50 عامًا على رحيل «ملكة الجريمة المريحة»
كتابة روايات الجريمة عالم شاسع وعريض، احتلّت عرشه الكاتبة الإنجليزية أغاثا كريستي طوال عقود. واليوم وبعد مرور 50 عامًا من رحيلها، لا تزال حياة «ملكة الجريمة المريحة» لغزًا أمام قرائها، لكن ما مدى «راحة» جرائمها في الواقع؟ وهل ما كتبته كريستي من روايات بوليسية يُعَدّ أدبًا حقيقيًّا؟ ولماذا هربت من زوجها الأول واختفت لمدة 11 يومًا، تاركة ابنتها الوحيدة خلفها؟ أسئلة عديدة تحاول الناقدة الهولندية شارلوت ريمارك الإجابة عنها في مقالها التالي.
القتل أمر سهل هنا، تبرز الصخور السوداء حادة من البحر، متلألئة تحت الممر الساحلي الذي صار زلقًا بشكل خطير؛ بسبب المطر الذي لا يبدو أنه ينهمر من الأعلى بقدر ما ينفجر من جميع الجهات. دفعة واحدة في ظهري ستكون كافية لأصطدم بطرف صخرة في الأسفل، ولن أرى حتى مهاجمي قادمًا على هذا الطريق المتعرج، قبل أن تجرفني الأمواج المتلاطمة تحت النظرة الفولاذية لنورس يحلّق بلا حراك عكس اتجاه الريح.
«توركوي»(1) على ساحل ديفون في إنجلترا قاتمة وغامضة في الشتاء، تمامًا مثل أغاثا كريستي التي وُلدت هنا. من الصعب التوفيق بين مشهد المدينة اليوم وبين ما كتبته أغاثا -البالغة من العمر 30 عامًا، عام 1920م- بفرح إلى والدتها من جنوب إفريقيا: «يبدو المكان هنا مثل كل الأماكن الجميلة حقًّا، تمامًا مثل توركوي»!
لا يذكّرنا هذا بأغاثا التي كانت خلال سفراتها مع رفاقها ثرثارة لاذعة ومتزحلقة على الأمواج وراقصة تحب الشراب وتأكل بنهم: «خمسة عشر خوخة صفراء كبيرة أكلناها وهي تقطر عصارتها في الحديقة»! الوحدة مع حلول المساء ساحقة؛ لا بدّ أن أغاثا شعرت بهذا القدر من الوحدة في الثالث من ديسمبر 1926م، عندما وضعت ابنتها الصغيرة في فراشها، واختفت بسيارتها دون أثر لمدة أحد عشر يومًا. لم تكن أحوالها جيّدة في تلك السنة، كانت الكتابة تسير على ما يرام؛ إذ صدرت ستّ من رواياتها البوليسية، لكنها عانت بشدة بسبب وفاة والدتها، ثم طلب زوجها آرشي الطلاق؛ لأنه وقع في حب امرأة أصغر سنًّا تدعى نانسي.
عُثِرَ على سيارة أغاثا، كان الاهتمام الإعلامي هائلًا؛ «اختفاء كاتبة روايات بوليسية»! بحث عنها ألف شرطي و15 ألف متطوع، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تُستخدم فيها طائرة مروحية للبحث عن شخص مفقود في تاريخ بريطانيا كلها، حتى إنهم استعانوا بالسير آرثر كونان دويل مؤلف شارلوك هولمز، لكنه لم يفعل أكثر من تسليم قفاز كريستي إلى شخص لديه قدرات خارقة، ولم يسفر الأمر عن شيء. في 14 ديسمبر ظهرت أغاثا في فندق على بعد مئات الكيلومترات، سجلت دخولها فيه باسم عشيقة آرشي، ليتعرّف عليها عازف بيانو ويتصل بالشرطة. لماذا لم تذكر كريستي هذه الحادثة بأكملها في سيرتها الذاتية؟ ولماذا ادّعت أنها كانت تعاني فقدان الذاكرة عندما عُثِرَ عليها؟

الجريمة المريحة
«لطالما كنتُ قادرة على الانعزال عن العالم».
