سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ حال المُثَقّفين الدجالين= «الماكرين»، بحسب روجه بويفه(1)، في نهاية المطاف، الحال الأشد إرباكًا، ذلك بأنّ أيّ نقدٍ موجّه للأوساط الثقافية والأكاديمية إلا ونلفيه مثار جدلٍ مستمرٍّ داخل هذه الأوساط نفسها.

في عام 1997م صدر كتاب بعنوان: «دجل فكريّ(2)» انتقد فيه مؤلّفاه «آلان سوكال» و«جون بركمون» موقف بعض المفكِّرين الفرنسيين الذين يُعَدّون من بين أكثر المفكِّرين شُهرة: جاك لاكان، وجوليا كريستيفا، وجيل دولوز، وجون بودريار، وميشيل سير، وريجيس دوبري، وبرونو لاتور. وهي أسماء تغطّي جانبًا مُهِمًّا من الحياة الفكرية في فرنسا منذ ستينيات القرن الماضي إلى اليوم، على الأقل في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية. فما الذي أُخِذَ عليهم؟

«يتحدّث هؤلاء المؤلفون بثقة مفرطة في الذات تَتَجاوز كثيرًا كفاءتهم العِلمية؛ فلاكان يَتباهى باستخدام التطوّر الأحدث في الطوبولوجيا، ولاتور يتساءل عمّا إذا كان آينشتاين قد علمنا أيّ شيء. وربما يتخيّلون أنهم يستطيعون استغلال هيبة العلوم الطبيعية في إضفاء مسحة من الأحكام على خطابهم. ويبدو أنهم واثقون من أن أحدًا لن يلتفت إلى إساءة استخدامِهم المفاهيم العِلمية؛ ومن أن أحدًا لم يَصْرُخ قائلًا: إن الملك عارٍ»(3).

ارتبط ظهور هذا الكتاب بما بات يعرف بخديعة سوكال، ونقصد المقالة الساخرة التي تقدّم بها «آلان سوكال» إلى دورية ثقافية علمية أميركية مرموقة تدعى «سوشيال تيكست»، ردًّا منه على ظاهرة باتت مُستشرية لدى بعض التيارات الفكرية في بعض الأوساط الأميركية، ظاهرة عبّر عنها جان «بريكمون» و«آلان سوكال» في نص دالّ:

«بدا أن قطاعات واسعة من العُلوم الإنسانية والاجتماعية تبنَّت فلسفة سوف ننعتها، لعوزنا لمصطلح أفضل، بـــ«ما بعد الحداثة»، وهي تيار فكريّ يتسم بالرفض الصريح بدرجة أو بأخرى للتقليد العقلاني الذي كرسه «التنوير»، وبخطابات نظرية مُنفصلة عن أي اعتبارات إمبريقية (Empirical)، وبنسبة إدراك معرفية وثقافية تعتبر العلم مجرد «سردية»، أو «خرافة» أو بناء اجتماعي آخر»(4).

آثر «سوكال» أن يعنون مقالته الساخرة= «الخديعة» بــ: «تخطِّي الحدود، صوب هِرمنيوطيقا تحولية للجاذبية الكمية(5)»، وعمل على حشدها بأحكامٍ مضادة للعقل، لا تنسجم مع البينات والشواهد التي تسوقها، أحكام تتقصد مَحْق كل صورة من صور النسبانية المعرفية، مُنطلقة من دعوى مفادها أن «الواقع المادي هو في أساسه بناءٌ اجتماعي ولغوي شأنه شأن الواقع الاجتماعي(6). بعد سلسلةٍ من الصدمات المنطقية خلصت مقالة «سوكال» إلى النتيجة التالية: «π إقليدس وG نيوتن، التي سبق أن حسبنا أنهما ثابتتان وكونيان، أصبحا يدركان في تاريخيتهما المحتمة؛ فيما قضي على الملاحظ المزعوم بأن يكون مُهَمشًا، ومُنفصلًا عن أي رابطٍ إبيستمي بنقطةٍ زمانية لم يعد في الوسع العُثور عليها باستخدام الهندسة وحدها»(7).

