بعد ما يقارب تسعة عقود على صدوره الأول بالفرنسية، يعود كتاب «ريلكه حيًّا» لموريس بيتز إلى القرّاء عبر ترجمة إنجليزية جديدة بعنوان: «حوارات مع ريلكه»، صدرت عام (2025م) عن دار بوشكين برس بترجمة الشاعر والمترجم البريطاني ويل ستون. يستعيد بيتز في هذا الكتاب ذكرياته مع راينر ماريا ريلكه، ولا سيما الربيع الأخير الذي قضاه الشاعر في باريس عام (1925م)، أي قبل رحيله بعام واحد.
باريس: المدينة التي علَّمته أن يرى
يكشف موريس بيتز في هذا الكتاب أن علاقة الشاعر بباريس لم تكن مجرد إقامة في مدينة أحبها، بل كانت تجارب عيش متعددة، يستعيدها الشاعر في عزلته ليجد لها متنفسًا في الأدب. يقول: «منحت باريس ريلكه إحساسًا بالثبات، وأضفت إلى أسلوبه قدرًا من الوضوح، وهو ما أدركه أيضًا في حضرة أعمال رودان». منذ وصوله الأول إلى باريس عام (1902م) كتب ريلكه إلى زوجته كلارا: «أنا في باريس، أنا واحد من الذين ينتظرون: ماذا سأصبح؟» على الرغم من اغترابه عن صخب المدينة وكثافتها، هو القروي الذي لا شفاء له، فإنها تحولت مع الزمن إلى المكان الذي أوحى إليه بعض أهم أعماله، وفي مقدمتها «دفاتر مالته لوريدز بريغه»، وفتحت أمامه أفقًا جديدًا للكتابة باللغة الفرنسية، التي رأى أنها قادرة أحيانًا على التعبير عما تعجز عنه الألمانية، وهو ما عبَّر عنه في قوله: «إن الكلمة الألمانية، في صعودها الشعري، تميل إلى الإفلات من الفهم المشترك، ولا بد من أن تُستعاد إليه بطريقة أو بأخرى».
عندما عاد ريلكه إلى باريس عام (1920م)، بعد سنوات الحرب العالمية الأولى، شعر أنه يستعيد جزءًا من ذاته. يروي بيتز كيف أن رؤيته لمتجر العتائق، بكل تفصيلاته التي لم تتغير، دفعته إلى أن يكتب له: «لقد وجدت باريس القديمة، باريس الأبدية، لم أكن بحاجة إلى أن أتحدث مع أي شخص لكي أقنع نفسي بذلك، كانت الشوارع والحدائق والأرصفة على ضفاف النهر، واللوفر، حتى السماء نفسها، تتحدث بلغة أوضح وأكثر عزاءً من أي لغة أخرى».
في زيارته الأخيرة إلى باريس عام (1925م)، أقام ريلكه في فندق فوايو بشارع دو تورنون، القريب من حدائق لوكسمبورغ وشقة بيتز في الطابق الخامس. كان ريلكه يقطع الطريق مشيًا وكأنه يختبر المدينة ببطء شديد، لذلك حرص بيتز على تسجيل تلك التفصيلات العابرة؛ لأنها تكشف أن التجربة الشعرية عند ريلكه لم تكن منفصلة عن حياته اليومية، بل كانت تبدأ منها.
حين يلتقي ريلكه ببيتز في شقته كانا يجلسان على شرفته المطلة على الأشجار المتبرعمة، ويتحول العمل على ترجمة «دفاتر مالته لوريدز بريغه» إلى أحاديث طويلة عن الشعر والفن والحياة. بدأت هذه الصداقة برسالة كتبها بيتز، وهو شاب مولع بريلكه، يطلب فيها الإذن بالترجمة، بعد أن كان جنديًّا فرنسيًّا لا يعرف الشاعر إلا من كتابه الذي حمله طويلًا بين أمتعته زمن الحرب، وقد كتب على دفتره حينئذ: «للدفاع عن نفسي لم يكن معي سوى: قناع غاز، ومسدس إسباني الصنع، وبقعة من ضوء الشمس على جدار، وكتاب الصور لريلكه».
الترجمة: حلم أن نكتب بكل اللغات
لقيت «دفاتر مالته لوريدز بريغه» استقبالًا لافتًا في فرنسا؛ إذ عدّها الناقد إدمون جالو، في سلسلة مقالات نشرها في مجلة «الأخبار الأدبية»: «ملاحظات وتأملات شخصية لم يكن حتى دوستويفسكي ليقدر على إبداعها»، في شهادة مبكرة على المكانة التي احتلها هذا العمل في الوعي الأدبي الفرنسي.
