«أعرف ما فكرتَ به في ركعة الأمس» لأحمد العلي كينونة النص ودائرية المعنى

«أعرف ما فكرتَ به في ركعة الأمس» لأحمد العلي

كينونة النص ودائرية المعنى

هل تسعى الكلمات إلى تمثيل الحياة أم إلى مواجهتها؟

لا يكتب أحمد العلي شعرًا ليُقرأ، بل يكتبه لِيُعاش جسديًّا. فهذا الديوان اعترافٌ بأن اللغة، حين تبلغ أقصى توترها، تتحول إلى عظامٍ ومفاصل وركعات. ولذا لا يقدم ديوان «أعرف ما فكرتَ به في ركعة الأمس» (الصادر عن إصدارات روايات- مجموعة كلمات، 2026م) مجرد قصائد، إنما يضعنا أمام تجربةٍ ترفض القوالب الجاهزة، كأنها كائنات حية تتنفس وتتحرك على مسرح الصفحة. إن القراءة هنا ليست فعلًا أكاديميًّا باردًا، بقدر ما هي تلمسٌ لنبضٍ عضوي، لا يكتفي فيه الحرف بالدلالة، بل يفيض ليتحول إلى جسدٍ وروحٍ تتورط في أسرار الوجود. وما يجعله متميزًا هو أنه نجح في تحويل «القلق الوجودي» إلى مادةٍ جمالية؛ فالشاعر لم يتجنب التوتر، وإنما استثمره في بناء لغةٍ تتأرجح بين الصلاة والركض، بين سكون الذاكرة وحركة الجسد.

وكما يتساءل الشاعر:

«إن كان كلّ ما ستذكره لاحقًا/ هو لحظة موتك  […]أو دفعَتْها الفتاةُ ضاحكةً/ لِمَ إذن عشت؟ ألمثل هذه السُّحُب؟»

سؤال يفضح سرّ الكتابة: أنها مقاومة للمحو بلحظة الهواء والدمعة.

تعامد اللغة والحياة

يثير الديوان سؤالًا مختلفًا عن العلاقة بين اللغة والحياة. فيبدو لي أن العلاقة بينهما ليست علاقة تطابق ولا محاكاة، بل علاقة تعامد. فالحياة تمضي في مسارها بما تحمله من زمن وذاكرة وجسد وفَقْدٍ، في حين تهبط اللغة عليها فجأة في لحظات مكثفة تشبه الومضات الكاشفة.

إن القصيدة لا تروي الحياة بقدر ما تعترض طريقها، ولا تعكس التجربة كما هي، وإنما تكشفها من زاوية حادة. تتجلى نقطة التعامد الخاطفة هذه حين يضرب المعنى عصب التخييل، كما في قوله:

«الصوابُ رعدٌ يظهرُ للفتى/ ظهورَ الفتاة العارية في غُصَين خياله».

هنا يتجلى الصواب كحدث لغوي خاطف، لا بوصفه نتيجة للتفكير المتدرج، بل كرعد يقتحم فضاء التخييل ويعيد ترتيب رؤيته؛ لذلك تأتي عبارات كثيرة من الديوان قصيرة ومباغتة، كأنها نقاط تقاطع بين خطين مختلفين: خط العيش وخط القول. وفي هذه اللحظة العابرة من التقاطع يتولّد المعنى؛ لا من اندماج اللغة بالحياة، وإنما من المسافة المتوترة بينهما. وهذا ما يلمسه القارئ بوضوح حين يصف الشاعر أثر هذه القطيعة المباغتة في موضع آخر:

«كنت/ تلغو بالأمس/ وفجأةً جمُدت…/ هل عرفت ما حدث؟»

فاللغة هنا هي ذلك التجمد المفاجئ الذي يقطع سيولة اللغو اليومي ويصدم الكينونة بسؤال كاشف.

