خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير الذاتية، فخطاب الحقيقة يكفي لإثارة فضولنا باتجاه اكتشاف الذات وصورها الممكنة، وأن يدفعنا الفضول، بحسب تعبير جورج ماي، إلى التلصص والانحناء من خلف كتف نارسيس بحثًا عن تلك الصورة في بياض الكتابة وبحثًا في مدى انعكاس صورنا من خلفها.

وفي حال المذكرات حيث التقاطع المستمر بين الصورتين في بعديهما الذاتي والغيري، يصبح البحث في تداخل الصورتين أمرًا مبررًا، غير أن هذا الفضول اللذيذ باتجاه مذكرات الشاعر اليمني عبدالله البردوني (1929 – 1999م) المنشورة مؤخرًا في مجلد كبير، ربما يأتي بخلاف ما هو معتاد في الخطاب المذكراتي والسيرذاتي عن اجتياز عتبات الحياة وتحولاتها، إلى أسئلة شغوفة عن تجاربه الشخصية في الشعر والكتابة، ويُلح من بينها سؤال عن تجربة البردوني في حياة العمى وتأثيراتها.

ولا شك في أن العمى أكثر التجارب القاسية التي يمرّ بها الإنسان، ومهما استطاع فاقدو البصر الخروج من عزلتهم وتحدوا هذه الإعاقة، فإنهم يحملون معها ألمها الذي يتحين أية فرصة للإفضاء والتعبير، ويحدثنا تاريخ الآداب الإنسانية عن أدباء عظام؛ كتاب وشعراء عاشوا وأنتجوا أعظم الأعمال في ظل العمى الذي أفقدهم بصرهم ولم يفقدهم بصيرتهم، لكنها تجارب مغموسة في الوحشة والألم، ويعدُّ الشاعر عبدالله البردوني أحد هؤلاء الأدباء العظام في العصر الحديث.

ولهذا السبب عندما نشرع في قراءة مذكرات البردوني، تقفز أسئلة العمى من بين الأسئلة الأخرى، التي تتعدد دوافعها بين الفضول والدراسة الاجتماعية والنفسية، من قبيل؛ متى أصيب بالعمى؟ وكيف تغلب عليه؟ وما أثره في حياته وعلى منجزه الأدبي؟ لأن المذكرات أو السيرة الذاتية المكان المناسب لطرح هذه الأسئلة التي ترفع من معدلات توقعنا في الإجابة عنها. وليس شرطًا أن نجد الإجابات في كل المذكرات والسير التي كتبها العميان، مثلما كتب جون هال وهيلين كيلر، فقد يتعالى بعضهم على هذه الإعاقة ويكتب بعيدًا من ظلمتها، مثلما يكتب الأشخاص العاديون، أو يتحول الحديث عن العمى إلى موضوع عابر أو ثانوي، بما يرد من إشارات أو شذرات، كما فعل طه حسين في «الأيام» وهنا تأتي مهمة الباحثين والمحللين في استنطاق هذه الشذرات وإعادة تركيبها وتأويلها واستخلاص دلالتها.

اكتشاف الذات واستنطاق مسكوتاتها

وبالنسبة للبردوني فقد تخلق خطاب للعمى على بياض الكتابة مما يمكن مقاربته في اكتشاف الذات واستنطاق مسكوتاتها ومضمراتها، بداية من السؤال الأول عن تجاهله ذكر قصة إصابته بالعمى، ضمن تجاهله مروي الطفولة عامة، إذ يظهر طالبًا في المدرسة الشمسية في مرحلة ما بعد الطفولة، وهو مصاب بالعمى، ولم يذكر على امتداد المذكرات كلها على سعتها الكبيرة واحتشادها على كل صغيرة وخطيرة ما يشير إلى قصة الإصابة بالعمى، التي نعلم عنها في المروي الغيري المكتوب عنه خارج المذكرات أنها كانت في حدود الخامسة من سنوات الطفولة بسبب عدوى الجدري الذي أفقده بصره، وكأنما كانت عند البردوني من بين الموضوعات المسكوت عنها، أسوة بموضوعات الطفولة الغائبة.

