في مساء الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1946م، اجتمع نادي العلوم الأخلاقية بجامعة كمبريدج في الغرفة (H3)بكلية الملك؛ ليستمع إلى محاضرة الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (1902- 1994م)، بعنوان: «هل توجد مشكلات فلسفية حقًّا؟»، بحضور رئيس النادي لودفيغ فتغنشتاين (1889- 1951م) وأستاذهما جميعًا برتراند راسل (1872- 1970م). لم تمضِ دقائق حتى احتدم النقاش، فأمسك فتغنشتاين مسعار المدفأة الحديدي ملوّحًا به في وجه بوبر مطالبًا إياه بمثال واحد على قاعدة أخلاقية! بوبر ينكمش خوفًا فيقول: «لا يجدر بالمضيف أن يهدد ضيوفَه بالمساعير!»، وهو الأمر الذي جعل فتغنشتاين يلقي مسعاره ويغادر الغرفة غضبًا.

لودفيغ فتغنشتاين
إن الطرافة ليست في الحادثة ذاتها فحسب، بل فيما بعدها: فقد اختلف الشهود، وهم صفوة فلاسفة اللغة والمنطق في العالم، اختلافًا عجيبًا في رواية «عشر دقائق» شهدوها بأعينهم، حتى في سخونة المسعار اختلفوا، إلى أن ألّف الكاتبان ديفيد إدموندز وجون إيدينو كتابًا كاملًا في تحقيقها هو «مسعار فتغنشتاين»، 2001م. فإذا كان أساطين التحليل والوضوح عاجزين عن التفاهم على ما جرى في غرفة صغيرة، فكيف بهم يتفاهمون على الوجود والعدم والمعنى؟
ربما يظن القارئ أن هذا النوع من الخلاف كان داءً قديمًا شُفِيَ منه فلاسفة الحاضر حين نضجت مناهجهم وترسخت تقاليدهم الأكاديمية وقيّدت المجلاتُ المحكّمة أقلامَهم. الألفية الجديدة لها كلمة مختلفة؛ إذ تؤكد بقاء سوء الفهم بين الفلاسفة وانتقالها من صالونات القرن الثامن عشر إلى صفحات المجلات المحكّمة والبريد الإلكتروني والمسارح المذاعة والمدونات؛ لتصبح أعلى صوتًا وأوسع جمهورًا وأشد ضراوة.
نستعرض هنا أربع معارك جوهرية من قلب هذا العصر ونربطها بما سبقها من أحداث مشابهة تؤكد بقاء سوء الفهم: معركة مكغين وهوندريتش، عام 2007م، على صفحات أرقى مجلة فلسفية في العالم، ومراسَلة هاريس وتشومسكي، عام 2015م، التي نُشرت بوصفها وثيقةً كاملة لفشل التفاهم، ومناظرة جيجك وبيترسون، عام 2019م، التي بيعت تذاكرها في السوق السوداء، وخلاف أغامبين ونانسي، عام 2020م، الذي مزّق صداقة نصف قرن، ثم نعبر إلى المعركة الخامسة المشتعلة الآن ونحن في عام 2026م، وقد تغيّر فيها أحد الخصمين: فلم يعد السؤال هل يفهم الفيلسوف زميله، بل هل تفهم الآلة أحدًا منهما؟!

