تعتمد رواية «خاتم»، بوصفها عملًا سرديًّا، بنيةً زمنية خطية تبدأ بولادة البطلة خاتم وتنتهي بموتها العنيف. ويكتسب عنوان الرواية دلالة رمزية؛ إذ يشير اسم البطلة إلى كونها آخر أبناء والدها الشيخ نصيب. وتُروى الأحداث بضمير الغائب، ورغم أن الرواية ليست سيرة ذاتية، فإن الكاتبة تُظهر تعاطفًا واضحًا مع بطلتها وتقاربًا وجدانيًّا معها. كما تعكس الرواية الفارق بين حياة المرأة المعاصرة المثقفة والمستقلة وحياة النساء في الأجيال السابقة، اللواتي امتلكن ثراءً روحيًّا رغم محدودية معارفهن الفكرية. وتستند الحكاية جزئيًّا إلى عادة اجتماعية كانت معروفة في مكة المكرمة مطلع القرن العشرين، حيث كان بعض الصبية يُلبسون ملابس الفتيات حمايةً لهم من الموت أو الحسد، وبخاصة في ظل الحروب وانتشار وفيات الأطفال الذكور. وتُبرز الرواية هشاشة مفهوم الذكورة في ذلك السياق من خلال تشبيه الذكر بنبتة ضعيفة تحتاج إلى الأمن والرعاية كي تنمو وتستقر جذورها. وبذلك تطرح الرواية تأملًا في قضايا الهوية الجندرية، والذاكرة الاجتماعية، والتحولات الثقافية في المجتمع المكي القديم.
معالجة الفضاء
يؤدي الفضاء في هذه الرواية وظيفةً أساسية. فتُقام ثنائية بين الفضاء الداخلي بوصفه مجالًا أنثويًّا، والفضاء الخارجي بوصفه مجالًا ذكوريًّا. وعلى الرغم من توق البطلة إلى الحرية، فإنها تشعر بالرغبة نفسها في الانتماء إلى كلا الفضاءين؛ ولذلك تبدو وكأنها تقف بقدمٍ في أحدهما وبالقدم الأخرى في الثاني، من غير أن ترغب في التخلي عن أيٍّ منهما. ويرتكز الفضاء الداخلي على وصف البيت العائلي الذي تعيش فيه أمّ «خاتم» وأخواتها، إلى جانب إماء الأسرة. أمّا الصراع بين المجالين، الذي يدور في أعماق البطلة نفسها، فيُصوَّر على النحو الآتي:
«لا أعرف، أنها تمنحني مكانًا أوسع للحركة، أنا لا أطيق البقاء مع أخواتي في المبيتات ووراء البرقع، أحبُّ نظرَ الناس في عيني ونظري في عيون الناس على الطريق، لا أطيق خروج الحمارة دون أن أكون على ظهرها، أحب الاختباء وراء أستار الشقدوف… أحب مراقبة النساء، الدخول في مجالسهن وأسرارهن لكن لا أريد أن أكون سرًّا محبوسًا هناك، لا أريد أن أُخبأ وفي الوقت نفسه لا أريد أن أنكشف»
(خاتم، ترجمة ميلاغروس نوين، دار النشر هجيرا وفييرو. مدريد. 2007م، ص 35)
معالجة الزمن
يتطور الزمن في هذه الرواية خطّيًّا، من دون تقدُّم أو تقهقُر. وفي هذا السياق، لا تُجرِّب الكاتبة تقنيات سردية جديدة، ويُعَدّ هذا الجانب من أقل عناصر الرواية ابتكارًا. ومع أنّ النص لا يتضمّن تواريخ أو إشارات زمنية مباشرة، فإنه يقدّم لنا معطيين ثمينين لتحديد الإطار التاريخي للأحداث. يتمثل أحدهما في الوجود العسكري التركي داخل القلعة، وهو احتلال يشعر تجاهه السكان بعداء الذين احتُلُّوا للمحتلِّين. أمّا المعطى الآخر فيظهر في إحدى الحكايات الثانوية المضمّنة في النص، ويتمثل في الإشارة إلى الإنفلونزا الإسبانية التي يفرّ منها الحجاج. ويقودنا هذان المعطيان إلى السنوات الأولى من القرن العشرين، بينما يعيدنا الثاني تحديدًا إلى سنة 1918م، حين كانت البطلة قد بلغت مرحلة المراهقة. ومع ذلك، فإن خطاب الكاتبة ليس بالبساطة التي قد تبدو عليه للوهلة الأولى. ولعلّ صفة «المتعرّج» هي الأنسب لوصفه.