يبيّن موريس بيتز أن لقاءاته المتكررة بريلكه لم تكن مجرد جلسات للترجمة، بل كانت مدخلًا لفهم الطريقة التي كُتب بها هذا العمل. ويعترف بأن أكثر ما بقي في ذاكرته كلمات ريلكه التي كان يدوّنها على هوامش المخطوط، حتى غدا من الصعب عليه أحيانًا أن يميز بين النص الأصلي وما أضافه الشاعر في أثناء القراءة. ما يلفت في شهادة بيتز أن ريلكه يناقش أدق الظلال الدلالية للكلمات، ويقترح بدائل، ثم يترك لمترجمه حرية الاختيار؛ لذلك بدا جلوسهما معًا أشبه بورشة أدبية مفتوحة، يكون فيها المؤلف والمترجم قارئين للنص نفسه. وقد رأى بعض النقاد الفرنسيين أن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب هي في كونه وثيقة نادرة عن الطريقة التي كان ريلكه يفكر بها في اللغة نفسها، لا في الأدب وحده.
كان الروائي والكاتب الفرنسي روجيه مارتان دو غار (1881–1958م) من بين الكتّاب الفرنسيين الذين كتبوا عنه في ذلك العام، وختم مقاله بهذه السطور: «هناك دائمًا الفرنسيون وهناك دائمًا الألمان. ولكن هناك أيضًا الشعراء، وهذا الشاعر منحني طعم ثمرة تُشق للمرة الأولى، وتملأ لذة مجهولة عمقها النقي». أعيد نشر مقال مارتان دو غار وتناقلته مجلات ألمانية عدة، منها مجلة «دير تورمر»، التي انتهزت هذه الفرصة لمهاجمة ريلكه بسبب شغفه بفرنسا.
كانت علاقة ريلكه باللغات تتجاوز الاختلافات الشكلية بين الألسن إلى تأمل عميق في جوهر التعبير الإنساني. عندما عاش تجربة روسيا فكَّر في أن يجعل الروسية لغةً لأدبه؛ لِمَا وجد فيها من اتساع داخلي، ثم انجذب لاحقًا إلى الفرنسية، فقد شعر أن مفرداتها تحمل حساسية لا يجد مثيلًا لها في لغته الأولى؛ من ذلك تأمله في كلمة (verger) (البستان)، التي بدت له في الفرنسية كلمةً حية، كما يقول: «كلمة تتنفس وتنتظر». كتب ريلكه بعض قصائده مباشرة بالفرنسية، وبخاصة بعد لقائه برودان، منها إحدى عباراته إليه: «إن الرغبة في الاقتراب منك تقود يدي».
حُلْمُ ريلكه بالترجمة هو حلم الكتابة بكل اللغات، وهو ما قد يساعدنا على تجاوز المنفى، وإدراك أننا «جزء من الكل العظيم» كما يقول. في أثناء عمله مع بيتز، كان يتوقف ويصحِّح بعض الكلمات لا بحسب معناها فقط، وإنما بحسب قدرتها على حمل الإيقاع الداخلي للنص والعثور على موضعها الفريد فيه. توقف ريلكه مرارًا عند الكلمة التي تكررت: «رأيتُ»، شارحًا أن «مالته» يتعلم أن يرى العالم بجميع حواسه، وأن يدرك الحضور كما يدرك الغياب، يقول عن ذلك: «أحيانًا يكون العنصر غير المرئي تحديدًا، أي الغياب، هو الذي يمنحنا مفتاح الأشياء».
تحدث بيتز عن الكتابة الشاقة لـ«دفاتر مالته لوريدز بريغه»، التي تطلبت أن تعيش الشخصية داخل ريلكه طوال سنوات، كما كتب عن مالته: «كانت طفولته طفولتي. كان هو أنا. ومع ذلك، كان شخصًا آخر». لقد كان التلاقي بين الحب والموت، بين النضارة والتحلل، بين الاندفاع الغريزي نحو الحياة والحضور الساكن للموت، هو بالضبط ما كان مالته يبحث عنه في تجربته الباريسية. لقد رأى الحقيقة التي كانت باريس تعلّمه إياها: أن الأشياء لا تكشف معناها في مظهرها الخارجي، وأن الوجه الذي نحبه يحمل في داخله دائمًا احتمال الغياب.

صداقات ريلكه مع الكتَّاب والوجوه والقطط
في باريس، لم يكن ريلكه يرغب في رؤية الأصدقاء الذين عرفهم فيها من قبل بقدر ما كان يرغب في رؤية الوجوه التي لا تُحصى للمدينة، والأشكال المتبدلة للشارع. كان يعود إلى الزوايا الأكثر خفاءً التي اكتشفها، مثل ساحة دو فير-غالان عند أقصى الطرف الغربي من جزيرة المدينة، والحديقة الصغيرة التابعة لكنيسة سان جوليان لو بوفر، حيث كان يجلس متأملًا بعد حضوره القداس الأرمني. أحبَّ ريلكه القطط، كان يعجبه كيف تبدو وكأنها تهبط إلى عالمنا من السماء، أما الكلاب، حسب تعبيره، فقد أفرط الإنسان في أنسنتها.