مكغين وهوندريتش: «أعنف مراجعة في التاريخ»

تيد هوندريتش
في عدد يوليو 2007م من مجلة «فيلوسوفيكال ريفيو»، أعرق المجلات الفلسفية المحكّمة وأكثرها رصانة، نشر فيلسوف العقل البريطاني كولن مكغين (1950م-)، أستاذ في جامعة ميامي حينها، مراجعةً لكتاب «عن الوعي» 2004م، لزميله القديم تيد هوندريتش (1933م)، الأستاذ الفخري لكرسي غروت لفلسفة العقل والمنطق بجامعة لندن. افتتح مكغين مراجعته بجملة ستدخل تاريخ النقد الأكاديمي: «هذا الكتاب يجري المدى الكامل من الرداءة إلى السخف إلى مجرد السوء. إنه مؤلم في قراءته، رديء التفكير، جاهل، ومتناقض تناقضًا جذريًّا»، ثم مضى يمطر الكتاب بأوصاف أحصتها الصحافة المذهولة: ماكر، هاوٍ، سخيف، ساذج، مبتذل، عديم الجدوى، مرهق. ولم يكتفِ مكغين بذلك، بل ألحق بالمراجعة هامشًا يزيدها لهبًا يقول فيه: «المراجعة المنشورة هنا ليست كما كتبتُها أصلًا؛ فقد طلب المحررون مني أن أخفف النبرة، ففعلتُ ذلك على غير قناعة مني». فإذا كان هذا هو النص المخفَّف، فكيف كان الأصل؟ مراجعة وصفتها صحيفة الغارديان في تغطيتها (ديسمبر 2007م) بأنها «ربما أكثر مراجعة كتاب سلبيةً كُتبت على الإطلاق»، وتناقلتها نيويورك تايمز مطلع 2008م في تقرير عنوانه «فيلسوفان يتشاجران حول مراجعة كتاب»!
أما هوندريتش فرد بأن المراجعة «محاولة باردة محسوبة لاغتيال سمعة فيلسوف»، وأعلن متحديًا: «إن مكغين فيلسوفٌ يقيم على القمر؛ فما من أحدٍ على الأرض يصدق أن مراجعته غير مدفوعة بالعداوة»، ثم فعل ما لم يفعله فيلسوف قبله: جمع وثائق المعركة كلها، المراجعة والرد، والرد على الرد، وتعليقات المدونات، ونشرها بنفسه على صفحته الجامعية ليحكم القراء. فعاد مكغين مدافعًا بأنه راجع في حياته أكثر من ثمانين كتابًا لكبار الفلاسفة على مدى ثلاثين عامًا، وأن كتاب هوندريتش بدا له وهو يقرؤه بذهول متصاعد «أسوأ كتاب فلسفي قرأته في حياتي، وبفارق كبير»، وأضاف أن «النقد الساحق يكون منشودًا، أحيانًا».
ثم نبشت الصحافة ما بينهما فاتضح أن بينهما ما بينهما: فالرجلان زميلان قديمان في يونيفرسيتي كوليدج لندن، غرفتاهما متجاورتان، وشرارة العداوة الأولى، بلسان هوندريتش نفسه، كانت امرأة! يروي للغارديان: «قلت له: إن صديقته الجديدة ليست قبيحةً كسابقتها، فرأيتُ الدم ينسحب من وجهه». ويكمل مكغين المشهد لصحيفة ناشونال بوست: كان عائدًا يومًا في زيارة لكليته القديمة، وصديقته الأحدث إلى جواره، فقابلهما هوندريتش على الدرج وألقى ملاحظته في حضرتها! ملاحظة «فجّة» كما يصفها مكغين، لكنه ينفي بشدة أن يكون قد ظل يحمل ضغينة بسببها طوال ربع قرن، وأن احتقاره أقدم من الخصومة وأصدق منها؛ فقد وصف عام 1990م مقدمةً كتبها هوندريتش لأوراق أستاذهما الراحل أ. ج. آير بأنها «رديئة الكتابة، ثقيلة، مثيرة للغثيان في مواضع»، فيرد هوندريتش: «بهذا كان هو أول من أهانني في المطبوعات، أنا لم أبدأ هذه الأمور».