ولعل هذا الأمر يفهم في سياق رغبة الذات تجنب الحديث عن هذه المرحلة من حياته، يدفعنا إلى هذا التفسير غياب البردوني لعشرين سنة عن زيارة قريته وأسرته، فيما المسافة بين قريته (بردون) ومدينتي (ذمار) و(صنعاء) قصيرة جدًّا، ولا تحول دون التماس الطريق، ولا تستدعي في الوضع الطبيعي كل هذا الغياب الذي ذكره، أما المسافة النفسية فيبدو أنها كانت كبيرة، كما أن ظهور الأبوين بصورة سلبية في مذكراته، يعزز تأويل الحجب والغياب، فهل كان البردوني يلقي باللوم على أحد هناك؟!

أما خطاب العمى في داخل المذكرات، فيمكن الإمساك بشذرات عديدة منه، حين نراه يروي تخبطه في الوحل في شوارع ذمار في الأيام الممطرة، وتغلبه على تفاصيل الأعمى اليومية، لكن العمى يتحول إلى مشكلة تتجاوز الحواس واليومي الاعتيادي إلى مشكلات في تحديد معالم طريقه في الحياة، أول هذه المشكلات أنه تعرض بسبب العمى للاستغلال من شخص طلب منه التعليق أو تفنيد حكم قضائي كان قد عمده الإمام، والأحكام المعمدة من الإمام لا تناقش أو تفند، وذلك عرضه للسجن وكادوا يبطشون به لولا العمى.

ومثلما كان العمى سبب استغلاله الخطير كان سبب نجاته من القتل، يقول: «وفي هذه الليلة اكتشفت تكرار قول الشيخ الحطيبي (ما لها غيرك) لأنه وثق أن العمى سيحول بيني وبين رؤية التعميد»، ولئن كانت هذه القصة تدل على عبقرية اجتهاد ونبوغ أدهش القضاة في حل قضية بدت لهم محكمة، تدل على طموحه وذكائه في الدراسة واستيعاب المسائل الفقهية ومعضلاتها، ما يؤهله للعمل في القضاء أو الوظائف الحكومية أسوة بغير، غير أن العمى أصبح عقبة كأداء أمام هذا الطموح: «كان أمثالي أميل إلى مذهب اللغة وعلوم البلاغة ورواية الأشعار والسير، وبالأخص الذين كانوا يرون التعليم وسيلة لبلوغ مآرب بعد التخرج، أما الذين انطفأت أعينهم من أمثالي فانعزلوا، فكانوا أحدث تصورًا وأبعد همًا إلى ما وراء الدراسة..».

ويقول شاكيًا عماه: «وكنت أنا لا أتوقع رتبة الحاكم، لأن العمى يحول بيني وبين الرؤية، وأكثر مسائل الحكم تفتقر إلى الرؤية البصرية، لأن معرفة الصوت الذي يحسه الأعمى لا يُقبل بتعريف الغريم أو الشاهد، لأن السماع يعطي علامة واحدة قد تتشابه في آحاد»، وهنا يختزل كل حيرة الأعمى وألمه عند عتبة التعايش والتغلب على محنته.

وقد كتب البردوني في مذكراته قصة بالغة الدلالة على كمون مشاعر أسى الأعمى الذي قد لا يبديه بسهولة إلا في حدود نادرة وبعيدًا من الناس، فعند اللقاء بفتاة تعمل مع والدتها، وتعني خدمة المارين والمسافرين بصناعة القهوة والطعام لهم نظير أجر بسيط، يقول عنها: «إذ كانت في أول العمى، وهي في العشرينيات من سنها، وكانت حرقتها أعنف لأنها رأت أكثر من عشرين سنة وأصابها مرض التراخوما فشَّل أكثر بصرها»، وكان كلاهما يجهل عمى الآخر، وحين تعلم الشابة عماه، يدور بينهما حوار تسأله سؤال القلق الخائف مما ينتظرها من ظلمة في قادم أيامها، فيحاول البردوني أن يواسيها، لكن واحدية الظلمة تدفعهما في النهاية إلى البكاء، فينتحب الاثنان لبعضهما، وهذه المرة الوحيدة في المذكرات التي يظهر فيها البردوني بهذا البوح والتألم من العمى، وإن غلفه في صورة التألم للآخرين.

