بواسطة نور السيد - كاتبة سورية | مايو 1, 2026 | كتب
تستهل الكاتبة اللبنانية نجوى بركات روايتها «غيبة مَي» (دار الآداب) بمنادٍ غريب ينادي: «مَيْ!»، لتفزع البطلة، وتبدأ بسرد ذاتي يرافق القارئ للاستماع إلى تفاصيل يوميّة تعيشها امرأة ثمانينية تخاف الكِبر وأمراضه وعثراته. نحضّر مع مَي قهوتها الساخنة كما تحب. نسقي الزرع في الشرفة المطلة على بحر بيروت، ونتساءل ما الذي جعل امرأة مسنّة تخشى العلاقات جلّها، حتى لو كانت مع قطة؟ لنعي فيما بعد الأسباب التي جعلت من قلب تلك المرأة موصدًا. تجربة حياتية نسجت بركات أحداثها على نول لغة شاعرية وخبايا فلسفية، ضمن حسّ إنساني عالٍ بجمل قصيرة تحمل من الموسيقا ما يُطرب الحواس.
عقد سياسية
تدور أحداث الرواية، التي استغرقت عامين من الكتابة، في بيروت. تحديدًا في زمنها الحديث، حيث أثقلت العُقد السياسية المشهد. فقد تطرقت الرواية لانفجار بيروت وتأثيره في المواطنين الذين ما لبثوا يستفيقون من أزمة سرقة ودائعهم في المصارف اللبنانية، وأزمة النفايات، والعنف والسرقات. وكأن بركات تذكّرنا كل حين بأن المدينة مثل بطلتها ليست بخير. وكأنها تجعل ذلك سببًا يُثقل الأحداث التي تحيط بالشخوص. فتتماهى شخصية العجوز الثمانينية مع بيروت المكدسة بالهموم على مرّ الأزمان، وكيف عاث بها الغريب والقريب فسادًا لتغدو فضاءًا نزقًا يضيق بأيّ ضيف. فقد هجر بيروت أولادها بحثًا عن فرصة متاحة، وهجر التوأمان «مَيْ»؛ إذ لا عاطفة تربطهما بها، هي التي لم تحنُ يومًا.
تتوقف صاحبة «مستر نون» عند الأزمة الاقتصادية الخانقة للبلاد. وكيف أثّرت في مفاصل الحياة الاجتماعية والعملية. تضخّ الحوالات المالية من المعيلين شيئًا من الأُكسجين؛ ليجعل من تلك الحياة مستمرة. كل هذا، إلى جانب سنوات الحرب القاسية التي خلقت واقعًا اجتماعيًّا متشظّيًا مغمورًا بالندوب والتجاذبات وعدم الاستقرار.
عزلة الخوف والذاكرة

نجوى بركات
الفوضى حاضرة: في الأفكار المتدفقة للبطلة، والفلسفة المرافقة للمونولوج. التي تشي بأن وراء كل هذا امرأة ذات ثقافة خسرت الرغبة في الحياة ذات يوم. حيث تقرّبنا مَي من ماضيها تارةً، وتارة أخرى تحوم حول حاضرها. وكأن الحوار يستحيل إلى عصا سحرية تنقلنا بين الأزمان بخفة، من دون ثقل، من امرأة تخاف أرذل العمر وما قد يحمل لها من مفاجآت غير مرضية، إلى أخرى تستحضر ذكريات طفولتها مع أب رؤوم حلّ مكان أمها، فكان التداعي الحرّ مطواعًا لبركات التي أطلقت العنان لبطلتها؛ كي تحكي كلّ ما يجول في خاطرها، من دون رقابة أو منطق. حيث استنطقت اللاوعي ليحدثنا عن الجذور الخفية لتلك الحالة النفسية المتذبذبة. فمَيْ؛ الشخصية الأساسية في الرواية، تبحث عن ذاتها. تخاف الخرف، فباعتقادها أن الرابح هو من يكسب معركته ضد النسيان.
لا تخاف الموت، إلا أنها تعدّ له ما استطاعت. يستحوذ على أفكارها: هل ستموت وحيدة وتتعفن قبل أن يفطن لها أحد؟ ألهذا أمَرت التوأمين، ناطور البناء، بالتردّد عليها كل يوم؟ هل ستموت بكامل قواها الذهنية؟ هل ستبقى قادرة على تنظيف نفسها من دون أن تتلقى الحرج الاجتماعي من أحد؟ كل هذه الأسئلة، والكثير من توجسات الكبر وعلاماته التي تلاحظها على جسدها، أرّقتها. حضر الخوف بصور متعددة؛ عند وداد، العمة الصغرى، القلقة من طارئ يغيّر قدرها، ويلبسه ثوب التعاسة مع كل عريس يتقدّم لخطبتها. مَي ذاتها تسرد عن مخاوف اعترتها في شبابها المتأخّر بأن تفقد القدرة على الإنجاب. كل هذا القلق حاصرها في عزلتها التي جدّفت بأفكار متضاربة بين الماضي والحاضر، فنجت إلى حين.