آرثر شوبنهاور
أما الغارديان فاختصرت التفسيرات الفلسفية المستغلقة كلها بنصيحة فرنسية ماكرة لقرائها: «فتّشوا عن المرأة». غير أن جوهر المعركة، تحت ركام الشتائم والغيرة، كان سؤال الفهم ذاته: فقد بنى هوندريتش كتابه على نظرية جسورة سماها «الخارجانية الراديكالية» (Radical Externalism) تجعل الوعي كائنًا خارج الرأس في العالم نفسه، وأصر أنصاره على أن مكغين لخّصها تلخيصًا مشوَّهًا ثم ذبح التشويه لا النظرية؛ بينما بنى مكغين مجده كله على مذهب «الغموضية»، القائل بأن العقل البشري عاجز بطبيعته عن فهم الوعي أبدًا. وهنا تكتمل النكتة الفلسفية: فيلسوف يرى أن الوعي لا يُفهم أصلًا، يتهم فيلسوفًا آخر بأنه لم يفهم الوعي! ولم يشأ هوندريتش أن يترك الكلمة الأخيرة لخصمه فختم: «لقد أسدى إليّ مكغين الصغير الجبار خدمة؛ فكتابي ينال الآن الاهتمام الذي يستحق».
تجدر الإشارة هنا إلى أن مكغين ربما تعلم هذا الهجوم الازدرائي من سلفه، فهو تلميذ مدرسة عريقة أسّس كرسيّها الأول أرثر شوبنهاور (1788- 1860م) الذي نفسه وصف غريمه هيغل (1770- 1831م) بأنه «مدّعٍ، سطحي، يفتقر إلى العمق الفكري» (platter, geistloser Scharlatan) يقدم «هراءً مجنونًا» ويتاجر بالغموض ويقبض ثمنه إعجابًا. لم يكتفِ شوبنهاور بشتم هيغل قولًا، بل ترجمها فعلًا جامعيًّا: فلما عُيّن محاضرًا ببرلين عام 1820م أصرّ على جدولة محاضراته في الساعة نفسها التي يحاضر فيها هيغل، فتدفق الطلاب أفواجًا إلى قاعة هيغل وجلس شوبنهاور إلى مقاعد شبه خاوية، فغادر شوبنهاور الجامعة إلى غير رجعة، موقنًا إلى آخر عمره أن جمهور هيغل لا يفهمه إنما يعبد غموضه. هنا نكتة ثانية؛ إذ كيف نفهم أن هيغل كان رجلًا مفهومًا يكتظ عليه الناس، وهو نفسه الذي تُروى عنه على فراش الموت عبارة «لم يفهمني إلا رجل واحد، حتى هو لم يفهمني»؟
هاريس وتشومسكي: «نشر إيميلاتنا الخاصة أمر غريب..!»

سام هاريس
في إبريل عام 2015م، أقدم الكاتب الأميركي سام هاريس (1967م-)، أحد فرسان «الإلحاد الجديد» الأربعة، على مغامرة ظنها نبيلة: راسل نعوم تشومسكي (1928م-)، أشهر مثقفي أميركا وألدّ منتقديه، عارضًا حوارًا هادئًا يذيب خلافًا قديمًا بينهما حول الإرهاب والنيات الأخلاقية في السياسة الأميركية، فأجابه تشومسكي على مضض. وبعد أيام من التراشق المرير، نشر هاريس المراسلة كاملةً على موقعه، تحت عنوان بليغ الدلالة: «حدود الخطاب»، معترفًا في تقديمها بكلمة واحدة: «فشلتُ»، ووصف اللقاء بأنه كان «كريهًا عقيمًا». والمذهل أن هذه الوثيقة صارت أشهر نموذج معاصر لاستحالة التفاهم بين عقلين كبيرين: فمن أول رسالة إلى آخرها لا يتجادل الرجلان في قضية بقدر ما يتجادلان في سؤال واحد يتكرر كالمطرقة: من الذي لم يفهم من؟ هاريس يشكو أن تشومسكي يحمّل كلامه ما لا يحتمل ويستقبل مدّ يده بالازدراء، وتشومسكي يجيب بأن كل ما قرأه لهاريس عنه «تحريفات منشورة لآرائي»، ويطالبه بالتراجع عن «مزاعمه الزائفة» قبل استكمال الحوار، حتى انتهى الأمر بهاريس إلى الاعتراف الأليم بأنهما عاجزان حتى عن الاتفاق على موضوع خلافهما. وحين استأذنه هاريس في النشر، أجاب تشومسكي بجملة تقطر استخفافًا: «إن فكرة نشر المراسلات الشخصية أمر غريب حقًّا، ضربٌ عجيب من الاستعراضية.. لكن إن شئتَ فافعل، لا اعتراض عندي». فقرأ العالم كله المراسلة، وانقسم القراء إلى فسطاطين؛ كلٌّ منهما يرى أن بطله هو الذي لم يُفهَم.

