بواسطة وجدي الأهدل - كاتب يمني | مايو 1, 2026 | كتب
في قلب حدائق الألعاب الترفيهية توجد قاعة المرايا المشوِّهة، وهي مرايا محدبة ومقعرة تُوضع بزوايا معينة فيظهر فيها الزوار بأشكال مضحكة. إن رواية عبيد بو ملحه «أطياف على كراسٍ متحركة» الصادرة حديثًا (2026م) عن دار بو ملحه للنشر والتوزيع، تكاد تفعل الشيء نفسه، فيشعر القارئ الجائل في صفحاتها (200 صفحة من القطع المتوسط) كأنه ينظر في تلك المرايا، فتارة يبدو الواقع مفلطحًا، وتارة يبدو ممطوطًا، من خلال عينَيِ الراوي الموصوم بالجنون، بطل الرواية الذي لا نظفر باسمه الحقيقي، فنحن -أيّ القراء- ملزمون بتلقي رؤيته للعالم ومستوى تفكيره وأحكامه على الآخرين من حوله، وفهمه للحياة كما يحياها بخبرته الذاتية.
إن هذا التكنيك السردي الذي يتوخى تشويه الوقائع وتذرية زمن وقوعها؛ ومضاعفة الزوايا لحكيها على شكل شذرات؛ هو سيف ذو حدين: قد لا يفهم القارئ ما يدور فينصرف عن متابعة القراءة، أو قد يتحمس ويشعر بالتحدي لفهم مغزى ما يرمي إليه بطل الرواية، وهل هو ذو عاهة أو يدَّعي الجنون؟
المؤكد أن عبيد بو ملحه قد وُفِّقَ في معماره الفني، فشخصية بطل الرواية تتناسب كليًّا مع توظيف أسلوب المونتاج السردي؛ فلأنه شخص لا يفكر بطريقة منطقية، جاء تذكره للماضي على شكل قفزات من حدث لآخر، ومن ذكرى قديمة لذكرى أقدم، أو العكس، فالأزمنة متداخلة فيما بينها، والذكريات تسيل مختلط بعضها ببعض.
تخلَّى الروائي عن الزمن الكرونولوجي مضطرًّا، بهدف التعمية وخلط الأوراق، لقول ما لا يقال، ولكن المثير للدهشة أن هذا الإجراء الاحترازي هو الذي رفع «أطياف على كراسٍ متحركة» من المراوحة في خانة التصنيف كرواية تقليدية، إلى حجز مكانة متقدمة كرواية حداثية بامتياز.. وهنا ندلي بملاحظة مهمة: يجب أن نفرق بين الروائي الذي يختار كتابة روايته بأسلوب تيار الوعي للتباهي بأنه حداثي، وبين الروائي الذي يجد في صدره حرجًا من كشف أوراقه، فيجد في تيار الوعي مخرجًا فنيًّا لتمرير ما يريد قوله.
هذيان مفكك لبطل الرواية

عبيد بو ملحه
الرواية مكتوبة بضمير المتكلم، وهي من أولها إلى آخرها هذيان مفكك لبطل الرواية، الذي تعرض لحادث مروري في طفولته وأصيب إصابات بليغة؛ هل تعرض دماغه للعطب؟ لعله كذلك، ويبدو أنه ظل مدةً عاجزًا عن المشي ويتنقل بكرسيّ متحرك، وهذا ما يفسر السلوك غير السويّ والأوهام المتضخمة عن الذات -عقدة جنون العظمة- والظن أنه يرى خيالات لا يراها غيره: أشباح أموات على كراسيّ متحركة يحومون حوله ويمضي وقته بصحبتهم، توهم القداسة واجتراح المعجزات وإتيان خوارق للطبيعة، ونحو ذلك مما ألفنا سماعه من القدماء عن الدراويش والأولياء الصالحين المشهورين بكراماتهم، فبطل الرواية يرى نفسه مخلوقًا فوق طبيعي، يتبارك الناس به.
لكل إنسان هدف في الحياة، وهدف بطل الرواية هو أن يكتب الروايات! إن الرَّضَّة التي أصيب بها في رأسه جعلته يُغيّر أهدافه في الحياة على نحو جذري، فلم يعد همه في الحياة أن يدرس ويتخرج من الجامعة، ثم يجد وظيفة ويتزوج وينجب ويُكَوِّن عائلة.. بل صار له هدف مركزي لا يصدقه عاقل، ولذلك نظر إليه المجتمع كمجنون.