وإذن سيتشكل خطاب العمى في مذكراته في مواجهة العمى مثلما يواجه الإنسان كائنًا خرافيًّا لا يمكن مواجهته إلا بالقوة الداخلية والدهاء، وقد كان الشعر أحد أدواته في حياته المبكرة لخوض هذا الصراع، وفي هذا الجانب إجابة لسؤال «كيف واجه العمى؟» يقول: «بالنسبة إليَّ كأعمى غلب عليه مزاج الشعر، وكانت أنجح أدواته علم النحو وعلوم البلاغة»، ومن المعلوم أن اللغة وعلومها الحصن الأول الذي يلوذ إليه من فقدوا البصر، تصبح العلوم السمعية والذاكرة ملاذًا تعويضيًّا، وقليل من ذهبوا أبعد من ذلك، كالبردوني، منذ بدايات إدراكه مشكلة العمى في التعامل مع المجتمع، حيث أصبح الشعر نفسه أداة فاتكة في تحدي الآخرين والتفوق عليهم ومواجهة أذاهم، وجعل من العمى ميزة لا نقيصة للمعايبة: «غير أني رأيت أن المعايبة بالعاهات من سوء التربية وخشونة الذوق، أي والله، إني إلى هذا العام أقرأ وأسمع من يصفني أعمى البصيرة والبصر، حتى تهيأ موضع، فقلت في قصيدة:

شكر لمن يدعونني/ أعمى البصيرة والبصر. وعللت هذا بأني صخرة على صدور الحاقدين في ثلاثة أبيات متعاقبة». وقد يحول مشكلته هذه إلى مجال للسخرية والطرافة.

تصورات اجتماعية

تصف المذكرات كثيرًا المواقف التي تناهى إلى سمعه من يصفه بالأعمى والضرير، ويبدي خليطًا من التصورات الاجتماعية بين النفور الشفقة، يقول عن أترابه من البنات: «كُنَّ يُحببنني، وينفرن من عمائي، إلى أن سمعت أكثر من واحدة تقول مسكين عبدالله من التي سوف ترضاه زوجًا؟»، وفي إحدى المرات يقول: «قالت إحدى الأمهات لابنتها: إذا أنتِ مستعجلة على الزواج، فنخلة بنت أحمد عامر [أم البردوني] تريد أن تزوج ولدها الأعمى، فهل نزوجك به؟!، قالت [الابنة]: يا ليته مستضيء، حُمَّيْة من العمى»، أي لو أنه كان مبصرًا ولو ببصيص من النظر،  وهنا يتحول العمى إلى خيار سلبي مهما كانت الظروف، في المجتمع الذي يؤمن بإعاقته، وهذا الجانب «يعكس الصراع الأعمق والأكثر خصوصية، ألا وهو الصراع بين العمى الشخصي والعمى الاجتماعي».

ومن خلف سياقات الشعري وتوظيفه، يأتي الخطاب المذكراتي حاملًا هذه المشكلة وانفعالاتها النفسية، ويذكر قصة تخبطه في شوارع صنعاء الممطرة بغزارة غير معتادة عند خروجه من السجن، وكيف حول هذا الموقف إلى إفضاء شعري عاطفي متماه مع المدينة في قصيدة (طوفان أعمى):

صنعاء الضريرة مثلي أهي تسمعني؟!/ إنـــــي ضــريــرٌ خــذي يا هــذه بيــــدي».