غوتلوب فريجه
هذا المشهد ليس جديدًا على تاريخ الفلسفة إلا في أدواته. فقبل قرن من ذلك، أرسل فتغنشتاين مخطوطة كتابه «رسالة منطقية فلسفية» (1921م)، إلى أستاذه غوتلوب فريجه (1848-1925م)، مؤسس المنطق الحديث، فاعترف له فريجه بأنه عَلِق منذ الصفحات الأولى ولم يستطع النفاذ إلى مقصوده، فاشتكى فتغنشتاين من أن فريجه «لم يفهم كلمة واحدة» من عمله. ثم كتب راسل مقدمة الكتاب ليقرّبه إلى القراء، فأعلمه فتغنشتاين أن المقدمة نفسها امتلأت بسوء الفهم له، فانسحب راسل وهو في أواخر عمره ليعلن أمام الناس أنه لم يجد في فلسفة فتغنشتاين المتأخرة شيئًا يثير اهتمامه أو يستحق العناء. هل يلام فتغنشتاين؟ لا، فقد كان أصدق الجميع، قديمهم وحديثهم. افتتح رسالته بعبارته اليائسة: «ربما لن يفهم هذا الكتاب إلا من سبق له أن فكّر بنفسه في الأفكار المعبَّر عنها فيه». إن ما فعله البريد الإلكتروني عام 2015م هو بالضبط ما فعلته رسائل البريد الملكي عام 1919م، وإنما تسارعت وتيرة سوء الفهم بتسارع وسائله.

جيجك وبيترسون: مناظرة بأسعار فاقت تذاكر الهوكي
في مساء التاسع عشر من إبريل عام 2019م، احتشد نحو ثلاثة آلاف شخص في مركز سوني للفنون بتورونتو، بعد أن بيعت التذاكر في السوق السوداء بأسعار فاقت، كما تندرت الصحافة الكندية، أسعار تذاكر مباريات الهوكي الكبرى، لحضور ما سوّقه المنظمون على أنه «مناظرة القرن»: الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك (1949م-)، نجم اليسار اللاكاني، في مواجهة عالم النفس الكندي جوردان بيترسون (1962م-)، نجم اليمين المحافظ، حول سؤال «السعادة: الرأسمالية ضد الماركسية».
وجاءت الفضيحة في الدقائق الثلاثين الأولى: افتتح بيترسون بهجوم مفصل على «البيان الشيوعي»، معترفًا أمام الجمهور بأنه استعد للمناظرة بإعادة قراءة «البيان» وحده، وهو كتيّب صدر عام 1848م ولم يقرأه منذ مراهقته، فردّ عليه جيجك بسؤاله القاتل: أين هم هؤلاء «الماركسيون ما بعد الحداثيين» الذين تملأ الدنيا تحذيرًا منهم؟ سمِّ لي واحدًا منهم. فلم يسمِّ بيترسون أحدًا. ثم مضت الأمسية على غير ما اشتهى الجمهور المتعطش للدماء: فقد اتفق الرجلان على أكثر مما اختلفا، وتبادلا المجاملات، وخرجت التغطيات الصحفية بخلاصة واحدة قاسية لخّصها ستيفن مارش في الغارديان بقوله: إن المناظرة كانت «مفعمة برائحة رجال القش المحترقين»: إن كلًّا منهما جاء ليصارع خصمًا متخيَّلًا لا الرجل الجالس قبالته؛ بيترسون يحارب ماركسيةً لم يقرأ منها إلا كتيّبها الأول، وجيجك يحارب ليبراليةً ليست ليبرالية بيترسون. لقد ابتكر القرن الحادي والعشرون ما لم تعرفه القرون: سوء الفهم بوصفه عرضًا جماهيريًّا مدفوع الثمن، يشتري الناس تذاكره ليشاهدوا حوارًا يعرفون سلفًا أنه لن يقع.
