يبدو المشهد الشعري التونسي ثريًّا وباذخًا، يضم أصواتًا شعرية متنوعة، ويبرز من بينها الشاعر سعيف علي، الذي أصدر عددًا من المجموعات الشعرية من بينها: «المرايا لا ترى النور»، و«طينيات»، و«طبقة أوزون وسحابة تائهة»، وأخيرًا مجموعته الصادرة حديثًا «باب الذي لا يُرى».
تتكون المجموعة من 17 نصًّا، يبدأ عنوان كل نص منها بالباب مثل: باب سيرة الذئب، باب الموارب، باب على سبيل الفشل في عد الأصابع. إضافة إلى نصوص جاء الباب في عنوانها، وهي تنويع على باب الغياب، وفي غفلة من باب موصد، وألواح الآلهة المحاربة، باب سامية. في نصوص المجموعة يبدو الباب علامة مركزية منذ العنوان، عتبة النص الأولى، وهي جزء من جسده لا ينفصل عنه. والأبواب رمز يحمل في مضمونه ما يوحيه الباب. ولم تأت التعبيرات الشهيرة -مثل: فتحت باب الحوار، أو أغلقته- من فراغ، بل هي في جوهرها اختزال لصراعات.
والحال ذاته في أبواب الجنة، وأبواب الجحيم، فالاحتمالات التي تطرحها الأبواب تبدو لا نهائية وتتجاوز الفكرة المجردة للباب، لكونه الفاصل بين المكان ومن خارجه وتخفي خلفها عالمًا لا يدركه إلا من يعيش خلفه. وقديمًا كانت للمدن أبواب تحظى إلى اليوم بمكانة تاريخية، كما عرف المصريون القدماء الباب الوهمي لخداع المتطفلين واللصوص، ومنعهم من الولوج داخل المقابر، والباب المشرع والمفتوح إشارة للدخول، والمغلق غامض وسري وتكمن جاذبيته في الرغبة في اكتشاف المجهول.
الباب يحمل مرموزات معرفية واجتماعية تكونت عبر التاريخ وتجاوزت الجغرافيا إلى الأساطير والحكايات الشعبية، مثل باب المغارة في حكاية علي بابا. كما انتقلت إلى العلوم والمعارف، فيقسم الكتاب إلى أبواب. والباب يمثل رمزًا رئيسًا لدى المتصوفة، فيقال في مراتب الأولياء: «البعض يطرق الباب فيفتح له، والبعض ينتظر حتى يفتح له الباب»، وهناك من يفتح لهم الباب حال وصولهم إليه، بل لقب الشيرازي بالباب، أي باب معرفة الله، وهو صاحب الدعوة البابية التي تضم عناصر صوفية وغنوصية وشيعية. وللباب حمولات معرفية وتاريخية تحيلنا إلى نصوص أدبية منها قصة «الباب» لبيسوا، ورواية «الباب المفتوح»، وكذا «باب الشمس» و«الباب الأخضر»، وغيرها من سرديات ونصوص عبر التاريخ الإنساني. ومن هنا كان الباب العلامة السيميائية الأولى في مجموعة «باب الذي لا يُرى».
تبدو نصوص المجموعة كنص ممتد حيث الانفصال والاتصال بينها في آنٍ من خلال بنية معمارية تعتمد المقاطع الصغيرة في تشكيل جسدها، والأبواب شبه موصدة والذات مهمشة تعيش بين أحلام لا تسعى إلى تحقيقها يعلنها صراحة منذ بداية النص:
«لا أريد إنقاذ العالم/ ولا التورط في إعادة ملء الزجاجة بماء الدمع» «ذلك أنه يليق بي/ وأن أردّد بلا ترف/ المجد للمسافة التي صنعتها بأصابعي» أو «لم أترك الحضور إلا لأن قدمي قد أنست الغياب».
الحياة بين الأخطاء والأحلام
ويمتد الخطاب الشعري، دون السعي إلى التأويل، بين أحلام، هي في جوهرها عبء على الذات، وأخطاء تبدأ من استبدال حرف بآخر. وفي مواجهة قسوة العالم لا بديل عن القصيدة لاستمرار الحياة. والأحلام، داخل المجموعة، غاية في ذاتها وتحقيقها ليس جائزة تحاول الذات الشاعرة الظفر بها، وما بين الأخطاء والأحلام تعيش الذات أزمتها في صراع ديالتيكي بين لحظات زمنية متعددة تنتقل من الزمن الخارجي «زمن الحدث» إلى زمن المبدع، وهو زمن مطلق لكونه زمن داخلي.
والبوح بالأخطاء ليس إدانة للذات أو محاولة للتطهر، فالأخطاء جزء من التاريخ الشخصي، ومرتبطة بوجود الذات وتبدأ من اللحظة الأولى، لحظة الميلاد. فالأخطاء ملتبسة، والذات الشاعرة لا يمكن اليقين بارتكابها تلك الأخطاء الصغيرة التي تشكل وجودها:
«لا يُريد ذئب الكلام إخباري/ لماذا لم يبْدُ شرسًا؟ / لماذا غَادر سِيرته؟». «على وجه الخطأ يرفل الصواب في ثياب مشمسة». «تعيش الحكمة في ثياب الأخطاء». ويصل إلى الذروة في قوله: «أغلب الظن أن أبي «علي» رحمه الله/ أراد أن يخطئ الآخرون تهجية اسمي/ وهو يخلع الدال من سعيد/ ويعوضها بفاء الفناء في سعيف».
