بواسطة حاورتها: سعيدة شريف - صحافية مغربية | مارس 1, 2026 | حوار
يمنى طريف الخولي، أكاديمية ومفكرة مصرية، متخصصة في فلسفة العلوم ومناهج البحث، تولت رئاسة قسم الفلسفة بكلية الآداب بجامعة القاهرة لسنوات. ساهمت في إغناء المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والترجمات في المجال الفكري التي ناهزت أربعين كتابًا، ناهيك عن أبحاث ودراسات باللغتين العربية والإنجليزية منشورة في دوريات علمية مُحكَّمة عربيًّا ودوليًّا، ومحاضرات ألقتها في جامعاتٍ ومراكز أبحاث عدة، من أقصى الشرق في كيوتو إلى أقصى الغرب في هاواي، من دون نسيان العديد من البلدان العربية والإفريقية.
في هذا الحوار مع «الفيصل» تتحدث الأكاديمية المصرية عن مشروعها الفكري وعن اهتمامها بفلسفة العلم، وتحديدًا المنهج العلمي والبارادايم الإسلامي، وعن اهتمامها بالفلسفة النسوية ونقدها للعقل الذكوري وخلخلتها للتصنيفات، وإسهامات المرأة العربية في هذا المجال. هذا إلى جانب الحديث عن كتابها الأخير «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، وهو كتاب مختلف يجمع بين الفلسفة وأدب الرحلة، تعرض فيه منهجيات العلم وفلسفة
المعرفة والحضارة.
ملحمة ما بعد الاستعمار
• نبدأ من كتابك الأخير «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، وهو كتاب مختلف تجمعين فيه بين أدب الرحلة والسيرة الذهنية، وتقدمين فيه رؤية فلسفية عن التعددية الثقافية من خلال زيارتك لأكثر من ثلاثين جامعة عبر العالم، فما دواعي اختيارك لهذا النوع من الكتابة القريب من أنثروبولوجيا التفلسف؟
▪ كان من الضروري طرح ما أسميته أنثروبولوجيا التفلسف؛ لتصحيح الصورة المغلوطة للفلسفة في الوعي العام، حتى اقترنت بتعبير الأبراج العاجية، المنفصلة عن الواقع المعيش. والحق أن الفلسفة لم تقطن البتة أبراجًا عاجية أو خرسانية، ولم تنفصل قط عن الواقع. فقد قمتُ في هذا الكتاب بعرض منهجيات العلم وفلسفة المعرفة والحضارة بلغةٍ مفرداتها نبض أنفاس الواقع وأحداثه العادية المعيشة في تفاعلاته مع شخوص عادةً ما يلقاهم المرء في حياته اليومية وعلاقاته الشخصية.
على سبيل المثال، صُغتُ فلسفةَ الصراع الاستعماري بين الشرق والغرب من خلال حوار دار بيني وبين حفيدي ذي الأعوام الثمانية، وسلوكيات الحفيد من جراء هذا الحوار. فقد هَرَعَ إليَّ الطفل الصغير المغترب في المكسيك مُرتاعًا مُلتاعًا مما يراه على شاشة التلفاز من مشاهد الهول الأعظم لجرائم حرب الإبادة المروعة في غزة، ويسألني لماذا يفعلون هذا؟! قلت له بلغة مبسطة: استولوا على أكثر من تسعين في المئة من بلدهم فلسطين، دون أن ينعموا بالأمان فيها بسبب المقاومة، وهذه المجازر الرهيبة لكي يقضوا عليها فيظفروا بالأمان وبالبقية الباقية من أراضيهم وبيوتهم، خصوصًا جامع اسمه المسجد الأقصى، لكنهم سيفشلون ولن يظفروا بشيءٍ.
تفهم الطفل هذا الصراع، ثم فوجئت به يتحمل مسؤولية الموقف منه في سلوكه مع أقرانه الصغار وفي المدرسة. فقد كان ثمة احتفال بعيد مكسيكي يسمى عيد الأسلاف أو الموتى الراحلين، ولا بد أن يذهب الطفل إلى المدرسة بزي خاص. يوم الاحتفال وجدناه يهبط من غرفته ويتجه لتناول الإفطار بزي المدرسة. سألناه لماذا لم ترتدِ زي الاحتفال؟ كان رد الطفل أنه لن يحتفل بشيء، وسيخبرهم في المدرسة أن إخوانه في غزة يموتون ويفقدون أهلهم وتُهدم منازلُهم ومدارسهم، فلا يمكنه المشاركة في احتفالات، وسيذهب إلى مكتبة المدرسة في أثنائها. هكذا جسّد الطفل موقفًا بشأن فلسفة الصراع الاستعماري، وجعله يصل إلى الطفل غير العربي.
بدت لي هذه الواقعة أوضح عرض لقضية فلسطين التي تتمركز في توجهي الفلسفي بعد الاستعماري من المنظور العالمي. وقد وجَدتُ مدادًا كثيفًا لسرديات من هذا القبيل، أي تدوين لأحداث عشتها في وقائع سفريات أكاديمية وزيارات ثقافية حول العالم، مشاهداتي وانطباعاتي فيها، فضلًا عما قلته وما قيل لي، تجسد بدورها رؤى ومواقف فلسفية.
السعودية والمعجزة النهضوية
• توقفت في هذا الكتاب عند عدد من الدول التي زرتها لأهداف علمية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من 1990م إلى 2024م، ومن بين تلك البلدان المملكة العربية السعودية، فما السردية أو المقاربة المعيشية التي وقفت عندها في هذا البلد العربي الإسلامي؟
▪ توقفتُ إزاء المملكة العربية السعودية في إطار مقارنة أنثروبولوجية فلسفية بين ثلاث دول نفطية: السعودية والمكسيك ونيجيريا؛ لكي أبرز كيف يستشري الفقر والبطالة والتسول في الطبقات الشعبية المكسيكية، ويتجسد بؤس الواقع في نيجيريا، مقابل إثراء الطفرة الاقتصادية والتقدمية في السعودية. وذلك بهدف تنضيد المعجزة النهضوية التي أحرزتها دول الخليج العربي، حتى حققت نموًّا بل تضاعفًا ماليًّا بنسب غير مسبوقة في التاريخ؛ فلماذا لم تحقق أموال النفط في نيجيريا أو المكسيك ما حققته في الخليج العربي؟ لا بد من الانتباه إلى خصوصية التجربة العربية، حيث التقدمُ حياةٌ متنامية دافقةٌ، والحياة لا تتدفق في العملات المعدنية أو الورقية، بل في البشر وقدرتهم على التشغيل والتوظيف والتنمية والاستثمار. كان العربُ طوال تاريخهم تجارًا محترفين؛ فأجادوا تشغيل واستثمار عائدات النفط بنجاحٍ لم تحققه بلدان نفطية أخرى. إنها تجربة إنجاز حضاري نهضوي غير مسبوق ينبغي التوقف إزاءه مليًّا.
• خلصت في كتاب عن جدك أمين الخولي إلى أن الإطار الإسلامي هو المنقذ لنا من الانسحاق الحضاري والضياع الثقافي والتخلف، شريطة أن يكون إطارًا قادرًا على التلاؤم مع روح العصر، وهو ما عبرت عنه بـ«علم الكلام الجديد»، فكيف يمكن لهذا المشروع أن يتحقق؟
▪ علم الكلام هو علم أصول الدين، علم العقائد والتصورات. وهو أحد قطبي هذا المشروع. القطب الآخر هو علم أصول الفقه في توظيفٍ معاصر له، بوصفه علمًا لمناهج استدلال حاملًا الأسس المكينة لمناهج البحث عند المسلمين. يلتقي الأصولان معًا كأساس لنموذج إرشادي مستقبلي/ بارادايم إسلامي. أصول الدين يتصل بتصور حدود عالم العلم، بأنطولوجيا العلم وإبستمولوجيته، فيشتبك بفلسفة الطبيعة، مقابل اشتباك أصول الفقه بفلسفة المنهج أو الميثودولوجيا.