وقد حول العمى إلى هوية مضافة يمكن الانتساب إليها، يقول معلقًا على تأويل أحدهم عنوان ديوانه (من أرض بلقيس) «ما كنت حسبيًّا ولا نسبيًّا، وإنما واحد من عميان صنعاء، يمشي على قدمين بلا عكاز»، حيث العمى والشعر وحدهما من يصوغان هويته.

ومن اللافت أن البردوني لا يستثمر أية مشابهة أو اقتران مع الأدباء العميان كما يفعل آخرون، فحين يأتي في بداية مذكراته على ذكر اسم طه حسين يكون الحديث عن ظروف الكتابة التي يمارسها في المذكرات مختلفة عن كتاب «الأيام»، وليس بوصفه الكاتب الكبير الذي عاش تجربة سابقة ملهمة في تحدي العمى، وعندما ينتقد صديق له أسلوب طه حسين في التكرار، في إيحاء من ذلك الصديق إلى احتمال أثر العمى في أسلوب طه حسين، يدافع البردوني عنه، ويبين لصديقه جمال تراكيبه الخالية من التكرار.

وعندما أنشد قصيدة بحضور الإمام رجا له أن يكون شاعرًا مثل المعري، وبدا البردوني غير مهتمًّا بمشابهة المعري، ومتسائلًا عن مسوغ المقارنة، لأنه في أغلب الظن كان ينكرها لمجرد التشابه في ظروف العمى. وقد قال في بدايات تفتقه الشعري لأحد أساتذته «أنا أهتدي أحيانًا بمعاني المعري لا بصياغته».

ومن بين وفرة الشعراء العرب الذين تم استدعاؤهم يأتي الشاعر بشار بن برد، في المرة الأولى يطلب منه أستاذه أن يقول مثل بشار الذي يصفه بالمثيل للبردوني في العمى، ويذكر بيته المشهور «كأن مثار النقع..» ويجيبه البردوني أن هذا البيت لم ينفذ إلى حاسيته الشعرية، على الرغم من تمتعه بالجمالية والتشبيه المكثف، وفي المرة الأخرى في سياق تأملاته السياسية ومروياته التمثيلية في المذكرات عن البرامكة، وللدلالة على ابتكاره المعاني واختلاط السياسي بالأدبي في إذكاء شاعريته، أما حس بشار التصويري في العمى، الذي أذهل النقاد وحيرهم فلا إلماحة إليه إلا كونه تشبيهًا مكثفًا! وهكذا ظل البردوني ينكر أية قرابة أو مشابهة مع غيره من الأدباء العميان إلا من باب المقارنة الشعرية.

أسلوبية التعبير

وهناك جانب مهم تجدر الإشارة إليه مما يتصل بخطاب العمى، يرتبط بجوانب أسلوبية التعبير في الكتابة، وفضلًا عما تميز به أسلوبه من الاستطرادات والانتقالات المتلاحقة بين الموضوعات، هناك الذي يتصل بطريقة الوصف والإدراك، ويطلق عليه مصطلح «الكتابة العمياء» وهي بحسب فدوى دوغلاس «تستغل الحواس غير البصرية بطريقة مختلفة عن استعمالها في المضمون العادي أو البصري». وصحيح أن اشتراطات الكتابة العمياء لا تنطبق تمامًا على البردوني في مذكراته، لكنها أيضًا تتسرب إلى تعبيره، يمكن أن نذكر بعض النماذج لهذا اللون من الكتابة المستندة على سلوك طبيعي، وأولها الاستعانة الرئيسة بالذاكرة، يقول عن بدايات الوعي: «عرفت أن المبصرين يتعاملون بخط القصائد على الورق، كتعاملي مع الذاكرة»، واستخدامه اللمس، وقد أخبرنا أنه كان يتعمد المشي في الشوارع الجديدة التي لم يألفها حافيًا ليفهم طبيعتها.