كانت أغاثا ميلر طفلة حالمة متأخرة في النمو تحب أن تلعب ألعاب الخيال بمفردها. لم تذهب إلى المدرسة بسبب تجربة تربوية غير موفقة قامت بها والدتها المتقلبة؛ بينما أُرسِلَ أخوها وأختها الأكبر سنًّا إلى مدارس داخلية. قد تكون هذه قصة ملفّقة، ولكن عندما كانت أغاثا في الرابعة من عمرها، هرعت مربية الأطفال إلى الأم وأخبرتها فزعة أن أغاثا قد تعلمت القراءة بنفسها.
فندق «ذا غراند» في توركوي. هنا قضت أغاثا ليلة زفافها عندما كانت في الرابعة والعشرين من عمرها. لعل الفندق كان «فخمًا» حقًا في ذلك الوقت. فهو الآن ميسور التكلفة ومهجور. تزوجت من الوسيم آرشي كريستي، الذي جاء ليأخذها من منزلها المحافظ على دراجته النارية، ما أثار اشمئزاز والدتها الشديد. تزوجت منه على عجل في ليلة عيد الميلاد وهي ترتدي ملابسها اليومية. آرشي المتحمس، أثبت شجاعة لافتة في الحرب بعد ذلك، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة، وسافرت معه في رحلة حول العالم، وظلت تكتب عنه حتى وفاتها.
كتبت كريستي في سيرتها الذاتية، بأسلوبها المقتضب المعهود، أنها لم تكن «سعيدة على الإطلاق» في زواجها الأول. وكما هو الحال دائمًا في رواياتها، تكشف كريستي المزيد من التفصيل عن مشاعرها. مرارًا وتكرارًا؛ إذ يتكرر الاستنتاج أن الزواج ليس مصدرًا للتفاهم المتبادل، بل للتجاهل الجذري: «الناس لا يعرف بعضهم بعضًا أبدًا»، تلحظ في «السيدار الحزين»، وتحذر: «كل امرأة تفهم زوجها حقًّا، تقترب من فهم جرائمه». العلاقة بين الرجل والمرأة في أعمال كريستي مكان مظلم دائمًا، يمكن أن تتكاثر فيه الأسرار.
أريد أن أرى المشهد الذي رأته أغاثا قبل أن تصاب بخيبة أمل كبيرة في الحب، لكنهم لا يريدون فتح غرفتها لي؛ لأن نزيلًا يقيم فيها، أشك في ذلك. أنا الوحيدة في قاعة الطعام في فندق «ذا غراند» والوحيدة التي تتجول في الممرات. على الأقل، الوحيدة! (الغلطة التي ترتكبها الشخصيات مرة بعد أخرى في روايات كريستي). بالطبع لست وحدي أبدًا؛ هناك طاقم العمل، الرجل الذي يشعل المدفأة، عاملة النظافة، عندما أرفع نظري عن طبق البازلاء أجد نفسي أنظر مباشرة في عيني الفتاة التي تقف خلف البار، على الجانب الآخر من قاعة الطعام.
كانت كريستي تكنّ حبًّا كبيرًا للخدم، كانت تعتز بطفولتها الهادئة والودودة التي عاشتها في العصر الإدواردي، حيث كان وجود الخدم أمرًا بديهيًّا، كان لديها دائمًا خدم في المنزل، بطريقة أو بأخرى، حتى عندما كانت شابة لا تملك فلسًا واحدًا. كانت تحبّ النظام والنظافة، وتأمر أن تُقدَّم الوجبات في أوقات محددة وبالشكل اللائق. وكانت تفهم أكثر من أي شخص آخر كيف تعمل هذه الطبقة الاجتماعية الثانية في قصة جريمة قتل: «الخدم يرون ويسمعون كل شيء، ولا يقولون شيئًا.»
تشكل خادمات الغرف ومربيات الأطفال والطهاة والبستانيون محور الأحداث في أعمال كريستي، فهم يعرفون المنزل من الداخل والخارج، يعلمون أي درجة في السلم تصدر صريرًا، ومن كان على السلم في اللحظة الخطأ. يعرفون بالضبط الملابس التي كانت سيدة المنزل ستحزمها لنفسها لو كانت قد سافرت حقًّا ولم تقتل على يد زوجها. ولأن الخدم خائفون من فقدان دخلهم، فإنهم على استعداد لتزويد رئيسهم بحجة غياب، ولكن تحت ضغط هيركول بوارو أو الآنسة ماربل، تظهر شهادة الخادم وتكون في كثير من الأحيان هي الكشف الذي يحل القضية: «كم هو سهل إخفاء سم الستركنين داخل محارة!»