بيد أن الصدمة الكبرى تمثلت في قبول الدراسة ونشرها، بل إنها نشرت في عدد خاص من دورية «سوشيال تيكست» أُفرد للرد على انتقادات وجهها عُلَماء مُمَيَّزون ضِد ما بعد الحداثة والبنائية الاجتماعية؛ لذا لم يتردد سوكال في الكشف عن الخديعة، وهو الأمر الذي أعقبته ردود أفعال نارية من الصحف الرائجة والأكاديمية(8). هكذا، شمر «بريكمون» و«سوكال» عن ساعديهما وفضحا سوء استخدام فلاسفة ما بعد الحداثة المتكرر لمفاهيم ومصطلحات تنهل من مشارب الرياضيات والفيزياء؛ سُوء استخدام اتضح من خلال:

* تطفل هؤلاء الفلاسفة على نظريات علمية يجهلون أبسط أولياتها، وتوظيف مفاهيمها من دون إيلاء دلالاتها الاهتمام المطلوب.

* إزاحة حفنة من المفاهيم والمصطلحات العلمية من دائرة العلم إلى دائرة العلوم الإنسانية والاجتماعية، من دون الاستناد إلى أي تسويغ تصوري أو إمبيريقي. وهو الأمر الذي عبر عنه «بريكمون» و«سوكال» في نص دال: «إذا رغب عالم بيولوجيا في أن يطبق في بحثه مفاهيم أولية في الطوبولوجيا الرياضية، أو نظرية الفِئَات أو الهندسة التفاضلية، سوف يطلب منه تفسير هذا الْمَسلك؛ لأن الزملاء لا يحملون على محمل الجد قياسات التمثيل الغامضة. في المقابل يُخبرنا «لاكان» أن بنية الذات العُصابية تماثل تمامًا الطارة (التي لا تقل عن الواقع نفسه)، وتُخبرنا «كريستيفا» أنه في الوسع التنظير للغة الشعرية باستخدام عدد عناصر المتصل، فيما يخبرنا «بودريار» أن الحرب الحديثة تدور في فضاء لا إقليدي، كل ذلك من دون تفسير»(9)؛

– ادعاء الإلمام بحقولٍ معرفية بمجرد توظيف مفاهيمها ومصطلحاتها ضمن حقول أخرى، لا تمتُّ إليها بِصِلة، لا لشيء سوى لإثارة الإعجاب وبث الرعب في قُلُوب القُرّاء غير الْمتخصصين.

– توظيف عبارات خالية من المعنى، نتيجة الهوس بتوظيف ألفاظ من دون إيلاء دلالاتها أدنى اهتمام(10).

هراء فكري

ثمة ظاهرة أخرى قريبة من الدجل تتصل بمسألة الأخلاقيات الفكرية؛ ونقصد تلك التي سبق «لهاري فرانكفورت» أن وصفها في كتاب صغير بعنوان: «فن قول الهراء»، علمًا أن عُنوان الكتاب الأصلي عسير الترجمة كان أكثر إيحاءً: «في الهراء(11)». يرى «بويفه» أنه بإمكاننا نُطلق على الْهُرائي الْمُدَعِّي اسم المفتري(12) أيضًا، وإن كان هذا المصطلحُ يخفف قليلًا من خطورة سُلوكه الأخلاقي؛ ذلك بأنه مثقف تحت الطلب، ينتشر في الصحف، وعلى الأثير، وفي شاشات التلفزيون، ولديه دومًا شيءٌ معين ينبغي تفسيره، تعليق عميق يُقدمه في كل لحظة من لحظات الأحداث القائمة، نظرية يُطورها إزاء كل شيء وأي شيء. وباختصار، إنه مثقف يفكر بالنيابة عن الجميع، يقدم تأويلًا للزمن الذي يمضي، وكأنه يكشف لنا به عن جوهر الأشياء، فلولاه لبقينا أسرى أفكارٍ سطحية(13).

