آني إرنو وكلير سيمون: تتمتع فتيات جيل Z بحس قوي جدًّا تجاه قضايا العدالة الاجتماعية
كيف تقرأ كتب المؤلفة آني إرنو في المدارس الثانوية؟ هذا هو موضوع الفلم الوثائقي الجديد للمخرجة كلير سيمون، الذي يتناول حوارًا بين الفنانتين حول الشباب والتعليم والأدب والنسوية…
على مدى أشهر عدة، تابعت المخرجة كلير سيمون فصولًا من تلاميذ السلك الثانوي وهم يدرسون نصوص آني إرنو. وانطلاقًا من هذا الانغماس في عالم الأدب، ولد فِلم «كتابة الحياة»، وهو فِلم وثائقي جميل عرض على قناة France 5 في 3 ديسمبر 2025م، قبل عرضه في دور السينما في الربيع التالي. وبفضل حيوية هذه الحوارات، نعيد اكتشاف القوة التحريرية للأدب والطابع الحداثي المهم الذي تتسم بها كلمات الكاتبة التي حصلت في عام 2022م على جائزة نوبل للآداب، وأصبحت أيقونةً للأجيال النسوية الجديدة.
يتعلق الأمر هنا بلقاء يجمع بين كاتبة ومخرجة كانتا تتحاوران فعلًا في أعمالهما المتمحورة حول تجربة الحياة. إلى نص الحوار:
إميلي جافوال وفريديريك شتراوس: يركز الفِلْم الوثائقي لـكلير سيمون على نصوصك، آني إرنو، لدرجة أننا لا نراك تظهرين على الشاشة…
آني إرنو: هذا أفضل! لا أحب الظهور في التلفزيون ولا التحدث في وسائل الإعلام، بل يجب أن أقول: إن حصولي على جائزة نوبل كان عذابًا بالنسبة لي. يومًا ما، سيرى الناس ما كتبته حول هذا الموضوع في مذكراتي… ما أحلم به وأطمح إليه هو أن أظل غائبةً، تمامًا كما في هذا الفِلم الوثائقي. إنه فِلم يبعث على السعادة. والأفلام التي تبعث على السعادة جيدة، عندما تكون صادقةً ولا تعرض الحياة بشكل زائف. هنا، نرى واقع شباب ليسوا كما يقال عنهم. إنهم يهتمون بالقضايا المهمة؛ مثل الحب والآباء والبيئة الاجتماعية. إن رؤية الشباب على حقيقتهم، في حاضرهم المعيش، لَهُو أمرٌ مثيرٌ للحماسة.
اللقاء بين الشباب والأدب
كلير سيمون: كنت سعيدةً جدًّا عندما اقترح علي إيمانويل بيرو، منتج برنامج «المكتبة الكبيرة»، تصوير فِلم عن آني إرنو. شاهدت ما أُنتِجَ من قبلُ، وبخاصة الفِلم الوثائقي الذي أخرجته ميشيل بورت بعنوان : «الكلمات مثل الحجارة»، والمتاح على منصة Tënk، [ملحوظة المحرر]، الذي أعجبني كثيرًا. لم أكن أنوي، إجراء مقابلات مثلما فعلت هي. وبما أن كتب آني إرنو مدرجةٌ في المناهج الدراسية بالسلك الثانوي، فقد تولدت لدي الرغبة في أن أرى كيف تُتَلقَّى هناك. فاللقاء بين الشباب والأدب هو موضوعٌ في غاية الأهمية.
آني إرنو: أدرجت كتبي ضمن مناهج وزارة التربية الوطنية منذ صدور رواية «المكان»، التي حازت جائزة رينودو في عام 1984م. لقد قرأ هذه الرواية جيلٌ كاملٌ من القراء، واليوم أطفالهم هم من يدرسونها. وهذا مؤلمٌ بعض الشيء، فلقد مر الزمن!

