عن الكولونياليّة والقطيعة الشعوريّة والرغبة وفِلْمها «أغنية الهند»: مارغريت دوراس: كان مبعث آلامي حاضرًا هُناك، في بؤرة الفِلْم
عن «مطبوعات نظرة أخرى» في لندن، صدرت العام الماضي الترجمة الإنجليزيّة لكتاب مارغريت دوراس «السينما التي أصنعها»، الذي يُقدِّم نافذة على نهجها الفريد في كتابة وإخراج الفِلْم السينمائي. وفي التعليقات التالية، تُلقي دوراس الضوء على استعمالها المُبتكر للصوت والصورة والعمل مع الممثلين خلال صناعة أحد أشهر أفلامها «أغنية الهند» (1975م). يطرح النصّ -إلى جانب تعقيباته على مُعالجة الفِلْم لمسائل الكولونياليّة والقطيعة الشعوريّة والرغبة- فهمًا أعمق لفلسفة دوراس في صناعة السينما التي لا تزال تُلهم المفكرين وصُنّاع السينما المُعاصرين.
مارغريت دوراس روائيّة وكاتبة مسرحيّة وسينمائيّة فرنسيّة وُلِدت في فيتنام عام 1914م. تُعدّ أحد أبرز مُفكري جيلها وأوسعهم تأثيرًا. إلى جانب «أغنية الهند»، الذي أخرجته أيضًا، كتبت للسينما فِلْم «هيروشيما، حبيبتي» (1959م). وروايتها «العاشقة»، التي تُرجمت إلى ثلاث وأربعين لُغة وفازت بجائزة الغونكور الفرنسيّة في عام 1984م، وتحوّلت إلى فِلْم سينمائي في عام 1992م. وتوفيت دوراس في عام 1996م.
عن معنى لقطة
أصنع أفلامًا لكي أملأ وقتي، ولو كنت أستطيع ألا أفعل شيئًا، لما تحرّكت قيد شعرة. ومن ثمّ فأنا أصنع أفلامًا لأنه لا قدرة لي على ألا أفعل شيئًا، وما من أسباب أخرى. وهذا أصدق ما أستطيع قوله عن تجربتي.
وحين أتكلّم، أسترعي الانتباه إلى فعل الكلام. وحين أقول «فهمًا لمعنى ما» أقصد فهمًا للكلمات. وحين أقول: «إحاطة بأحد المعاني» أُشيرُ إلى معنى لا يُمكن اختزاله، وعلى الرغم من ذلك ينبغي أن نُلازمه ولا نُفارقه.
وحين أتكلّم عن معنى لقطة، أحاول الحديث عن إخراجها سينمائيًّا؛ بمقتضى اللقطة التي سبقتها، وعن الدلالة التي تكسوها حين تلحق بها لقطة أخرى. ولا شيء آخر. وفي رأيي، فإنّ المعنى الإجمالي لفِلْم سينمائي هو عدم تبدّل هذا الانسياب، والوتيرة التي يعلو ويهبط بها مع عرض كل لقطة. وبطبيعة الحال، إدارة النهايات أيضًا: بمعنى انقطاع التدفّق هُنا؛ بالفِلْم، من دون أن ينضب هُناك، بمجرّد انتهاء الفِلْم. كلا: بل ولادته للدنيا. مثل نهر يُلجم ومن ثمّ يرفد مياه العالم؛ وهذا الرفد مرئي ومقروء بكل مشاهد الفِلْم. وأنّ كالكتا؛ بعد أن غادرت مأواها، تطمئن من جديد بعيدًا من الشريط السينمائي، في الهواء الطلق. وأنّ الشيء نفسه يسري على الموت، وعلى الصمت.
أرى الممثلين غائبين هنا في هذا الفِلْم- بلى غائبون، ومن ثمّ عادوا إلى ذواتهم، وقد تطهّروا من احترام النفس الذي يكتنف أداء نجوم السينما بشكلٍ عام، فيحرم المتفرّجين فرصة إلقاء نظرة عجلى على أولئك النجوم بالجانب الآخر من ذواتهم؛ إذْ يُزيلون الأستار عن مهنتهم سترًا تلو الآخر. أرى غيابهم شبيهًا بغيابنا أثناء فُرجتنا عليهم في الفِلْم، وهكذا عبر تنائي النجم والمُشاهد بالطريقة نفسها، يلتقيان أخيرًا.
حفل الاستقبال في «أغنية الهند»
الحديث عن حفل الاستقبال في فِلْم «أغنية الهند»؛ بالنسبة لي، يُضاهي لجم باعث قوي للحديث عن الحفل. كان ما أردنا استبقاءه وتقطيره من حفل الاستقبال هو اقتفاء أثر آن-ماري ستريتر، بطلة الفِلْم، وأنّ مُلاحقة نائب قُنصل لاهور المتسربل بذلك المجاز النسوي لها تعني الموت. كان من المُفترض أن تُفضي هذه المُلاحقة إلى تسوية الخلاف بينهما في نهاية الليلة: بمعنى آخر؛ التعبير الدامغ والمُفحم عن الفهم المُشترك لكلمة رفض، التي تعني الانتحار في نهاية المطاف. رفض الحياة باسم حياة تحمل بين طياتها الحُبّ وتحريف التعبير عنه.