يقول «فرانكفورت» في هذا الصدد: ليس في مُكنة أحدٍ أن يَلجأ إلى الكَذِب من دون أن يكون مقتنعًا بمعرفته الحقيقة. غير أن هذا الشرط ليس ضروريًّا ألبتة كيما يَروي الْمَرء هُراءً؛ ذلك بأن الكاذب يأخذ الحقيقة في الحسبان إلى حدّ مُعَيّنٍ ويحترمها. فحينما يتكلم رجلٌ صادق فإنه لا يقول سِوَى ما يعتقد صِدقَه، وعلى نحو مُمَاثلٍ، ينظر الكاذب في تصريحاته بوصفها تصريحات كاذبة ضَرُورَةً. وفي الجهة المقابلة، لا يخضع الْمُفَتَرِي لمثل هذه القُيود؛ إذ لا يصطف إلى جانب الحق ولا إلى جانب الباطل. فبخلاف الصادق والكاذب لا يُثَبت الْمُفْتَري عينيه على الوقائع إلا إذا كان من شأنها أن تساعده في جعل خِطابه خطابًا موثوقًا؛ إذ لا يبالي بمعرفة ما إذا كان وصفه الواقع وصفًا صحيحًا. بل يكتفي بانتقاء بعض العناصر أو باختلاق أخرى على النحو الذي يخدم مسعاه(14).

لا يتخذ الْمُفتري، بحسب «بويفه»، موقفًا مُضَادًّا للحقيقة. بل إنه يُهملها بكل بساطة ولا يُقيم لها أدنى اعتبار. فضلًا عن كونه يقوى على حيازة مَهَارة وموهبة؛ ففكره براقٌ، ومُتلألئ، وجذاب، ويحب الناس أحيانًا الإصغاء إلى صوته الجميل. بل إن هذا خاصة هو ما يدفع وسائل الإعلام إلى استدعائه ليُقَدم ما بات يُسَمى بـ«فك العقد». يفك العُقد بمعنى أنه يؤول بطريقته الخاصة، وذلك كما هو معلوم من أجل إحداث الأثر. فما يسعى إليه الْمُفتري إنما يتمثل في الإرضاء، وإثارة الإعجاب، بل إلهاب الحماس(15).

وثن الحقيقة

يعرضُ الْمُفْتَري -في نسخته الأكثر شيوعًا في أيامنا-الحقيقة بوصفها وثَنًا (إذ يطيب له أن يقول: إنما يجدر بنا الحذر من أولئك الذين يزعمون أنهم يقولون الحقيقة-وهي ذي الحقيقة!). بل لا يلبث أن يُؤكد بجلال وعظمة أن الحقيقة نسبية، وكأنه بملاحظته الوحيدة هذه يكون قد حررنا من اغتراب شديد الوطأة. هكذا انتشرت شائعة مُعادية لِلُزوم الحقيقة، كامتداد لمفكرين مثل نيتشه وفوكو، وإن كانت الطريقة التي انخرط بها هؤلاء المفكرون في مُعَالجة المسألة تستحق -إذا كان لذلك أهمية حقيقية- أن تُفْحَص بتؤدة. لكن، انتبهوا فقد يلجأ الهرائي المدعي عند الحاجة إلى الدفاع عن البحث عن الحقيقة. إنه يذم الأخبار الكاذبة، وينتقد (عبر وسائل الإعلام) دور وسائل الإعلام. يعرف الْمفتري، بحسب بويفه، دومًا كيف يستفيد من المُناخ الفكري العام، وكيف يعتاش منه فكريًّا. كما أنه دائمًا ما يملك دراسةً يُدافع عنها أمام جمهور، ولا يملك الوقت حتى لتصفح دراسته السابقة أو لسماع حديثٍ عنها، فبما أنه قلما يكترث لآليات التسويغ والحجاج والوُضوح والدقة والإتقان، فبإمكانه أن يُنجز دِراساته بأكبر سُرعة ممكنة(16).