تجليات ثنائية الغنى/ الفقر
يبرز التفاوت الاجتماعي الحاد في فضاء الرواية من خلال تقسيم الجبل إلى منطقتين متناقضتين. فالجهة المطلة على المسجد الكبير تمثل عالم الثراء والرفاه، حيث تتجلى مظاهر الغنى في البيوت الواسعة، والمرافق المتعددة، والعطور النفيسة، والولائم والاحتفالات الاجتماعية، إضافة إلى قيم الكرم والتضامن بين السكان.
في المقابل، تمثل منطقة «حميم» الواقعة في الجهة الأخرى من الجبل عالم الفقر والتهميش؛ إذ يعيش سكانها، وكثير منهم مهاجرون أفارقة، في أوضاع قاسية تتسم بالجوع والعوز وانعدام أبسط مقومات الحياة، وهو ما يدفع بعضهم إلى تسليم أبنائهم للأسر الميسورة حفاظًا على حياتهم. كما تُسلط الرواية الضوء على معاناة النساء في هذه المنطقة الفقيرة، حيث يواجهن المآسي والحرمان، غير أن تماسكهن الاجتماعي وتضامنهن الجماعي يشكلان مصدرًا للعزاء والصمود في مواجهة قسوة الحياة. وبذلك ترسم الرواية صورة واضحة للتباين الطبقي والاجتماعي داخل المجتمع المكي في تلك الحقبة.

معالجة المكان
المدينة التي تظهر بصورة شبه حصرية في الرواية هي مكّة، مع إشارة عابرة إلى المدينة في بداية السرد؛ ولذلك فإن أوصاف الأمكنة والعادات والمصطلحات المستعملة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدينة مكة. وتظهر هذه المدينة أمام القارئ من منظور ملتبس ومزدوج؛ فمن جهة، هي المدينة التي تحتضن أقدس مقدسات الإسلام، وهو ما يحضر بوضوح في الرواية، ومن جهة أخرى، تضم في أحشائها أماكن سيئة السمعة، مثل الجهة الأخرى من جبل هندي، حيث يلجأ القتلة واللصوص والبغايا، فضلًا عن المهاجرين القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وتُعرف هذه المنطقة من الجبل باسم «حميم»، في مقابل الجهة التي ترمز إلى الوفرة والراحة.
وهكذا تبدو هناك مدينتان: مدينة الرفاه والنعيم، ومدينة الفقر المدقع، حيث يسلّم الناس أبناءهم فقط كي لا يشهدوا موتهم جوعًا. ويمكن إسقاط هذه الازدواجية نفسها على الشخصيات الثانوية وعلى البطلة أيضًا.
بداية ونهاية الحكاية
جاءت بداية السرد على نحوٍ تقليدي؛ إذ تُفتتح الرواية بوصف البيت العائلي، وهو منزل كبير يقع على إحدى أعلى تلال مك،ة ومنه تُشرف الشخصيات على المدينة، بينما تبدو من بعيدٍ القلعةُ التركية. ويُنظر إلى الوجود التركي بوصفه عنصرًا يبعث على التهديد الواضح بالنسبة إلى سكان المكان، بعدما خلّف، في الماضي كما في زمن الحكاية، آثارًا من الدم والعنف بين الأهالي. أما نهاية الرواية فهي مغلقة؛ إذ تنتهي بموت الشخصيات الأكثر أهمية، غير أنّها تبقى نهاية مفاجئة؛ لأنها تدفع القارئ، الذي تابع أحداث الرواية بثقة واطمئنان، إلى إعادة النظر في بعض الوقائع السابقة، بحيث لا تعود الأشياء كما كانت تبدو من قبل. وهكذا، فإن ما كان يُعدّ سابقًا نوعًا من التمرّد أو الخرق للمألوف يفقد تلك الصفة، وما كان يبدو بريئًا يتحوّل إلى ما يشبه السخرية. ويحدث ذلك كلّه بفضل التحوّل المفاجئ في جنس البطلة.