هناك شيء لطيف في اللقب غير الرسمي الذي حصلت عليه أغاثا كريستي منذ الستينيات: «ملكة الجريمة المريحة». هذا الطابع المريح لافت للنظر فعليًّا: نادرًا ما تُرتكب جرائم القتل بدافع الغضب، ولا تظهر نوبات الغضب عادةً إلّا في اللحظة التي يُكشَف فيها عن القاتل، كما أن عالم الجريمة المنظّمة لا يلعب أي دور على الإطلاق في أعمال كريستي، فالجناة والضحايا هم سيدات وسادة والأشخاص المحترمون الذين يعملون لديهم. الروايات مليئة بأوصاف لأطقم الأواني واللوحات والفساتين والحدائق، ومن المهم هنا أن ننظر إلى كلمة «مريحة» في سياق عصرها. بدأت كريستي الكتابة خلال الحرب العالمية الأولى، حين كان الموت كلي الوجود، وعشوائيًّا، وعديم المعنى، ومرعبًا. وقد دفعها ذلك، بوعي منها أو من دون وعي، إلى إعجابها بالموت كعمل دقيق؛ حيث جناة لديهم دوافع واضحة، وجرائم قتل مخططة بعناية، وأفعال متعمدة تتشابك كآلة من التروس حتى تتبقّى جثة واحدة مثالية، من دون دماء متناثرة أو صراخ؛ إذ كانت تفضّل تسميم ضحاياها.
«السم سلاح المرأة»، كما يقول بوارو في رواية كريستي الأولى «القضية الغامضة في ستايلز». التحقت كريستي بالخدمة العسكرية بدافع الضرورة خلال الحرب العالمية الأولى مثل العديد من نساء جيلها، أولًا بوصفها ممرضة، ثم مساعدة صيدلانية في المستشفى. كان العمل روتينيًّا وحميميًّا، يتعلق بأجساد في أضعف حالاتها، وموادّ في أخطر حالاتها. كانت الصيدلية مكانًا حيث كان للأخطاء عواقب، وحيث كانت الجرعة مهمة. استوعبت كريستي هذه المنطقية بعمق. وكأن رواياتها المنظمة كانت ردًّا على فوضى الحداثة.

الاسم المستعار
دارتموث.. لا بدّ أن أفكّر في هيركول بوارو في منتصف وجبة الإفطار الإنجليزية الكاملة في حانة خالية في دارتموث، التي وصلت إليها على متن مركب صغير فارغ تقوده بنت في الثالثة عشرة من عمرها. المدينة في سبات شتوي. والغرفة الوحيدة التي تمكنت من العثور عليها كانت فوق هذه الحانة، حيث كان صاحبها مستعدًّا تمامًا لإعداد وجبة إفطار لي، وجبة كان بوارو سيحبها من دون شك. يُعد هيركول بوارو، إلى جانب شارلوك هولمز، أشهر محقق في الأدب الإنجليزي، على الرغم من أنه بلجيكي. بوارو رجل صغير الحجم ذو شارب كبير ورأس «بيضاوي الشكل»، وهو بالتأكيد ليس بطلًا من أبطال الأكشن: «كانت أناقة ملابسه تكاد تكون غير معقولة. أعتقد أن بقعة صغيرة من الأوساخ كانت ستؤلمه أكثر من جرح ناجم عن رصاصة». بدأ بوارو يعيش حياة مستقلة لدرجة أنه حصل على نعي خاص به في مجلة «ذا نيويوركر» عام 1975م.