وتتركز حاسة السماع في العديد من مواضع الادراك أو الاتصال بالآخرين، بداية من استخدامه تعبير «سماع الدروس» وليس حضورها، وقد تكرر استخدم «الصمت» أو الإصغاء في سكون للدلالة على تفاعل الحاضرين حين ينشدهم شعره: «فأعجبني ذلك الصمت وأخافني، لأني تصورت خلو المكان من الحضور، وتساءلت أين ذهبوا؟ حتى أبهجتني نحنحة الشيخ أحمد المحبوب»، و»عرفت صوتًا معهودًا لسمعي»، وعند دخوله إلى مسجد للمرة الأولى: «علمت وجهة الداخل والخارج، لأني كنت أسمع الذي يدخل حين يخلع نعليه، كما أسمع غسل الرجلين في الحوض المصفى، وإذا كان الداخل غير منتعل، والمغسل عند الدخول إلى الصرح، فعرفت من حركة الماء ومن أصوات التالين مكان البنية، والطريق المؤدية إليها من السوق أو من المطاهير». وبدت له امرأة روسية جميلة من خلال الصوت: «وكان يعجبني صوتها لأنه قليل الملسة بين صوت النساء، بل كان ممزوجًا ببحة غلمانية، ولكنها لينة، ولأني أرى بأذني لم ازدحم عليها إلا من خيوط الصوت».

سوسيولوجيا المذكرات والسير الذاتية في اليمن في العشرية الأخيرة

سوسيولوجيا المذكرات والسير الذاتية في اليمن في العشرية الأخيرة

هل المعاناة حقًّا تصنع الإبداع؟! وهل الاستجابة الإبداعية تولد من رحم المحنة، كما يقولون؟! يبدو أن لمثل هذه المقولات ما يبررها في مشهد الكتابة والإبداع في اليمن الآن. يتعزز هذا الرأي عند النظر في معدلات الكتابة والنشر في مجالات أدبية عديدة: شعر، قصة قصيرة، رواية وكتابة ذاتية، فضلًا عن الأصوات الجديدة التي أعلنت عن نفسها بقوة في فضاءات الكتابة منذ 2012م. فهل يصنع اليمانيون في عشرية المحنة والحرب المفارقة بين عقم الواقع وخصوبة الإبداع والكتابة؟! والمقصود بالعشرية هنا السنوات منذ 2012 حتى 2022م.

يمكن قراءة المشهد الإبداعي في هذه العشرية من خلال جنس أدبي واحد، وتخيُّر مسبار الكتابة الذاتية، وكتابة المذكرات والسير الذاتية على نحو خاص للدلالة على بدايات طفرة نسبية في إطار هذه الأشكال الكتابية الذاتية في اليمن. صحيح أنه بحسب سوسيولوجيا الأدب لا يمكن الاطمئنان كثيرًا للاستجابات السريعة؛ ذلك أن التأثيرات الاجتماعية والنفسية التي تحدثها التحولات الكبرى التي تمر بها المجتمعات كالأزمات والحرب والصراعات والكوارث تأتي نتائجها في الأدب متأخرة، بعد حالات من الاستقرار الذي يتيح تأملها والتعبير عنها من مسافة زمنية كافية. وصحيح أيضًا أن هناك نوعًا من الأدب والكتابة يطلق عليه «الكتابة الاستعجالية» لكن واقع الحال بالنسبة للمذكرات والسير الذاتية ربما يتجاوز مثل هذه الاشتراطات السوسيولوجية، فاستجاباتها تتصل بوجود الكُتّاب أنفسهم وتفاعلهم في ظل معايشة الأحداث نفسيًّا واجتماعيًّا.