جرأة العنوان: بين أفق الحدس ومناطق الخفاء

لا يمكن المرور على عتبة هذا العنوان: «أعرف ما فكرتَ به في ركعة الأمس» دون الوقوف عند جرأته الميتافيزيقية. فالعنوان يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام معرفة تبدو متجاوزة للمألوف، لا بوصفها ادعاءً لمعرفة الغيب، وإنما بوصفها تعبيرًا عن حدس شعري يبلغ أقصى درجات القرب من التجربة الإنسانية. ومن هنا لا يكون العنوان مجرد استعارة لافتة، بل مفتاحًا لرؤية شعرية تسعى إلى الاقتراب من المناطق الأكثر خفاءً في الذات، وتحويل ما يظل صامتًا في الداخل إلى لغة بشرية مرتجفة وقابلة للمشاركة. ويأتي هذا التأويل متناغمًا مع ما يردده الشاعر في موضع آخر:

«العارفُ عَبوس/ لا أجَلّ من هذا ولا أبْعَد، العارف نمرٌ/ وأبْعَد. ارفع رأسك للسماء، اعْرف».

فالمعرفة هنا ليست سكونًا، بل يقظة ونمرية وتوحش، حيث تصير الغريزة مرآة للكينونة.

حين يصبح النصُّ جسدًا

ينسج الشاعر فضاءه بلغةٍ مكثفة تقوم على الومضة أكثر مما تقوم على الشرح. وتبلغ هذه اللغة ذروة توترها حين تقلب العلاقات المألوفة بين الأشياء:

«من قال: إن النار تأكل الحطب؟ لم يقُل الحطبُ ذلك».

هنا لا يكتفي النص بإنتاج صورة شعرية، بل يهز يقينًا لغويًّا مستقرًّا؛ فالحطب يتحول إلى شاهد على الواقعة، ويصبح الصمت نفسه مصدرًا للمعرفة.

البناء اللغوي للديوان: بين الكثافة والومضة

يقوم البناء اللغوي لهذا الديوان على مفارقة أسلوبية واضحة: تكثيف حاد في اختيار المفردات، مقابل إيجاز قاسٍ في تركيب الجمل. لا يطيل الشاعر في شرح، بل يضرب مباشرةً في صميم المعنى. الجملة عنده ليست وعاءً للفكرة، بل هي الحدث نفسه. تجد ذلك في قوله:

«قُرعَت الطبول/ وقوف- قفْ/ هذا ما تفعله/ عندما تُدركُ أنّكَ/ أمام الكون».

فالجملة هنا لا تصف فعل الوقوف والرهبة، بل تؤديه لغويًّا وتأمر به لتقطع سياق اللحظة. وهذا النمط يتكرر في قوله:

«الذاكرة صادقة فيما تنساه/ ثعلَبُها يصول ويجول/ بينْ الجيَف وحسب».

حيث تتحول اللغة من أداة تواصل إلى فعل وجودي، لا تخبر عن العالم بيقينياته المعتادة، بل تصدمه وتفككه في أثناء تلفظها؛ فالذاكرة لا تُستعاد هنا كحنين وداع، بل تتحول إلى حقلِ صيدٍ غريزيّ يُفترس في ومضة لغوية خاطفة.

واللافت أن هذا البناء لا يخلو من احتكاك بالعامية أو بالهمس اليومي، كما في قوله:

«تُحرق بشت جدّك وتمضي؟/ يا حيف».

فهو يكسر رتابة الفصاحة ليُدخل صوتًا آخر، صوت الحوار الداخلي أو المخاطبة الحميمية الممزوجة بالعتب الشعبي («يا حيف»)، وهو ما يمنح النص بعدًا إنسانيًّا يلامس القارئ قبل أن يفكر فيه.

كما يلجأ الشاعر إلى تقنية التكرار، لكنه تكرار مختلف؛ ليس تكرارًا للإلحاح البلاغي، بل تكرارًا لخلق إيقاع وجودي، كما في:

«لا بابَ / لا بابَ / لا بابْ».

و:

«اثْبُت/ اث بت».

فالتكرار هنا ليس حشوًا، بل تنفسًا، وكأن الكلمات تحتاج إلى أن تُقال مرتين أو ثلاثًا لتُعاش مرة واحدة، ولتأكيد العزلة المطلقة أو الثبات في وجه العدم.

وهكذا، يبني أحمد العلي لغته على التكثيف، والإيجاز، والتكرار الإيقاعي، والمفارقة بين الفصيح والهمسي؛ ليكون البناء اللغوي نفسه مرآةً لتجربة الوجود التي يخوضها: لا استقرار، لا يُسر، بل لهاثٌ لغوي يُحاكي لهاث الروح.