بوارو هو الدليل على أن «ملكة الروايات المريحة» لم تكتب من دون نقد ضمن حدود الحياة الإنجليزية المألوفة لها. كان لدى أغاثا كريستي نظرة ثاقبة على هذه الحياة المريحة. ومن خلال عيون بوارو الذي سافر كثيرًا، والذي يحظى بصفاء ذهن أوربي، يصبح الإنجليز مثيرين للسخرية. الإنجليز متحجرون، تقليديون، يفتقرون إلى روح الدعابة، لاذعون، مهووسون بالطبقة الاجتماعية والمال، وبالطبع بربريون في مأكلهم: «تمسّك بوارو بكل قوته بالفطور القاري. لم يستطع تحمل رؤيتي وأنا آكل البيض مع اللحم المقدد، فقد أزعجه ذلك وأثار قلقه». أكبر لوم يوجهه بوارو إلى رفيقه الدائم الكابتن هاستينغز هو دائمًا: «أنت ترى، ولكنك لا تلاحظ». كان هذا الأمر يثير إعجاب كريستي بشدة: أن تكون الأدلة واضحة أمامك بجلاء، ولكن لن يلاحظها إلّا من يعرف كيف ينظر. معظمنا أعمى عن رؤية ذلك بسبب التقاليد؛ لذلك فإن المتعة الحقيقية لقراءة روايات كريستي تكمن في القراءة الثانية، عندما تكون قد عرفت فعليًّا كيف تنتهي القصة.

لا يتوقف المطر عن الهطول، والرياح تقلب مظلتي رأسًا على عقب بشكل لا يمكن إصلاحه. تتلاطم الأمواج على الطريق بحذاء الرصيف، وتتوقف حركة المرور تقريبًا. أصل بصعوبة إلى مزرعة أغاثا المحبوبة «غرينواي»، حيث كانت أسعد ما تكون؛ منزل أحلام، أبيض على نهر «دارت»، ومحاط بحدائق استوائية. عاشت هنا مع زوجها الثاني ماكس مالوان، عالم آثار أصغر منها بأربعة عشر عامًا، قالت كريستي عنه: «عالم الآثار هو أفضل رجل يمكن أن تحظى به امرأة، فكلما كبرتْ في السن، زاد اهتمامه بها». كانت حياتها الزوجية معه سعيدة، ولم تكن عاطفية ومضطربة مثل زواجها الأول: «الحب ليس كل شيء»، كما يقول هيركول بوارو في رواية «الموت على النيل»: «نحن نعتقد ذلك فقط عندما نكون شبابًا».
وحدي في غرينواي، المنزل مغلق بسبب فصل الشتاء، ومن خلال النافذة أستطيع رؤية بعض أغراضها في الردهة، وكأنها لا تزال تعيش هنا. أنزل إلى بيت القوارب الذي يطل على النهر. هنا كانت ترقد جثة مارلين البالغة من العمر أربعة عشر عامًا في رواية «حماقة الرجل الميّت» مخنوقة بحبل غسيل. نهر دارت هائج ومستواه مرتفع، ويبدو أن الطحالب الخضراء الزلقة تغمر الأمواج. أعود إلى المنزل وأنا أرتجف، أريد أن أنظر من النافذة مرة أخرى، لكن أحدهم أغلقها من الداخل، لا بد أن شخصًا آخر كان هنا.. معي طوال هذا الوقت! أقرع الجرس.. لا رد.
كريستي التي عاشت في غرينواي كانت امرأة مختلفة عن تلك التي كانت قبل عام 1926م. كان الأمر وكأن اختفاءها قد قسمها إلى نصفين؛ فعندما عادت، لم يعد قلبها وعقلها متحدين. وضعت حزنها في نصفها الآخر: ماري ويستماكوت، الاسم المستعار الذي كتبت تحته أغاثا روايات عن الحب وعن شبابها، أشياء لم تكن لتجرؤ أبدًا على كتابتها باسمها الحقيقي. لكنها كانت في المقام الأول أغاثا كريستي، كاتبة الروايات البوليسية. من المبالغة وصفها بأنها كاتبة تكتب من أجل لقمة العيش، لكنها كانت في حاجة إلى المال (ربما لهذا السبب تكهن بعضٌ بأن اختفاءها كان حيلة دعائية)، وبعد طلاقها كتبت أفضل أعمالها، وبوتيرة لا تصدّق.