كان لأمين الخولي رؤية في تجديد الأزهر الشريف.. وبالنسبة لكسر الجمود الفقهي، للخولي موقف يؤكد فيه قولًا لشيخ الأزهر بأن مجددًا في العقائد، أي في علم الكلام، أهم من مجدد في العبادات.

فلسفة العلم والبارادايم الإسلامي
• بالنظر إلى كتاباتك العلمية التي تصل إلى أربعين كتابًا تجمعين فيها بين التأليف والترجمة في مجال فلسفة العلوم ومناهج البحث والفلسفة النسوية وغيرها من قضايا التجديد الديني والتعدد الثقافي وما بعد الحداثة والاستعمار، يحضر الفكر العقلاني بشكل كبير، فكيف تمكنت من جعل فلسفة العلم بوصلة لتوجيه أبحاثك وانشغالاتك الفكرية، كما سبق وعبرت عن ذلك؟
▪ فلسفة العلم ليست مجرد بوصلة موجهة لأبحاثي الفلسفية وانشغالاتي الفكرية. كل هذه المباحث والانشغالات تجليات لفلسفة العلم من زوايا مختلفة ومنظورات متباينة ومتكاملة. العلم فارس الحلبة المعرفية، وفلسفة العلم في أساسها وصلبها هي الميثودولوجيا، أي منهجية العلم أو نظرية المنهج العلمي. وليس المنهج العلمي تقنية خاصة بذوي الاحتراف من العلماء، بل إن ممارسة العلماء لمناهج البحث هي بلورة وتجسيد لأسلوب التفكير المثمر السديد، الملتزم بالواقع وبالحوار بين الذهن والوقائع التجريبية، بتعقيل السير نحو الهدف، وبالانتقال من المشكلة إلى حلها. إنها الوسيلة المثلى التي امتلكها الإنسان للتعامل الخلاق المتطور مع عالمه. وأنا تخصصي الدقيق المنهج العلمي. قبيل كتاب «في ربوع المكسيك وآفاق ما بعد الاستعمار: تجوالات فلسفية حول العالم»، صدر كتابي «منهج العلم: الرياضياتي.. الطبيعي.. الإنساني»، عن دار «أقلام عربية» في 350 صفحة. هذه المنهجية الشاملة هي الأساس وهي الإطار وراسم البنية. مصطلح المنهج أكثر المصطلحات ترددًا في عناوين كتاباتي، ولا يخلو منه متن أي شيء كتبته.
• وكيف يمكن الوصول إلى البارادايم الإسلامي أو «النموذج الإرشادي الإسلامي»، حسب تعبيرك، الكفيل بتوطين العلم في الثقافة العربية الإسلامية، كما جاء في كتابك «نحو منهجية علمية إسلامية: توطين العلم في ثقافتنا»؟
▪ للنموذج القياسي الإرشادي/ البارادايم إطار هيكليّ ضام لسائر مكونات ظاهرةِ العلمِ في الثقافةِ المَعنيّةِ، هو موطن العلم وشخصيته المتعينة فيها. صُلبُ مُكونات ظاهرة العلم هو المشتركُ الإنسانيُّ العام بين الثقافات جميعًا: منهج العلم بمسلماته وقواعده المنطقية وأساليبه الإجرائية، والأنساق والنظريات العلمية المعمول بها، المشكلات المطروحة للبحث ومشروعاته ومستهدفاته… إلخ. يتواشج هذا المشترك العام مع خصوصيات الثقافة المَعْنيّةِ المتمثلة في قيمٍ للعلم، وخصائصه التنظيمية فيها، والعوامل السوسيو- سيكولوجية ودوافع البحث العلمي وأخلاقياته، وأهدافه وعلاقاته بالمؤسسات الأخرى. وبهذا تتعيّنُ وتترسمُ حدودُ ظاهرةِ العلم كما تتدفق في واقعنا، عاكسةً أو مُجَسدةً لرؤية العالَم والعلمِ في ثقافتنا الإسلامية.
وهكذا أيضًا نجد في البارادايمات الشتى في حلبةِ التقدمِ العلمي العالمية الآن، والتباري فيها، تعبيرًا عن ثراءِ التعدديةِ الثقافيةِ في حضارةِ الإنسانِ، وليس البتة واحدية المركز الغربي الذي يزعم أن العلم العالمي هو العلم الغربي، والغرب هو صانع العلم الأوحد ومالكه. وبالتالي لا بد أن يحتل البارادايم/ النموذج الإرشادي وهو المنهجية الإسلامية الشاملة، موقعه كإضافة وإثراء لحلبة التقدم العلمي العالمي، إثباتًا للذات وتوطينًا للعلم في ثقافتنا.
البارادايم الغربي يعكس رؤية الغرب الواحدية المادية للعالَم، وقيمه العَلمانيّة التي تُـقصي الدينَ والنص المقدس تمامًا عن حلبة العلم. إنها منهجية الحضارة الاستعمارية، وقد تستعمرُ عقولَ علمائنا وباحثينا، صانعةً اغتراب العلم وغربته عن الثقافة الإسلامية التي قد يُظن أنها تستورد منهجيته من الغرب. المنهجية –بخلاف المنهج– غير قابلة للاستيراد أو التصدير؛ لأنها بارادايم الممارسة العلمية الفعلية في الثقافة المَعْنيّة المُعينة، تبلور آليات القوى الدافعة للإنتاج العلمي فيها. وما دام ثمة إنتاج علمي؛ فثمة منهجية خاصة به.
يتدفق الإنتاج العلمي في ثقافات إسلامية، وبحكم المنطق وحكم الواقع هو نتاجٌ لمنهجية علمية إسلامية محكومة بالتوحيد، توجهها قيم التزكية والاستخلاف والعمران، في قراءةٍ للكتاب الكريم المسطور وكتاب الطبيعة المنظور معًا، كلاهما من خلق الله وإعجازه. إنها تكاملية بدلًا من التفاضلية التي تحملها المنهجية العلمية الغربية، وتحقيقٌ للشهود الحضاري للأمة الإسلامية كأمةٍ وسط وأمةِ قطب، انفردتْ بحملِ لواءِ التقدم العلمي في مرحلةٍ هي التي أدتْ إلى ثورةِ العلمِ الحديثِ في القرن السابع عشر، وهو ما يَعني عراقةَ شرفِ المواطنةِ المتبادلِ بينَ العلمِ والحضارةِ الإسلاميةِ.
وتبقى الإشارة إلى أن البارادايم العلمي الإسلامي مستقبلي بمعنى الكلمة؛ لأن واقع البحث العلمي العالمي الآن في حاجة ماسة للقيم المميزة للثقافة الإسلامية. أولًا وقبل كل شيء قيمة التوحيد، وهي قيمة عظمى يتطلبها الواقع العلمي الراهن المُتَشظي إلى أكثر من أربعين ألف فرع تخصصي وبيني. وحدة عالم العلم ووحدة المعرفة العلمية مقولة إبستمولوجية مطلوبة الآن. وبالمثل، قيمة العمران هي دفعٌ للتقانة التي لا تنفصل عن العلم إلا كما تنفصل الثمرة عن شجرتها، وقيمة التزكية مطلب أكثر من ضروري في عصرٍ البيئة هي مشكلته الأولى.
ومن وراء القيم الإسلامية ثمة أساسها كقوة دافعة للبحث العلمي، ألا وهي قيمة الاستخلاف التي ترتبط بدعوة القرآن الكريم إلى تدبر ظواهر الطبيعة والإنسان، واستكشاف مناكبها، والنظر ﴿إلى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ١٩
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 19–20]، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]. يُستهدف من الاستخلاف إطلاق غاية الجهد والجهاد والاجتهاد من قِبَل العلماء والباحثين، مما يُفعّل طاقة وجدانية تشحذ البحث العلمي وتدفعه قدمًا إلى مستقبل أفضل.