وللمشهد سلفٌ وجيه يفسره، ففي إبريل عام 1981م، رتّب معهد غوته بباريس لقاء القمة المنتظر بين هانز جورج غادامير (1900- 2002م)، أبي الهرمنيوطيقا الفلسفية، فلسفة الفهم ذاتها، وبين جاك دريدا (1930- 2004م) سيد التفكيك المرتاب في الفهم أصلًا. ألقى غادامير محاضرة مطولة مدّ فيها يده إلى الضفة الأخرى، فردّ عليه دريدا في اليوم التالي بثلاثة أسئلة مقتضبة تكاد لا تمسّ ما قاله غادامير، ثم ألقى محاضرته الخاصة وكأن غادامير لم يكن في القاعة، فخرج اللقاء فشلًا وثّقه الدارسون في كتاب «الحوار والتفكيك» (1989م)، واصفين إياه باللقاء الذي لم يقع.
وفي تلك السنوات نفسها، روى فيلسوف اللغة الأميركي جون سيرل (1932- 2025م) شهادةً سمعها بأذنه من ميشيل فوكو (1926- 1984م) يصف فيها أسلوب مواطنه دريدا بأنه «ظلامية إرهابية»، وفسّرها فوكو بقوله: «إنه يكتب بغموض شديد حتى لا تستطيع أن تعرف ماذا يقول، وهذا هو الشق الظلامي، فإذا انتقدته قال: لقد أسأتَ فهمي، أنت أحمق، وهذا هو الشق الإرهابي». وقد استأذن سيرل لاحقًا في نشر العبارة باسمه، فأذن له فوكو! فالطريق من قاعة معهد غوته الخاوية إلا من سوء الفهم، إلى مسرح تورونتو المكتظ به، طريق واحدة، ربما الاختلاف في أن عصرنا أضاف إليها فقط «شباك تذاكر».
نانسي يغامر بخسارة أغامبين: لا صداقة بين الفلاسفة

جورجو أغامبين
في السادس والعشرين من فبراير عام 2020م، وقبل أن يطبق الوباء على العالم بأسابيع، نشر الفيلسوف الإيطالي جورجو أغامبين (1942م-)، صاحب مشروع «الإنسان المستباح» (Homo Sacer) ونظرية «حالة الاستثناء»، الأشهر في الفلسفة السياسية المعاصرة، مقالة قصيرة بعنوان صاعق: «اختراع وباء»، وصف فيها إجراءات الطوارئ الإيطالية بأنها «محمومة، لا عقلانية، لا أساس لها إطلاقًا»، وكتب جملته التي ستلاحقه: «يكاد الأميركيون كأنه بعد استنفاد الإرهاب ذريعةً للإجراءات الاستثنائية، جاء اختراعُ وباءٍ ليقدم الذريعة المثالية لتوسيعها بلا أي حدود».
فانفجرت في وجهه أضخم معركة فلسفية في القرن الحادي والعشرين: انبرى له جان لوك نانسي وروبرتو إسبوزيتو وسيرجو بنفينوتو وسواهم في ملف شهير عنوانه «الكورونا والفلاسفة» نشرته المجلة الأوربية للتحليل النفسي، واتُّهم الرجل بإنكار الوباء والاستخفاف بضحاياه، فأصرّ على أن الجميع أساء فهمه ولم يقرأ ما كتب، ونشر «توضيحات» زادت النار اشتعالًا، ثم واصل التصعيد مقالةً بعد مقالة حتى جمعها في كتاب «أين نحن الآن؟ الوباء بوصفه سياسة» (2021م)، وبلغ في تشبيهاته التاريخية حدودًا أفقدته قطاعًا واسعًا من قرائه القدامى الذين راحوا يتساءلون في رثاء علني: ماذا حدث لأعظم فلاسفة إيطاليا الأحياء؟

جان لوك نانسي
غير أن الطعنة النافذة لم تأتِ من الخصوم، بل من أقرب الناس إليه: صديق عمره الفيلسوف الفرنسي جان لوك نانسي (1940- 2021م)، رفيق أربعين عامًا من الفكر والكتب المتبادلة. كتب نانسي ردًّا موجزًا بعنوان «استثناء فيروسي»، قال فيه: إن الخطر حقيقي وإن الحضارة بأكملها هي موضع السؤال، وإن «الحكومات ليست سوى منفّذين كئيبين، والانقضاض عليها يبدو مناورةَ تشتيتٍ أكثر منه تفكيرًا سياسيًّا». ثم أجهز على صديقه بواقعة شخصية أذهلت القراء.