التحولات السياسية ونشر المخبوء

في عقود سابقة صدرت العديد من المذكرات التي كتبها الساسة وبعض الشخصيات العامة، وهي أعمال لا تفتقر إلى الأدبية في بعض الأحيان، لكنها تبقى ظاهرة خاصة في فئة من المؤلفين، أكثرهم ساسة شماليون، تحدثوا فيها عن أدوارهم السياسية والاجتماعية. وكان من اللافت في هذه الظاهرة غياب مذكرات أو سير ذاتية لكتاب جنوبيين. أغلب الظن أن الحساسيات السياسية التي كانت سائدة في الجنوب خلقت نوعًا من العزوف أو الخوف الذي أدى إلى حجب هذا النوع من الكتابة. ومن هذه الناحية نفسها يمكن أن تقرأ ظاهرة مذكرات بعض الشماليين في السنوات الأخيرة، التي ظهرت بعد وفاة كتابها.

وبعيدًا من العرف السائد في رغبة الكتاب في نشر مذكراتهم أو سيرهم الذاتية بعد وفاتهم، فإن المتابع في مشهد العشرية الحالية يجد نفسه أمام كتابات مهمة تنشر للمرة الأولى لشخصيات كبيرة ومؤثرة، ونضرب مثلًا لهذه الظاهرة «مذكرات الرئيس عبدالرحمن الإرياني» الذي توفي في 1998م، وقد صدرت تباعًا في ثلاثة مجلدات كبيرة منذ 2013م حتى الآن. ولعلها من أوثق المصادر في التعرف إلى تاريخ الحركة الوطنية اليمنية وحياة صاحبها وأدواره في التاريخ الحديث. ومؤخرًا صدرت «مذكرات جار الله عمر: الصراع على السلطة والثروة في اليمن» في 2021م، وهو سياسي يساري، اغتيل في 2002م علي يد متطرف في اجتماع عام. تنطوي مذكراته -التي جاءت على شكل لقاءات- على بعد سيرذاتي وجرأة في البوح السياسي.

إن نشر مثل هذه المذكرات في هذه السنوات قد يثير السؤال عن أسباب امتناع أصحابها عن نشرها في أثناء حياتهم! كما أن تأخر نشرها بعد وفاتهم إلى أكثر من عشر سنوات من قبل المعنيين بنشرها يعزز طرح هذا السؤال: هل كانت التحولات المأساوية الكبرى التي يمر بها اليمن في محنته الآن سببًا في الاستجابة لظهورها وانتفاء الحرج أو المآخذ على نشرها؟! وفي الطرف الجنوبي كانت استجابة أخرى، وإرهاص بموجة من مذكرات السياسيين الأحياء، مثل «دبلوماسي من اليمن الجنوبي ـ تجربة شخصية» التي صدرت في 2018م لسعيد هيثم، وهو دبلوماسي وأكاديمي، و«ذاكرة وطن» في 2019م للرئيس اليمني الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد، و«البداية: نضال من أجل الاستقلال» في 2022م لمحمد سالم باسندوة (رئيس وزراء أسبق) وغيرها.

ولعلّ في تلك التحولات التي شهدتها اليمن في العشرية الحالية ما دفع خروج المخبوء من هذه المذكرات، وتجاوز أية حساسيات قديمة من آثار الصراعات الماضية، فلم يعد هناك حرج مما يمكن أن يقال في ظل هذه الظروف! وربما تحمل هذه الكتابات ما يدفع إلى التأمل في الأحداث والتفاصيل المروية، وإعادة النظر في بعض أحداث التاريخ وأدوار أصحابها من وجهة نظر جديدة، ما يفتح المزيد من نوافذ كتابة البوح والاعتراف على مصراعيها، مهما كانت كتابات هؤلاء السياسيين موسومة بالمبالغات والادعاء.