ضربة في الرأس
أعجبتني كثيرًا هذه الاستعارة: المبرر الذي جعل بطل الرواية يرغب جدًّا في كتابة الروايات هو أنه تعرض لضربة في رأسه وهو طفل. سواء كانت هذه الضربة في الرأس حقيقةً أو مجازًا، فإن الأبوين والأقارب والجيران والأصدقاء في المدرسة والمجتمع برُمَّتِه يحكمون بخفة العقل على الفتى الذي يقرر أن يصير في المستقبل أديبًا. والشواهد على ذلك لا تحصى، ولعل أكثرها رعبًا ما تعرض له الروائي البرازيلي باولو كويلو الذي جاهر برغبته في ترك الدراسة والتفرغ للأدب في صباه، فأودعه والداه في مصحة للأمراض النفسية والعقلية.
في مطار الخرطوم أُوقِفَ بطلُ الرواية لسلوك مشبوه بدر منه، واقتِيدَ للحجز للتحقيق معه:
«أخبرته بأنني مجرد كاتب. ضحكوا بأعلى أصواتهم. روائي. سقطوا على الأرض، ولم يتوقفوا عن الضحك، فتوقفت أنفاسهم، وماتوا كلهم، نعم ماتوا كلهم، حينها خرجت من غرفة التحقيق، وقد كان المذيع في التلفاز يسقط على الأرض أيضًا. كل من كان في المطار فارق الحياة، أما في الخارج فقد كانت الجثث
تملأ الشوارع».
أما بطل الرواية فهو يرى أن الوظيفة بمنزلة كرسيّ متحرك تقيد حريته وموهبته الإبداعية، ولكن إلحاح أمه جعله يتنازل عن طموحه في قصر حياته على الكتابة ولا شيء غيرها، فقبل بوظيفة في منظمة للإغاثة ارتأى أنها قد تزوده بمواد للكتابة: «قرأت إعلانًا في إحدى الصحف للوظيفة، تقدمت، من أجل الكتابة والأفكار، فقبلوني. تم إيفادي إلى عدد من الدورات، لقد كنت جاهزًا، أنتظر كارثة».
سافر إلى العديد من البلدان منها اليمن والسودان، ولكنه لم يستمر في وظيفته، واشتغل في وظائف أخرى، وفي كلها لم يكن لائقًا للعمل وطُرِدَ. يعزم بطل الرواية على حسم أمره: فإما أن يكون روائيًّا أو لا يكون! يرتحل رحلةً لم يسبق لمواطن إماراتي أن قام بها، ولا تخطر ببال أحد أصلًا، بهدف جمع مادة خام لروايته، فيسافر إلى باكستان، ويحصل على هوية مزورة باسم (سليم إسماعيل) ويدعي أنه من منطقة بلوشستان، ويلتقي عمالًا باكستانيين يرغبون في السفر إلى الإمارات بطريقة غير قانونية -تهريب- ويدفعون المال اللازم للمهربين، وتنطلق رحلتهم من بلوشستان إلى جهابهار في إيران برًّا، ثم إلى شناص العمانية بحرًا، ومنها برًّا إلى داخل الإمارات.
يستكشف بطل الرواية الطرق والممرات البرية والبحرية التي يستخدمها المهربون لتهريب البشر.
رواية إنسانية تتحدث عن أحلام البشر في حياة أفضل، أولئك الذين يعبرون حدود الدول والقارات بحثًا عن الأمل، وقلم الروائي هنا ينهض بواجبه في التضامن معهم.
بواسطة وجدي الأهدل - كاتب يمني | يناير 1, 2025 | نصوص
عدتُ من الجامعة أحمل معي غداءً جاهزًا، تخشبتُ حين رأيتُ باب شقتي مواربًا، لم يحدث مطلقًا أنني سهوت عن إغلاق قفله مرتين، أما أن أتركه مُفرجًا هكذا فلستُ عجوزًا خرفًا.