فلسفة العلم النسوية
• انشغلت بالفلسفة النسوية وخصصت لها كتابات وترجمات، على الرغم من وجود أحكام تفيد بعدم وجود ما يسمى بالفلسفة النسوية وأنها خرافة العصر، وثنائية وهمية عن فلسفة نسوية وأخرى رجالية، فما مفهوم الفلسفة النسوية لدى الدكتورة يمنى طريف الخولي؟
▪ الفلسفة النسوية واحدة من التيارات الكبرى التي ترسم خارطة التفلسف في القرن الحادي والعشرين، وهي من أهم وأقوى الفلسفات المعبرة عن روح وعصر ما بعد الحداثة، خصوصًا من حيث هو عصر ما بعد الاستعمار وما بعد المركزية الغربية. فقد ظهر مصطلح «الفلسفة النسوية» لأول مرة في التاريخ العام 1970م، في قلب فوران الانقلاب بعد الحداثي وكواحدة من تجلياته الفلسفية البارزة. أجلْ، سؤال المرأة مطروح في الفلسفة منذ الكتاب الخامس في جمهورية أفلاطون التي جعلت المرأة تشارك الرجل في طبقة الحراس، متحررة من أعباء الأسرة وتربية الأطفال، حيث تتكفل بتنشئتهم الدولة، حتى جون ستيوارت مل في القرن 19 وصيحة تحرير المرأة التي حملها كتابه «إخضاع النساء».
وعلى مدار هذا التاريخ الطويل كان السؤال المطروح: ماذا قدمت الفلسفة للمرأة؟ حتى انطلقت «الفلسفة النسوية» في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حاملةً السؤال المعكوس: ماذا يمكن أن تقدم المرأة للفلسفة؟ … من حيث هي امرأة مختلفة عن الرجل، تملك خبراتٍ ورؤى وإشكالاتٍ لا يملكها الرجل؟ وعلى مدار نصف القرن المنصرم قدمت المرأة أو الفلسفة النسوية ما هو حقيقٌ بالوقوفِ إزاءَه وتفعيلِه وتشغيلِه واستثماره.
تدفق عطاء الفلسفة النسوية، بادئًا بفروع الفلسفة اللينة: الأخلاق والجمال والسياسة، قدمت -مثلًا- أخلاق الرعاية وهي أخلاق العناية الحانية والمسؤولية في الموقف الحياتي المعني، كمقابلٍ وطيد وجميل لأخلاق القاعدة الصورية والقوانين المجردة والمبادئ العمومية الذكورية التي استأثرت بفلسفة الأخلاق طوال تاريخها. ومع ثمانينيات القرن العشرين تطرقت الفلسفة النسوية إلى فروع الفلسفة العسيرة الصعبة وهي الميتافيزيقا والإبستمولوجيا والميثودولوجيا وفلسفة العلوم. ولأن العلم فارس الحلبة المعرفية، وأقوى العوامل الفاعلة المُشَكِّلة للحضارة الحديثة، وللحداثة ذاتها، كان امتدادها إلى فلسفة العلم ضربة إستراتيجية جعلتها استجابة عميقة للموقف الحضاري الراهن. والواقع أن اهتمامي منصبٌّ على فلسفة العلم النسوية تحديدًا.
الفلسفة النسوية وخلخلة التصنيفات
• هل يمكن للفلسفة النسوية المساهمة في تفكيك البنيات الذكورية، وبخاصة إذا علمنا أن مفهوم العقلانية في تاريخ الفلسفة، في رأي العديد من الباحثين، قد ساهم في ترسيخ النزعة الذكورية داخل الفلسفة نفسها؟
▪ ليس مجرد مساهمة، بل إن مهمة ورسالة الفلسفة النسوية هي تفكيك البنيات الذكورية البطريركية التي سادت تاريخ البشرية، شرقا وغربًا، عشرات القرون. لقد قامت الفلسفة النسوية من أجل رفض مطابقة الخبرة الإنسانية بالخبرة الذكورية، ورفض عدّ الرجل الصانع الوحيد للعقل والعلم والفلسفة والتاريخ والحضارة جميعًا. وهي تَجدُّ لإبراز الجانب الآخر للوجود البشري الذي طال قمعُه وكبته. وفي هذا تعمل الفلسفة النسوية على خلخلة التصنيفات القاطعة للبشر، بما تنطوي عليه من بنية تراتبية سادت لتعني الأعلى والأدنى، المركز والأطراف، السيد والخاضع. امتدت في الحضارة الغربية من الأسرة إلى الدولة إلى الإنسانية جمعاء، فكانت أعلى صورها في الاستعمارية والإمبريالية. وكما تقول لورين كود، الظلم الذي نراه في معالجة أرسطو للنساء والعبيد هو عينه الظلم في معالجة شعوب العالم النامي، إنه تصنيف البشر والكيل بمكيالين.
تعمل الفلسفة النسوية على فضح ومقاومة كل هياكل الهيمنة وأشكال الظلم والقهر والقمع، وتفكيك النماذج والممارسات الاستبدادية، وإعادة الاعتبار للآخر المهمش والمقهور، والعمل على صياغة الهوية وجوهرية الاختلاف، والبحث عن عملية من التطور والارتقاء المتناغم الذي يقلب ما هو مألوف ويؤدي إلى الأكثرِ توازنا وعدلًا. أمعنتْ في تحليلاتها النقدية للبنية الذكورية التراتبية، وتوغلت في استجواب قسمتِها غير العادلة، وراحت تكسرُ الصمتَ وتخترقُ أجواءَ المسكوت عنه، حتى قيل إنها تولدت عن عملية إعطاء أسماءٍ لمشكلات لا اسم لها وعنونة مقولات لا عناوين لها.
الفلسفة النسوية أعمق من مجرد المطالبة بالمساواة مع الرجال. فلا بد من استجواب تاريخ العقل البشري والسياق الحضاري؛ لسبر أعماق التهميش الطويل الذي نال المرأة، وإثبات إلى أي حد كان جائرًا وخاسرًا؛ تمهيدًا لاجتثاثه من جذوره. لا بد من إعادة اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، لذواتهن المقموعة، وإثبات جدوى إظهارِها وإيجابياتِها وفاعلياتِها، وصياغة نظرية فلسفية للهوية النسوية. الفلسفة النسوية حرثٌ للأرضية العقلية، واستنباتٌ لبذورٍ لم تُبذَر من قبلُ. تقدمت بمنهاج لإعادة تأريخ الفلسفة القديمة والوسيطة والمحدثة للإجابة عن تساؤلات لم تطرح فيما سبق، ثم تقديم رؤى أنثوية متكاملة.

ألق «النسوية الإسلامية»
• وما تقييمك لجهود الباحثات العربيات في مجال الفلسفة النسوية، التي هي فرع فلسفي أكاديمي ينضوي تحت لواء الفلسفة؟ وما الإضافات التي قدمنها؟
▪ الفلسفة النسوية كما ذكرت من أبرز تيارات الفلسفة المعاصرة والراهنة، وبالتالي فرضت نفسها على الباحثات والباحثين في الفلسفة شرقًا وغربًا. تدفقت الدراسات والرسائل الجامعية في الفلسفة النسوية. وأنا شخصيًّا أشرفت على اثنتي عشرة رسالة ماجستير ودكتوراه في الفلسفة النسوية.
أما الإضافة العربية التي ينبغي أن نتوقف عندها فهي ظهور تيار أو مدرسة «النسوية الإسلامية»، بفضل رائدتين عظميين هما بنت الشاطئ/ الدكتورة عائشة عبدالرحمن (1912- 1998م) والدكتورة منى أبو الفضل (1945- 2008م).
وقد اهتمت منى أبو الفضل اهتمامًا بالغًا بالنسوية من منظور حضاري إسلامي، في تعامله مع ظواهر العمران التي يدخل في نسيجها قضايا المرأة والأسرة والجنوسة/ الجندر. رسمت معالم نسوية إسلامية ذات نهج إصلاحي لواقع المرأة المسلمة، وقدمت نظام الأسرة الإسلامي للعالم كنموذج يُحتذى في إرساء دعائم التنشئة للأجيال. إنها ترفض المنظور الغربي الذي يجعل المرأة في حد ذاتها مبتدأ وغاية، فاصلًا إياها عن الأسرة وعن المجتمع، جريًا على منوال الفردية المطلقة في الغرب. ترفض أيضًا رؤية تراثية نازعة إلى نفي وتهميش المرأة.