ذكّر نانسي الجميع بأنه حين احتاج قبل ثلاثين عامًا إلى عملية زرع قلب، نصحه أغامبين، بدافع الصداقة، بألّا يصغي إلى الأطباء، وعلّق بجملة تقطر مرارةً ومحبةً معًا: لو أصغيتُ إلى نصيحته لَمتُّ على الأرجح منذ زمن. ثم أضاف بهدوء أشد فتكًا: «إن الوقوع في الخطأ ممكن». هكذا كشفت جائحةٌ عابرة أن صديقين تقاسما نصف قرن من الفلسفة لم يفهم أحدهما الآخر في أبسط الأشياء وأعظمها: الجسد والمرض والموت. ومات نانسي في أغسطس 2021م، والوباء لم ينقشع بعد، والصدع لم يُرأب.
وليس أدل على عراقة هذا النمط من قصة الصديقين الأشهر في تاريخ الفلسفة: ديفيد هيوم (1711- 1776م) وجان جاك روسو (1712- 1778م)، حين استضاف هيوم صديقه الهارب من الملاحقة في إنجلترا عام 1766م، فما هي إلا أشهر حتى اتهمه روسو بتدبير مؤامرة دولية لتدمير سمعته؛ بسبب رسالة ساخرة زوّرها أديب متندر باسم ملك بروسيا، فتراشق الصديقان رسائل غاضبة سارعا إلى نشرها على الملأ، وانقسمت صالونات أوربا كلها بين هيوميين وروسويين، حتى ألّف الباحثان زاريتسكي وسكوت في القصة كتابهما «شجار الفيلسوفين» (2009م) مؤكدين أن مأساة الرجلين كانت في عجز كل منهما عن فهم الآخر، بل عن فهم نفسه. فما أشبه ليلة أغامبين بليلة روسو، سوى أن رسائل اليوم لا تحتاج أسبوعين لعبور القنال.
المعركة الخامسة: هل تفهم «الببغاوات العشوائية» أحدًا؟
ونحن الآن في عام 2026م، انتقلت معركة الفهم إلى ميدان لم يخطر لغادامير على بال، وتغيّر فيها أحد الخصمين: ففي مارس 2023م، نشر تشومسكي، بطل معركة 2015م، مع زميلين له، مقالة مدوية في نيويورك تايمز بعنوان «الوعد الزائف لتشات جي بي تي» أعلن فيها أن النماذج اللغوية الضخمة لا تفهم شيئًا مما تقول، وأنها تختلف اختلافًا جذريًّا عن طريقة الإنسان في التفكير واللغة، وختمها باستعارة حنة أرندت الشهيرة واصفًا مخرجاتها بما يشبه «تفاهة الشر» فانقضّ عليه علماء الذكاء الاصطناعي واللسانيات الحاسوبية، وفي مقدمتهم ستيفن بيانتيدوسي في ورقته الذائعة التي زعمت أن «النماذج اللغوية الحديثة تدحض مقاربة تشومسكي للغة» من أساسها، واتهموا شيخ اللسانيات بأنه هو من لم يفهم الآلة التي يحاكمها. وفي الضفة المقابلة، كانت اللسانية الأميركية إميلي بيندر وزميلاتها قد أطلقن على هذه النماذج، في ورقتهن الشهيرة عام 2021م، لقب «الببغاوات العشوائية»: أنظمة تخيط المتواليات اللغوية خياطةً إحصائية «دون أي إحالة إلى المعنى».