تبادر إلى ذهني أنني نُهِبتُ، داهم اللصوص منزلي في غيابي، خفتُ واقشعر بدني حين تخيّلتهم في الداخل يفتشون في أغراضي. مكثتُ في موضعي أتنصتُ، فلم يصلني سوى دوي الريح، ثمة شيء غير صحيح؛ لأنني أوصد النوافذ بإحكام قبل خروجي ما يعني أن اللص قد فتح إحدى النوافذ. تساءلتُ أيّ لص أحمق سيفعل ذلك معرضًا نفسه لأن يُكتشف من الجيران؟ هل يكون مقتحم الشقة من معارفي؟ أيكون ابني البكر محسن؟ إنه الوحيد الذي يمكن أن يتجرأ ويدلف إلى الشقة في غيابي، لكنه لا يملك نسخة من المفتاح! نظرتُ إلى أكرة الباب بتمعن فلم ألحظ أثرًا للكسر. خطر ببالي أخي خطاب المقيم في الخليج، لكن لو كان هو لاتصل بي واستأذنني. ألح عليّ البول، ربما مرت خمس دقائق وأنا متبلد غير قادر على التصرف، ثم تشجعتُ ودفعتُ الباب وخطوتُ إلى الداخل.
فتشت الحجرات والمطبخ وتأكدتُ من خلو المنزل، طرحتُ أغراضي على منضدة الطعام وأسرعتُ إلى الحمام. رمقتُ النافذة المفتوحة فخمنتُ أن اللص هو الذي فتحها عندما نادته الطبيعة ليأتي إلى هنا.
لم أجد أيّ أثر له على المغسلة أو البلاط، قضيتُ حاجتي وهرولتُ إلى حجرة مكتبي، تفقدتُ الدرج الذي أحتفظ فيه بمالي فألفيته لم يُمسّ. لا شيء سُرق من ممتلكاتي. إنما بصورة قاطعة هناك من استباح شقتي وخلف وراءه رائحة زكية لا يزال أريجها يعبق في الأنحاء.. أنا لا أتعطر البتة، تصيبني الروائح المصنَّعة بالصداع. رجعتُ إلى المطبخ لأتناول غدائي، انتبهتُ إلى قصاصة مثبتة على باب الثلاجة، ارتعدتُ؛ لأنه منذ عشر سنوات لم تُعلق ملاحظة هناك منذ وفاة زوجتي: «مساء الخير حياتي، استعرتُ دفتر ذكرياتك، سأترنم بحروفك ثم أعيده إلى مكانه، قبلاتي على خدك».
نسيتُ جوعي وقصدتُ مكتبي، فتحتُ الدرج الذي أحتفظ فيه بمجلد يومياتي فإذا هو مفقود!
فورًا فهمتُ أنه مقلب سخيف، بالطبع هناك زلات دونتها بأريحية، فهذا الذي يمزح لا يفقه أنه ينتهك خصوصيتي ويطَّلع على أسراري، وهذه جريمة يعاقب عليها القانون.
بسرعة تدحرج تفكيري إلى أن السارق قد يكون أحد طلابي الذين رسبوا في مادتي، لعله أراد أن ينتقم مني بهذه الطريقة الدنيئة. اشتعل غضبي وتصاعد، وارتجفت من شدة الانفعالات التي تكويني، ذرعتُ الردهة خارج شقتي ذهابًا وإيابًا لبرهة، ثم حزمتُ أمري وقدتُ سيارتي إلى قسم الشرطة وقدمتُ بلاغًا عن تعرضي للسرقة. لم تجد الشرطة أيّ بصمة غريبة في شقتي. قبلتُ اقتراحهم وركَّبتُ كاميرا مراقبة في مدخل الشقة. أُحرجتُ من قول الحقيقة، فزعمتُ أن المجلد المسروق فيه كشوفات بدرجات طلابي. ولكن هذه الكذبة جعلتهم يهتمون، فأخذوا القصاصة المكتوبة بخط اليد وطابقوها بخطوط طلابي في أوراق الإجابات التي بحوزتي، وانتظرتُ على أعصابي أسبوعًا، ثم أتاني منهم تعقيب نزل عليّ كبرقٍ ضرب صلعتي: «لم نجد أيّ تطابق. خبير الخطوط يُرجح أنه لأنثى».
لم أخبر أبنائي بحادثة السرقة، ما جدوى إقلاقهم؟! شيئًا فشيئًا خف الغم وغمرني النسيان بنعمته.
بعد نحو عام، تلقيتُ اتصالًا الساعة السادسة مساءً، كنت في شقتي أراجع مسودة كتابي الجديد، أجبت المتصل وأنا منزعج من مقاطعتي:
ألو.
مساء العسل.
أهلًا من معي؟
حبيبتك!