أعادت كريستي اختراع نوع الروايات البوليسية رواية بعد أخرى: نكتشف أن القاتل هو الراوي، وأن جميع المشتبه فيهم أبرياء أو جميعهم مذنبون في الآن ذاته. نكتشف أن شخصًا كان يبدو في السابق ضحية أصبح هو الجاني، والعكس صحيح. غالبًا ما تحتوي الحبكات على حجج غياب مفصّلة وخدع لم يستخدمها أي قاتل حقيقي على الإطلاق: وكمثال على ذلك إخفاء وقت الوفاة عن طريق ارتكاب جريمة قتل إضافية، أو تبديل الجثث، أو التسبب في حدوث خطأ في التعرف إلى هُوية القتيل. أو وضع أدلة تدين الجاني بعناية بينما يجري إعداد حجة غياب محكمة، والتخطيط لمؤامرة لإلقاء اللوم على شخص ما، على كل من جريمة القتل والأدلة المزيفة. ومع ذلك، تنجح كريستي في جعل كل ذلك يبدو معقولًا، أو على الأقل مثيرًا بما يكفي لتصديقه والاقتناع به.

القيمة الأدبية
حين التقت كريستي بزوجها الثاني كانت تعيش حياة متحررة بوصفها امرأة مطلقة وناجحة في عملها، بعيدة كل البعد من صورة الجدة اللطيفة التي أصبحت عليها لاحقًا في مخيلة الجمهور. كانت تسافر بمفردها، تاركة طفلتها، لتستمتع بالرحلات البحرية مع أصدقائها، إلى أن اضطرت إلى مغادرة غرينواي مؤقتًا في الحرب العالمية الثانية، لكنها تجاوزت سنوات الحرب سالمة نسبيًّا وبدأت تشتهر.
في العام الماضي، وكجزء من مشروع تجميل واسع النطاق في توركوي، أُقيم تمثال جديد لأغاثا كريستي على الرصيف الذي كانت تتزلج عليه في شبابها الغض، وتذهب منه مع فتيات توركوي الأخريات إلى حفلات الرقص مرتدية أحذية بكعب عالٍ. الآن تجلس متعبة في منتصف العمر على مقعد من البرونز، مع كتابها على حجرها وكلبها المفضل جالس عند قدميها.
المحقق الكلاسيكي شخص غريب الأطوار، مثل هيركول بوارو. لكن أغاثا كريستي أدركت قيمة المحقق غير المرئي الذي يندمج في محيطه. عانت في منتصف العمر ما جعلها تتوارى عن الأنظار، فبعد أن كانت جميلة جدًّا في شبابها، توقف جمالها في مرحلة ما، ولم يعد ممكنًا وصفها بأنها نحيلة، وهو أمر كان يزعجها بشدة. جزء من هالة الغموض التي تحيط بشخصية كريستي يرجع ببساطة إلى حقيقة أنها لم تكن تحب التقاط الصور. فقد ابتكرت في رواياتها البوليسية سيدة أكبر منها بكثير: الآنسة جين ماربل، التي جعلت من عدم ظهورها مصدر قوتها: «فمن ذا الذي يلاحظ السيدة العجوز في الزاوية؟ لا يوجد تنكر أكثر فاعلية من مظهر الحياة العادية». غالبًا ما تستطيع ماربل أن تمارس عملها من دون عائق؛ لأنها تُعَدّ غير خطيرة، وهذا ما يجعلها أكثر خطورة، فالسيدة المتوسطة العمر هي المحقّقة «العادية».
باعت أغاثا كريستي مليارَيْ كتابٍ من أعمالها، وتعود إليها أطول مسرحية استمر عرضها على خشبة المسرح في التاريخ؛ إذ تُعرض مسرحية «فخ الفئران» منذ عام 1952م بنحو تسعة عروض أسبوعيًّا حتى يومنا هذا. ويمكن وصف كريستي عن جدارة بأنها الكاتبة الإنجليزية الأكثر نجاحًا في القرن الماضي. لكن نادرًا ما تمرّ هذه الشعبية من دون عقاب، وتثير السؤال التالي خاصةً: هل أعمالها جيدة حقًّا إلى هذا الحد؟ هل يمكن وصفها بالأدب إذا كان بإمكان طفل ذكي قراءتها؟ الإجابة البسيطة هي نعم. لم تكن أعمال كريستي لتصمد كل هذه العقود لو لم تكن لها قيمة أدبية استثنائية.