تحليل الشخصيات
في بناء شخصيات رواية «خاتم»، تتصدر البطلة المشهد بوصفها شخصية مركبة تجمع بين الهوية الأنثوية والأدوار الذكورية التي اكتسبتها نتيجة طريقة تربيتها. وتبرز إلى جانبها شخصيتا سند، أخيها في الرضاعة، وهلال، الشاب الإفريقي المتمرّد على الظلم والتمييز. وتتسم علاقة خاتم بوالدها الشيخ نصيب بخصوصية واضحة؛ إذ يعاملها معاملة الصبي ويمنحها امتيازات استثنائية لم تكن متاحة للفتيات في المجتمع المكي آنذاك، مثل حضور مجالس الرجال، والتعلم في المسجد، والخروج بحرية أكبر. وقد أسهم ذلك في تكوين شخصيتها المستقلة وتعزيز تبنيها لبعض الأدوار الذكورية. في المقابل، تبدو علاقتها بأمها سكينة فاترة نسبيًّا؛ إذ لا تشعر بانتماء قوي إلى النموذج الأنثوي الذي تمثله الأم وبقية النساء في الأسرة.
كما تطرح الرواية بصورة عابرة قضية العبودية من خلال شخصية سند، ابن عبدين، الذي تمكن عبر الرضاعة والتبني الرمزي من الاندماج في طبقة الأحرار والحصول على فرص التعليم نفسها التي أتيحت لخاتم. وتضم الرواية كذلك شخصيات ثانوية أخرى أقل تفصيلًا، سواء داخل الأسرة أو خارجها، مثل السيدة تحفة التي تدير بيت الدعارة في الوادي، وتُقدَّم قصتها بإيجاز. ومن خلال هذه الشخصيات المختلفة، ترسم الرواية صورة اجتماعية وثقافية متعددة الأبعاد للمجتمع المكي في تلك المرحلة التاريخية.
الحرية والهوية الجنسية
تطرح في الرواية، بشكل غير مباشر، مسألة الحرية الفردية. فالإنسان يستطيع أن يكون حرًّا متى شاء، لكن إذا استندت حريته إلى تجاوز الأعراف والتقاليد، فعليه أن يدفع ثمن ذلك معاناةً وألمًا. وفي هذا السياق، يبدو الحوار الذي يدور بين خاتم وسندَ مُعبِّرًا بوضوح عن هذه الفكرة:
«فعل الشيخ مُحَيِّر ربما، لكن هلال يأخذ الأمر بشك، لكأن بينه وبينك ثأر يُحرضه خروجكَ كصبي، يعطي نفسَه كلَّ الحق في انتقاد عمي نصيب» (ص 59).
كما يَظهر موضوع الألم في الرواية سواء حين تفقد الطفلة حريتها بسبب الخطر الذي قد ينجم عن احتكاكها برفيق لعبها هلال، أو حين تقرر تجاوز القواعد والأعراف المفروضة عليها. أما الهوية الجنسية لدى البطلة فتبدو غير محددة بوضوح. فالاسم الذي تحمله، «خاتم»، رغم كونه اسمًا مذكرًا، يمكن قبوله لكلا الجنسين، وهو ما يخلق حالة من الالتباس والارتباك في شخصية البطلة، كما توضح الكاتبة في مواضع مختلفة من الرواية. غير أن هذه الازدواجية تحمل جانبًا جذابًا؛ إذ تشكل مفتاحًا يسمح بالانتقال بين عالمين بسهولة. فالبطلة تستمتع بالتخفي المرتبط بعالم الأنوثة، وبحرية الحركة والتجوال المرتبطة بعالم الذكورة، من دون أن ترغب في التخلي عن أحد العالمين لصالح الآخر. كما تحضر الثنائية الجنسية في الرواية بشكل عابر ومن دون تعمق، حيث تُطرَح بوصفها احتمالًا ممكنًا أكثر من كونها تجربة مكتملة أو ممارسة واضحة.
