أما «الفلسفة النسائية» فهي ما تنتجه النساء من فكر في مختلف الموضوعات، ولا تتبنى النسائيات، بالضرورة، قضايا الفلسفة النسويّة. ولا مندوحة لي من تتبّع مسار «النسوية» و«النسائية» معًا لتجنّب الأطروحات المضللة وفهم الواقع والتاريخ وفضاءات المصطلح الثقافية لبناء فكر فلسفي ينحاز للإنسان بغض النظر عن كونه ذكرًا أو أنثى.

●  سؤال شخصي فكري: بعد سنوات طويلة من الاشتغال بالفلسفة السياسية وفلسفة التاريخ، ومتابعة التحولات العالمية المتسارعة، أأنتِ اليوم أكثر تفاؤلًا أم أكثر قلقًا على مصير الإنسان؟ أترين أن القرن الحادي والعشرين يتجه نحو استعادة مركزية الإنسان وكرامته، أم نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الإنسان نفسه موضوعًا للتحكم التقني والاقتصادي على نطاق غير مسبوق؟

■  يَطبع القلق حياتنا المعاصرة، لا شكّ في ذلك، لكنّ الإنسان في تصوري سيبقى مركز الكون، يتعقّب التحوّلات المتسارعة ويبحث للكوارث عن مخارج نجاة، وقد علّمتنا دروس التاريخ أنّ كلّ قرن يحمل المرض وترياقه. إنّنا نعيش اليوم في عصر التطوّر الصناعي الفائق، وفي زمن الروبوتات والأقمار الصناعية والشاشات الذكيّة، وقد أعاد هذا «الاستبداد التقني» صياغتنا، لا محالة، لكن لا مجال للتشاؤم أو التفاؤل، بل للعمل على تخليق التقنية وإنقاذ الإنسان من الفناء.

موران والمواطنة العالمية

●  تبدأ دراستك المعنونة بـ«التربية بوصفها مؤسسة الأخلاق كونية: رهانات إدغار موران على أخلاق للجنس البشري» بالإشارة إلى «ذاكرة حديثة مثخنة بالجراح» صنعها الغرب الذي بشر بالحرية وسقط في البربرية والاستعمار، وموران ينتقد هذه الحضارة من الداخل، أترين في هذا النقد الذاتي الغربي كفاية حقيقية أم إنه يظل نقدًا محدودًا لا يلزم صناع القرار؟ وما الذي يضيفه موران لما قاله مفكرون من خارج الفضاء الغربي كفرانز فانون أو محمد أركون مثلًا في رصد هذه المفارقة المأساوية التي يتحول فيها العلم إلى أداة دمار تدار بعقول سياسيين متهورين؟

■  يجب أن نعترف أنّ المنظومات الفكرية المناهضة للهيمنة والإمبرياليّة المتوحّشة لا تجد ترحيبًا بها في وسائل الإعلام وبعض مراكز البحث في الغرب، بضغط من مجموعات ذات نفوذ تملك المال والقرار وهيئات الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب؛ لذلك يُحاصَر بعض المفكّرين وتَجْتهد الدعاية المغرضة في تشويههم لإبعادهم عن المشهد السياسي والثقافي. لكنّ إدغار موران ظلّ يُغرد خارج السرب ويقترح حلولًا عادلة لقضايا شائكة، مثل القضية الفلسطينيّة التي تعاطف معها، وانتقد بشأنها سياسات إسرائيل الاستيطانيّة.

ومثل ما ناهض فرانز فانون الاستعمار والعُنف والهيمنة الثقافيّة، وانتقد محمد أركون سلطة التفسيرات المغلقة، فإنّ إدغار موران أدان البربرية الغربية، ودعا إلى إصلاح التفكير بإصلاح التعليم. ولا يبالغ المرء إذا اعتبر أنّ سعادة الإنسان هي قضية المفكّر قبل أن تكون قضية السياسي.

●  ينتقد موران «تشظي المعارف» ويدعو إلى برادايم «الفصل والوصل» معًا للحفاظ على سياق المعرفة الكلي؛ فكيف نفهم هذا التوازن الدقيق عمليًّا؟ أتعتقدين أن جامعاتنا ومؤسساتنا التعليمية العربية تعاني فحسب التخصصَ المفرطَ، أم تعاني أزمة أعمق تتجلى في غياب «الرؤية الإبستمولوجية الكلية» التي تحول التخصص من مجرد مهنة وتقنية إلى معرفة إنسانية حية؟

 اقترحَ موران نسقًا معرفيًّا يَتَطَلَّع من خلالهِ إلى المستقبل أطلقَ عليه الفكر المركّب، الذي يتصدّى لـ«تَشَظِّي المعارف» ويَنأى بنفسه عن التجزِئة والاختزال والتبسيط، ويتّجه صوب فكر مُتعدّد الأبعاد يَأخذُ في الحُسبان سياق الأحداث وصيرورتها لفهمها في كلّيتها. فالإنسان بحسب هذا الطرح تشترك في تعريفه علوم عدّة، وهو ما يسمّى، اليوم، بمنهج العلوم البينية الذي يجمع تخصّصات مختلفة لدراسة ظاهرة ما. فالحقيقة الإنسانية معقّدة وتقتضي الإحاطة بالجانب النفسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والتشريحي والبيولوجي والثقافي للإنسان. يعاني التعليم اليوم في العالم بأسره مشكلةَ التخصّصِ، وعلينا الانتباه إلى الأمر في منطقتنا العربية، ومعالجة أزمة غياب «الرؤية الإبستمولوجية الكلية» في المعرفة، في خطوة إستراتيجية لإضفاء المعنى على التحصيل العلمي وإدراك مقاصده الإنسانية والحضارية النبيلة.