تمتد هذه الحوارات إلى استعادة صداقات تركت أثرًا حاسمًا في حياة الشاعر، من بينها صداقته مع الكاتب الفرنسي أندريه جيد، الذي عمل جاهدًا ليستعيد ريلكه بعض مخطوطاته من بيته الباريسي، حيث صُودِرَتْ ممتلكاته وبِيعَتْ في المزاد العلنيّ.
يروي بيتز مشهدًا مؤثرًا، حين نزل مع ريلكه إلى قبو دار غاليمار، حيث كانت تلك الصناديق محفوظة. هناك فتحها ريلكه، بعد أكثر من عشر سنوات على فقدانها، وكأنه يلتقي جزءًا ضائعًا من حياته. يتحدث بيتز أيضًا عن صداقة ريلكه مع الكاتبة الروسية الألمانية لو أندرياس-سالومي، التي كانت واحدة من أهم الصداقات الفكرية في حياته. ظل ريلكه يعود إلى الحديث عنها بوصفها صاحبة الفضل في تحولات مبكرة في شخصيته، حتى إنها اقترحت عليه أن يستبدل باسمه الأول رينيه (René) اسم راينر (Rainer)؛ لأنه بدا لها أكثر توافقًا مع طباعه وشخصيته.

للقَدَرِ هذه الثقوب التي نختفي فيها
هذه العبارة وردت في رسالة ريلكه إلى موريس بيتز في 5 نوفمبر (1925م): «للقدر أحيانًا هذه الثقوب التي نختفي فيها؛ ثقبي اسمه الانزعاج، المرض، أو أيًّا كان». وهي عبارة شديدة الدلالة؛ لأن ريلكه كان قد غادر باريس فجأةً في صيف (1925م)، من دون أن يودّع بيتز. قبيل نهاية إقامته في باريس كان ريلكه يقلب الصفحات الأخيرة من ترجمة «دفاتر مالته لوريدس بريغه»، حين اقترح الاحتفال فدعا مترجمه وبعض الأصدقاء إلى غداء خاص، وبعد بضعة أيام من ساعة القراءة الأخيرة، تلقى موريس بيتز منه هذه الرسالة:
فندق فوايو، 33 شارع تورنون (الدائرة السادسة).
صديقي العزيز،
أعتقد أنني تمكنت، ما لم تكن أخطاء كثيرة قد تسللت إليها، من أن أوفر عليك عناء ترجمة المقطعين الموجودين في الجزء الثاني من «مالته». إليك نسختي.
أُوردت هذه النسخة من دون تعديل في الطبعة الفرنسية من «الدفاتر»، ننقل منها:
«أنت، الذي لا أودعك/ لياليَّ الطويلة بلا نوم/ أنت الذي تعذِّبني/ وتهزّني كمهد/ أنت الذي تخفي عني أرقك/ قُل لي: هل كان بوسعنا أن نحتمل/ هذا العطش المدوِّي/ من دون فراق؟».
في الأيام الأخيرة من ديسمبر، وفي خِضَمّ مدة الأعياد، كان أصدقاء ريلكه يتحدثون عن مرضه؛ علَّهم يجدون عزاءً في التفصيلات: لقد رفض الحقن، وكان يرغب في موته، وقبل مغادرة موزو رتّب أوراقه في صناديق، ووضع علامات على كل شيء. مع ذلك تمرُّ الشهور، وتقلب الريح صفحات الكتب المفتوحة التي تركها ريلكه جانبًا حتى الربيع الأبدي؛ ليطلق هذه الحوارات الشفافة والعاصفة معًا. إن كتاب «حوارات مع ريلكه» يكشف أن الحوار الحقيقي لا يكون بمجرد تبادل الكلمات، بل هو مشاركة في الرؤية وتلمس الحساسية الأولى تجاه الأشياء، والأفكار، والحوادث. أي أن الحوار لا يكون إلا بين أشخاص دفعوا حدود وعيهم إلى مشارف الصداقة. صحيح أن موريس بيتز تحسَّر لعدم زيارة ريلكه في منزله الريفي في موزو الواقع جنوب غربي سويسرا، لكن بعد وفاة الشاعر في 29 ديسمبر/ كانون الأول 1926م، طلب أن تغرس قرب قبره في رارون شجيرة ورد، في استحضار مؤثر للنقش الجنائزي الذي كتبه ريلكه:
«وردة، يا للتناقض الخالص، يا لرغبة أن تكوني نَوْمَ لا أَحَدَ، تحت كل هذه الأجفان».
0 تعليق