وللتكثيف والإزاحة دورهما في تشكيل بنية النص، الذي حمل داخله نصوصًا مضمرة تكشف عن المسكوت عنه في النص الشعري، الذي يقدم مجموعة متشابكة من الأبعاد الجدلية والأنساق المضمرة التي تتطلب تأويلًا ثقافيًّا يكشف العلاقة بين الذات والواقع الاجتماعي والسياسي والتاريخي، في ضوء البنية الثقافية التي تتناول المخزون الثقافي المضمر وراء البنية اللغوية من حيث كونها أنساقًا تشكلت من واقع المحيط الثقافي.
وقد احتوت النصوص على أنساق ثقافية مضمرة متعددة الدلالات؛ منها نسق الذات المهمشة، ونسق الصراع والبقاء. ولقد كشف مسكوت هذا النص عن وعي الشاعر في خلخلة النسق القائم/الثابت؛ لبناء نسق مغاير جديد ينهض على الصراع بين الذات في لحظتها الآنية وتاريخها وكذا الصراع بين الذات والعالم وموجوداته. ويتضافر الصمت مع الأنساق المضمرة حيث يؤدي دوره في تقديم تنويعات دلالية بوصفه صوتًا دالًّا، فما يتخلل الصخب ينبغي التقاطه؛ فجوهر الصمت هو التخلص من الأصوات التي تنأى بالمتلقي عن سماع مدونته الخاصة. فالصمت هو الطريق إلى التأويل بمحاولة ملء الفراغات ووصل دلالة العبارة بدلالة صمتها، واللعب مع فضاء الصفحة بين البياض والسواد. ومن هنا كان اختيار المقاطع الصغيرة والشذرات الشعرية في بناء النص متوائمًا مع التكثيف والإزاحة والأنساق والمضمرة والصمت؛ لخلخلة ما هو ثابت وإنتاجية نصوص متعددة من خلال تأويلات مفتوحة، يتحقق خلالها غياب المعنى بمفاهيمه المستقرة.
أساليب الاستفهام والنفي والتعجب
يصنع الحلم عوالم بديلة وحيوات موازية تخلخل ثبات الواقع وتواجه قسوته وانغلاقه؛ إذ تنفتح على وجود يبدو لا نهائي: «شربت من نهر يجري بالحب واغتسلت/ رأيت مطرًا قديمًا وتينة خضراء» أو «فالشمس خضراء هذا اليوم».
والأحلام تبدو كسؤال بلا إجابات، تنطلق من ذكريات الطفولة حينا ومن وسادة جديدة لا تحتفظ بالأحلام القديمة، أو تحلم باستعادة طفولة تعيش في الذاكرة. والأحلام جميعها لا تكتمل وتنتهي بأسئلة لا إجابات لها، حالها في ذلك كالحكايات المتناثرة في فضاء النص المعلقة في أداة الاستفهام؛ إذ الاستفهام من بين الأساليب اللغوية التي استُخدِمَت داخل النص لتتحقق من خلالها الوظائف التأثيرية والجمالية والسياقية. وعبر تلك التراكيب اللغوية -ما بين الجمل الخبرية والإنشائية واستخدام أساليب الاستفهام والنفي والتعجب، والانتقال بين الضمائر وبين الجمل الأسمية والفعلية- تتحقق السيطرة على سطوة اللغة وتفجير طاقاتها الكامنة بما تحمله من دلالات وأغراض؛ إذ إن دلالة الفعل المضارع هي التواصل والاستمرار، فيما يحيلنا الفعل الماضي إلى الثبات والاستفهام يحمل كثيرًا من الأغراض، لعل أهمها في سياق النص هو التعجب: «ما كل هذا الهراء؟». «هل الأحجار بنات الطريق؟/ هل يمكن للعابرين أن يكتبوا على التراب الدوائر؟». «هل أقدامي بداية طريق وعرة؟».
ومع تعدد أدوات النفي، بين لا النافية للجنس ولا النهائية ولم الجازمة ولن والفعل ليس، يبدو النفي متأرجحًا، لا نثق في عدم تحقق ما ينكره، تمامًا، كالأبواب التي نسمع طرقات خفيفة فوقها والتي لا تبدو موصدة تمامًا. فثمة أمل في انفتاحها وعبور عتباتها من أجل الوصول إلى جمال تنشده الذات الشاعرة، وتبحث عنه من خلال استبطان ذاتي يتواصل مع موجودات العالم ويبحث عنها في أحلامه وذاكرته، برؤية صوفية في جوهرها.
إننا أمام نص شعري باذخ يتأمل العالم في لحظة مواجهته ويبوح باعترافات ذات مهمشة تتورط في أخطائها تمامًا كما ترتكب أحلامها، تلك الذات المحاصرة بين أبواب شبه مغلقة تحاول عبورها.
0 تعليق