البناء الدرامي
عرّفتنا الكاتبة، وهي إعلامية أسّست «محترف كيف تكتب رواية»، على شخصيات روايتها، من خلال استرجاع مواقف وتحليلات فلسفية جمعت البطلة معهم، وهم: جدتها وعماتها العوانس الثلاث، الأب المميز ضمن مجتمع ذكوري، ما فتئ يسيطر على أماني النساء. رواية تكاد تخلو من الحبكة، التي ظهرت كمفاجأة في قسمها الأخير عند فصل «هي»، لتكون على لسان الزائرة غير المرحّب بها. أشعلت سؤالًا خفيًّا منذ البداية في وجدان القارئ؛ لتجيبه عليه في نهاية المطاف. وفي حين استرسلت مَي بالحديث عن حاضرها وأيام طفولتها، وهي تحتضن قطة استقر في جوفها سرطان لئيم أهلك زوجها وصديقتها وأمها. كانت الضيفة تتحدث عن حقبة زمنية مفقودة. عقدت الحبكة، ثم حرّرت جميع خيوطها المتشابكة التي رسمت علامات استفهام عن: مكامن نزق مَي، خيباتها، تشظّي هويتها. عن غيبتها لسبعِ سنوات كانت روحها هائمة، بينما هي في جسد مكلوم لا يتحرك، عن الحب والخذلان، عن نرجسية فتكت بشبابها. عن فريدا كاهلو وفيدراليتين ظهرتا ضمن الماضي كشخوص مسرحية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة حاصلة على إجازة عليا في الفنون المسرحية. فكان ذكر المسرح لعبة أجادتها جيدًا. وقد تضمّنت الخاتمة جملة للمسرحي الأميركي تينيسي ويليامز، ضمن مسرحيته «عربة اسمها الرغبة»، خاطبت بها «مَيْ» ناطور البناء، وهي: «لطالما اعتمدتُ على لطف الغرباء». (ص222)
اتكأت الكاتبة على لغة بسيطة مفهومة. كانت متّسقة مع ثقافة السرّاد، ضمن رواية متعددة الأصوات، حيث تتلوّن الحقيقة بحسب راويها.
المأخذ الوحيد على الرواية، ربما هو السطحية التي تناولت شخصية يوسف؛ ناطور البناء السوري، الذي ألقى بأوجاعه المتقاطعة مع الثيمات الرئيسية للعمل. فقد كان يمكن لهذه الشخصية أن تحمل عمقًا إنسانيًّا أكثر من كونه يذكر قسوة أبيه ومدرّب التربية العسكرية؛ وكيف استطيب مذاق حبات الأفوكادو التي يرميها بائع الخضار مساءً. وعلى الرغم من أن الكاتبة حاولت جاهدة أن تتكلم بلسانه البسيط؛ فإن حاجزًا يظهر ليذكّر بأنها حاضرة تستعيره، وذلك على نقيض مَي وضيفتها. حيث كان السرد مخلصًا لهما. بينما كان لسان يوسف متعجّلًا، وكأنه أُقحم ليروي أيام مَي الأخيرة بعد أن غابت للمرة الأخيرة.
بواسطة نور السيد - كاتبة سورية | يناير 1, 2025 | كتب
«خاتم سُليمى» (دار تنمية المصرية) للكاتبة السورية ريما بالي، ترشّحت للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2024م. حاكت لها صاحبتها عوالم من أزمنة وأمكنة مختلفة تدور في فلك الواقع، في حين تمرّدت بعض معالمها فنحت إلى سريالية الأحلام.