• يتناول هؤلاء المراهقون وأساتذتهم الأدب بقدر كبير من الحرية، وكأن الأدب مادةٌ حيةٌ. هل فاجأكم هذا الأمر؟
▪ آني إرنو: نعم، لنقل إنني عندما كنت أمارس التدريس، لم أكن أدرس بهذه الطريقة. في ذلك الوقت، خلال السبعينيات، كان التلاميذ يقدمون عروضًا. أما تلاميذ اليوم فهم أكثر حريةً، حيث نرى في الفِلم أنهم يتفاعلون مع نصوصي ويتمثلونها حقًّا. عندما سئلت سيمون دي بوفوار عن قدرات الأدب، قالت: «تصبح حقيقة أخرى حقيقتي دون أن تتوقف عن كونها حقيقةً أخرى». أنا أتفق مع هذا القول.. غالبًا ما ننتقد التعليم بالشكل الذي يمارس به في فرنسا، لكنني أعتقد أنه يمتلك إمكانات كبيرةً. كنت أرغب في الكتابة في سن العشرين، فدرست الآداب لتحقيق ذلك، لكنني تأثرت أيضًا بعلم الاجتماع وببيير بورديو. ربما كنت حاصلةً على شهادة التبريز في الآداب، لكنني لم أكن أنحدر من عائلة مثقفة.
كلير سيمون: التقيت أساتذةً استثنائيين لا يلقون محاضرات، بل ينظمون حوارًا بين التلاميذ. وما يسعدني هو أننا نسمع نصوص آني إرنو في فِلمي. أردت أن أرصد الطريقة التي يتعامل بها التلاميذ مع هذه النصوص، والشعور بالقوة المحتملة التي تمنحهم إياها قراءتها. القراءة هي شكلٌ من أشكال التمكين.
انغلاق الناس على أنفسهم
• ألا تزال المدرسة الجمهورية، كما عرفتها، تؤدي دورها التحرري؟
▪ آني إرنو: يجب أن توفر المدرسة كل الوسائل الممكنة لمن يرتادونها. وهذا ليست هي الحال اليوم. فنحن نُقلِّص عدد المدارس العمومية، وندفع بالعديد من التلاميذ نحو التعليم الخاص. خاص، أو ذو حظوة: بالنسبة لي، إنها الكلمة نفسها. فحين نضع التلاميذ المتفوقين معًا والتلاميذ الأغنياء، فأية صورة ننقلها للأطفال عن المجتمع؟ إن الناس يرغبون في الانغلاق على أنفسهم. من المحزن قول ذلك، لكنها الحقيقة بالفعل.
كلير سيمون: إن المدرسة العمومية، تمامًا مثل المستشفى، هي مكانٌ يتعرض فيه الناس لسوء المعاملة، ويحصلون على رواتب زهيدة، ولكن المستوى فيها يظل جيدًا جدًّا. إن الإيمان بالمساواة لا يزال يشكل ركيزةً أساسيةً لمجتمعنا، على عكس ما نراه، على سبيل المثال، في الولايات المتحدة الأميركية.
• يبدو أن بعض المراهقين مصدومون من حرية كلماتك، يا آني إرنو. هل لديك شعورٌ بأنك كنت أكثر حريةً منهم؟
▪ آني إرنو: لا أدري كيف كنت سأرد، وأنا مراهقة، على ما يقرؤونه لي الآن. فيما يتعلق بالعائلة، على سبيل المثال، من الصعب جدًّا على الشباب في مثل هذا العمر أن يشككوا فيها، حتى لو كانت الأمور في أعماقهم أكثر تعقيدًا. عندما نشرت كتابي الأول، «الخزانات الفارغة»، في عام 1974م، لم يتأمل أحدٌ تقريبًا في الصحافة فيما كتبته. الشيء الوحيد الذي كان يهمهم هو قولهم: إنها تتحدث بشكل سيئ عن والديها! والديها اللذين بذلا كل ما في وسعهما من أجلها! وهذا يذكرني بـ: «كتاب أمي»، لألبير كوهين. أمي، تلك البطلة! هؤلاء الأطفال الكبار الذين يبكون، لا أستطيع… أنا أرفض الأدب العاطفي. الكتابة هي تجسيدٌ مادي لشيء ما.