هكذا اتخذت منهاجًا نقديًّا في التعامل مع الفكر النسوي المطروح سواء في الغرب أو في التراث السلفي. وفي تشييد نسوية إسلامية، ارتكزت منى أبو الفضل على شمولية المقاربة القرآنية لأنطولوجيا المرأة، فقد تعددت مستويات الخطاب القرآني للمرأة كأنثى.. كفتاه.. كزوجة.. كأم.. كابنة.. كعابدة.. كقانتة.. كمارقة…. إلى آخر المواقف الوجودية للمرأة.
أسست منى أبو الفضل «جمعية دراسات المرأة والحضارة» التي تهدف إلى التوعية الفكرية بهذه النسوية الإسلامية من خلال البحوث والندوات والأنشطة التدريبية، والمنشورات. وأصدرت «مجلة المرأة والحضارة»، وبمشاركة رعيل من الباحثين السائرين في هذا الاتجاه، ناقشت المجلة قضايا من قبيل: الريادات النسوية في النهضة الإسلامية، الأنوثة والجسد الأنثوي من خلال محددات السياق الثقافي والاجتماعي الإسلامي، المعرفة النسوية بين المنظور الإسلامي والمنظور الغربي، أوقاف النساء على مدى التاريخ الإسلامي كمدخل لإسهامهن في العمران، وكذلك في عمليات بناء المعرفة، والاندماج في شبكة العلاقات السلطوية والسياسية القائمة. تمثل الأوقاف نموذجًا إسلاميًّا للتنمية البشرية، ومثالًا تطبيقيًّا لدراسات الجنوسة من المنظور الحضاري/الثقافي.
عقدت جمعية المرأة والحضارة أول مؤتمر لها في مارس عام 2000م، تحت عنوان «بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر». فقد عدّتها منى أبو الفضل شاهدة على روح العصر، ونموذجًا للمرأة المسلمة العالمة الواعية بهويتها والفاعلة فيما يدور حولها في العالم الإسلامي، أدت دورًا في إحياء تراث أمتها وبناء علومها وإعادة بناء وعيها والدفاع عن قضاياها. ثم أشرفت منى على تحرير الكتاب الذي ضم أوراق المؤتمر: «بنت الشاطئ: خطاب المرأة أم خطاب العصر؟: مُدارسة في جينالوجيا النخب الثقافية»، إصدار جمعية دراسات المرأة بالقاهرة وجامعة قرطبة بفرجينيا، 2010م.
كان من الضروري أن تتجه أبو الفضل نحو بنت الشاطئ التي سبقتها في طريق تجديد المناهج، وكانت بحق «نسوية إسلامية فريدة». وهذا عنوان دراسة لي منشورة في كتاب «منهجيات راهنة نحو المستقبل»، ومحاضرة ألقيتها في جامعة فردريش ألكسندر بألمانيا عام 2022م.
تجسد بنت الشاطئ النسوية الإسلامية، كنظرية وكتطبيق؛ فهي المرأة المسلمة التي حررت نفسها عن طريق الإسلام. سيرتها فصولٌ في ملحمة تحدٍّ لأوضاع الصورة التقليدية للمرأة المسلمة القاصرة على المنزل والحياة الخاصة، وانتصار صورة حداثية تجمع بين المجالين الخاص والعام، تمثيلًا لفاعليات ناشطةٍ جادةٍ مُنجزةٍ، حققت حضورًا عالميًّا، وأُجريتْ رسائل جامعية حول إنتاجها في أنحاء العالم، احتلت موقعها بين أبرز علماء الإسلاميات في القرن العشرين، نسوية وقبلًا مسلمة. جسدت بنت الشاطئ النسوية الإسلامية، كفكرٍ وممارسة، كنظريةٍ وتطبيق، كحلمٍ وواقع.

تفكيك بنيات الهيمنة
• لِم نشهد طفرة مهمة في عدد الباحثات المشتغلات بالفلسفة النسوية وبقضايا النوع الاجتماعي والجندر في المغرب العربي أكثر من مصر والمشرق عامةً؟
▪ اسمحي لي أن أعترض على هذا السؤال، من حيث الشكل ومن حيث المضمون. من حيث الشكل (النوع الاجتماعي) مصطلح مائع رغم شيوعه، و(جندر) مصطلح غربي اعتمد له مجمع اللغة العربية مقابلًا شديد الدلالة والمطابقة هو (جنوسة) من الأفضل استخدامه حين نتحدث بالعربية.
ومن حيث المضمون، الفلسفة النسوية والجنوسة ليستا من خصوصيات المرأة كأصناف الزينة والعطور لتقولي: الباحثات المشتغلات! إنها قضايا نضال فكري وواقع إنساني مشترك ينشغل به باحثون وباحثات على السواء. تضاعفت أعدادهم وأعدادهن في المشرق وفي المغرب معًا. الأرقام في مصر لا تقارن، جامعة القاهرة مثلًا بلغ إنتاجها العلمي عام 2025م، أي عدد الأبحاث العلمية المنشورة 9365 بحثًا، متقدمة في هذا على جامعات عالمية كبرى. والحق أني أرى الجهد ناشطًا بشكل عام. وفي المشرق العربي نجد السعودية التي كانت تستبعد الفلسفة، قد شهدت مؤخرًا طفرة فلسفية مدهشة، وباتت تستقطب أهم الترجمات والمؤلفات الفلسفية وتتوهج فيها المؤتمرات واللقاءات والأنشطة الفلسفية من جمعيات ومحاضرات وندوات. حتى في الإعلام السعودي برامج شايع الوقيان تقدم الفلسفة الخالصة للمشاهد العادي بأسلوب فائق العذوبة والرصانة معًا، لم يظفر بمثله الإعلام العربي من قبل.
بواسطة حاورتها: سعيدة شريف - صحافية مغربية | يوليو 1, 2023 | حوار
لا يمكن التطرق إلى العراقي عبدالقادر الجنابي بصفته شاعرًا شديد التفرد فقط، ولا ناقدًا مهمًّا وذكيًّا أيضًا، أو حتى مترجمًا بارعًا. هو كل ذلك معًا؛ ويستحيل فصل أحدهما عن الآخر، حتى لكأن هذه الأدوار أو الوظائف يحفز واحدها الآخر، ليصل الجنابي إلى مستوى ناصع ومتفرد وإشكالي من الإنجاز الشعري والنقدي والترجمي. لم يخطئ الذين وصفوا الجنابي بأنه الشاعر والناقد العربي الوحيد الذي استوعب قصيدة النثر ومتطلباتها. ولم يجانب الصواب أولئك، ومنهم الشاعر الكبير عباس بيضون، الذين اعتبروا الجنابي مؤسسة لا مثيل لها، في تبني ورعاية وإنجاز مشروعات مهمة ورائدة.
أسهم الشاعر والناقد والمترجم عبدالقادر الجنابي في إغناء المكتبة العربية بأرفع الترجمات لمجموعة من قصائد النثر الغربية، وبمجموعة من المجلات الفريدة والدراسات الأدبية والأنطولوجيات التي تعرف بقصيدة النثر وخصائصها الجمالية، لدرجة جعلت منه «ظاهرة شعرية وبحثية لا تتكرر». كما يعد الجنابي من أبرز وأشرس المدافعين عن السوريالية في العالم، وفي العالم العربي. كانت حياته رحلة بحث عن التحرر من بغداد إلى لندن ثم باريس، التي
يقيم بها إلى الآن، وأسس فيها منذ سبعينيات القرن الماضي مجموعة من المجلات السوريالية باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وعلى رأسها مجلة «الرغبة الإباحية»، و«النقطة»، و«فراديس» و«إن توتو» في السنوات الأخيرة، وذلك قبل أن يكتب قصائد نثر مغايرة، متحررة من كل قيود الماضي والتراث، ومتمردة على السياق والمسكوت عنه، وهو ما جعل شعره أكثر إنسانية وحميمية، وأقرب إلى الاعتراف والبوح.