يقول نائب القنصل: «علاقاتك الغراميّة مع آخرين. لا تلزمنا؛ إذْ لا شيء يقوله كل مِنّا للآخر. نحن مُتشابهان». ومع ذلك، ينبغي ألا تغيب هذه المُلاحقة عن الأنظار رغم صخب حفل الاستقبال، وحشد الوضوح الأقصى للتأثير في تلك الفوضى الظاهرة، من دون الغرق في أحداث ثانوية. وسعيًا لتحقيق هذه الغاية قررنا إدارة حفل الاستقبال بأكمله داخل مساحة واحدة أطلقنا عليها اسم «المستطيل»، وهو الحيّز الذي كان مستطيلًا بالفعل، ويضمّ الأريكة الخاصّة والأثاث المصطفّ أمام المرآة الضخمة، فضلًا عن صورة الحيّز المعكوسة.
صوّرنا هذا المستطيل المُضاعف من موضعين مُختلفين؛ الأول عند بوابات الباحة حيثُ تركّزت نظرة الكاميرا على غير المرئي من حفل الاستقبال، أمّا الموضع الثاني فانصرفت الكاميرا لاقتناص حوائط الشُّقق الخاصّة الفاصلة التي لم تُخترق قطّ، عدا مرّتين اثنتين أثناء لقطتين صُورِتا داخل غُرفة الصالون الصينيّة بالطابق الأول. احتوى هذا المستطيل المزدوج بؤرة الفِلْم برمّته: صورة المتوفاة، آن-ماري ستريتر، فوق البيانو مُحاطة بالزهور والبخور تخليدًا لذكراها؛ مضمومة كأنّما تُشكِّل مُصلّى. لطالما أردنا من هذا المُصلّى أن يكون تشويشًا؛ عائقًا، وشيئًا يُلقي بظلال الشكّ على كل ما يجري داخل المُستطيل المُحيط بطبيعة الحال. لقد صُوِّر الفِلْم بأكمله- أو كان من المُمكن تصويره- لأنّ حكاية هذه المرأة أرجأها الموت، وكان المُصلّى في مكانه تذكيرًا دائمًا بهذه الحقيقة. ولذلك كان مُصلّى الآلام، وآلامي أيضًا. كان مبعث آلامي حاضرًا هُناك، في بؤرة الفِلْم.
تُوكل إلى الشخصيات الخمس عبر ساحة الشكّ هذه -وأعني بها صورة المستطيل شبه الثابتة- إضفاء حركة على حفل الاستقبال في وسط أصوات الآخرين البعيدة: أصوات الضيوف والموسيقا والرقصات والأحاديث وصيحات أحمق لاهور. وداخل هذا الحيّز، تُناقش قِصّة الفِلْم في الزمن المضارع، أما داخل الأماكن التي أطلقنا عليها اسم نظائر اللقطات الداخليّة -حين تنزلق الكاميرا على سبيل المثال عبر واجهات قصر روتشيلد المهدومة- فتناقش في الزمن الماضي. الفضاء الداخلي عامر بغدوات وروحات مطردة قبل أن يفرغ من جديد باطّراد مُباغت، ويغدو مرّة أخرى حيز المُصلّى، وحيّز الفناء النسبي للمكان، الموت قريب العهد. وتتبدّى الزهور من جديد لكن مُتفتّحة بالكامل هذه المرّة، ويدخل شخص ليحرق بخورًا. أمّا في نظائر اللقطات الداخلية (سوى لقطات ملاعب التنس)، فلا غدو فيها ولا رواح، ولا حتّى ظهور للممثلين؛ إذْ تُصبح غير صالحة للسكنى، وغير آهلة؛ إذْ أفرغها الزمن وابتلاع الموت كل شيء، إلى الأبد.
أمّا تلك اللقطات الخارجيّة هي الأخرى، فنادرًا ما غيّرنا الصورة التي غرقت في عتمة الليل بشكلٍ دائم، وهَهُنا يكسو صوت الممثلة الفرنسيّة، فيفيان فورستر، الصورة، ويُغلِّف واجهات قصر روتشيلد بمقاطع تُقرأ على مهل من نصّ يروي ما يُشبه وقائع من حفل الاستقبال الذي هُجِر للتو، ومن ذكريات هذه المرأة في مدينة كالكتا. وقائع ماض، ولحظة راهنة ثمّة ما يُروى عنها.