الركعة بوصفها الشكل الخفي للديوان

إذا كانت عتبة العنوان قد كشفت عن زمن دائري يلتف حول ذاته، فإن النص لا يستعير من الركعة معناها الروحي فحسب؛ إذ تهيمن بنيتها الإيقاعية على تشكله الكلي. فالنصوص تتجاوز الخط السردي المستقيم، لتتحرك بحركة تحاكي شعيرة الصلاة نفسها: اقتراب، انحناء، عودة، ثم اقتراب جديد.

الأجداد يعودون، والأم تعود، والجسد يعود، والسؤال نفسه يعود في هيئة أخرى؛ لتستحيل القصائد في جوهرها دورانًا متواصلًا حول مركز خفي، لا مجرد محطات متعاقبة. وكما أن المصلي لا يغادر موضعه رغم تعدد حركاته، فإن الديوان لا يغادر سؤاله الأول رغم امتداده الطويل.

يؤكد الشاعر هذه العودة الدائرية حين يقول:

«أعرفُ ما فكَّرْتَ به/ في ركعة الأمس».

وكأن كل ركعة تعيد فتح سؤال البداية. وفي موضع آخر:

«صلّى بك جدُّكَ/ في المجلس».

حيث تمتد الصلاة عبر الأجيال، فلا تنفصل الركعة عن الذاكرة الجمعية للأسلاف. ومن هنا يمكن النظر إلى المنجز كله بوصفه «ركعة كبرى» تتوزع على صفحات الكتاب، لا بوصفه مجموعة قصائد منفصلة.

الجسد المعرفي: أرشيف ونظام معرفة

يتجاوز أحمد العلي مقاربة الجسد بوصفه غرضًا شعريًّا عابرًا، ليُحيله إلى مستودع معرفي خالص؛ فالذاكرة في هذا الديوان تُحفظ في الأعضاء قبل أن يستوعبها العقل.

يقول الشاعر:

«سل ركبتي أمّك/ على ماذا وقفتا».

السؤال هنا يذهب إلى الركبة مباشرة، بوصف العضو كائنًا حيًّا يحمل عبء الإجابة. الركبتان تعرفان، والجبين يتذكر، والعنق يحمل آثار الغياب، بينما تحفظ اليد ما عجزت اللغة عن تدوينه. ومن هنا، تنبثق المعرفة من الإصغاء لما تراكم داخل الجسد عبر الأزمنة، متجاوزةً حدود التأمل الذهني الخالص.

وكما يقول في موضع آخر:

«دميّ يُحدّثني».

فالدم يمتلك صوته الخاص، والجسد يتحدث بلُغةٍ بِكرٍ تسبق لغة التدوين. إن الديوان يقترح تصورًا معرفيًّا ينطلق من المادة العضوية؛ فالاحتشاد التشريحي للأعضاء (الركبة، الجبين، الأنف، العنق، اليد، الدم) يعلن عن مرجعية مغايرة لإنتاج الوعي، حيث الجسد يسبق اللغة في الكشف، ويتوارث المعرفة كما يتوارث الملامح.

ولهذا يباغتنا الشاعر بقوله:

«أنت ورثت عن أبيك/ رُكبته، هذه هي».

إنك لا ترث الذاكرة بوصفها مفهومًا مجردًا، وإنما ترث الأداة المادية والبيولوجية للوقوف والركوع. وهنا يتجلى الانقلاب الحقيقي في نظرية المعرفة: الحقيقة تُكشف للأعضاء وتتوارث عبر مساربها، لتستحيل الركعة -في نهاية المطاف- أداةً للاستجواب الجسدي الصارم للوجود، لا مجرد انحناءة طقسية باردة.

الخط كأثر وجودي: الكتابة بوصفها نبضًا

يتأسس المعمار البصري للديوان على مفارقة غرافيكية لافتة؛ إذ يتضاعف كل نصٍّ مرتين: أولى بخط اليد، وثانية بالحرف المطبوع. وهو خيار يتجاوز الاستعراض الجمالي الخارجي، ليعلن عن أثر مادي يشحن الصفحة برعشة اليد المباشرة ونبض الروح الكاتبة؛ حيث يلتقي ثبات المطبعة بحيوية الأثر السيال الذي تتركه المخطوطة. وهنا يتماهى الفعل الفيزيائي للخط مع حركة المعنى، كأن فعل الكتابة هو ذاته حركة القبض التي يعلنها الشاعر:

«قبضْتُ على حُنجرته/ وأقَمْتُه/ في قصري».