تؤدي المهمة التي يتبناها الْمُفتري أحيانًا، والْمُتَمثلة في الدفاع عن قضية سياسية أو اجتماعية مُعينة، بحسب بويفه، دورًا حاسمًا في مواقفه؛ إذ لا حاجة له -في النهاية- إلى أن يثقل نفسه بالتحفظات الإبيستمولوجية كيما يتسنى له تأكيد الخير. فضلًا عن أن الدفاع عن قضايا يزعم أنها عادلة لا يتعارض مع السعي وراء المجد الشخصي. أما إذا كان الخير المزعوم يتمثل واقعيًّا في الأيديولوجيا السائدة، فإن ذلك يُعَد مَكْسَبًا إضافيًّا. وهو الأمر الذي من شأنه أن يُقَدِّم الافتراء بوصفهِ نضالًا ضد الشر ووسيلة لمجابهة الفكر القديم؛ إذ لا يضمن الْمُفتري، بحسب بويفه، كسب الرهان في وسائل الإعلام إلا حِين ينجح في تَيْقِين جمهوره بما كان يعتقد فيه سلفًا(17).

يُبْرِز كلٌّ من الدجل والافتراء في نظر بويفه أن الفُسوق لا يقتصر على الأفعال والسلوكيات فحسب، بل يشمل المواقف الفكرية أيضًا، وكذا أنماط تفكيرنا ذاتها. وهو ما يشجع على النظر في الإبيستمولوجيا -فعليًا- بوصفها مظهرًا من مظاهر الأخلاقيات.

هكذا، تُجابهنا الحياة الفكرية، بجملة من المواقف الْمُرِيبة، كحال الرؤيوي والدجال الهُرائي الْمُدَّعِي فضلًا عما تركناه جانبًا: الغباء والاعتداد المُفرط بالذات والتكبر والجهل الواثق من نفسه… إلخ. السؤال الذي يطرح نفسه هاهنا يتمثل في معرفة ما إذا كانت الْمَعايير الإبِيستمولوجية الخالصة قادرة على دفعنا في اتجاه إقصاء سَائِر رذائل الفكر(18).


هوامش:

(1) Roger Pouivet, L’éthique intellectuelle, une épistémologie des vertus, Paris, Vrin, 2020, p. 29-30.

(2) A. Sokal et J. Bricmont, Impostures intellectuelles, paris, O. Jacob, 1997.

(3) آلان سوكال-جاك بريكمون، هراء عصري، سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم، ترجمة نجيب حصّادي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2025، ص66.

(4) المصدر نفسه، ص61.

(5) Alain D. Sokal, “Transgressing The Boudaries : Toward a transformative Hermeneutics of Quantum Gravity”, social text, 46-47 (Spring-Summer 1996).

(6) آلان سوكال-جاك بريكمون، هراء عصري، سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم، ص61 -62.

(7) المصدر نفسه، ص62.

(8) المصدر نفسه، ص63.

(9) المصدر نفسه، ص65 -66.

(10) المصدر نفسه.

(11) H. Frankfurt, De l’art de dire des conneries, trad. fr. D. Sénécal, Paris, 10/18, 2005.

(12) يحيل المصطلح الفرنسي  Le baratineurعلى الشخص الذي يُمارس الخديعة باللسان والمصطلح الأقرب إليه عربيًّا هو الْمُخَلِّب أو الخرّاص (=الكذاب/ الأفاك) غير أننا آثرنا استعمال مصطلح الْمُفتري بالنظر إلى شيوعه في عصرنا.

(13) Roger Pouivet, L’éthique intellectuelle, une épistémologie des vertus,  Paris, Vrin, 2020, p. 33-34.

(14) H. Frankfurt, De l’art de dire des conneries, op. cit., p. 65-66. Cité dans : Roger Pouivet, L’éthique intellectuelle, une épistémologie des vertus,  op. cit, p. 34.

(15) Ibid.

(16) Ibid, p.35.

(17) Ibid, p.35-36.

(18) Ibid, p.45.