السير الذاتية كرد فعل إبداعي

ظاهرة كتابة المذكرات والسير الذاتية في فئة الأدباء والمثقفين اليمنيين هي الأبرز في هذه السنوات، وذلك وفق المعيار الكمي في معدلات النشر، والمعيار النسبي قياسًا بالعقود السابقة. لقد توافر لها من دواعي الكتابة الفردية ما يكفي، غير أن للدواعي الاجتماعية العامة التي أنتجتها السنوات الأخيرة الدور المهم. سنوات من الصراعات والأزمات التي آلت إلى محنة وحرب كارثية بكل المقاييس، تمددت آثارها في العديد من الجوانب، وكانت هذه الفئة هي الأكثر حساسية والتقاطًا لمشكلات الواقع وصدماته، بما في ذلك مشكلات الهوية والتاريخ، وهي الفئة الأكثر استجابة في التعبير عن أزمات الواقع وتشظياته ومحنته.

كما أن تجارب الشعوب وآدابها تعزز فكرة انتشار هذا النوع من الكتابات في ظل الأزمات والصراعات الكبرى، مثل أوربا في ظل الحرب العالمية وجنوب إفريقيا بعد سنوات الكبت في ظل نظام الفصل العنصري. جاءت السير الذاتية تعبيرًا عن التحول الديمقراطي وتأكيدًا لهوية الذات بوصفها جزءًا من المجتمع الجديد. وفي عالمنا العربي تشكل النزاعات والحروب حافزًا مهمًّا لهذا النوع من الكتابة، وتصبح كتابة الذات بمختلف أشكالها رد فعل إبداعي في مواجهة عوامل الفناء والموت والغياب، ورغبة أكيدة في استدعاء الذات وتخليد أثرها ووجودها في بعدها الإنساني والاجتماعي.

في اليمن عشرات من الأعمال المنشورة في هذه السنوات، كتبها شعراء وروائيون وإعلاميون وأكاديميون، في صور مذكرات، ذكريات، سير ذاتية، وذاتية روائية. لسنا الآن بصدد حسم تداخلاتها الأجناسية، فهذه قضية نقدية ليس الآن مقامها. فهذه الأشكال من كتابة الذات تشترك جميعها في دوافع الكتابة وهواجسها، وفي التعبير عن تقاطعات الفردي والاجتماعي في ظل هذه التحولات الكبرى التي يعيشها المبدعون اليمنيون. إنه «انفجار الصمت» إذا ما استعرنا تعبير حاتم الصكر في أثناء دراسته للسير الذاتية النسوية في اليمن؛ ذلك أن المذكرات والسير الذاتية في عَشْرِ السنواتِ الأخيرة أكثر قربًا والتصاقًا بهموم اجتماعية أنطولوجية، وتشكل وحدها ظاهرة خاصة جديرة بالدرس والتأمل.

من بين هذه الأعمال جاءت «أيام تونسية» لمبارك سالمين في 2014م، وهو نص استهلالي في سيرة صاحبه خلال مدة الدراسة العليا في تونس، لكنه يستدعي أوجاع حرب 1994م على الجنوب وأثرها في حياته ومدينته عدن. نص في علاقة التماهي بين الذات والمكان. وسيتوالى العديد من النصوص التي تؤكد المشترك في تجربة الحياة الخاصة وتقاطعاتها مع حيوات الآخرين والأمكنة وأحداثها. تكفي الإشارة هنا إلى نماذج من المنشور في النصف الثاني من هذه العشرية، مثل كتاب «حافة إسحاق: ما تيسر من سيرة الإنسان والمكان» و«لغلغي في صنعاء» لعبدالرحمن بجاش، و«عابر سبيل» لعبدالله الجعيدي، و«مذكرات وشهادات» لسالم بخضر، و«الرصاصة» لمحمد مسعد. وهي نصوص في السيرة الذاتية لأصحابها في استرجاع الوقائع والذكريات. و«تأملات للذكرى» لمحمد عبدالوكيل جازم، و«حقيبة الذكريات» لمحمود الحاج، وهما من كتب المذكرات التي تكتشف الذات نفسها في ملامح الآخرين، أو سرد للذات في مرايا الآخرين؛ فالحياة سلسلة من العلاقات والتواصل الإنساني الذي يمنح الذات شرعية وجودها.