شكَّل مع الشاعر اللبناني أنسي الحاج ثنائيًّا جميلًا ورائدًا في قصيدة النثر، التي حرص على التنظير لها وتوضيح مفاهيمها وترجمة نماذج متقدمة منها، وتصويب بعض الأخطاء الشائعة عنها في العالم العربي، حتى أصبح من خيرة كتابها، بشهادة العديد من المتخصصين.
عبدالقادر الجنابي شاعر وناقد ومترجم غير مهادن، صارم في أطروحته المتعلقة بقصيدة النثر وممارسيها على مستوى العالم العربي، سوريالي رافض لكل التقاليد وكل أشكال العنف المجتمعي، قد يرى فيه بعضٌ شخصًا متعاليًا ومستفزًّا، ولكنه في الحقيقة شخصية مختلفة ومبدع استثنائي، وشاعر مميز يعيد للغة الشعرية طراوتها وينزع عنها كل القشور والزيف.
ومن بين ترجماته وأنطولوجياته وأعماله الشعرية نذكر: «في هواء اللغة الطلق»، و«مرح الغربة الشرقية»، و«حياة ما بعد الياء»، و «ما بعد الياء:
أعمال شعرية وشقائق نثرية». «الأفعى بلا رأس ولا ذيل: أنطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية»، و«الأنطولوجيا البيانية»، و«كائنات العزلة: أنطولوجيا شعرية شخصية»، و«ديوان إلى الأبد: قصيدة النثر/أنطولوجيا عالمية»…
لبغداد دور أساسي في تكويني الشخصي
● غادرت العراق منذ عام 1970م وأقمت في لندن مدة، وبعدها انتقلت إلى العاصمة باريس التي تقيم بها إلى الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات على الغربة أو المنفى الاختياري، كيف تستعيد اليوم كل هذه المحطات، وهل ساهمت الغربة في صقل ونضج الشاعر والمثقف والناقد والمترجم الذي أنت عليه اليوم؟
■ لبغداد دور أساسي في تكويني الشخصي، خصوصًا بغداد النصف الثاني من الستينيات. ففي هذه المدينة وفي ظرفها هذا الذي كان يتمتع بقوانين شبه علمانية وليبرالية وبغياب السلطة حيث الجو الأدبي كان فالتًا؛ اكتشفت ما يشكل قطبي تجربتي الثقافية: السينما والشعر. كان للسينما دور كبير في شحذ مخيلتي في أن أرى العالم الواقعي جزءًا من حلم تتنامى فيه إمكانيات الواقع في أن يصبح فردوسًا. السينما هذا الجسر العظيم المنفتح الذي يربط النهار بالليل كما يقول بروتون، وجدت فيها المدهش الشعري، ودورها التحرري في تفجير الطاقة الحلمية في ملكة الإدراك. ففي السينما أنت واحد وسط آلاف من الأفراد، لكنّ أشباحًا حلمية متحركة تصهر تجاربها في وعائك الداخلي. أما الشعر الذي كنت أقرؤه عن طريق الإنجليزية وترجمت بعضه، كان يفتح فيّ صوت الآخر، صوت المشاركة معه في آفاق مغامرة عريضة، مغامرة حركية تضرب الشكل والمضمون.
لا أعرف كيف أصبح الشعر قضية جوهرية في كل ما أفكر فيه، مع العلم أني لم أنشر قصيدة واحدة على الرغم من معرفتي وعلاقتي المتينة بمسؤولي الصفحات الثقافية، كنت فقط أنشر ما أترجم. المهم أنني شعرت، في نهاية عام 1969م، بأنه لا الرفقة مع شبيبة متمردة، ولا الترجمة ولا شعر المرحلة المدعي التمرد بشكل ما ضد تقاليد الشعر العربي، لهم قدرة على جعلي أرتكب سفرًا بلا عودة. في تلك اللحظة تجلى مصيري، الذي كان يداهمني كل ليلة في أحلام يقظة، في انتظاري عبر الحدود. وفي ظل أسئلة القطيعة مع كل ما كنت أحمله من تاريخ، شعرت أن لا حل سوى ركوب الطائرة إلى لندن، فأسرعت في إتمام معاملات جواز السفر وتبريراته ورصد مبلغ مالي صغير (30 باوندًا)؛ ليساعدني على الأقل في اليوم الأول من الهجرة التي غالبًا ما رأيتُ لُبنَتها في شعر الآخر، تاركًا العراق لمصيره في أن يولد من موته الذي فيه.
وما إن وصلت لندن، حتى بدأ نضال سياسي سيستغرق سنين طوالًا في أحضان التروتسكية والفوضوية، ثم في الدفاع عن السوريالية الأبدية التي شعرت من وقت إلى آخر بها حين كنت في العراق. ظل الشعر نائمًا في لا وعيي على الرغم من كل ضجيج قراءات مستعجلة للشعر الإنجليزي الجديد آنذاك. في لندن تبدأ الدروس الأولى في تأصيل التمرد لبناء التكوين الشخصي، ثم جئت باريس حيث عليك أن تعيش الثورة في داخلك، أن تستبدل بماضيك ماضيًا ثوريًّا ملحًّا وعنيدًا.
● في أحد حواراتك قلت: إن للسوريالية شكلين؛ سوريالية تاريخية لها تبريرها التاريخي وسوريالية أبدية، وكشفت أنك تخليت عن السوريالية التاريخية منذ ربع قرن، وأنت اليوم سوريالي أبدي، فما مصير السوريالية كأسلوب فني ورؤية اليوم والعالم أصبح سورياليًّا بامتياز؟
■ بعد وفاة بروتون، دخلت الحركة السوريالية في صراعات داخلية، حاول جان شوستر، الذي كان بروتون قد وضع ثقته فيه إلى حد أنه ائتمنه قبيل وفاته على أن يكون مسؤولًا عن كل الأرشيف السوريالي، أن يضع حدًّا لهذه النقاشات النزاعية داخل الحركة بنشر، في جريدة «لوموند» عام 1969م، بيانًا عنوانه «النشيد الرابع»، أصبح مشهورًا باسم «بيان الانحلال الذاتي». قال لي شوستر في لقاء أجريته معه: «باتخاذنا قرار الحل كنا نعي أننا نهيئ بطريقة ما المستقبل أي أننا نفتح الطريق أمام شعراء ناشئين وفنانين يمارسون نشاطًا متماسكًا يستعيد مبادئ السوريالية الأبدية التي لا تتغير؛ أي الإيمان بالحب وتمجيد العشق والثقة بالطاقة الثورية التي تختزنها اللغة، وبالطاقات الثورية الكامنة في العلاقات الاجتماعية والانخراط في إحدى هذه الطاقات والصراع من دون تهاون ضد كل أشكال القمع. كل هذه المبادئ تظل مبادئنا، لكن ما كنا لا نريده هو ألا تستمر جماعة ترفع لواء السوريالية من دون أن يكون لها الفحوى التي كانت لها أمام بروتون. هذا ببساطة كل المفهوم حول انتهاء السوريالية التاريخية المحدودة بحركة بروتون وأصدقائه. الفرق هو إذن بين سوريالية تاريخية قطعت شوطها بوفاة مؤسسها سنة 1966م، وسوريالية أبدية تساعد على معرفة الخصائص الحلمية كلها وعلى التمتع بها، وتمكّن الحلم من أن يكون في الحياة العملية عنصرًا ضالعًا في تقرير مصاير البشر».