• تقول إحدى التلميذات إن لديها انطباعًا بأنك تسعين إلى صدم المتلقي من خلال ما تكتبينه…
▪ آني إرنو: لقد صدمتني هذه الملاحظة قليلًا. لا يتعلق الأمر أبدًا بالرغبة في إحداث الصدمة، بل بقول الحقيقة. عندما أتحدث عن الشغف الذي عشته [في رواية «شغف بسيط»، ملحوظة المحرر]، ويمكن أن نسمي ذلك سيطرةً، لكنني أسميه «شغفي» وأقوم بتجميع الإشارات والأدلة لوصف ماهية هذا الشغف حقًّا. أنا لا أفترض مسبقًا ردود أفعال الناس. «الخزانات الفارغة» كتابٌ صريحٌ للغاية. عندما كتبته، لم أكن أعرف ما إذا كان سينشر أم لا، ولذلك كنت أتمتع بحرية كبيرة. من الجيد أني بدأت بهذه الطريقة: أن يكتب المرء كتابًا يقنع فيه نفسه بأنه إن لم يكتبه فسوف يموت.
كلير سيمون: في عام 2002م، التقينا بمناسبة إجراء حوار، وكنت حينها مستاءةً جدًّا من الانتقادات التي كانت تلومك على كشف حياتك للعلن، وصدمنا من أن امرأةً تروي تفاصيل حياتها؛ حياتها العاطفية والجنسية والعائلية والطبقية…
حملة يقودها مجموعة من النقاد
آني إرنو: بعد صدور رواية «الضياع»، انطلقت ضدي حملةٌ يقودها مجموعةٌ من النقاد الذين وجهوا إلي سهام نقدهم مجددًا عندما حصلت على جائزة نوبل. لقد اتهمت بكل شيء، حتى معاداة السامية. تعرض العديد من الكاتبات لمثل هذه الهجمات. يجب ألا نسمح لأنفسنا بأن نتأثر بذلك. لم أستسلم قط لأي شيء. لقد اعتبرت نفسي ممتلكةً للحق في إمكانية كتابة كل ما أردت كتابته.
• يظهر الفِلم الوثائقي جيلًا من الشباب الذي استوعب جيدًا أنماط الفكر النسوي، ولا سيما ما يتعلق بالنظام الأبوي (البطريركية). فهل يثير هذا الأمر دهشتكما، معًا؟
▪ آني إرنو: لقد شعرت بهذا التغيير. لدي حفيدةٌ تبلغ الآن 22 عامًا وتنتمي إلى جيل. Z من خلالها، رأيت إلى أي حد تطورت الأمور. ومع كاتبات أخريات أجالسهن، ولديهن بناتٌ وحفيداتٌ، نلحظ أنهن أكثر نسوية منا. وأن لديهن إدراكًا عميقًا جدًّا بالعدالة الاجتماعية.
كلير سيمون: بعد صدور فِلْم «مكاتب الله» في عام 2008م، شعرت بالإحباط. كنت أقول لنفسي: لقد أخطأنا، لن ننجح أبدًا، لن نحقق المساواة أبدًا. ثم جاءت قضية ستراوس- كان وحركة مي تو. #MeToo أخذت نساءٌ أصغر سنًّا منا وأكثر صرامةً منا على عاتقهن حمل الشعلة من جديد، ومن ضمن هؤلاء ابنتي التي هي فيلسوفةٌ ونسويةٌ [في إشارة إلى الكاتبة مانون غارسيا، ملحوظة المحرر]. لقد أسعدني ذلك كثيرًا. قلت لنفسي: آه، الحمد لله، الأمور بخير!
• ظل الأدب المكتوب بأقلام نسائية غائبًا، لمدة طويلة، عن المقررات المدرسية…
▪ آني إرنو: فيما يتعلق بالمقررات المدرسية، كان الأمر صارخًا. وفي عام 1968م، كافحنا بشدة من أجل تغيير ذلك. ولكن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان تكوين التبريز يقتصر على لائحة من المؤلفين ثابتة لا تتغير! وهذا أمرٌ فظيعٌ. بل إنه أمرٌ فرنسي جدًّا. ففي إنجلترا، هناك روائياتٌ إنجليزياتٌ يتمتعن بشهرة واسعة ويدرسن بشكل مكثف. أما في فرنسا، فقد ظل الأمر دائمًا بمنزلة صراع.