قناع جانوس أو أُزعومة الإسلام السياسِي

قناع جانوس أو أُزعومة الإسلام السياسِي

عُرف الإله جانوس في الإرث الأسطوري الرُّوماني بوصفه حارسًا لبوابة السماء، وهو إله ذو وجهين: وجه يؤدي صوب النعيم وآخر صوب الجحيم. استعارة رشيقة آثر الباحث السوداني محمد جميل أحمد أن يتخذها عنوانًا لمصنفه الصادر حديثًا عن منشورات المركز العربي للكتاب 2021م: قناع جانوس، الإسلام السياسي وجدلية التأويل. سعيًا منه إلى إبراز تقاطع الخير والشر ضمن ظاهرة الإسلام السياسي.

محمد جميل أحمد

يظهر الشر من خلال استغلال بعض الإسلاميين للنُّصوص الدينية، وإزاحة وتحريف معانيها ودلالاتها -حتى لا نقول تأويلها- لأن توظيف تلك النصوص من أولئك الإسلاميين لا يرقى إلى مستوى التأويل كما أشار إلى ذلك المفكر رضوان السيد في التقديم الذي خصه لهذا المصنف: «أنا أرى أنَّ مشروع «الدولة الإسلامية» كارثة كبرى قبل الأوان وبعده(!). وقد عدَّ المؤلف الإسلام السياسي (الذي سمَّيته في دراساتي: الإسلام الإحيائي) مثل قناع جانوس في انقساميه، فكيف يكون سابقًا لأوانه، أي أنَّ له مستقبلًا، وإنما أخطأ الترابي والبشير وخالد مشعل وابن لادن والزرقاوي والبغدادي في تسرعهم وحسب! لقد قسم المشروع الإحيائي الهُويّاتي الإسلام، وهو يوشك أن ينهيه أو يصنع منه شيئًا جديدًا قاتلًا وحسب». (ص14)

تستند أطروحة الإسلام السياسي إلى فكرة: «فقط الشرعية»، أي أنه يستمد مشروعيته من الشريعة، على أنَّ هذه الأخيرة لا يمكن أن تُصان إلا من جانب دولة يتزعمها حزب إسلامي جهادي، فالدولة للإمامة ليست غاية أو ركنًا من أركان الدين بقدر ما هي وسيلة وظيفتها المصلحة والكسب والتدبير (=تدبير الشأن العام). بل إنَّ فقيهًا كالماوردي منحها وظيفة حراسة الدين، علمًا أنَّ التاريخ يشهد على العكس، ونقصد أن الدين هو الذي ما انفك يحرس بوابة الدولة على نحو وفيّ وأمين. ليست الدولة الإسلامية إذن، سوى نسخة مشوهة من الدولة القومية الأوربية ذات السلطة المطلقة، وقد جاء انبجاسها نتيجة سيرورة من العمليات الطويلة والمعقدة التي خصت تحويل وإزاحة المفاهيم والأسس: «خرجت الشرعية الدينية والسياسية من الجماعة إلى الشريعة، وصارت الشريعة نظامًا كاملًا، الحاكمية ركن من أركانه، وإذا لم يخضع المسلمون لسيد قطب والترابي (الذين آمنوا بربهم وزدناهم هدى) فتأتي المفاصلة، ويأتي الجهاد الذي صارت مهمته الأولى مصارعة عدو الداخل وإبادته… الترابي تحدث عن المفاصلة عام (1999م) عندما اختلف مع البشير، ومضى باتجاه غارانغ! وإذا لم تعجبنا صيغة البشير والترابي للدولة، فهل تعجبنا صيغة غزة، أو صيغة أبي بكر البغدادي التي تتبارى مع ولاية الفقيه القاتلة، وتضرب المسلمين قبل غيرهم». (ص15).