في معمعان هذا النقاش النظري، ولدت الرغبة الإباحية لتأخذ العربية حصتها من النضال السوريالي، غير أنه في عالم اليوم، الذي أصبح سورياليًّا بامتياز كما تقولين، لم يعد ملائمًا إطلاق صفة السوريالية على أعمال وفية إبداعيًّا للسوريالية. موقفي في الحركة الأممية، هو الاستمرار بنشاط حر مفتوح من دون استخدام صفة السوريالية، لكن هناك من يعارض، بل يلح على ضرورة استخدام الصفة لكي يعرف أعداؤها أنها حية قيوم. إلا أن هذا يخلق نوعًا من التراتبية داخل كل تجمع وغالبًا ما تصبح السوريالية أداة في خدمة الانتهازيين والوصوليين. النقاش مفتوح، وليلعب كل في ملعبه. لكن عظمة السوريالية كفكرة متمردة لا لوحة غرائبية، لها دومًا شبابها الجدد الذين يعيدون إليها نضارتها. واليوم هناك عشرات من التجمعات التي تدعي السوريالية، لكن يجب على هذا الذي يريد أن يكون سورياليًّا، أن يكون دائم الوعي بأن «السوريالية لا تعتزم صياغة قصائد بقدر ما تعتزم تحويل الناس إلى قصائد حيّة» كما نبّه أوكتافيو باث. السوريالية ليست تقنية فنية أو شعرية ولا حتى شعارًا ثوريًّا حتى يستبدل بها الكاتب تقنية أخرى، إنها نزوع يشترط وجوده مجابهة متجددة مع كل ما يتجدد من أشكال اضطهاد ونظرة شرسة لإزالة هذا الاضطهاد.

السوريالية جعلتني أدرك أن الفكرة الصحيحة تكمن في الغلط النحوي
● منذ البداية اخترت أن تكون شاعرًا سورياليًّا عن إصرار ووعي مسبق؛ لأنك كنت تبحث عن التغيير والثورة على كل قيود الفكر، على الرغم من النقد الذي طال هذا الاتجاه، فما الإمكانات التي أتاحتها لك السوريالية في مقاربة الواقع وتناقضاته على المستوى الأدبي؟
■ لقد أرتني السوريالية أن الطريق إلى التعبير الحر مرسوم في الأعماق بلا دليل.. لقد جعلتني السوريالية أدرك أن الفكرة الصحيحة، غالبًا ما تكمن في الغلط النحوي وفي اللحن. فأخذت أحب كلّ ما هو ركيك وكل خلل وزني؛ لأن فيه فقط يكمن الشعر، دربة الشاعر في إسفلت اللغة وليس في ميزان الذهب… لقد مكنتني من أن أكون صوتَ طباعي أنا وليسَ عقِيرةَ طباعهم هم. لم أقرأ التراث العربي فقط كفكر ولا كشعر، وإنما كمعجم ألفاظ، أختار منه كلمات تسحرني فأبذرها في حقول دلالية جديدة؛ لذا ألقيتُ بالحلاج، المتنبي، الجرجاني… في بالوعة بحمام قرب محطة ليفربول في لندن- كان ذلك في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حين تجلّى لي الروح السوريالي لكي أدرك ماذا يعني أن «عصفورًا عندما يصاب برصاصة يسقط على الأرض ولا يصعد إلى السماء»، وأن العلمانية هي أن يحق لي ألا أكون متديّنًا…. آه، كم أكره شعراء يدعون التصوف لا هدف لهم سوى الاتحاد مع شبح، يتلاعبون معه بالاستعارات بمكر ومع هذا ليس بدهاء، بينما الشاعر الهارب منهم يطلقها في هواء الصفحة الطليق لكي تتجول بحرية لا أن تقيّد برموز عبادة الماضي. لقد أوضحت السوريالية أن الشاعر ليس عليه واجبات وإنما له حقوق… لا يملأ شاغرًا ثقافيًّا وليس له مكمن اجتماعي، لا يخشى عواقب جسارته وسبّ الأوضاع… لا يبتغي تغيير الحياة التي هي تتشقلب من سوء إلى أسوأ… وإنما أنْ ينفي بتواتر حيوات يومية تسلطية: الشاعر العظيم يحررك من سيادته. السوريالية جعلتني أدرك أن الفعل الشعري هو، قبل كل شيء فعل التذاذ: اغتصاب اللغة.
● كانت علاقتك الأولى بالكتابة الأدبية عبر المجلات التي حرصت على إصدارها في فرنسا باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، وعلى رأسها مجلة «الرغبة الإباحية»، و«النقطة»، و«فراديس» و«إن توتو»، والترجمات التي قمت بها لإغناء الساحة الأدبية العربية، فهل المجلات كانت نافذتك للتحرر؟
■ أصدرت مجلات عديدة بالعربية والإنجليزية والفرنسية لكي أعثر على أصدقاء، ومع هذا لم أعثر على الصديق العربي المريح للذهن. فلمجلاتي الصادرة بالعربية أصدقاء بين قوسين لا هم لهم سوى انتحال موضوعاتها، وهناك حتى هذه اللحظة من يستغل التعتيم على كتبي ونشاطاتي وترجماتي. نعم إصدار مجلة كان أسلوبًا تميزت أنا به… كنت أحب أن يشاركني الآخر ما أعرفه، أسلوب يشبه ما يسمى المشاركة في تويتر. فالمجلات كانت توزع مجانًا في حالات كثيرة. كما كان أسلوبًا يشجع الآخرين على أن يأخذوا مصيرهم الأدبي بأيديهم. أردت من كل هذه المجلات أن أكشف عن أسلوب فردي يسمح للضمير بالتعبير من دون تنازلات.
● وهل ساهمت المجلات التي أصدرتها، وتحديدًا مجلة «آرابوتيكا» Arapoetica في «إطلاق القصيدة العربية الحديثة في فضاء العالمية وتخليصها من الانغلاق الذي تعانيه داخل لغاتها المحلية» كما سبق وأعلنت في افتتاحية العدد الأول منها؟
■ أردت أن تكون القصيدة العربية الحديثة حاضرة بذاتها هي وليس بصفتها شعارًا سياسيًّا، أن تقدم نفسها جزءًا من تجربة شعرية عالمية، لا سفير بقعة جغرافية.. لا أدري إذا نجحت في ذلك أو لا. المهم أن المحاولة بذاتها فعل شعري يستحق الإشادة.
الخروج على قانون التفعيلة
● اهتممت بقصيدة النثر، وحرصت على التنظير لها وتوضيح مفاهيمها وترجمة نماذج متقدمة منها، وتصويب بعض الأخطاء الشائعة عنها في العالم العربي، حتى أصبحت من خيرة كتابها، بشهادة العديد من المتخصصين، وأصدرت «ديوان إلى الأبد: قصيدة النثر/ أنطولوجيا عالمية» تضم ما يقارب 420 قصيدة نثر نموذجية لـ 117 شاعرًا، ترجمتها مع أصدقاء من لغاتها الأصلية، فهل ما زلت صارمًا في تحديدك لها حتى اليوم، مع العلم أن قصيدة النثر في العالم تجاوزت توصيفات مثل «الكتلة النثرية» و«اللاغرضية» و«الكثافة»، لصالح حرية أوسع للقصيدة؟
■ منذ أن اكتملت معرفتي بقوانين قصيدة النثر، تركز هدفي في إعداد أنطولوجيا شاملة لقصيدة النثر نموذجًا وتنظيرًا. اللافت في هذا العمل الذي بدأت فيه منذ العدد الأول من مجلة «فراديس»، هو الحضور العربي في هذه التجربة، وهنا أصبح العمل شاقًّا؛ إذ كان عليَّ أن أختار قصائد نثر ضائعة بين ما يسمى قصيدة نثر عربية، التي هي قصيدة شعر حر لا أكثر ولا أقل. أردت أن يلبي كل نص اخترته مميزات قصيدة النثر كجنس أدبي جديد. إن التحرر الحقيقي الذي كان يجب على القصيدة العربية الحديثة أن تحدثه هو التخلص كليًّا من قانون الشعر الكلاسيكي ألا وهو التفعيلة، أي التخلص من إيقاع القصيدة الكلاسيكية الوزني؛ إذ لا تجديد حقيقيًّا في الشعر العربي إلا بالخروج كليًّا على قانون التفعيلة، وإلا سيبقى هذا الشعر متحررًا شكليًّا فحسب وليس جوهريًّا.