نعوم تشومسكي
وبينما الفريقان يتنازعان، كانت الآلة تتسلل إلى قلب الحصن: ففي عام 2025م أعلنت شركة «ساكانا» اليابانية أن ورقة علمية ولّدها نظامها «العالِم الاصطناعي» (The AI Scientist) من الفرضية إلى التحرير قد اجتازت التحكيم في إحدى ورش مؤتمر ICLR الدولي المرموق، في تجربة متفق عليها مع إدارة المؤتمر عَلِم فيها المحكّمون أن بين الأوراق ما هو آلي، لكنهم لم يستطيعوا تمييزه. وهكذا اكتمل المشهد على مفارقة تليق بخاتمة القصة كلها: فلاسفة قضوا قرنًا يتهم بعضهم بعضًا بأن نصوصهم لا تُفهم، تُطالَب اليوم عقولهم بالإجماع على سؤال واحد: هل «تفهم» هذه الآلة التي قرأت نصوصهم جميعًا، من هايدغر إلى كارناب ومن دريدا إلى سيرل، دون أن تشكو مرةً واحدة من الغموض؟ فإن قالوا: نعم، فقد فهمتهم الآلة أكثر مما فهموا بعضهم، وإن قالوا: لا، فقد أقرّوا بأن إنتاج الكلام المقنع شيء وفهمه شيء آخر، وتلك بالضبط هي التهمة التي ظلوا يتقاذفونها فيما بينهم منذ قرون.
بتلر: «كاتبة رديئة تعضّ من عضّها»

جوديث بتلر
بقي أن نقول: إن للغموض محاميه الشرفاء، فقد دافع تيودور أدورنو (1903- 1969م) عن اللغة الصعبة بوصفها مقاومة لابتذال الفكر وتسليعه، فالفكرة التي تُبتلع بلا مضغ تُهضم بلا أثر. ولما فازت الفيلسوفة الأميركية جوديث بتلر (1956م-) عام 1998م بجائزة «أسوأ جملة» في مسابقة الكتابة الرديئة التي نظمتها مجلة «الفلسفة والأدب»، ردت في نيويورك تايمز بمقالة عنوانها: «كاتبة رديئة تعضّ من عضّها»، محتجةً بأن اللغة العصية ضرورية أحيانًا لزحزحة «الحس المشترك» الذي يتنكر بثوب البداهة، فالكلام السلس قد يكون سلاسة القيد لا سلاسة الفكر.
غير أن هذا الدفاع النبيل لا يجيب عن السؤال الجارح الذي تطرحه معاركنا الخمسة: أين الحد الفاصل بين صعوبةٍ يفرضها عمق الفكرة، وغموضٍ يحتمي به فراغها؟ إن النص الذي يجعل من استحالة فهمه حصانةً ضد نقده قد خرج من جمهورية الفلسفة وإن ظل يحمل جوازها؛ لأن الفلسفة منذ سقراط حوارٌ في السوق، والحوار عقدٌ أول شروطه قابلية الفهم. فالفلسفة التي لا يفهمها إلا كاتبها تعلن وفاتها بنفسها، ولا تحتاج من خصومها إلى شهادة وفاة؛ إذ يكفيها أنها حين تموت لن يلحظ أحد الفرق. وقديمًا اختصر غادامير، الذي جرّب بنفسه مرارة الحوار مع من لا يريد الحوار، روحَ المسألة كلها في العبارة التي أُثرت عنه: «روح المحاورة أن تسلّم بأن الآخر قد يكون على حق». فلعل أول الفهم أن نريد أن نَفهم، وأن نرضى، ولو مرة، بأن نُفهَم، قبل أن تتكفل الآلات بقراءتنا جميعًا قراءةً بلا فهم، أو بفهم بلا قراءة. لا أحد يدري!
0 تعليق