المرأة هي الآخر
• كلير سيمون: في أغلب الأحيان، يكون أبطال الكتب من الرجال. أتذكر أنني حضرت محاضرةً للفيلسوف إيمانويل ليفيناس قال فيها: «المرأة هي الآخر». ولم يكن في الحضور سوى نساء يستمعن إليه. فهل يعني ذلك أننا لم نكن سوى «الآخرين»؟
▪ آني إرنو: عندما كنت طفلةً، كان هناك ميزٌ قوي جدًّا بين الفتيات والفتيان، مع وجود فكرة مسبقة مفادها أن القراءة هي تزجية وقت خاصة بالفتيات. أما الفتيان، فقد كانوا يشجعون على الخروج وممارسة الرياضة. أنا كنت أقرأ مجلة ليزيت [مجلةٌ مخصصة للفتيات من سن 7 إلى 15 عامًا، ملاحظة المحرر]، أما هم فكانوا يقرؤون مجلة طرزان!
• هل يرى فتيان اليوم في أعمالك مجرد تجربة نسائية، أم إنهم ينجحون في تمثلها وتملكها؟
▪ آني إرنو: كثيرًا ما تعرضت للانتقاد -من الرجال في أغلب الأحيان- لأنني لا أتحدث بما يكفي عن الرجال، أو أنني أتحدث عنهم وكأنهم مجرد أشياء. أنا لا أتفق مع ذلك، وإلا، فإنني أنا أيضًا أعد نفسي شيئًا. فهل لدى الرجال حقًّا رغبةٌ شديدة في معرفة ما تفكر فيه النساء؟ لا أعرف. عندما نشرت رواية «الحدث» في عام 2000م، أخبرني رجالٌ من جيلي أنهم كانوا حاضرين عندما خضعت صديقاتهم للإجهاض، لكنهم لم يعرفوا شيئًا عما كن يجتزنه. إنه لأمرٌ فظيع حقًّا. عندما نكتب، نستعيد دائمًا ما لم نفكر فيه في الحقبة التي حدثت فيها الأشياء التي نصفها. وهذا الشيء اللامفكر فيه هو ما تكشف عنه رواية «الحدث»: وهو أن الفتيات يتدبرن أمورهن بأنفسهن، هكذا كان يقال في ذلك الوقت.
كلير سيمون: يقول تلميذٌ بالثانوي من غويانا، ما مفاده أن هذا الأمر لا يعنيه…
• «لقد جعلت من حياتها عملًا فنيًّا، أجد هذا الأمر رائعًا جدًّا»، هذا ما قالته طالبةٌ بالسلك الثانوي عنك، يا آني إرنو. وهذا هو ما يترسخ في أذهان هؤلاء المراهقين من مسيرتك…
▪ كلير سيمون: إن إظهار وجود علاقة مباشرة بين الأدب والحياة أمرٌ بالغ الأهمية، وهذا ما شعر به الشباب الذين صورتهم من خلال كتب آني إرنو. في خطاب تسلمك جائزة نوبل، يا آني، أوضحت أن طموحك لم يكن مقتصرًا على كتابة حياتك فقط، بل على كتابة الحياة ذاتها. بالنسبة لي، كانت صناعة الأفلام الوثائقية صدمة من هذا النوع. إن صناعة الأفلام المستوحاة مباشرةً من الحياة هي أصعب ما يكون، حتى لو كان الناس يعتقدون أنه يكفيني فقط أن أضع كاميراتي أمامهم، تمامًا مثل أولئك الذين يقولون: إنك تكتفين بكتابة سيرتك الذاتية، في حين تتسم كتابتك في الواقع بدقة وإتقان شديدين…
آني إرنو: بمعنى من المعاني، يمكننا أن نقول ذلك. إن كتابة الحياة تعني كتابة كل ما هو موجودٌ فيها. قال عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس: إنه يعد نفسه «مكانًا». أرى أن هذا القول بليغٌ جدًّا. أنا لا أصنع من حياتي عملًا فنيًّا: أنا «المكان» الذي مرت فيه الحياة، وهذه هي الحقيقة التي أريد إبرازها.
مصدر الترجمة: Télérama N.3959 -26/11/2025. pp ; 22-25.