والماغوط بإيقاعاته المعاكسة للإيقاع الوزني الثابت، كان أول من مهد الطريق إلى شعر حر سُمّي خطأ قصيدة نثر. وهنا يجب ألّا ننسى أن الماغوط عندما نشر محاولاته الأولى، لم يسمها قصائد نثر، وإنما سميت فيما بعد، أي عندما انتحل أدونيس عرضًا نقديًّا لكتاب سوزان برنارد نشرته مجلة أراغون «الأخبار الأدبية»، وكتب مقالته «قصيدة النثر» من دون أن يفهم حقًّا المقصود الفرنسي لكلمة Poème en prose «قصيدة مادتها نثر»، أي لا علاقة لها بأي إيقاع وزني. يجب ألا ننسى أن قصيدة النثر الفرنسية لم تأتِ ضد الشعر الكلاسيكي ولا ضد الشعر الحر ولا هي امتداد لهما، وإنما هي جنس أدبي له مميزاته وقوانينه يمكن أن يكتبها سيد الوزن مالارميه أو سيد الشعر الحر بيير ريفيردي أو الروائي تورغينييف.
بينما ما يسمى قصيدة النثر العربية هي رد فعل ضد الشعر الخاضع لوزن التفعيلة، وتحتاج إلى نقاد يعيدون الاعتبار إليها على أنها شعر حر بالمعنى العالمي للكلمة، أي شعر غير خاضع لإيقاع التفعيلة وإنما لإيقاع الشاعر حيث اللعب بالتفاعيل كما يحسه هو. كما أن سوء فهم شكل قصيدة النثر العالمية نراه في العالم العربي إلى اليوم؛ إذ ما زلنا نرى نقادًا عندما تطلب منهم لماذا سميت هذه القصائد قصائد نثر، يقولون لك لأنها غير موزونة… ولا يقولون لك بكل بساطة لأنها حرة،
لأنها توخّت نَفَس الشاعر إيقاعًا! إن هذا الذي يريد أن يتحرر من قانون ما، عليه أن يعرف أولًا القانون المرعي، ثم يكسره على نحو يجعلنا معه نفهم لماذا هذا الكسر ضروري وأين يجب أن يتم. للشعر حريته؛ قانونه. ولا سبيل إلى سدرة هذه الحرية إلا بالمرور من خلال قانونه. أردتُ أنْ أقدم كتابًا لفائدة القراء العرب وانتشالهم من وحل الخلط والتشويش، عن جنس أدبي وفق شروطه هو، وليس كتابًا يُخلَط فيه الحابل بالنابل.
علاقتي بأنسي الحاج كانت شعرية نقية
● شكلت مع الشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج ثنائيًّا جميلًا ورائدًا في قصيدة النثر لدرجة أنك أفردت له دراسة بعنوان «أنسي الحاج من قصيدة النثر إلى شقائق النثر»، فإلى أي حد كان تأثيره فيك شاعرًا وناقدًا؟ وهل هناك شعراء ونقاد عرب مثلًا كان لهم التأثير نفسه فيك؟
■ لو سألت أنسي الحاج هذا السؤال لأجابك: يكذب، فهو (يقصد أنا) ليس متأثرًا على الإطلاق بأي شاعر عربي ولا حتى بي (يقصد نفسه). علاقتنا كانت فعلًا شعرية، نقية. كتب، قبل أن يراني، عن ديواني الأول في صحيفة «النهار». وحين التقيته شعرنا معًا أن علاقة طويلة تمتد أمامنا؛ علاقة الند للند وكل واحد منا كان يشعر الشعور نفسه بأن «صداقة حقيقية تشبه ثمرة بدأت تنمو بيننا ببطء» (أرسطو). نلتقي، تقريبًا، كلَّ يوم، أو بالأحرى كل ليلة، أي عندما ينتهي من عمله في «النهار العربي والدولي»، فنتقاسم رغيف الوقت ليلًا تحت أضواء المصابيح وتباشير الفجر، نثرثر أفكارًا في شتى الأمور، نتبادل الآراء في هذا الشخص أو ذاك الموضوع. وعندما نفترق على أمل أن نلتقي غدًا، كان كل منا يشعر بأنه تقدّم خطوةً في أعماق صداقة واضحة الأهداف: «لا تمشِ ورائي، فقد لا أقود؛ لا تمشِ أمامي، فقد لا أتبع. امشِ فقط بجانبي وكنْ صديقًا» (ألبير كامو)! ذلك هو ألف صداقة الحاج وباؤها. كنا نلتقي مساء كل يوم تقريبًا نتحدث، نلتقي بعض الأصدقاء السورياليين الفرنسيين، نقضي الليلة حتى الثانية صباحًا بالثرثرة وتذوق بعض الأطباق المتوسطة الأسعار.
كان الشعر ملاكنا الحارس، وكانت باريس مدينتنا التي كنا نأمل منها ثورة انقلابية. لكن كل ما كان هناك هو ضجيج وشعارات. لم أعرف شاعرًا عربيًّا واحدًا أستطيع أن أثق به كما كنت أثق بأنسي الحاج. والمدهش بقيت الثقة بيننا متبادلة بشكل سليم. كان كلُّ لقاء معه ينتهي فعلًا، لا أقصد بقطيعة أو بحادث، وإنما أقصد: يتمّ، يقطع مداه، ويُنجَز… ذلك لأنه على الصداقة، أن تتجنب التكرار، أن تكون دومًا للمرة الأولى… غدًا أو بعد غد سيكون لقاء آخر، جديدًا وكأننا نلتقي «أول مرة»، حتى المضمون يتغيّر ويأخذ شكلًا جديدًا، والصمت يحفر صمتًا آخر. هكذا يجري النهر نحو أعاليه. فالصديق الحقيقي لا تختاره، واللقاء به ليس مسألة مصادفة أو إعجاب، وإنما مسألة جوهرية تتعلق بمصيرك. إنه مكتوب عليك. لم تكن صداقة أنسي الحاج كتلك التي نتعلمها في المدرسة بوعظٍ جافّ، وإنما كانت الإحساس بتصبّب العرَق وكأن يدًا تنتشلك من غرقٍ ما! كل الطرق التي قررتُ أن أسلكها في مطلع تجربتي، كانت تؤدي إلى صداقته. لا يمكن لتجربة شعرية أن تكتمل من دون أن تعيش صداقة عميقة مع ندٍّ لك أو مع رائد. وكان أنسي الحاج الاثنين معًا. إن موته صدمة كبيرة لا أزال أحمل آثارها إلى اليوم، ناهيك أنه الشاعر الذي كان فعلًا يحث على منح الشعر فرصة.
● وما رأيك في أدونيس؟
■ إنه شاعر عربي بامتياز. سلطة.
● وصفك الشاعر اللبناني الكبير عباس بيضون بالمؤسسة، نظرًا لما أنجزته وتبنيته من مشروعات شعرية وثقافية، فإلى أي حد أنصفك الشاعر بيضون؟
■ عباس بيضون شاعر صديق كان أفضل من كتب عن الأنطولوجيا. كما أنه أفضل من استطاع أن يكتب قصيدة نثر بالمفهوم الحقيقي للكلمة. عباس يرى في كل ما أنشره من أنطولوجيات جزءًا من مشروع ضخم يحتاج إلى مؤسسة لإنجازه. في الحقيقة، إنه يرى في كل نشاط أقوم به فعل تأسيس؛ الجانب التخريبي لثوابت ما نقرأ. عباس شاعر جيد وهذا هو المهم.
● كيف ترى علاقة المثقفين العراقيين فيما بينهم، ومن خلال علاقتك أنت ببعضهم، سواء من الذين جمعتك مشروعات معهم، أو تجمعك معهم حساسية شعرية أو اهتمامات مشتركة؟
■ أنا جمعتهم معي في مشروعات عديدة أعطتهم ثقلًا راحوا يضربون به الآخرين. كنت أتصور بإسقاط نظام صدام، سيظهر عراق آخر جديد واع، لكن للأسف اكتشفت أن العراق لا يمتلك فعلًا مثقفين نقديين حقيقيين، وإنما مثقفون تحركهم نوازع طائفية، كانت مختفية تحت تسميات سياسية مقنّعة، كالشيوعية. وهذا شيء مؤسف؛ لأنهما كليهما خسر: الشيعي والسني. فبدل أن يحركهما مشروع ثقافي صاف، راحت علاقة مريضة، طائفية من كل جانب، تنسجهم عقبة بوجه أية محاولة لحياة حرة. لا حل لهما سوى أن يبصق كلاهما على هويتهما والتخلص من مسارها الماضوي.