السياقات الأيديولوجية

غني عن البيان القول: إنَّ مفهومي الجاهلية والحاكمية هما عصب فكرة الإسلام السياسي، وقد شمَّرَ كل من سيد قطب والمودودي على التشييد النظري للمفهومين ذينك. وما يحسب للباحث محمد جميل أحمد في هذا المصنف هو وقوفه على السياقات الأيديولوجية والتاريخية التي احتضنت ذينك المفهومين، وهو الأمر الذي ازورَّ عنه ازورارًا عدد من الباحثين الذين اهتمُّوا بدراسة ظاهرة الإسلام السياسي. ومردُّ ذلك حسب محمد جميل إلى المناخ العام الذي وسم الإسلام السياسي بعد تجربة الربيع العربي، حيث حُصِرَت الفكرة في جانبها الضيق، بالنظر إلى ما أفرزته تجربة أحزاب الإسلام السياسي في الحكم، ويقصد تجربة مرسي في مصر وتجربة حزب النهضة في تونس، ويمكن أن نضيف إليهما تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب: «والحال أنَّ ما حدث في كل من مصر وتونس، على الرغم من اختلاف السياق، أفضى في النهاية إلى كسر هيمنة هذا التيار، نتيجة لتناقضاته البنيوية». (ص19).

يراهن محمد جميل أحمد على فحص الكيفية التي تمارس بها جماعات الإسلام السياسي عملها الأيديولوجي، وممارستها التشويهية لا التأويلية للنصوص الدينية، وما يترتب على ذلك من انغلاق نظريّ ونسقيّ، وهو أصل المآزق الذي تعيشه الجماعات تلك، ويقصد أن فكرة الإسلام السياسي بعيدة كل البعد من ضروب المقاربات المعرفية للإسلام وما تتيحه من إمكانيات أخلاقية وإنسانية وعقلانية. «لا يمكن لتجربة الإسلام السياسي إلا أن تقود المنطقة العربية إلى المجهول، ما لم يتم تفكيك مقولاته المأزومة وفق منهجيات معرفية رصينة تمهد لوعي إسلامي جديد». (ص20).

تكريس الصورة النمطية

ليس تَزَيُّدًا في القول: إنَّ فكرة الإسلام السياسي تشوه واقع الإسلام، وتكرس الصورة النمطية الهمجية التي ترسخت في أذهان الغربيين إزاءه. ومن ثم، فإنَّ الحاجة في يوم الناس هذا ماسّة أكثر من أي وقت مضى إلى إخضاع أصول الإسلام: القرآن وصحيح السنة، إلى الدراسة العلمية المعرفية الممنهجة، قصد الوقوف على دلالات المفاهيم المؤسسة لهذا الدين، ومعرفة مدى فاعليتها وصلاحيتها وجدواها وصلتها بواقع المسلمين. دون ذلك لا يمكن سوى أن ننتظر تنامي الحركات المتشددة التي تستند إلى فهم متطرف للدين يفرز نتائج وخيمة تضر بالفرد والمجتمع: «إنّ اشتغال المفكرين العرب على دراسة المصادر المؤسسة للإسلام، وعلى رأسها القرآن الكريم، ضمن مشروعات فكرية ومعرفية، سيظل من أهم التحديات والاستحقاقات التي طال تأجيلها، وتحتاج إلى شجاعة فكرية، بعيدًا عن الرهاب الأيديولوجي للحداثة؛ ذلك أنَّ القيام بمثل هذه المشروعات هو الخطوة الأولى لتحرير الإشكالات المعقدة لعلاقة المفكرين العرب والمسلمين، بتياراتهم كافة، مع القرآن». (ص24-25).

من الواضح أن أُس مشروع الإسلام السياسي يتركز في: أكذوبة الدولة الإسلامية، ومن ثَمّ فإن تبديد وهم الدولة الإسلامية سيؤدي لا محالة إلى إجهاض فكرة الإسلام السياسي من جذورها. لقد جاء مشروع الإسلام السياسي نتيجة سقوط دولة الخلافة، وانبجاس الدولة الوطنية: «ففي المزج بين ما هو عقدي وبين ما هو من الفروع حيال قضية الحكم، لعبت الأيديولوجيا دورًا بارزًا، وأفرزت واقعًا جديدًا نتجت عنه دورة العُنف الذي مارسته الجماعات الإسلامية في سبيل الاستيلاء على السلطة من ناحية، والبراءة من أنظمة حكم الدولة الوطنية الحديثة من ناحية ثانية». (ص76-77).