في هذه الرواية أعطت ريما (55 عامًا) القارئ -منذ البداية- «كرة» من الصوف متشابكة الخيوط، ليتتبع القارئ طرف الخيط ويلفّ ما حرّر منه على بكرة المتعة، وعند وصوله للطرف الآخر تتشابك الخيوط مجددًا بحركة ذكية من الروائية، لتتركنا مع أسئلة نجتهد في إيجاد أجوبة لها، فنتيقن أن الرواية ابتدأت بحبكة وانتهت بها. هذه الخاتمة الغامضة تحفز أسئلتنا: أيهما مات؟ أيهما الشيطان؟ من منهما حظي بالخاتم؟
قد يبدو غلاف الرواية جذابًا يزهو بالنقوش، يترأسه ضوء الشمعة الساطع. إلا أن قارئ الرواية وحده من يدرك رمزيته وارتباطه بمتن الحكاية. اختارت بالي إعطاء الأشياء بُعدًا رابعًا، بدءًا من الخاتم وانتهاءً بالسجادة مرورًا بالشموع. أسطورة السجادة ذات الورود الحمراء تسافر بصاحبها إلى عوالم تمنحه النبوءة. قد تبدو تلك السرديات شعوذة، إلا أن الخط الصوفي منح الرواية النَّفَس الشعري والروحانية التي تألفها النفس.
لم تكن المرة الأولى التي أوحى الغلاف بفحوى الحبكة، فروايتها «غدي الأزرق» الصادرة عام 2018م عن دار الآداب- بيروت، حملت تمثالًا لجان دارك المندفعة إلى ذات النهاية المأساوية، التي تقاطعت مع مسار ابن البطلة فاستشهد نتيجة لخياراته الإنسانية، من وجهة نظر أمه، والطائشة من وجهة نظر أبيه.
رمزية الأسماء حاضرة في روايات بالي: «سُليمى» التي نذرت خاتمها ليحدد قدر حكايتها في إشارة إلى خاتم النبي سليمان، و«غدي» المحاكي لغد أزرق بلون الأمنية، وفلسفة جدوى انتظار الوقت المشروط لتحقيق أمنية سرق الزمن منها شغفها. و«ناي» الفتاة الهاربة من الحرب، إلى بروكسيل، تبدو كعزف منفرد في أوركسترا غربية الإيقاع. في رواية «ناي في التخت الغربي»، الصادرة عام 2023م عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، يحمل عنوان الرواية ومضمونها دلالة صارخة لمعاناة التناغم الذي فرضته مرثية الحرب على أبنائها المهاجرين، والسعي لتقويض لحن الكراهية ونبذ المختلف.
دلالة المكان
من يقرأ لصاحبة «ميلاجرو» يلمس أهمية المكان الذي يقترب من مرتبة البطولة. ففي «خاتم سُليمى» كانت حلب -مسقط رأس الكاتبة- هي بطلة القصة، بالتناصّ مع آثار طليطلة الأندلسية سابقًا. مثّلت حلب الموطن الذي غادره أبطال الروايات الثلاث، لنشهد في كل رواية مدينتين رئيستين، تغزلان الأحداث بالتناوب. مدينة مشرقية وأخرى غربية تتقاطع بهما الأحداث، وتتنافر، وغالبًا ما يكون التناص سيد الأحكام.
ترافقنا المعالم الأثرية، نرى يد بالي تشير إلى تفاصيلها التاريخية. تغدق بعبق التراث على صفحاتها ليراودنا سؤال: أهي لعبة لصالح الكاتبة تتصرف بما تعلم فتنهل من معلومات مجال عملها في قطاع السياحة والآثار؟ أم هو فخ التأريخ الذي نصب شباكه فأسر قلمها في كل نتاجها الروائي؟ كما نجد قوائم مأكولات وأسماء أزياء تلك المدن، وتراثها الغنائي، وهنا تتجلى بالي بإدخال خيط الأنثروبولوجيا لنسيج حكايتها.
مفارقات سردية
حضرت الفوضى الزمنية في الرواية. فاختلفت المفارقة والاتساع السردي، حيث وظفت بالي الارتداد إلى الماضي لبناء شخصياتها، ثم عادت إلى الحاضر بالتفصيل المبرر فملأت الفراغ الذي أحدثه الحذف، كاسرة رتابة السرد وحدة الاستمرارية التقنية التي ضمنت التشويق لمعرفة الأحداث التي انقطعت سيرورتها. كما أن الحبكات المتداخلة من خلال تقنية الاسترجاع خفّفت من توتر السرد الحاضر.