جمالية الفراغ في «أغنية الهند»
وكُنّا قررنا ما بين إبريل ويونيو من عام 1974م؛ بين مسودتين لسيناريو تقطيع المشاهد، التخلّص من الشخصيات الثانويّة كافة في حفل الاستقبال، ثمّ تخلينا عن ظهور شخصيتي جورج كراون والسفير، شيئًا فشيئًا؛ حيثُ لا يظهر جورج كراون إلا مرّة واحدة قُرب النهاية عند الفجر، أمّا السفير فلا يظهر مرّة أخرى أبدًا. وكانت آخر شخصيّة تخلينا عنها هي المرأة التي تتّشح بالسواد؛ فقد استبدلنا بـ«نيكي دوسان فال» التي رفضت الدور، ثلاثَ صور فوتوغرافيّة لامرأة أخرى، التقطها إدوارد بوبات عقب الحرب.
سائر الشخصيات التي تخلينا عنها صارت ما أن حُسم القرار زائدة عن الحاجة، وأصبح الرجوع غير وارد على الإطلاق. واكتشفنا أنّ ما اعتبرناه بديهيًّا في بداية إنتاج الفِلْم كان؛ في حقيقة الأمر، نابعًا من التعوّد والإلحاح. وأنّ تلك الشخصيات الإضافيّة لم تكن لها وظيفة سوى تأثيث الفراغ الذي كُنّا نُريده خاليًا، وحثّ المتفرجين على الإيمان بواقعيّة كالكتا ولاهور، في حين كانت هذه المرأة ابنة فينيسيا، وهذا الرجل الذي يعمل نائبًا للقنصل، هما كالكتا ولاهور. وكان استخدام مُرافقين أو عشر وصيفات يعني تفويت الوظائف الجوهريّة لذلك الرجل وتلك المرأة، وبالتالي صار ما لم يكن لازمًا عديم الجدوى في أقل من لمح البصر، ومن ثمّ زائفًا.
بلى، المرأة هي كالكتا. ومعها حيرة وهيام المرأة المسكينة والأغنية اللاويّة التي تسري عبرها. هناك أيضًا المروحة الخاملة، والعرق الذي ينزّ من جسدها العاري، والطيور والكلاب. لا شيء آخر في رأيي. وهو؛ نفسه، لاهور. لا نراها إلا من خلاله.
وبلى، كان المُراد من تلك الشخصيات الثانويّة تصوير لاهور التي لن نراها -لا الشرفة أمام حدائق شاليمار؛ ولا المرأة المسكينة؛ ولا الضيوف الآخرين. كان التعليق الصوتي كافيًا، وما سيبقى في الصورة هو ما لا غنى عنه. هي؛ آن-ماري ستريتر، وهو؛ نائب قنصل لاهور، وهذا العاشق الآخر؛ مايكل ريتشاردسون، وهذان الشابان: موظّف السفارة والضيف. الأخيران شاهدان؛ نحن. ومثلنا، ما من صِلة تربط هذين الشابين بها لا من قريب ولا من بعيد: لا في الحاضر؛ ولا في الماضي. ومثلنا يجهلان هذه القِصّة ويستكشفانها، أو بالأحرى، يتفحصان «آن» ويُلاحقانها بأعينهما.
لقد حاولت إفساح المجال لكي أتمكّن من حفر هندسة المُلاحقة المُجرّدة التي استحضرتها في وقتٍ سابق. وأن يكون ذلك بطريقة تجعل المُشاهد لا يرى إلا المُلاحقة؛ لا شيء سواها، وإن رفض لا يكون رفضه إلا في شكل تام لا تشوبه شائبة: رفض ينعكس على الفِلْم نفسه. لا ريب لديّ أنّ المرء عليه أن يولّي هاربًا من كل شيء عندما يُقرر الفرار؛ لذلك تجنّبت تلك اللقطات المُبتذلة كأنّها طاعون سينمائي. كلا، لا يُمكن مزج الأنواع. على أننا حتى حين نُلقي بالماضي وراء ظهورنا يظلّ اقتلاعه أو استئصاله أو نقضه أمرًا غير يسير. نستطيع أن نسمّي التمكّن من ذلك تقدّمًا، ولولا إيماني بإمكانيّة تحقيقه بين الفينة والأخرى ما استطعت أن أصنع فِلْمًا آخر.

تعقيب أخير:
لا مكان هُنا للحمقى الذين يتكلمون عنها؛ عن كالكتا، ولا مكان للتهكّم والاستهزاء على الإطلاق؛ إذْ يظلان عبئًا بلا طائل. لِم؟ كذلك لا فائدة من تكديس ممثلين إضافيين فوق خشبة الصورة. الباقون هم الذين يعتقدون أنّهم واسعو المعرفة والذين يكتشفون بهذه الطريقة شيئًا ما. وإلى جانبهم أولئك الذين يظنون أنّهم واسعو المعرفة ويعلمون شيئًا بالفعل. لا أحد يمتلك شكلًا مكتملًا من المعرفة، ولا أحد جاهل كُليًّا. بل الجميع على دراية بعجزهم عن أن يُحيطوا علمًا بكل شيء. وعبر هذا المتاع المليء بالثقوب، وبخوف جوهري ودائم من الأكاذيب، حاولت اقتفاء أثر الطرح السينمائي الذي حمل عنوان «أغنية الهند».