إنها سيطرة مادية تمارسها الأصابع على جسد الحبر، فتحيل الكتابة إلى فعل احتواء عضوي يسبق وظيفتها التعبيرية التقليدية. وبذلك، يتحول فعل القراءة من التلقي الذهني الصامت إلى مراقبة حيّة لحركة الوعي وهو يتخثر ويتجمد كأثر على الورق.

من هنا، تأتي الدعوة الصريحة للتعامل مع الصفحة بوصفها كائنًا ماديًّا حارًّا وقابلًا للاشتعال:

«ضع حطبًا/ في نيران هذه السطور/ هسًّا هسّا…».

إن القراءة هنا تغدو ممارسة تشاركية بامتياز، تتجاوز تلمس الدلالة إلى التورط الكامل في جسد اللحظة التي اشتعلت فيها خطوط الكلمات.

التجسيد الأنطولوجي والكشف المباشر

يتجاوز الديوان في كثير من مقاطعه وظيفة الاستعارة التقليدية، نحو ما يمكن تسميته «التجسيد الأنطولوجي»؛ حيث يتحول المجاز من حلية تجميلية إلى كينونة مادية ملموسة. ففي قوله:

«الألمُ هو الجمال».

تذوب المسافة التشبيهية تمامًا لصالح توحيد الألم والجمال في مقام شعوري واحد ومطلق. وكذلك في قوله:

«الذي داخل جسدك/ هو نفسه الذي/ داخل جسد أبيك».

تجيء العبارة إعلانًا وجوديًّا قاطع يتحدى التأويل البلاغي، ليتحول المجاز هنا إلى أداة حادة لتقشير الواقع وصدمه. ويبلغ هذا الكشف المباشر ذروته حين يعلن الشاعر عن هوية مجازية تصعيدية بلا مواربة:

«قسمًا بالله/ إني مقاتل شاعر، وهل ثمة غير هذه الزيجة؟»

هنا يمارس أحمد العلي عنفًا وجوديًّا على اللغة؛ مستبدلًا المكاشفة التشريحية بالتجميل الاستعاري؛ فاللغة عنده تتخلى عن وظيفة المرآة العاكسة لتغدو مبضعًا يفتح جرح الحقيقة، مثلما تنبثق المعرفة من حدس اللهاث والدم، حيث الجسد وحده يمتلك الأهلية الكاملة لإدراك حقيقة الوجود دون وساطة.

الخريطة الجينية للديوان

تتبدى الخريطة الجينية في هذا المنجز بمنزلة مصفوفة أنطولوجية رباعية الأبعاد، تتداخل عناصرها لتشكيل الهوية الجمالية والفكرية الفريدة لديوان أحمد العلي، عبر مستويات متكاملة:

البُعد الأول: الجسد كأرشيف ونظام معرفة- حيث تتحول الأعضاء (الركبة، الجبين، الأنف، الدم) من أدوات بيولوجية صامتة إلى مستودعات سيالة للوعي تسبق الذاكرة العقلية، وتحفظ تاريخ الأسلاف في نسيج اللحم والعظم.

البُعد الثاني: الركعة كبنية زمنية دائرية، بوصفها حركة هندسية ترفض الخط السردي المستقيم؛ لتصنع من الاقتراب والانحناء والعودة صيرورة دائرية تجعل كل نهاية منطلقًا لسؤال جديد.

البُعد الثالث: النسب كأفق وجودي، وفيه يتجاوز الجد كونه شخصية تاريخية عابرة ليتحول إلى قوة فاعلة تسكن تفاصيل الحاضر، ناقلةً القرابة من رابطها الاجتماعي الضيق إلى جغرافيا ميتافيزيقية تفسر كينونة الذات.

البُعد الرابع: اللغة العضوية الحية، وهي النبرة المتشكلة من رعشة الحدس والتوتر العضوي، والقائمة على الومضة المباغتة والانقلاب المنطقي الذي ينطق الجماد ويزعزع يقين النار.