كتب ريموند تشاندلر(2) أن قضية من قضايا المحقّق هيركول بوارو: «ستربك حتى أذكى العقول، ولن يتمكّن من توقع النتيجة سوى الأشخاص غير الأسوياء». كان يرى أن روايات الجريمة الإنجليزية تنشغل أكثر من اللازم بـ«العبث بدفاتر القطار وقطع الورق المتفحمة ومن داس على شجرة الأربوتوس المزهرة القديمة تحت نافذة المكتبة». كان تشاندلر مخطئًا بالطبع، مع أن ألغاز كريستي لم تكن مثالية. لم تلتزم كريستي تمامًا بالقسم الذي أدته أمام جمعية كتّاب الروايات البوليسية التي تأسست عام 1930م. كان عليها أن تتعهد، من بين أمور أخرى، بعدم استخدام: «الوحي الإلهي، أو الحدس الأنثوي، أو الخدع، أو السحر، أو المصادفة، أو القوى العليا»، وكانت الفكرة أن القارئ يجب أن يتمكن من حل لغز بوليسي جيّد حقًّا.

الانحراف عن القَسم
لكن الانحراف عن القسم هو بالضبط ما جعل من أغاثا كريستي كاتبة عظيمة، كانت قادرة على الكتابة من منظور نفسي، أكثر بكثير من مجرد كاتبة قادرة على وضع لغز أنيق. كانت تحب الدوافع الأنانية والمظلمة للبشر الذين يتسمون بالجشع أو الحب أو الرغبة في الانتقام. وأصبحت رواية «ثم لم يبقَ أحد» أفضل رواياتها البوليسية. إنها قصة مثيرة جدًّا، وكما هي الحال في العديد من رواياتها، فهي نسخة معدلة عن قصة جريمة القتل في غرفة مغلقة، وفي هذه الحالة جزيرة معزولة، لا يمكن لأحد المغادرة أو الوصول إليها، وبالتالي فإن عدد المشتبه فيهم واضح منذ البداية.
تسمح كريستي لنفسها بقدر من الخداع والحدس الأنثوي في رسم شخصية «فيرا كلايثورن» التي لا تُقتل، بل تُدفع إلى الانتحار من خلال تلاعب بارع. بعد أن أكلها الشعور بالذنب؛ لأنها تسببت في غرق طفل عن عمد من أجل ميراث، تدخل غرفة مظلمة: «كان هناك شخص ما في الغرفة.. لقد سمعتْ شيئًا، بالتأكيد كانت قد سمعتْ شيئًا… وبينما تقف هناك منصتة، داعبتْ يدٌ باردة ورطبة عنقها، يد مبللة، تفوح منها رائحة البحر…» يد الطفل! لا… بل خيط من الأعشاب البحرية علقه القاتل. رائع، لكن أن تدفع قوة الإيحاء فيرا إلى الجنون لدرجة أن تشنق نفسها، لم يكن بإمكان القاتل أن يفترض ذلك أصلًا!
«تُستخدَم ذراع المصادفة الطويلة بحريّة مفرطة»، كان هذا هو النقد اللاذع الذي وجهه هيركول بوارو إلى أعمال الكاتبة البوليسية أريادن أوليفر، وهي شخصية متكررة في أعمال كريستي، وذات شخصية واضحة تعكس شخصية كريستي نفسها. تكتب أريادن، تمامًا مثل كريستي، قصصها أحيانًا في حوض استحمام كبير قديم الطراز، بينما تأكل التفاح وتضع البذور على الحافة العريضة المصنوعة من خشب الماهوجني. باختصار، وجهت كريستي هذه الانتقادات إلى نفسها.
كانت أريادن أوليفر وسيلة لكريستي لتدوين إحباطاتها بشأن عملها بلمحة من الدعابة. اقرأ على سبيل المثال شكوى أريادن بشأن شخصيتها الشهيرة، المحقق الفنلندي والنباتي المتشدد سفين هيرسون، وستقرأ ما تقوله كريستي عن بوارو: «لماذا ابتكرت ذلك الرجل الصغير المقرف أصلًا؟ (…) لماذا كل تلك العادات الغبية التي يمارسها؟ هذه الأشياء تحدث ببساطة. تحاول شيئًا ما، ويتبين أن الناس يحبونه، فتستمر في ذلك، وقبل أن تدرك، تجد نفسك مرتبطًا بشخص مثل سفين هيرسون المثير للجنون لبقية حياتك. ويكتب لك الناس ويقولون: إنك لا بد أن تكون مغرمًا به. أحبّه؟ لو التقيت ذلك الفنلندي النحيل، الطويل القامة، آكل الخضار؛ لارتكبت جريمة قتل أجمل في الواقع من أي جريمة اختلقتها من قبل».