● يقول عنك الناقد علي حسن الفواز: إنك «تملك عدّة الشاعر المغامر، وغواية الباحث عن اللذة»، وهذه النزعة برأيه تجعلك أكثر استعدادًا للذهاب بعيدًا باتجاه الجسد واللغة، باتجاه أن تكون الكتابة لعبة في الكشف أو التعرية أو المواجهة الفادحة، فإلى أي حد ترى أن هذه القراءة صائبة في تجربتك الشعرية؟
■ لا أدري إذا كنت حقًّا أمتلك هذه القدرة. شكرًا يا صديقي. عليَّ أن أقرأ أعمالي كلها لكي أرى إذا كانت صائبة.
الشعر الكوني عزلة في كل لحظة
● تحتفي المملكة العربية السعودية هذا العام بالشعر العربي، حيث أطلقت على هذا العام «عام الشعر العربي»، لإعادة الاعتبار لهذا المكون الرئيس في الثقافة العربية، الذي رافق الروح العربية، فما رأيك في المشهد الشعري العربي اليوم؟ وهل يمر فعلًا بأزمة عميقة على مستوى العناصر الشكلية أو التجربة الوجودية؟
■ ليفرح الشعراء الذين فاتهم الشعر. هذا هو يومهم: زفاف الكلمات. إنهم يتنافسون من أجل المشاركة في مهرجان عام الشعر العربي، لكن لا مكان لهم في «أبدية الشعر» حيث لا جوائز ولا هدايا ولا يحزنون. الدولة من حقها إقامة مهرجانات، احتفالات بمكونها الثقافي والشعر العربي جزء من تراثها. الشعر الكوني ليس وسيلة للاحتفال بأي شيء، بقدر ما هو احتفال، عزلة، في كل لحظة.
● وإلى أين تتجه قاطرة الشعر العربي المعاصر في هذا الزمن الذي أصبح فيه الأدب أقل أهمية بالنسبة إلى القراء، في مقابل اهتمام مبالغ فيه بالرواية على مستوى النشر والتوزيع والجوائز والنقد والدراسة؟ وهل ما زال الشعر ديوان العرب أم إننا نعيش حنينًا إلى ماض ولى ولن يعود؟
■ ويا ترى هل انتهى الماضي حتى يكون لنا حنين لما مضى؟ الماضي يعيش معنا ليلَ نهارَ، إنه متغلغل في كل فعل، قصيدة، رواية، مهرجان… الثقافة العربية تنمو ذاتيًّا إلى الوراء. أزمة الشعر العربي هو أنه بلا أزمة. الشعر ديوان لا أحد!
● الملحوظ في العقدين الأخيرين عودة كثير من الشعراء، ومن ضمنهم شعراء شباب، إلى الشكل التقليدي للقصيدة العربية، حيث هناك من يعود إلى العمود الشعري، وبعضهم الآخر يمزج العمود بقصيدة التفعيلة، أو يزاوج بين العمود والتفعيلة والنثر كما فعل أدونيس، وقد ساهم في ذلك ظهور مسابقات شعرية في القنوات التلفزيونية العربية تمجد القديم، فهل هذا التوجه يعود برأيك إلى وهن الشكلين التفعيلي والنثري؟
■ أولًا، الشعراء العرب لم يتغيروا فعلًا. هم كما هم. ربما كانوا قد ظهروا على أنهم يتغيرون، ربما على صعيد الشكل أو التصورات بأنهم يحدثون ثورة شعرية بمجرد أنهم يزاوجون علة بعلة. لكن الروح كما هي كلاسيكية، وتناول الموضوع لا يزال كما هو. فمثلما يلجأ المجتمع إلى الأسطورة حين تشتد حدة النزاعات الاجتماعية، يلجأ الشاعر العربي إلى الرمز ليبرر وجوده في عكاظ عام. الشاعر العربي دائمًا في ارتداد إلى الخلف عائدًا إلى حقيقته التي كان يخفيها وراء ادعاءات التجديد، السطحي دائمًا. إذ ما إن تنتصر الردة الدينية حتى يصير الشاعر العربي بوقًا لكل ما يحمل الشرق من تحاسد وضغينة ضد الآخر الغرب. هكذا يتهاون بالتاريخ بقدر ما التاريخ يهينه ويلفظه. نريد شعراء يتنحون جانبًا فيكتبون نصوصًا تلهم الصحراء فيفتح القذى العيون.
فكرُ الآخر تحول إلى وخزٍ لضمير الأنا الجمعي
● سبق لك أن أعلنت أن «98% مما يترجم، يجب أن يرمى في أقرب مزبلة بسبب الأغلاط المشينة وانعدام فهم النص المترجم، ناهيك عن أن معظم مشروعات الترجمة التي انهالت علينا في السنوات الأخيرة، هي مشروعات مشهدية هدفها الادعاء وليس رغبة في التثقيف الحقيقي الذي قد يهدد الأوضاع السائدة، فهل هذا الأمر يسري على الترجمات التي تشرف عليها مؤسسات عربية تعنى بالترجمة وتراهن على العدد أكثر من النوع؟
■ أعتقد أنه ليس هناك جريمة ذهنية مثل الجريمة التي تتم عبر التراجم العربية السيئة لأدب الآخر، فلهذه الترجمة حصة كبيرة في تدني الوعي العربي العام وتعميق كراهية الذات العربية للآخر. فالقارئ الذي يجهل لغات أجنبية ولديه رغبة في الاطلاع على ما يُكتب خارج حدود اللغة العربية، سرعان ما يكوّن أفكارًا خاطئة، ستَتَصَلّد في إدراكه عن هذا الآخر: وهكذا تعود مصطلحات الآخر الفكرية ألغازًا في ذهن هذا القارئ وألفاظًا مشوشة لا تساعده على الانفتاح وإضافة أفكار جديدة إلى ترسانته، ترسانة الآخر، الثقافية. وإنما، على العكس، تُعمّق فيه الانغلاقَ على المصطلح الاتباعي، تراثه؛ لأنه يفهمه وليس له سلاح فكري آخر سواه.
وهنا يكمن بعض الجواب لـ «لماذا» تحول فكرُ الآخر الأجنبي إلى بعبع ووخزٍ لضمير الأنا الجمعي. أما القارئ المطلع على الأدب الأجنبي من كثب في اللغة الأصلية، فقلما تجده يقوى على استتمام نصف صفحة من هذه الكتب المُترجّمة إلى العربية. هذا النوع من الترجمة/ الترجيم هو السائد، ولأسباب عديدة… منها: انعدام مجلة تتناول كل كتاب مترجم لتكشف عن الأغلاط المنتشرة في هذا الكتاب، تساهل دور النشر مع أي كتاب مترجم يصلها، فهي تنشره دون أي تدقيق… حد أن إحداها نشرت ترجمة حول الإسلام من الفرنسية بدل أن يضع المترجم الشواهد القرآنية من القرآن، تَرجَمَها من الفرنسية إلى العربية، العلاقات العامة المستشرية في بعض الصحف والملاحق الثقافية حيث لا يقرأ القارئ قراءة نقدية وشرحية للكتاب المترجم، وإنما عبارات مدح أو ردح دون الإتيان بالشواهد على ما يقول. فهناك، مثلًا، كتاب نقدي حول الشعر مترجم من الفرنسية كتبت عنه عشرات المقالات المدحية، على الرغم من أنه نموذج صارخ للترجمة السيئة والمغلوطة.
● وما مشروعاتك المقبلة، لو أمكن، على مستوى الترجمة والكتابة الشعرية؟
■ أن أنام نهارًا وأستيقظ ليلًا.