تتراسل هذه الأبعاد الأربعة عضويًّا لتصهر صفحات الكتاب في هيئة كائن شعري حاد، يتنفس ويتحرك خارج الأنماط الجاهزة؛ ليؤكد في قفلته الأخيرة أن الشعر هنا يتجاوز محاكاة الحياة ومثولها، ليكون هو الحياة ذاتها في أقصى حالات توترها، وضراوتها، وصدقها العاري.

بصرية التجريد: حين تطيح الكلمات بالأشكال المألوفة

يلحظ المتأمل في معمار الديوان انحيازًا واضحًا نحو التجريد، ينسلخ به الشاعر عن السرديات الوصفية ليقتحم فضاءات الفن التشكيلي؛ فالقصيدة تتجاوز محاكاة الواقع، متصرفةً كفرشاةٍ مباغتة تطيح بالأشكال المألوفة لتشير إلى حركة كينونتها الحرة، كما في قوله:

«خطْوك لا يهدأ… نقّط ورقّط… غيمة في حجر؟ ربما».

هنا يمارس الشاعر تنقيطًا لغويًّا يفكك هندسة المكان المستقرة، مكرسًا تضادًّا ماديًّا يتوهج في مفارقة «غيمة في حجر»، حيث السيولة والصلابة تندمجان خارج منطق الأشكال الجاهزة. وفي موضع آخر، تتحول اللغة نفسها إلى مادة بصرية خالصة:

«رأيتَ المُلْك. بعَيِْنْ نَمِرَةٍْ بيضاءَ خضراءَ… رمحية الرأس/ حيّة الصدر».

إن ثنائية اللون المجرد، وتقاطع هندسة الاستقامة الرمحية مع التواء الصدر الحي، يخلقان فضاءً بصريًّا مشحونًا بالرهبة؛ لتُرى القصيدة هنا بوصفها كتلة من الألوان والخطوط والانحناءات المتشابكة، تتجاوز الترتيب الخطي للمعاني، وتفرض سطوة حضورها المادي كبنية تشكيلية قبل أي محاولة لتأويلها.

موسيقا الديوان: الرمادية النابضة

لو تحوّل هذا الديوان إلى موسيقا، لن تكون مضيئة أو احتفالية، وإنما رمادية؛ رمادية بمعنى أنها تقف في المنطقة الفاصلة بين الحزن والسكينة، بين الذاكرة والانتظار، بين الركض والسجود. ليست رمادية العدم، وإنما رمادية الضباب الذي تتجاور داخله الأشياء قبل أن تتمايز. تبدأ نغماتها منخفضة، ثم ترتفع فجأةً مثل شهقة وجودية قبل أن تعود إلى هدوئها الأول.

ولو أردنا أن نمنحها مقامًا موسيقيًّا، لَبَدَتْ أقرب إلى تدرجات البيات والحجاز؛ البيات بما يحمله من دفء إنساني وحنين عميق، والحجاز بما يفتحه من مسافات روحية وقلق شفيف. أما لونها الموسيقي فلا يبقى ثابتًا؛ يبدأ برماد فضي يشبه ضوء الفجر، ثم يتكاثف إلى رماد داكن كلما اقترب النص من أسئلته عن الموت والغياب، قبل أن تومض داخله خيوط بيضاء خاطفة كأنها ركعة تفتح نافذة صغيرة في جدار العتمة.

التقطيع الزمني والدائرية

تتجاوز نصوص الديوان حدود الصفحة لتتحول إلى فِلم بصري، حيث تبرز تقنية التقطيع الزمني؛ فالشاعر لا يسرد، بل يقطع الزمن. الانتقال من الجد إلى الركض، من الأم إلى النار، من الركعة إلى العدو- ليس عشوائيًّا، بل هو تقطيع يكسر الزمن الخطي ليخلق إيقاعًا متوترًا. المشهد السينمائي يتجلى حين يقول:

«اكشف عنقك للهواء/ إذ يلفح، كلّ شيء يبتعدُ في الكون. الذي اقتربَ أرادَ ذلك».

هنا الكاميرا تركز على تفصيلة دقيقة (العنق) لتعطي دلالة كونية (تباعد الكون). القلق ليس في الحدث، بل في زاوية الرؤية التي يفرضها الشاعر. وكأننا أمام مخرج لا يروي حكاية، بل يقطع الزمن ليعيد تدويره، كما تعود الركعة إلى بدايتها. وفي هذا التقطيع، يصبح الفراغ بين الجمل جزءًا من المعنى، وكأن الصمت نفسه يتكلم.