●  في المحاضرة عينها، تطرحون مفهوم موران لـ«الفكر المركب» كبديل لمنطق الاختزال الكلاسيكي؛ فإذا أردنا نقل هذا المفهوم من قاعات الفلسفة المجردة إلى وعي النخبة وصنّاع القرار، كيف يمكن لـ«الفكر المركب» أن يسهم في صياغة مفهوم «المواطنة العالمية» وتعميق فكرة «الأرض- الوطن»، خصوصًا ونحن نعيش على متن سفينة كوكبية واحدة تواجه أخطارًا وجودية مشتركة؟

 أن تكون مواطنًا عالميًّا يعني أنّك لا تنتمي إلى دولتك ومجتمعك ومنطقتك ومحليّتك وحسب، بل إلى المجتمع الإنساني العالمي بمنطق «التعقيد الموراني»، وعليك أن تُدرك أنّ ثمّة أخطارًا وجودية مشتركة تواجه سكان الأرض، على غرار الأوبئة الفتّاكة والتغيّرات المناخيّة والحروب وتهديد الأسلحة، ومخاطر العولمة والأزمات الاقتصاديّة وغيرها. كما يجب أن تفهم أنّ التغلّب على الفناء والموت لا يحصل إلا بتضافر الجهود والوعي بأنّنا رُكّاب سفينة واحدة ومصيرنا مشترك. ستقول لي: إنّ العالم مقسّم إلى دول ضعيفة وأخرى قويّة يمكنها النجاة! لكنّ الأمر ليس بهذه السهولة في حالة الحروب النووية مثلًا. من هذا المنطلق يتجلّى المفهوم العميق للمواطنة العالمية الذي يُعمّق فكرة «الأرض- الوطن»، وعطفًا على ما قيل فإنّ الدول المتقدّمة صناعيًّا وتقنيًّا عليها أن تفهم أنّ بقية سكان الأرض لن يكونوا كباش فداء -في حالة الكارثة- لأنّ الغرق سوف يطول الجميع.

القراءة والكتابة الفلسفية

●  في مقالتكِ «هل القراءة في خطر؟»، تصفين القراءة بأنها فعل حضاري يُنقذ الإنسان من الرتابة ويحوّله إلى ذات خلاقة؛ ففي ظل ثورة الرقميات والذكاء الاصطناعي، يواجه العالم تحدي انحسار القراءة العميقة. هل ترين أن القراءة باتت في خطر حقيقي يهدد بمسخ هذه الذات وتحويلها إلى كائن مسطح؟ وما تقييمكِ لأثر التكنولوجيا المزدوج: أهي أداة لدمقرطة المعرفة، أم خوارزميات تؤدي لتشتيت الانتباه وإضعاف ملكة التأمل؟

 تحوّلات كثيرة طالت عصرنا راجعة إلى الثورة التقنيّة والمعلوماتية التي فرضتْ إيقاعًا سريعًا على حياتنا، تقلّص معها الوقت المتاح للقراءة في مكتبة عُموميّة أو مكتبة الجامعة حتى في مكتبة البيت. لكنّ الكتاب الرقمي وفّر فرصة ثمينة لتحقيقها، ويكفي، اليوم، النقر على زرّ لوحك الذكيّ للوصول إلى المعلومة أو شراء الكتب من متجر إلكتروني. لا غرو أنّ القراءة تغيّرت أدواتها، لكنّها لا تكفّ عن أداء وظيفتها؛ لأنّها مرتبطة بوجود الإنسان ووعيه، ومن المبالغة القول: إنّها في خطر! لقد دمقرطَت التكنولوجيا المعرفةَ، وأصبحتْ مُتاحة للجميع بأقل كلفة، لكنّها طوّرت، مع ذلك، خوارزميات بمحتويات مبتذلة وسطحية، لا يمكن تجاوز الوقوع في شراكها إلا بالتعليم الرصين والوعي العميق والرقابة على المحتوى، وبالتشجيع على القراءة بشِقَّيْها الورقي والرقمي.

المنشورات ذات الصلة

جوزيف مسعد: ما أقوم بالتأريخ له هو أن الصهيونية حركة بروتستانتية ..وفي «اشتهاء العرب» تأثرت بنهج إدوارد سعيد

جوزيف مسعد: ما أقوم بالتأريخ له هو أن الصهيونية حركة بروتستانتية

..وفي «اشتهاء العرب» تأثرت بنهج إدوارد سعيد

أثارت أطروحات وأفكار الأكاديمي والباحث جوزيف مسعد نقاشات مهمة في الأكاديمية الأميركية والدوائر الثقافية العربية؛ إنه...

بول ميسون: النظام الذي ينبغي أن نتخيله في المستقبل يقوم على تقليص العمل وزيادة الأتمتة وتوزيع مزيد من السلع خارج آليات السوق

بول ميسون: النظام الذي ينبغي أن نتخيله في المستقبل يقوم على تقليص العمل

وزيادة الأتمتة وتوزيع مزيد من السلع خارج آليات السوق

في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتصاعدة، يقدّم بول ميسون، المفكر والكاتب البريطاني، قراءة نقدية لمآلات النظام...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *