لم أنتبه إلى كتاب «حروب المياه.. الصراعات القادمة في الشرق الأوسط»، حين نشره المجلس الأعلى للثقافة في مصر، عام 1999م. ولا أظنه حظي باهتمام يليق بما فيه من حقائق وأفكار وتحذيرات، فضلًا عن دراما إنسانية تلطّف جفاف المعلومات، ومصاير تراجيدية، ومشاريع كانت ستغير وجه الشرق الأوسط لو كُتب لها النجاح. وقد اختفى الكتاب، وربما أُخفِيَ. وإلى أن يعيد نشرَه المركزُ القومي للترجمة، صاحب حقوق الترجمة، فالفضاء الإلكتروني الرحيب يوفّر نسخة إلكترونية كاملة، من الغلاف إلى الغلاف، وتنتهي بالجملة الأخيرة: «إن حروب المياه قادمة».
تُثار قضية المياه فيحضر نهر النيل. والعالم الرأسمالي يعدّ المياه ثروة إستراتيجية، لا تقل أهمية عن مصادر الطاقة والمعادن النفيسة.
كتاب «حروب المياه»، 250 صفحة عن النيل وأنهار أخرى، وعن المياه الجوفية في منطقة يتغير اسمها، في الخطاب الغربي، من «العالم العربي» إلى «الشرق الأوسط». وتعزّ المياه في معظم مناطقه، وفي القلب منها فلسطين المحتلة بكيان عسكري وعى آباؤه مبكرًا أن المياه سلاح، وأن فلسطين فقيرة بالمياه، فمدّوا أعينهم خارجها.
انتبه الجيل الأول من قادة الصهيونية إلى أن غنى لبنان بالمصادر المائية، فجعلوا مياه نهر الليطاني «من الأحلام الصهيونية القديمة: فعندما نوقشت فكرة إنشاء دولة إسرائيل: أراد حاييم وايزمان ومستشاروه أن يكون الحد الشمالي للدولة هو نهر الليطاني… أدركوا أن المياه سوف تصبح مسألة حيوية». وفي عام 1920م، وأثناء المحادثات البريطانية الفرنسية الخاصة بالوصاية على فلسطين، كتب وايزمان إلى وزير الخارجية البريطاني اللورد كارزون يريد تأمين «جميع مياه نهر الأردن واليرموك بالكامل»، ولأنها لن تفي باحتياجات مشروع دولتهم، فقد شدد على أن «الليطاني هو الذي يؤمن المياه لريّ الجليل الأعلى». كما تتمسك إسرائيل باحتلال هضبة الجولان السورية؛ لأنها تؤمّن ربع احتياجاتها من المياه.
شيمون بيريز رأى الشرق الأوسط «قنبلة موقوتة»؛ بسبب نقص المياه. على سبيل المثال، يعاني قطاع غزة آثارًا كارثيةً لفقر مائيّ كان من الأسباب القوية لانسحاب إسرائيل المنفرد من القطاع. وسجل الكتاب، الذي أُعِدَّ عام 1991م، أن إسرائيل «ستكون سعيدة بالتخلص من قطاع غزة، ذلك القطاع المضطرب المستهلك للمياه». وقد قرر أرييل شارون الانسحاب الأحادي من القطاع عام 2005م. وتفسير القرار الشاروني تلخصه كلمة واحدة: «المياه».
أما الأردن فربما تضطره الضرورة، إلى تسويات جديدة ضد إرادته، «حتى لو كانت بالتحالف مع إسرائيل». هكذا كتب البريطاني جون بولوك والمصري/ البريطاني عادل درويش مؤلفا الكتاب الذي ترجمه هاشم أحمد محمد، وراجعه الدكتور محمد عبدالقادر شريف، رئيس قسم بحوث المقننات المائية والري الحقلي بمعهد بحوث الأراضي والمياه والبيئة بوزارة الزراعة المصرية.
مؤلفا الكتاب شكرا الدكتور بطرس غالي، وزير الدولة للشؤون الخارجية وقت إعداد مادة الكتاب؛ لارتباطه الدائم «بشكل مباشر بالسياسات المتعلقة بالمياه، وبالتأثيرات التي قد تنجم عن نقصها في إفريقيا والشرق الأوسط». وقد أدرك غالي المخاطر، ولم يكن معروفًا «باستخدام لغة الخطابة الطنانة، أو بإثارة الذعر وترويجه، إلا أنه حذر في مرات عديدة دون كلل، من أن الحرب القادمة في الشرق الأوسط، ستكون حربًا على المياه». أما الملك حسين فقال: إنه لا يتصور دخول الأردن «حربًا قادمة مع إسرائيل، إلا إذا كانت حربًا على المياه».
لا نيل إلا النيل
تُذكر قضايا المياه، فيحضر النيل وما يتعلق بتهديد حصة مصر، خصوصًا بعد سدّ النهضة الإثيوبي. وقد ظلت مصر وإثيوبيا، كما يذكر الكتاب، تعطيان القدوة في التعاون في إدارة شؤون النيل، حتى خرجت إثيوبيا من سباتها التاريخي كعملاق في دولة حبيسة، تعاني اضطرابات داخلية. أفاقت إثيوبيا في نهاية القرن العشرين، وانتبهت إلى وفرة المياه، كثروة طبيعية يمكن استغلالها.
لهذه الإفاقة الإثيوبية، ذات الوجه الخشن، سوابق تاريخية؛ الحاكم الإثيوبي، في نهاية القرن السابع عشر، هدد مصر «بسلاح المياه». ففي عام 1680م، قال «الملك المسيحي الحبشي» تكلا هايمانوت للحاكم المصري: «إن النيل سيكون كافيًا لمعاقبتك، فحيث إن الله قد وضع في أيدينا ينبوعه وبحيرته ونماءه، ومن ثمّ يمكننا أن نستخدمه في إيذائكم».
لهذا التهديد سابقة ذكرها محمد حسنين هيكل في لقاء تلفزيوني، قال: إنه اطلع في متحف الإسكوريال بإسبانيا، على وثيقة -لم يسمحوا له بأخذ صورة منهاـ تحفظ تعليمات البابا ألكسندر السادس إلى المستكشف البرتغالي فاسكو دا جاما (1469 ـ 1524م)، قبل أن يتجه إلى الهند عبر الساحل الإفريقي. باركه البابا، وأخبره أن رهبانًا متسلّلين أمدّوه بمعلومات عن ملك مسيحي، يسمى يوحنا، يحكم مملكة مسيحية في شرقي إفريقيا. ونصحه بأن يجد طريقًا للوصول إلى هذا الملك؛ فالنيل ينبع من هناك ويروي مصر التي بينها وبين الصليبيين ثأرٌ، منذ القضاء على الوجود الصليبي العسكري؛ لذلك سميت حملة فاسكو دا جاما «الحملة الصليبية الأخيرة». وأكد له البابا أنه يريد «القضاء على مصر نهائيًّا»، بقطع مياه النيل. وفي طريق دا جاما إلى الهند، دمّر القرى المسلمة الموجودة على الشاطئ الإفريقي، وأرسل بعثة إلى الحبشة للقاء الملك يوحنا، بهدف منع النيل عن مصر؛ لتجويعها وتركيعها. انتهى كلام هيكل.
إثيوبيا فقيرة الموارد، باستثناء المياه، بدأت استخدام التكنولوجيا في توليد الطاقة من مياه الأنهار. وفي الفراغ الذي تركته مصر بعد جمال عبدالناصر، لم تجد إثيوبيا «سوى إسرائيل التي قدمت لها الأموال والخبرة وبمقابل معقول»، فطلبت إسرائيل السماح ليهود إثيوبيا «الفلاشا» بالهجرة إليها، وأن تأخذ إثيوبيا بمشورة إسرائيل في كل ما يخص إقامة السدود. وقد توقع هذا الكتاب، الصادر بالإنجليزية عام 1993م، «أزمة سوف تحدث بشكل أو بآخر مع مرور الزمن» بين مصر وإثيوبيا حين تستقرّ أوضاعها، وتقوم بعمليات التحديث والزراعة المتطورة والصناعة، وهذا يلزمه احتياج إلى المزيد من المياه تؤثر في نصيب مصر.
مصر يزعجها حضور إسرائيل في القرن الإفريقي، وما يحمله ذلك من تهديد لكمية مياه النهر التي تصل إلى مصر، «فقد أجمع الدبلوماسيون والمسؤولون المصريون على أن إثيوبيا ستكون بؤرة الصراع القادم»، وأن وجود مستشارين عسكريين إسرائيليين وخبراء في مجالي الزراعة والمياه في إثيوبيا «قد قوّى من أصوات المطالبين داخل مصر بضرورة القيام بعمل عسكري؛ لضمان تدفق الميل لمصر». وقد طلبت إثيوبيا من إسرائيل تحديدًا مساعدتها في بناء السدود؛ للتقليل من «خطر هجوم مصري على المشروع». إثيوبيا البعيدة جغرافيًّا ربما تتورط «سواء رغبت أم لم ترغب في دائرة الصراع العربي الإسرائيلي».
الوعي الإثيوبي بأهمية المياه أدركته تركيا أيضًا، فنهر الفرات الذي ينبع من أراضيها ألحّت على بيع مياهه إلى دول الخليج وإسرائيل والأردن. وعن الفرات قال الرئيس التركي السابق سليمان ديميرل: «إننا لا نسأل العرب ماذا يصنعون بالبترول الموجود بأراضيهم، ولذلك، يجب ألّا يسألونا عما نفعل بالمياه داخل أراضينا». لم يذكر الكتاب تاريخ هذا التصريح، لكنه سجل أنه في يناير 1990م أوقفت تركيا جريان نهر الفرات؛ لكي تملأ سدّ أتاتورك.
وفي السودان، لقي مشروع قناة جونجلي تشجيعًا مصريًّا. يرجع المشروع إلى عام 1936م، ضمن «مشروع القرن للمياه»؛ لاستغلال بحيرات وسط إفريقيا، كخزانات كبرى، تضمن جريان المياه طوال العام. تأجل التنفيذ لقيام الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من تلاعب القوى الاستعمارية، ثم اعتُمِدَ رسميًّا عام 1974م، وكان عنوان التعارض بين «رغبات وأماني» الشعب، وأفكار الحكومات. أهالي الجنوب أخافهم تأثير القناة في تجفيف المستنقعات والمراعي. هكذا أسهمت القناة في إشعال الحرب الأهلية؛ فالجنوبيون الذين عانوا إهمال حكومات الخرطوم رأوها «تعبيرًا واضحًا عن السيادة الشمالية للإمبريالية المصرية، وعجرفة النظام الإسلامي»، فقرر جيش تحرير شعب السودان إيقاف العمل في القناة، عام 1984م. توقف المشروع نهائيًّا، بعد أن أنفقت عليه مصر والسودان 400 مليون دولار.
0 تعليق