التوتر بين الهروب والعودة

ثمة جدلية حركية مدهشة تحكم الديوان من أوله إلى آخره: جدلية «الركض» و«السجود». إذا كان السجود يمثل «العمودية» والرسوخ في الأرض والاتصال بالمطلق، فإن «الركض» يمثل «الأفقية» والهروب والزمن المتسارع. تكرار عبارة «اركض اركض» في مواجهة فكرة «الركعة» يخلق توترًا دراماتيكيًّا رائعًا؛ فالشاعر يبدو وكأنه يقول: إن الركعة ليست هروبًا من الركض، بل هي لحظة التوقف الإجباري لالتقاط الأنفاس في منتصف العدو. وهو ما يردده الشاعر في أكثر من موضع:

«خطْوك لا يهدأ… اركض اركض».

«وتركضُ تركضُ في الورد».

فالركض ليس فعلًا عابرًا، بل طقسًا يتكرر ليعيد تعريف العلاقة بين الجسد والزمن. الركض هو سؤال الجسد عن المستقبل؛ أما الركعة فهي إحدى صور مواجهة الجسد لذاكرته وماضيه. والديوان كله هو هذا التذبذب الأبدي بين الهروب والعودة.

لماذا هذا التشظي؟

السؤال الأعمق: لماذا احتاج أحمد العلي إلى هذا الشكل خاصة؟ لماذا التشظي، والتكرار، والعودة إلى الأجداد، والرهان على الجسد، واللغة التي تشبه اللهاث، والخط اليدوي الذي لا يخلو من رعشة، والبنية الدائرية التي ترفض الخط المستقيم؟

الجواب، في رأيي، أن الديوان يكتب من داخل قلق وجودي، حيث تتعرّض فيه اليقينيات للاهتزاز المستمر، ولم يعد الشاعر يثق إلا بما يلمسه بجسده. ولأن الإنسان في هذه الكتابة بات يشعر بابتعاد اليقينيات الكبرى، كما لو أن السماء لم تعد مسرحًا لرؤية يقينية، أصبح الجد يسكن بين الأنف والجبين. ويأتي هذا المعنى مؤكدًا في قوله:

«هو يفتحُ عينيه ويتنفّس، الإنسان. لا يعرفُ ما حدث: خريُر الماء قبله، والبنفسجُ في أرواح الأكوان قبله، وأُمّه قبله. هو فتح عينيه وتنفّس، لم يسْتفتِ في ذلك/ حتى قلبَه».

فالإنسان يولد في دهشة لا يعرف معها شيئًا، ولا يستفتي قلبه في وجوده. وهذا هو جوهر القلق الوجودي الذي يكتب منه الديوان. هذا الديوان لا يكتفي بتأمل الموت والذاكرة، بل يحولهما إلى مادة اختبار وجودي، باستخدام أبرز الأدوات المتبقية: الجسد بوصفه المرجع الأكثر حضورًا، والعائلة التي لا تختفي، والركعة التي تكرر نفسها لأن السجود يظل لغة تحتفظ بإمكان الصدق في زمن اهتزاز كل لغة.

صلاة لا تنتهي

وهذا ما يجعل الديوان ليس مجرد مجموعة قصائد، بل كائنًا حيًّا يتنفس ويتحرك على مسرح الصفحة؛ وثيقة نفسية وجمالية تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع أسئلة الموت، والزمن، والذاكرة. لكن يبقى السؤال الأخير معلقًا في الهواء، ليس لأن الشاعر عجز، بل لأن الاكتمال الحقيقي هو في استمرار الحيرة. ولعل تكرار «اركض اركض» يكشف أن الديوان لا يبحث عن جواب نهائي، وإنما يعيد إنتاج السؤال في صور متعددة؛ فالركض يغدو فعلًا تأمليًّا لا يقلّ إلحاحًا عن الركعة، والركعة هي لحظة التقاط الأنفاس قبل العدو مجددًا. وهكذا تظل كينونة النص معلقة في حركتها الدائرية، لا تستقر على معنى نهائي، بل تجد اكتمالها في استمرار العودة إليه.