القراءة الواقعية والقراءة الرمزية
تسمحُ رواية «خاتم» بمستويين من القراءة: قراءة واقعية تركز على تصوير العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية، وقراءة رمزية أعمق تكشف الأبعاد الفكرية والثقافية التي تسعى الكاتبة إلى التعبير عنها. وتظهر هذه الرمزية من خلال حضور عناصر ذات طابع سحري وشعبي، مثل بركة الزئبق والإيمان بالحسد والعين، بما يعكس رؤية خاصة للعالم وللواقع.
كما يبرز العمل قيمًا إنسانية متجذرة في الثقافة الإسلامية، وعلى رأسها الرحمة والتعاطف؛ إذ تتجنب الكاتبة إصدار أحكام أخلاقية على الشخصيات المهمشة، وبخاصة النساء اللواتي يعشن خارج المعايير الاجتماعية السائدة، وتقدّمهن من خلال تفاصيل حياتهن اليومية بدل اختزالهن في أوصاف سلبية.
وتعتمد الرواية على شبكة من الرموز المتكررة، أهمها الباب الذي يمثل الحد الفاصل بين الطفولة والبلوغ، وبين الحرية والقيود الاجتماعية، ويجسد الألم النفسي الذي تعانيه خاتم عند حرمانها من الامتيازات التي كانت تتمتع بها. كما يحضر المفتاح بوصفه رمزًا مرتبطًا بعلاقة خاتم وهلال وما تحمله من دلالات عاطفية وهوياتية، بينما تمثل آلة العود رمزًا للجسد الإنساني وما يرتبط به من أحاسيس ورغبات.
تعرضت الرواية لانتقادات ركزت على بعض الإشارات الجنسية، وقرأت العمل قراءة سطحية، متجاهلة أبعاده الرمزية والفكرية؛ لذلك تبدو الرواية عملًا يتجاوز التصنيفات التقليدية للأدب النسوي؛ إذ لا يقتصر على عالم الحريم أو قضايا المرأة الضيقة، بل يطرح أسئلة واسعة تتعلق بالهوية والسلطة والجسد والتحولات الاجتماعية في المجتمع المكي مطلع القرن العشرين.
تحليل اللغة
تُظهر السجلات اللغوية المختلفة في النص اختيارًا دقيقًا ومدروسًا. ففي بعض المواضع يُحاكي النص اللغة الشفوية ويستعيد مفردات تكاد تكون في طريقها إلى الاندثار، وهي مفردات تعود إلى منطقة الحجاز، حيث تقع مكة، وهو ما يمنح النص طابعًا تقادميًّا/ أثريًّا. وهناك رغبة واعية لدى الكاتبة في استرجاع مصطلحات شبه منسية من أجل الذاكرة الجماعية، وهو ما يضفي على الخطاب طابعًا محليًّا واضحًا. وفي مواضع أخرى يقترب الخطاب من تيار المونولوج الداخلي، وهنا يصبح النص أكثر ابتكارًا، سواء على المستوى التقني أو اللغوي. كما تستفيد الكاتبة من اهتمامات البطلة بالموسيقا لتُدخل على لسان بعض الشخصيات أغانيَ شعبيةً وقصائدَ مغنّاةً.
العنوان الأصلي: Una novela de Arabia Saudí: Játim, de la autora Raja Alem (Raŷā’ âĀlim).
المرجع: Anaquel de Estudios Árabes, 2008, vol. 19 – https://revistas.ucm.es/index.php/ANQE/article/view/ANQE0808110127A/3564. (25/05/2026 – 11:45)
0 تعليق