نعرج على قصة لوكاس مع حبيبته، وقصة زواج جانيت وذكريات شمس الدين في طفولته، ثم نستأنف، كقرّاء، حكاية سليمى معهما حيث يكون الراوي قد أخذ نفسًا عميقًا ليواصل سرد الأحداث. كما اتكأت الكاتبة على تقنية الاستباق فاستشرفت تارةً بمقتطفات من أحداث مستقبلية، وومضات سيريالية من أحلام لوكاس التي تنبأت بالمستقبل تارةً أخرى. فيما اعتمدت على أسلوب التناوب في «غدي الأزرق» حيث سارت قصة حياتها بتوازٍ مع أحداث توأم دار الرعاية، تقاطعت مع الأمومة والفقد والخضوع لسلطة ذكورية دكتاتورية تمثلت في زوج البطلة ندى مع حبيب التوأم المشترك. وكما قال تودوروف: «التضمين هو إيلاج حكاية في حكاية أخرى، مما يجعل من كل حكايات «ألف ليلة وليلة» مضمنة في الحكاية التي تجري من حول الشخصية الأساسية شهرزاد». وهذا ما فعلته بالي مع شهرزادها، إذ بررت تقنية التضمين فوضى الزمن.
لم تكن الحرب حجر أساس بنتْ عليه بالي روايتها، بل تقاطعت مع سير الأحداث؛ لكنها حتمًا أثّرت في النتائج؛ فحلب وكل من فيها ليسوا هم أنفسهم بعد أن قرعت الحرب نواقيس الخطر والرعب من الحاضر والمستقبل الغامض. تكرّر الأمر في كتاباتها الأخرى. في رواية «غدي الأزرق» الحرب أيضًا سبب أدّى لنتائج تدخلت في سياق الرواية، كفقدان ندى لابنها، وهجرتها إلى فرنسا حيث جرت أحداث الحاضر. وفي رواية «ناي في التخت الغربي»، تنسحب ناي من مشهد الحرب لتعود إلى حلب من بروكسيل وتبيع مكتبة جدها.
وهنا نتساءل، نحن المتابعين لكتابات ريما بالي، المدركين تمامًا أن جلد الكاتب موشوم بعبارات ومصطلحات تخصّ تجربته الأدبية مكوّنة أسلوب سرد يعتبر كبصمة السلاميات بخصوصيته وتباينه أيضًا مع الآخر؛ السؤال: هل يُسمح للكاتب أن يكرّر أفكاره ذاتها وفق ثيمات مختلفة؟ حلب وما يوازيها من مهجر باختلاف اسم المدينة، بطلها هارب من ويلات الحرب، يبدأ حياة جديدة تتقاطع مع شخصيات غربية تفرض ذاتها وقصصها على أحداث الرواية بما تحمل من علاقات إنسانية وقصص رومانسية/ تراجيدية؟ أم إن المبرر الذي نتلمسه هنا لبالي أنها لم تستهلك كامل مخزونها الذي ربما ما زال سخيًّا يجود بالمتعة والدهشة؟ وماذا كانت لتروي لو أنها عاصرت أكثر من سنوات الحرب الثلاث الأولى قبل أن تنتقل إلى إسبانيا؟ هل كنا لنشهد صورة الواقع أكثر بشاعة؟
فلسفة
نهلت الكاتبة من لغة أنثوية رقيقة وشفافة. جادت بالصور والتفاصيل، حتى وهي تصوّر اللحظات الحميمة للشخصيات لم تخدش الحياء بأية فجاجة، بل لمَّحت بعبارات خدمت المشهد. ولم يعكّر صفو اللغة سوى بعض العثرات النحوية والإملائية.
الفلسفة حاضرة في عبارات تستوقف القارئ ليكررها بصوت عالٍ وإعجاب بالتكثيف والاختزال. تضفي بالي على نصوصها عبارات فلسفية عن: الحقيقة، الموت، الحب، الموت، القدر… وكلها حقائق تقدمها بالي بفكر واعٍ، فتصوغ لها العبارات العميقة وتدعو قارئها للغوص والتحليل.
كان السؤال الخفي المتردد بتواتر: هل يشارك الإنسان في مسار قدره كما تفعل سُليمى؟ أم إنه مهما اجتهد لن يظفر إلا بخيارات محدودة، فينتظر عند زاوية السجادة، ويتابع قدره من خلف عدسة الكاميرا يرصد من خلالها مشاعره إزاء الأحداث ممتطيًا الحياد، منتظرًا القدر أن يتخذ القرارات نيابة عن صاحبه؟ هل كانت نصف الحقيقة كافية لتعطينا رؤية واضحة عما أرادت الكاتبة إيصاله؟ أم إن لشدة الواقعية الطافحة من الرواية تعاملنا معها كما نتعامل مع الحياة، نبذل جهدًا لنفهم مساراتها، إلا أنها تصفعنا لتعيدنا نحو البداية، فنتناول نصيبنا من البحث عن الحقيقة والفهم مجددًا؟