يسعى الكاتب ممدوح رزق إلى اختيار عناوين مثيرة يقيم بها جسورًا ليغري القارئ على التواصل مع جديد أعماله التي كان آخرها «ما خفي عنك» (دار عرب للطباعة والنشرـ لندن). والعنوان ليس مجرد بوابة رئيسة ومركزية، كما يرى السيميولوجيون، بل إنه ينقل العمل من المجهول إلى المعلوم؛ فالعنوان الذي يتموضع على الغلاف تسمية لا تقوم على دلالات متداخلة، تشوش ذهن القارئ وتدفعه للاطلاع على مراميها وحسب، كما يقول أمبرتو إيكو، بل تقوم أيضًا على إثارته بوعدها له الكشف عما خفي عنه، وهو ما يستدعي منه التواصل ليبلغ مراده المعرفي.
وبذلك تكون المعرفة رهن التواصل، فيبلغ في مطالعته لذة الاكتشاف. وفي النص «كل ما خفي عنك»، يخاطب الكاتب قارئه:
«أشياء كثيرة خافية عنك/ على الأقل في هذه المدينة/ التي تسكر متاهاتها/ بلهاث جوعك/ هل يكفيك أن تراقب الوجوه بطرف عين؟/ أن تحدق من وراء النوافذ المظلمة/ استنادًا إلى نظرة ميتة؟/ إلى حلم متطاير/ إلى عواء يذيبه الصمت فوق أجساد العابرين/ لن تعرف أبدًا/ لأنك وحسب/ لست إلا كل ما خفي عنك!..».
يقيم الكاتب تناصًّا مع الآية القرآنية: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وتناصًّا آخر مع الشاعر أبي نواس: «قل لمن يدعي في العلم فلسفة/ حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء». وبذلك يشير الكاتب إلى الملامح الأولية لما خفي عن قارئه، التي قد تكون بسبب تقاعسه المعرفي أو بسبب الاطلاع السطحي الذي عبّر عنه بالنافذة التي جعلها غاستون باشلار عين البيت الرائية، ويقدمها هو للدلالة على ما يأتي منها من رؤية ومعرفة غير دقيقة، مؤكدًا أنه إذا كان يرى نفسه بما كوّن في الحياة من معارف فهو أيضًا بما غاب عنه من معارف أخرى متعددة. يؤكد ذلك في نصه «الساعة القديمة»: «فتحت صندوق ألعابي/ وجدت مفتاحًا صدئًا/ حاولت أن أتذكر أي باب/ كنت أحتاج لإغلاقه في طفولتي/ ثم عثرت في الصندوق ذاته/ على منديل ورقي/ تجمدت بداخله قطرات دماء صغيرة/ حينئذٍ تذكرت الساعة القديمة/ التي لم تكن تحسب الوقت بدقة/ ثم ضاعت من يدي/ قبل أن يبدأ الزمن…».
يقدم ممدوح رزق شيئًا آخر خفي عن قارئه. هذا الشيء يلون من خلاله النقصان الذي جَسّده بالزمن المتسرب من حاضر العمر إلى ماضي الراحلين، فغاب في زمن غيره الذي مضى. وهو وفق ذلك يعبر عن عطالة الفعل المعاصر الغائب عن حاضره في ماض هو عمر مَنْ عاشه وأنجز فيه وجوده. ومن خلال ذلك يطالب أصحاب الزمن الحاضر بتجسيد ملامح حضورهم بإنجاز يضيفونه إلى إنجازات أجدادهم السابقة. وفي ظل غياب المنجز الحاضر يعبر عن تأزم يصيب الذات الشاعرة. في قصيدته «فُتات متطوّح» يعترف بهذا التأزم جراء الغرق في الماضي قائلًا: «تنظر القطة في عيني/ تطلب أن أعطيها طعامًا ليس معي/ لكنها تشم رائحته/ وأنا أنظر في عينيها/ أطلب منها/ أن تلقي لي شيئًا من ذاكرتها/ لكنها تبتعد في النهاية/ وتتركني مع الماضي/ الذي يتساقط منه ذلك الفُتات المتطوّح/ من مقعد لآخر…».