وهناك نصوص راحت تنبش في تفاصيل الذاكرة وبدايات وعيها ومسارات حياتها في المهنة والتكوين، مثل «أيامي» لمسعود عمشوش، وأخرى جاءت في استعادة تفاصيل تعالق تجربة الحياة الإبداعية بتجربة اجتماعية، مثل «رحلتي مع الكتابة والأدب» لمحمد مثنى. وهكذا، هناك العديد من الكتابات التي تشكل مؤشرًا على طفرة نسبية في كتب المذكرات والسير الذاتية اليمنية، فضلًا عن المقالات الذاتية المنشورة في الصحف والمجلات الورقية، وسيل آخر من الكتابات التي تملأ شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالأدباء، التي تعلن فيها الذوات عن وجودها وانفعالاتها. ولم تعد هناك أية أيديولوجيات مضادة لكتابة الذات في أوضاع المحنة والحرب التي أدت إلى نوع من «الفوضى الخلاقة» في حرية البوح والتعبير، ولا سيما في ظل غياب سلطات الرقابة والمنع والمصادرة، وانشغال أطراف الصراع السياسي والاجتماعي في اليمن بنفسها، وهنا تكمن مفارقة الواقع والإبداع في العشرية الأخيرة.

زمن السير الذاتية

جانب من سوسيولوجيا الإبداع في العشرية الأخيرة ارتبط بتطور الرواية في اليمن، التي تضاعف المنشور منها. وفي خضم هذا التطور جاءت كتابة السير الذاتية الروائية. صحيح أنها تنحدر في شجرة نسبها من الرواية أولًا، وتلك قضية نقدية أجناسية لا مجال لها الآن، لكنها في إطار سوسيولوجيا الكتابة تتصل بمنطقة السيرة الذاتية وأشكال كتابة الذات ودواعيها العامة، بعد أن اختار كُتابها تدوين حيواتهم في شكل روائي يزاوج بين المرجعي والتخييلي، ربما لأن الرواية أكثر انتشارًا وشعبيةً في زمنها المعاصر، الذي يوشك بفعل حضور السيرة الذاتية وأنماطها النصيَّة عالميًّا وعربيًّا أن يتحول إلى زمن «نهاية الرواية وبداية السيرة الذاتية»، بحسب تعبير دانيال مندليسون.

وعلى الرغم من ذلك، فإن للرواية ألقها الخاص في الفضاء السوسيوثقافي، وبخاصة أن مؤشر الكتابة في اليمن يشير إلى تجارب جديدة في السير الذاتية الروائية، جاءت من حقول أدبية نوعية كالشعر والنقد، وتحمل في داخلها حرفة الاشتغال على الكتابة، وفي أواخر هذه العشرية يمكن الإشارة إلى نماذج دالة، منها مبارك سالمين في «الطوفان»، وآمنة يوسف في «بيت أبي»، وصالح باعامر في «الغمزات الضوئية»، وثابت العقاب في «مواسم الهذيان»، ومحمد علي محسن في «عائدون»، ونصوص عديدة لم تزل تتوالى، وهو ما يشير إلى انفتاح أشكال السرد على تجارب الذات في الحياة في زمن السير الذاتية والمذكرات، حيث البوح والمكاشفة والاعتراف، وحيث الذات تصوغ وجودها وتجربتها. ومهما كان حجمها، فهي تجربة عظيمة وملهمة في مواجهة الفناء. ألم يحسم فيليب لوجون -كبير شيوخ هذا الجنس الأدبي- أن كتابة السيرة الذاتية ممارسة اجتماعية يشترك فيها الجميع، وأنها ليست حكرًا على نخب بعينها؟! وبهذا المعنى تصبح كل حياة جديرة بأن تروى، ولكل واحد منّا قصته. يقول رولان بارت: «لكي نعرف أنفسنا علينا أن نكون رواة ومستمعين».