كان لدى كريستي القليل من الكبرياء ورفضت الانتقادات: «الروايات الغامضة أمور صعبة حقًّا، ولهذا السبب أتفاجأ دائمًا عندما يعتقد الناس أنني أكتبها بسهولة». كان لدى كريستي طوال حياتها موقف من نوع «أنا أفعل ما أريد». تقدم نفسها في سيرتها الذاتية بشكل أساسي على أنها زوجة عالم آثار وامرأة مجتمع تعمل -بين مهام أخرى- كاتبةً، لكنها «ليست كاتبة حقيقية»، بل «شخص لديه هواية خرجت عن السيطرة». الغريب أنه على الرغم من نجاحها الكبير، كانت هناك دائمًا مشكلات مالية. كلما زاد نجاحها، أصبحت حالتها المالية أكثر صعوبة. إذا حظيت بسنة جيدة، كانت تقع في مشكلات لأنها كانت مضطرة، على سبيل المثال، لدفع الضرائب في أميركا.
كانت ترفض إجراء المقابلات، وترد بالكتابة: «آسفة لأنني لست متعاونة»، أو «أعتقد أن الناس يجب أن يهتموا بالكتب وليس بمؤلفيها»! كانت تُظهر نفسها أمًّا قروية، وتقارن طقوسها في الكتابة حين تسأل عنها بـ… الطهي: «مجرد إضافة المكونات الصحيحة». وكانت كلّما تقدمت في العمر، أصبحت أكثر عنادًا تجاه العديد من الأفلام المقتبسة عن أعمالها. ازدادت شهرتها وتضاءلت قوتها وبدأت في كتابة كتب أقل جودة، كما لو أن الفتاة أغاثا قد حلت محلها السيدة كريستي، بكل ما تحمله من كليشيهات التراث البريطاني العريق، وكأنهم لم يعثروا عليها أبدًا بعد اختفائها المريب لأحد عشر يومًا عام 1926م، فظلت أغاثا كريستي تلعب لعبة الاختفاء ذاتها في كل عمل جديد من أعمالها.
(1) «توركوي» Torquay مدينة بريطانية تقع على ساحل القناة الإنجليزية في جنوب إنجلترا بمقاطعة ديفون. وهي تابعة للسلطة الموحدة لتورباي، التي تعد عاصمة لها، وهي منطقة تضم أيضًا باتجاه الجنوب المدن الساحلية باينتون، التي تشكل معها تجمعًا سكانيًّا واحًدا، وبريكسهام، إضافة إلى بعض البلدات الصغيرة الأقل أهمية في المناطق الداخلية. تعد توركوي جزءًا مهمًّا فيما يُعرف بـ«الريفيرا الإنجليزية»، وذلك بفضل مناخها الذي يُعَدُّ أكثر اعتدالًا و«صحة» من بقية أنحاء إنجلترا، وقد تمكنت النباتات شبه الاستوائية مثل الصبار والكاميليا والتين والغار والمغنوليا من التكيف معها، ويساهم المناخ المعتدل والنباتات الاستوائية والمناظر البحرية والشواطئ الرملية الواسعة في جعل توركوي منتجعًا بحريًّا مزدحمًا جدًّا.
(2) رايموند تشاندلر Raymond Chandler (1888 – 1959م): كاتب أميركي ومؤلف روايات بوليسية يتصدرها المحقق الخاص فيليب مارلو. تأثيره في الأدب البوليسي الحديث، ولا سيما الرواية السوداء، أمر لا جدال فيه بين الدارسين. وقد تبنى العديد من كتاب هذا النوع أسلوبه الذي يجمع بين الدراسة النفسية والنقد الاجتماعي والسخرية.