أغلقتُ الخط في وجهها وحظرت الرقم، واستأنفتُ العمل الذي بين يديّ. بعد دقائق وصلت رسالة إلى هاتفي. دعاني الفضول ففتحتُ الرسالة: «آسفة على الإزعاج، كنتُ أريد أن أعيد إليك ذكرياتك». وقفتُ وكأن أحدهم ركلني في منفرجي. قرأت الرسالة عدة مرات غير مصدق، اتصلت بالرقم الذي وصلتني منه الرسالة:
– مرحبًا يا دكتور.
– أنتِ السارقة؟
– أنا هي.
– لماذا سرقتِ يومياتي؟
– توقعت أن تكتب عني كثيرًا،
– ولكنك لم تكتب عني حرفًا!
– من أنتِ؟ هل أعرفك؟
– لو عرفتني لكتبت عني، لكنك مع الأسف ضللتَ الطريق ولم تصل إليّ.
– ماذا تريدين؟
– السؤال موجه لك، ماذا تريد أنت؟ إن الخلاصة التي توصلتُ إليها من قراءتي لذكرياتك أن طبول شيخوختك تُقْرَعُ وما زلتَ لا تعرفُ ماذا تريد.
– أهاه! أنتِ من طالباتي أليس كذلك؟
– أنا طالبتك المخلصة لك في كل وقت
– ولكنك لا تشعر بي.
– كفي عن التلاعب بي، كم تريدين؟
– كل شيء.
– كما خمنتُ، أنتِ جشعة، تسعين إلى ابتزازي، لا فائدة من الكلام معك.
هممتُ أن أغلق الخط، صاحت وكأنها أدركتْ ما أنوي:
– انتظر، الثمن الذي أريده مقابل أن أعيد إليك يومياتك هو أن تحبني.
انشطر فمي عن ابتسامة لوقاء أسخر بها من نفسي، فلو رأتني كما ولدتني أمي لولت هاربة!
– عيب عليكِ يا بنتي أن تسخري مني وأنا في مقام والدك.
سمعتها تنهنه، كانت تبكي بحرقة، فتغيّر موقفي وتعاطفتُ معها، ولم أعرف كيف أواسيها، وجدت نفسي في أغرب موقف مررت به في حياتي.
– أنتِ.. هل تسمعينني؟
– أنا منذ رأيتك لا أسمع ولا أبصر أحدًا سواك.
دبت قشعريرة باردة في جسمي، حيرتني كلماتها، شعرتُ من تهدج صوتها أنها صادقة إلى أقصى حد.. كنت أتكلم معها بلهجة مخاتلة متعالية، ولكن صوتها مختلف، نبرة نقية وشفافة، كل كلمة نطقتها تعني حقًّا معناها، وتخلو من أي تظاهر أو تزلف أو خداع.
فهمتُ أنها صادقة تمامًا، ترنحتُ وكدتُ أفقد وعيي! رحتُ أستمع إلى نشيجها وكفي التي تمسك بالهاتف ترتجف والعرق يرشح من جبيني.
فجأة تكلمت:
– اخرج إلى الشارع العام، أنا أنتظرك، ستجدني جالسة على مقعد أقرأ ذكرياتك.
– طيب، عشر دقائق أُبدّل ملابسي وأكون عندكِ، مع السلامة. لم ترد، أنهيتُ المكالمة، ونضوت ملابسي البيتية، وارتديتُ بدلة سوداء رسمية وربطة عنق، وخرجت من الشقة.
في مدخل العمارة شممتُ تلك الرائحة الزكية.. أتراها وصلت إلى هنا ثم غيّرت رأيها وقررت أن تنتظرني في مكان عام؟ حسنًا فعلتْ! ليس من اللائق أن تدخل امرأة غريبة إلى مسكني، ماذا سيقول سكان العمارة؟! عبرتُ حثيث الخطى إلى الشارع العام، قلبي يدق بقوة، الشمس أمامي بلون كرة السلة، شذى الرائحة الزكية فاح بقوة في الهواء، اتجهتُ إلى مقعد انتظار الحافلات، ولأول مرة منذ سكنت هنا قبل ثلاثين عامًا أنتبه أن الشارع ليس مستويًا، يرتفع منسوبه تدريجيًّا كلما اتجهنا غربًا، بصري لم يلتقط أبدًا هذه الطَّلْعَة، لكن قلبي هو الذي نبهني.
سمعتُ صوت صافرة.. ماذا يعني هذا؟ جثوتُ على ركبتيّ، الضوء يهتز، سقطتُ على وجهي، يدٌ لا أعلمُ لمنْ أنهضتني وسارت بي باتجاه الأمس.