عطالة الزمن وارتداد الذاكرة

ممدوح رزق
وسط هذا الغرق في الماضي، يواصل الكاتب ممدوح رزق تسليط الضوء على العطالة الزمنية في راهن ترشح منه الخسارة العمرية بعد ذوبانها في زمن غيرها الذي مضى، وهو ما أدى إلى التأخر والنكوص النفسي. تُظهر النصوص حنينًا للطفولة وإلى عوالمها التي قدمها في «شبح عالق في السماء» بلسان رجل عجوز يرمم شيخوخته في سحر سنوات طفولته: «كان يمشي/ عائدًا بكامل شيخوخته/ إلى البداية/ كما لو أنه يتذكرها حقًّا/ وحينما يتمتم أو يشير بيديه في الفراغ/ فإنه لا يكلم نفسه/ وإنما اللحظة التي لم تمنحه طريقًا/ ولكنها أعطته/ عصًا يتوكأ على أنفاسها المقطوعة/ من ذاكرة لا يمتلكها/ كما أنه لا يعرف طفلًا يراقبه/ ويلتقط صورًا مختلسة لجسده العابر ببطء…».
يشبه الشاعر حركة الزمن بذاكرة عجوز، ترتد من هرمها إلى صباها الأول. ويمضي إلى تحرير ذاته وذوات الشخصيات من راهن يشكو من السكون والاعتلال والجمود الذي يصوره في قصيدته «هواء متجمد»: «أغصان الشجر لا تهتز أبدًا/ رغم الرياح الجارفة/ كأنها تحولت إلى أذرع حجرية/ أنظر إليها من وراء النافذة/ الهواء الذي يحركها/ تجمد منذ وقت طويل/ داخل عيني…».
ويعيد الكاتب مقولة فريدريك نيتشه: «في داخلنا طفل يحنّ دائمًا إلى اللعب، ويقر بذلك في «نصه الوالد في المرآة» ويقول فيه على شكل بلاغ:
«ظللت في طفولتي ألعب مع صورتي في المرآة/ أختبئ من ذلك الولد الذي يسكنها/ ثم أتحرك نحو السطح المصقول فجأة/ كأنني سأنجح في مغافلته/ ويعجز عن الظهور أمامي في اللحظة نفسها/ انتهت اللعبة بعد زمن قصير/ ولم أعد أرى العالم إلا عبر شروخه المتشابكة/ والولد الذي كان يسكن المرآة/ اختفى موصومًا بهزيمته…».
يأتي الاحتجاج واضحًا وصريحًا، ليس على سكونية الزمن الراهن وحدها بل على الراهن نفسه؛ لما فيه من أزمات وانكسارات تساهم في قتل كل ما يضيف للواقع الحياتي من بوادر الخلاص من شوائب معاناته المزمنة، وما جاء به من إدانة واحتجاج على ذلك باسم الطفل، الذي قدمه بصيغة المفرد، ويقدمه ثانية في نصه «إيقاظ الطفلين» بصيغة التثنية من خلال عجوز يخاطب زوجته وهما قرب مقعدين فارغين في أرجوحة:
«مَنْ كان يوجد هنا؟/ تهز المرأة رأسها/ ليس بإشارة «لا أعرف» وحسب/ وإنما بـ «عليك أن تتوقف عن التساؤل» أيضًا/ بعد لحظات تسأله المرأة ذات السؤال/ يظل الرجل صامتًا/ ليس لأنه لا يعرف الإجابة/ فهو يخشى حين يتفوه بها/ أن يستيقظ الطفلان المتواريان/ في فراغ المقعدين…».
من خلال هذه البنية التعبيرية يكشف الشاعر ممدوح رزق مقدار عذوبة زمن الطفولة ومرارة الزمن اللاحق بها، والشاهد على بلوغ سن النضوج، ثم الكهولة التي دفعت بالزوجين العجوزين إلى الهروب من ذكرى طفولتهما تفاديًا لكارثة الفرق بين حياتهما الطفلية وحياتهما بعد غروب شمس العمر. والكاتب يبقى متمسكًا في نصوصه بهذه الطفولة ليجسد بعوالمها مقدار الخراب الذي أصاب حاضر الحياة بأزمات وانكسارات تكاد لا تنتهي برغم كل ما يشاع من تقدم علمي ومعرفي وتقني في راهنها المعاصر.
0 تعليق